الطعن رقم 181 لسنة 21 ق – جلسة 11 /06 /1988
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام
المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة والثلاثون – الجزء الثاني (أول مارس 1988 – 30 سبتمبر 1988) – صـ 1672
جلسة 11 من يونيه سنة 1988
برئاسة السيد الأستاذ المستشار عزيز بشاي سيدهم نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة عبد اللطيف أحمد أبو الخير ومحمد معروف محمد وأحمد شمس الدين خفاجى وفريد نزيه تناغو المستشارين.
الطعن رقم 181 لسنة 21 القضائية
عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – مجلس تأديب المعيدين والمدرسين المساعدين – مبدأ تناسب الجزاء مع جسامة المخالفة – حالة الاستفزاز – عند ثبوت مخالفة التعدي بالقول يجب الأخذ في الاعتبار حالة الاستفزاز عند تقدير الجزاء في ضوء ظروف الواقعة – تطبيق [(1)].
إجراءات الطعن
في يوم الاثنين الموافق 3 من فبراير سنة 1975 أودع الأستاذ الدكتور…….
بصفته وكيلاً عن السيد/ ……. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها
تحت رقم 181 لسنة 21 القضائية عليا في القرار رقم 84 لسنة 1973 الصادر بجلسة 1 من يوليه
سنة 1974 من مجلس تأديب المعيدين والمدرسين المساعدين الذي قضى بمجازاة الطاعن بوقفه
عن العمل لمدة ستة أشهر مع حرمانه من نصف المرتب خلال مدة الوقف.
وطلب الطاعن للأسباب الواردة في تقرير الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وبإلغاء القرار
المطعون فيه وبراءة الطاعن مما نسب إليه وما يترتب على ذلك من آثار مع إلزام المطعون
ضده المصاريف.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة تقريراً مسبباً في الطعن ارتأت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً
وفي الموضوع بإلغاء قرار مجلس تأديب جامعة القاهرة رقم 84 لسنة 1973 فيما قضى به من
مجازاة الطاعن بالوقف عن العمل لمدة ستة أشهر مع صرف نصف الأجر وتوقيع الجزاء عن المخالفة
الثابتة في حقه.
وقد عين لنظر الطعن جلسة 13 من إبريل سنة 1988 أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة
وبجلسة 11 من مايو سنة 1988 قررت إحالته إلى المحكمة الإدارية العليا (الدائرة الرابعة)
لنظره بجلسة 21 من مايو سنة 1988 وفيها استمعت المحكمة إلى ما رأت لزومه من إيضاحات
ثم قررت إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه
عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أن الطاعن قد أقام الطعن
الماثل طالباً الحكم بإلغاء قرار مجلس تأديب المعيدين والمدرسين بجامعة القاهرة الصادر
بجلسة 10 من يوليه سنة 1974 بمجازاة الطاعن بالوقف عن العمل لمدة ستة أشهر مع صرف نصف
الأجر.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أنه أثناء تحضير الدعوى طلبت هيئة مفوضي الدولة من جامعة
القاهرة ملف قرار مجلس التأديب المشار إليه إلا أن الجامعة على مدى اثنتي عشرة سنة
لم تستجب لهذا الطلب ولم تقدم أوراق التحقيق الذي أجري مع الطاعن أو قرار مجلس التأديب
المطعون عليه وأفادت الجامعة أن هذه الأوراق فقدت من هيئة قضايا الدولة وأن الأمر محل
تحقيق لتحديد مسئولية المتسبب في فقد هذه الأوراق وأنه وإن كانت هذه الأوراق لازمة
وضرورية للفصل في الطعن الماثل إلا أن فقدها لا يحول دون تصدي المحكمة لبحث مدى مشروعية
القرار المطعون فيه استناداً إلى ما استقر عليه قضاء هذه المحكمة من أنه إذا كان عبء
إقامة الدليل العكسي وقع على عاتق المتضرر من القرار فإن مقتضى إلغاء هذا العبء عليه
لا يحول عدالة من سبيل التمكن من إثبات العكس وفعل الإدارة السلبي أو بتقصيرها متى
كان دليل هذا الإثبات بين يديها وحدها وامتنعت بغير مبرر مشروع عن تقديمه أو عجزت عن
ذلك لفقده أو هلاك سنده بغير قوة قاهرة لا سيما إذا كان دفاعه في تعييب القرار مشتقاً
من الأوراق المتضمنة لهذا الدليل ومنحصراً فيها، إذ لا يقبل أن يكون وضعه في حالة تقديم
الجهة الإدارية لسبب ما لأوراق التحقيق المحتوية على الأسباب التي قام عليها القرار
أسوأ منه في حالة تقديم هذه الأوراق فيمتنع عليه في الحالة الأولى سبيل إقامة الدليل
على العيب الذي يوجه إلى القرار وبذلك يحتمي القرار من الإلغاء ويفلت من رقابة القضاء
وتكسب الإدارة بامتناعها عن تقديم الأوراق أو بإضاعتها لها ميزة غير عادلة نتيجة لموقفها
السلبي أو تقصيرها بينما يتاح له في الحالة الثانية إذا ما قدمت الأوراق أن يمحص إجراءات
التحقيق ويناقش النتيجة التي استخلصت منه بما قد يكشف عن عيب في القرار يمكن أن يكون
مبرراً لإلغائه فإذا عجزت الإدارة عن تقديم الدليل المثبت للذنب – في حالة ضياع الأوراق
– كانت العقوبة التأديبية غير قائمة على سبب مشروع.
ومن حيث إن المستفاد من عريضة الطعن المقدمة من الطاعن أنه قد نسب إليه تعديه على الأستاذ……..
بألفاظ خارجة بأن قال له (طظ) وقد تم إحالة الطاعن إلى مجلس تأديب المعيدين والمدرسين
المساعدين بجامعة القاهرة الذي انتهى إلى إصدار قراره المطعون عليه بإدانة الطاعن في
المخالفة المنسوبة إليه استناداً إلى اعترافه وأن الواقعة حدثت أثناء عمل لجان الامتحان
ويعتبر ذلك ظرفاً مشدداً.
ومن حيث إن الطاعن ينعى على القرار المطعون فيه مخالفته للواقع والقانون للأسباب الآتية:
أولاً: إن المستمد من التحقيقات ومن أقوال الذين حضروا الواقعة أن الطاعن لم يعتد على
الأستاذ الدكتور……. ولكنه كان محلاً لعدوان من جانب الأستاذ الدكتور الذي أهانه
ابتداءً بنقله من لجنته دون مبرر مقبول ثم أهانه بالانفعال عليه عندما كان يستفسر منه
عن السبب في إجراء النقل قائلاً له (أنت حتة معيد أنا حاوريك إن ما نفذتش) وهكذا وجد
الطاعن في حالة استفزاز فقد جرحت كرامته فهل يمكن أن يقال أن ما يرد به الطاعن يشكل
مخالفة في حقه ومن المقرر أنه لا يجوز محاسبة الشخص على ما يصدر عنه من تصرفات إذا
كان واقعاً في حالة من حالات الاستفزاز والاستثارة إذ جرت أحكام القانون الجنائي على
اعتبار الاستفزاز عذراً مخففاً للعقاب وأن الأستاذ وضع الطاعن في موقف لا بد أن يدرأ
عن كرامته ما لحقها من امتهان وأنه إذا كان من حق الأستاذ على المعيد أن يوقره فإن
هذا الحق يقابله التزام على الأستاذ هو أن يعامل المعيد معاملة فيها لباقة واحترام
وأن ما نسب إلى الطاعن صدوره إنما كان رداً على إهانة وسب تعرض له من الأستاذ وأن العقوبة
فيها غلو فاحش وقسوة مفرطة لا تقتضيها ظروف الواقعة.
(ثانياً) أن العبارة المنسوبة إلى الطاعن وهي عبارة (طظ) لا يمكن أن تصدر ابتداء وإنما
هي تقال رداً على تهديد ووعيد فعندما قال الأستاذ الدكتور…….. للطاعن (أنت حتة
معيد وأنا هاوريك) قيل بأن الطاعن رد عليه (طظ) لا يمكن أن تصدر ابتداء اللفظ لا يمكن
أن يشكل سباً أو إهانة لأنه لا يحمل سوى الاستهانة بالتهديد غير المشروع وغير المبرر
الذي تعرض له الطاعن وهذا اللفظ لا يعدو أن يكون عبارة استنكار أو اعتراض على ما يتعرض
له الطاعن من تحقير وإهانة من جانب الأستاذ ومن ثم لا يصح الاستناد إلى هذه العبارة
للقول بأن الطاعن قد تعدى على الأستاذ.
ثالثاً: أن القرار يستند في إدانة الطاعن إلى اعترافه والطاعن لم يصدر عنه اعتراف على
الإطلاق بأنه وجه عبارات سباب أو إهانة أو قذف إلى الأستاذ الدكتور…… وإنما هو
قد روي الواقعة كما حدثت بان قرر بأنه عندما قال له الأستاذ الدكتور……. (يا كلب
يا سافل يلعن أبو تربيتك) فقد رد عليه قائلاً (طظ) والإقرار هنا لا يتجزأ طبقاً للمبادئ
المسلم بها في الفقه والقضاء ولا يجوز الأخذ بجزء من أقوال المتهم دون جزء آخر.
رابعاً: إنه في الوقت الذي كان يجب فيه أن يؤخذ الطاعن بالرأفة مراعاة لاعتبارات الاستفزاز
التي تعرض لها وإفلات الأستاذ من المحاسبة على ما بدر منه في حق الطاعن فإن الثابت
أن الطاعن اعتذر له ومع ذلك فإن مجلس التأديب يقسو على الطاعن قسوة مفرطة وهذه القسوة
في تقدير العقوبة تتضمن عدم ملاءمة ظاهرة تستوجب الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه لعدم
مشروعيته.
ومن حيث إن المستفاد مما قرره الطاعن وهو ما لم تجحده جهة الإدارة أنه لم ينكر أنه
وجه للأستاذ الدكتور…….. كلمة (طظ) وبرر ذلك بأن هذا التصرف صدر منه وهو في حالة
استفزاز على النحو الذي ذكره في أسباب طعنه نتيجة للمشادة التي حدثت بينه وبين الأستاذ
الدكتور…….. الذي وجه إليه عبارات قاسية تحمل امتهاناً له واستهانة به وأنه وإن
كانت المخالفة ثابتة في حق الطاعن إلا أن حالة الاستفزاز التي تعرض لها يجب أن تكون
ظرفاً مخففاً في تقدير الجزاء الذي يوقع عليه وهو الأمر الذي لم يأخذ به مجلس التأديب
في قرار المطعون عليه إذا وقع عليه عقوبة الوقف عن العمل لمدة ستة أشهر مع صرف نصف
الأجر وهي من الشدة بحيث لا تتناسب مع ما هو منسوب إليه في ضوء الظروف التي حدثت فيها
المخالفة وإذ كانت العقوبة الموقعة على الطاعن لا تتناسب مع ما هو منسوب إليه فإن ذلك
يخرجها من نطاق المشروعية إلى نطاق عدم المشروعية الأمر الذي يتعين معه والحال كذلك
الحكم بإلغاء قرار مجلس التأديب المطعون فيه فيما قضى به من مجازاة الطاعن بالوقف عن
العمل لمدة ستة أشهر مع صرف نصف الأجر وتوقيع أحد الجزاءات المنصوص عليها في قانون
نظام العاملين المدنيين بالدولة وتقدر المحكمة أن الإنذار هو الجزاء الذي يوقع على
الطاعن للمخالفة الثابتة في حقه في ضوء الظروف التي وقعت فيها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء قرار مجلس تأديب المعيدين والمدرسين المساعدين بجامعة القاهرة رقم 84 لسنة 1973 فيما قضى به من مجازاة السيد/ …….. بالوقف عن العمل لمدة ستة أشهر مع صرف نصف الأجر ومجازاته بعقوبة الإنذار.
[(1)] يراجع حكم المحكمة الإدارية العليا في الطعن رقم 1191 لسنة 17 ق الصادر بجلسة 23/ 11/ 1968 والذي انتهى إلى أن الأمر الذي تصدره المحكمة بوقف الدعوى حتى يفصل في مسألة أولية هو حكم قطعي فرعي له حجية الشيء المحكوم به ويجوز الطعن فيه استقلالاً أمام المحكمة الإدارية العليا قبل الفصل في موضوع الدعوى.
