الطعن رقم 10997 لسنة 47 ق عليا – جلسة 09 /12 /2006
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
الدائرة الأولى – الجزء الأول (الفترة من أول أكتوبر سنة 2006 حتى إبريل سنة 2007)
– صـ 173
جلسة 9 من ديسمبر سنة 2006 م
برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ السيد السيد نوفل – رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة، وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ عصام الدين عبد العزيز جاد الحق ومصطفى سعيد مصطفى حنفي وأحمد عبد الحميد حسن عبود ومحمد أحمد محمود محمد – نواب رئيس مجلس الدولة، بحضور السيد الأستاذ المستشار/ عبد القادر حسين مبروك قنديل – نائب رئيس مجلس الدولة ومفوض الدولة، وحضور السيد/ كمال نجيب مرسيس – سكرتير المحكمة.
الطعن رقم 10997 لسنة 47 قضائية عليا
شركات صرافة – الترخيص بها – سلطة البنك المركزي في وضع القواعد
التي تنظم إنشاء فروع لشركات الصرافة – حدودها.
القانون رقم 38 لسنة 1994 بشأن التعامل بالنقد الأجنبي ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار
وزير الاقتصاد رقم 331 لسنة 1994.
خّول المشرع البنك المركزي المصري سلطة وضع القواعد التي تنظم إنشاء فروع لشركات الصرافة
المرخص لها بالتعامل في النقد الأجنبي، كما أخضع الجهات غير المصرفية المرخص لها بالتعامل
بالنقد الأجنبي لرقابة البنك المذكور – من المسلم به أن سلطة البنك في هذا الصدد ليست
سلطة مطلقة أو تحكمية – يتعين على جهة الإدارة أن تجري تقديرها بروح موضوعية بعيداً
عن التعسف أو إساءة استعمال السلطة، وأن تضع نفسها وهي تقوم بإجرائه في أفضل الظروف
والأحوال، وذلك انطلاقاً من مبدأ خضوع الدولة للقانون، وبالتالي يجب أن يكون القرار
الصادر منها في هذا المجال له ما يبرره وقائماً على أسباب مقبولة ومنطقية فلا يصح أن
يكون مجرد استخدام السلطة التقديرية سبباً للرفض أو الامتناع عن إصدار القرار – متى
تحقق في صاحب الشأن سائر الشروط والأوضاع التي يتطلبها القانون للحصول على الحق، وإلا
لكان لجهة الإدارة في كل مرة تتحقق فيها هذه الشروط والأوضاع أن ترفض الاستجابة للطلب
أو تستجيب لشخص وترفض لآخر، محتمية في ذلك بسلطتها التقديرية، وهو ما يخل بمبادئ العدالة
والمساواة التي كفلها الدستور – التوجيه الصادر من رئيس مجلس الوزراء بعدم فتح فروع
لشركات الصرافة القائمة لا يرقى إلى مصاف القاعدة القانونية الملزمة وبالتالي فليس
من شأنه أن يحول بين صاحب الشأن وحقه في ممارسة النشاط الذي كفله القانون، ما دام أهلاً
لممارسة هذا النشاط ولم يقم بشأنه مانع من الموانع القانونية – تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الخميس الموافق 23 من أغسطس سنة 2001 أودع الأستاذ/ محمد
محمد قاسم المحامي بصفته وكيلاً عن الطاعن، قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير
طعن – قيد برقم 10997 لسنة 47 قضائية عليا – في الحكم المشار إليه بعاليه، والقاضي
في منطوقه بقبول الدعوى شكلاً وبوقف تنفيذ القرار السلبي بامتناع البنك المركزي المصري
عن إتمام إجراءات الترخيص بمزاولة فرع الشركة بمدينة الأقصر لنشاطه مع ما يترتب على
ذلك من آثار وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
وطلب الطاعن – للأسباب الواردة بتقرير الطعن – إحالة الطعن إلى دائرة فحص الطعون لتأمر
بصفة مستعجلة بوقف تنفيذ الحكم المطعون فيه ثم إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا
لتقضي بإلغاء الحكم المطعون فيه وبرفض الشق العاجل الصادر بشأنه الحكم الطعين وإلزام
المطعون ضده الأول بالمصروفات عن درجتي التقاضي.
وجرى إعلان الطعن إلى المطعون ضدهم على النحو المبين بالأوراق.
وأعدت هيئة مفوضي الدولة تقريراً برأيها القانوني في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبوله
شكلاً ورفضه موضوعاً وإلزام الطاعن بصفته المصروفات.
وحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون جلسة 4/ 4/ 2005، وتدول بجلسات المرافعة على
النحو المبين بمحاضر الجلسات، وبجلسة 25/ 9/ 2005 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة
الإدارية العليا – الدائرة الأولى – موضوع لنظره بجلسة 12/ 11/ 2005.
ونظرت المحكمة الطعن بجلسة 12/ 11/ 2005 وما تلاها من جلسات على الوجه الثابت بمحاضر
الجلسات، وبجلسة 21/ 10/ 2006 قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم، حيث صدر هذا الحكم وأودعت
مسودته المشتملة على أسبابه لدى النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 15/ 4/ 2001
أقام المطعون ضده الأول بصفته الدعوى رقم 5296 لسنة 55 ق المطعون على حكمها أمام محكمة
القضاء الإداري – الدائرة الأولى بالقاهرة، طالباً الحكم بقبول الدعوى شكلاً وبوقف
تنفيذ ثم إلغاء القرار السلبي بامتناع المدعى عليه الثاني (وزير الاقتصاد) عن إصدار
قرار بالموافقة على إنشاء فرع للشركة المدعية بالمقر الكائن بشارع المدينة المنورة
بمدينة الأقصر مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الجهة الإدارية المصروفات، وذلك
للأسباب المبينة تفصيلاً بصحيفة الدعوى.
وبجلسة 26/ 6/ 2001 أصدرت محكمة القضاء الإداري حكمها الطعين بوقف تنفيذ القرار المطعون
فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار، وشيدت المحكمة قضاءها على أن الموافقة على إنشاء
فرع لشركة صرافة قائمة تمر بعدة مراحل، بدءاً بالموافقة المبدئية ومروراً بمرحلة المعاينة
وانتهاءً بالترخيص للفرع بمزاولة نشاطه بعد تسجيل الفرع بالسجل الخاص بذلك بالبنك المركزي
المصري، وبناءً عليه ومتى وافق البنك المذكور مبدئياً على اتخاذ إجراءات إنشاء الفرع
وإتمام تجهيزاته، فإنه يكون قد استخدم سلطته التقديرية بمقتضى ما أولاه المشرع من سلطة
مراقبة عمليات النقد الأجنبي وسوق الصرف، وبالتالي يكون ثمة مركز قانوني مكتسب بمقتضى
تلك الموافقة يلقي التزاماً على عاتق جهة الإدارة بوجوب السير في إجراءات الترخيص للفرع
بمزاولة النشاط، متى قامت الشركة الطالبة بتنفيذ سائر الإجراءات والشروط والتجهيزات
الواجبة طبقاً للقواعد المسنونة في هذا الشأن، فإذا نكصت الإدارة على عقبها رغم ذلك
فإنه يكون ثمة قرار سلبي بامتناعها عن إتمام إجراءات الترخيص بمزاولة الفرع لنشاطه
بالمخالفة للقانون، وإذ تقدمت الشركة المدعية بطلب إلى البنك المركزي لإنشاء فرع جديد
لها بمدينة الأقصر، وقامت بعمل التجهيزات اللازمة وطلبت من البنك إجراء المعاينة تمهيداً
لإصدار الموافقة على مزاولة الفرع لنشاطه، إلا أن البنك لم يجبها إلى طلبها استناداً
إلى أن ثمة توجيها صدر من رئيس مجلس الوزراء بعدم إنشاء أية شركات صرافة جديدة أو أي
فرع لشركات قائمة، وهذا التوجيه لا يمثل إطاراً من أطر السياسة العامة للدولة في شأن
تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي، إذ أن الوزير المختص وفقاً لأحكام القانون رقم 38 لسنة
1994 بشأن تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي، قد أوضح في مذكرته المعروضة على رئيس مجلس
الوزراء أن سوق الصرف الأجنبي تستوعب مثل هذه الأفرع السابق صدور موافقات مبدئية بإنشائها،
فإن القرار المطعون فيه يضحى قراراً غير مشروع، مما يتوافر معه ركن الجدية في طلب وقف
تنفيذه، فضلاً عن توافر ركن الاستعجال لما يترتب على استمرار تنفيذه من نتائج يتعذر
تداركها، حيث يضحى سائر ما تكبدته الشركة المدعية من نفقات في سبيل تجهيز الفرع الجديد
وإعداده بِدْراً.
إلا أن الحكم المذكور لم يلق قبولاً من البنك المركزي المصري فأقام طعنه الماثل، ينعى
فيه على الحكم القصور في الاستدلال والخطأ في فهم الواقع، وذلك على سند من القول بأن
سياسة البنك بالنسبة للفروع الجديدة المطلوب الترخيص بإنشائها، تقوم على أساس توخي
الحظر في التوسع في إنشاء تلك الفروع، لعدم الإساءة والارتجال والمضاربة في مجال التعامل
بالنقد الأجنبي مما يضر بالاقتصاد القومي والسياسة النقدية العامة للدولة فيما يتعلق
بالنقد الأجنبي، وأنه إذا كانت اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي،
قد أباحت للشركات المرخص لها بالتعامل في النقد الأجنبي فتح فروع جديدة، فإن هذا مقيد
بموافقة البنك المركزي المصري باعتباره صاحب السلطة التقديرية في تقدير مدى ملاءمة
إنشاء تلك الفروع من عدمه رغم استيفاء الشروط الموضوعية التي نصت عليها اللائحة، وأن
عدم الرد على مقدمي طلبات إنشاء فروع يعتبر بمثابة رفض من البنك المركزي المصري لهذه
الطلبات بما له من سلطة تقديرية في هذا الشأن، ولا يمكن أن يكون استيفاء الشروط الموضوعية
التي تطلبتها اللائحة التنفيذية لإنشاء فروع لشركات الصرافة، مبرراً لإلزام البنك بالموافقة
على الترخيص لها، وإلا انعدم دور البنك الرقابي على سياسة النقد الأجنبي داخل البلاد،
وأصبح ما تضمنته النصوص الواردة بقانون تنظيم النقد الأجنبي ولائحته التنفيذية عديمة
الجدوى.
ومن حيث إنه يبين مما سبق، أن سند البنك الطاعن في عدم الاستجابة لطلب الشركة المطعون
ضدها (شركة البنسو للصرافة) الموافقة على إنشاء فرع جديد لها بمدينة الأقصر، يقوم على
حجتين:
الأولى: السلطة التقديرية التي يتمتع بها البنك في الموافقة على هذا الطلب أو رفضه،
طبقاً لأحكام القانون رقم 38 لسنة 1994 بشأن التعامل بالنقد الأجنبي ولائحته التنفيذية
الصادرة بقرار وزير الاقتصاد رقم 331 لسنة 1994.
والثانية: التوجيه الصادر من رئيس مجلس الوزراء بعدم إنشاء أية شركات صرافة جديدة أو
فتح فرع لشركات قائمة.
ومن حيث إنه عن السبب الأول: فإنه ولئن كان يبين من الاطلاع على أحكام القانون رقم
38 لسنة 1994 المشار إليه ولائحته التنفيذية، أن المشرع قد خول البنك المركزي المصري
سلطة وضع القواعد التي تنظم إنشاء فروع لشركات الصرافة المرخص لها بالتعامل في النقد
الأجنبي، كما أخضع الجهات غير المصرفية المرخص لها بالتعامل في النقد الأجنبي لرقابة
البنك المذكور، إلا أن المسلم به أن سلطة البنك في هذا الصدد ليست سلطة مطلقة أو تحكمية،
إذ من المبادئ المستقرة في قضاء هذه المحكمة أنه يتعين على جهة الإدارة أن تجري تقديرها
بروح موضوعية بعيداً عن التعسف أو إساءة استعمال السلطة، وأن تضع نفسها وهي تقوم بإجرائه
في أفضل الظروف والأحوال، وذلك انطلاقاً من مبدأ خضوع الدولة للقانون، وبالتالي يجب
أن يكون القرار الصادر منها في هذا المجال له ما يبرره وقائماً على أسباب مقبولة ومنطقية،
فلا يصح أن يكون مجرد استخدام السلطة التقديرية سبباً للرفض أو الامتناع عن إصدار القرار،
متى تحققت في صاحب الشأن سائر الشروط والأوضاع التي يتطلبها القانون للحصول على الحق،
وإلا لكان لجهة الإدارة في كل مرة تتحقق فيها هذه الشروط والأوضاع أن ترفض الاستجابة
للطلب أو تستجيب لشخص وترفض لآخر، محتمية في ذلك بسلطتها التقديرية، وهو ما يخل بمبادئ
العدالة والمساواة التي كفلها الدستور.
ومن ثَمّ ومن هذا المنطلق، وإذ كان البادي من الأوراق أن الشركة المطعون ضدها من الشركات
المرخص لها بالتعامل في النقد الأجنبي، وتقدمت بطلب إلى البنك الطاعن للموافقة على
إنشاء فرع لها بمدينة الأقصر، واستوفت كافة الاشتراطات والقواعد التي وضعها البنك لإنشاء
الفروع، كما قامت بتجهيز المكان بالتجهيز المناسب لمزاولة الفرع لنشاطه، ولم يجادل
البنك فيما ذكرته الشركة في هذا الصدد ولم يقدم ما يدحضه، وكان الترخيص بفتح فروع لشركات
الصرافة المرخص لها بالتعامل في النقد الأجنبي، هو حق كفله المشرع لتلك الشركات وفقاً
لما نصت عليه المادة العاشرة من اللائحة التنفيذية لقانون تنظيم التعامل بالنقد الأجنبي،
فإن استناد البنك الطاعن إلى سلطته التقديرية في عدم الاستجابة لطلب الشركة المذكورة،
لا يجديه فتيلاً ولا ينهض بحسب الظاهر من الأوراق سنداً لحمل قراره المطعون فيه على
السبب الصحيح المبرر له قانوناً.
ومن حيث إنه عن السبب الثاني: والمتمثل في التوجيه الصادر من رئيس مجلس الوزراء بعدم
فتح فروع لشركات الصرافة القائمة، فإن مثل هذا التوجيه – وحسبما يعبر عنه لفظه – لا
يرقى إلى مصاف القاعدة القانونية الملزمة، وبالتالي فليس من شأنه أن يحول بين صاحب
الشأن وحقه في ممارسة النشاط الذي كفله القانون، ما دام أهلاً لممارسة هذا النشاط ولم
يقم بشأنه مانع من الموانع القانونية لذلك.
ولعل تردد البنك في تبرير قراره المطعون فيه، تارة بالسلطة التقديرية وأخرى بالتوجيه
الصادر من رئيس مجلس الوزراء، هو قرينة على أن البنك ليس لديه السبب المقنع والمبرر
لتصرفه وأنه يحاول تبرير قراره على أي وجه للإفلات من الرقابة القضائية على مشروعيته.
ومن حيث إنه متى كان ما تقدم، فإن ما خلص إليه الحكم المطعون فيه من نتيجة يكون والحالة
هذه قد جاء مطابقاً لصحيح حكم القانون ولا مطعن عليه، الأمر الذي يضحى معه هذا الطعن
غير القائم على أساس من القانون خليقاً بالرفض.
ومن حيث إن من خسر الطعن يلزم بمصروفاته عملاً بحكم المادة 184 من قانون المرافعات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة
بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً وألزمت البنك الطاعن المصروفات.
