الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 460 لسنة 31 ق – جلسة 30 /04 /1988 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة والثلاثون – الجزء الثاني (أول مارس 1988 – 30 سبتمبر 1988) – صـ 1404


جلسة 30 من إبريل سنة 1988

برئاسة السيد الأستاذ المستشار عزيز بشاي سيدهم نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة/ د. محمد جودت الملط ومحمد معروف محمد وأحمد شمس الدين خفاجى وفريد نزيه تناغو المستشارين.

الطعن رقم 460 لسنة 31 القضائية

عاملون مدنيون بالدولة – الواجبات الوظيفية والمخالفات التأديبية.
حدود سلطة الرئيس على مرؤوسيه:
مادة من القانون رقم 47 لسنة 1978 بإصدار قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة.
يسوغ للرئيس الإداري عند ممارسة اختصاصاته الوظيفية أن يوجه مرؤوسيه ويعلق على أعمالهم والتقارير التي يقدمونها إليه بما يفيد صحة أو خطأ ما انتهوا إليه من نتائج – لا يسوغ أن تكون توجيهاته وتعليماته مجاوزة لما يجب أن يسود جو العمل الوظيفي من احترام متبادل ومحافظة على كرامة العاملين رؤساء ومرؤوسين – لا يجوز أن تحمل تلك التوجيهات معاني الاستهزاء – أساس ذلك: أنه لا يسوغ في مجال أداء الواجبات الوظيفية خلط الجد بالهزل أو التدني إلى إطلاق العبارات والتعليقات التي تنال من احترام وكرامة العاملين – تطبيق.


إجراءات الطعن

في يوم السبت الموافق 5/ 1/ 1985 أودع الأستاذ…….. المحامي بصفته وكيلاً عن السيد/ …….. بقلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقريراً بالطعن في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لمستوى الإدارية العليا بجلسة 14/ 11/ 1984 في الدعوى رقم 235 لسنة 26 قضائية والقاضي بتوقيع جزاء التنبيه على الطاعن، وطلب الطاعن في ختام تقرير الطعن الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وقدمت هيئة مفوضي الدولة في شهر إبريل عام 1986 تقريراً بالرأي القانوني في الطعن انتهت فيه إلى أنها ترى الحكم بقبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً.
ونظرت دائرة فحص الطعون بالمحكمة الإدارية العليا الطعن بجلسة 23/ 12/ 1987 والجلسات التالية حيث حضر محامي الطاعن ومحامي هيئة قضايا الدولة وقررت الدائرة إحالة الطعن إلى الدائرة الرابعة موضوع بالمحكمة الإدارية العليا وحددت لنظره أمامها بجلسة 9/ 4/ 1988 وفي هذه الجلسة قررت هذه المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر هذا الحكم وأودعت مسودته المشتملة على منطوقه وأسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة والمداولة قانوناً.
ومن حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية فهو مقبول شكلاً.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتلخص في أنه بتاريخ 27/ 2/ 1984 أودعت النيابة الإدارية بقلم كتاب المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا تقريراً باتهام كل من:
1 – …….. مدير عام البحوث المالية بوزارة المالية.
2 – …….. باحث بوزارة المالية.
لأنهما في خلال شهري نوفمبر وديسمبر عام 1983 بوزارة المالية خرجاً على مقتضى الواجب الوظيفي ولم يحافظا على كرامة الوظيفة طبقاً للعرف العام وسلكا مسلكاً لا يتفق والاحترام الواجب بأنه:
الأول: علق على البحث المقدم من الثاني بعبارات غير لائقة حسبما توضح تفصيلاً بالأوراق.
الأول والثاني: تبادلا عبارات السب والألفاظ الخارجة عن حدود اللياقة والمبينة تفصيلاً بالأوراق.
وبناء عليه يكون المتهمان قد ارتكبا المخالفة الإدارية المنصوص عليها في المادتين 76/ 3 و78/ 1 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة والصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 المعدل بالقانون رقم 115 لسنة 1973.
وطلبت النيابة الإدارية محاكمتهما طبقاً للمادتين سالفتي الذكر والمادتين 80 و82 من قانون نظام العاملين المدنيين المشار إليه والمادة 14 من القانون رقم 117 لسنة 1958 المعدل بالقانون رقم 171 لسنة 1981 والمادتين 15 و19 من القانون رقم 47 لسنة 1972 بشأن مجلس الدولة.
وأرفقت النيابة بتقرير الاتهام مذكرة بوقائعه وأسانيد ثبوته وملف التحقيق الذي أجري في هذا الشأن، وقيدت الدعوى برقم 235 لسنة 26 قضائية.
وبجلسة 10/ 10/ 1984 نظرت المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا هذه الدعوى واستمعت إلى ما أدلى به الدفاع عن المتهمين وبجلسة 14/ 11/ 1984 قضت هذه المحكمة أولاً: بتوقيع جزاء التنبيه على المتهم الأول…….. وثانياً: بخصم خمسة أيام من مرتب المتهم الثاني…….. وأسست المحكمة حكمها على أن الثابت من تحقيقات النيابة الإدارية والأوراق أن المتهم الأول قام بمراجعة وتصحيح البحث الذي قدمه إليه المتهم الثاني والذي وردت به العبارة الآتية "إصدار سندات بالعملة الأجنبية ذات سعر فائدة يتفق مع أسعار الفائدة في السوق العالمية وتميص المدخرات المتاحة بالسوق المحلي بالعملات الأجنبية" فأشر المتهم الأول على هذه العبارة بما يأتي (تميص أية مايص) وأشر على صفحة أخرى تعليقاً على رداءة النسخ بعبارة (إيه الخيبة دي) وأضافت المحكمة أنه ولئن كان المتهم الأول قد أبدى أنه لا يقصد بمثل هذه التأشيرات أية إهانة أو تجريح لأحد وأن الأسلوب الأجدى في نظره في معاملته لمرؤوسيه يقوم على بعض المداعبة إلا أن المحكمة ترى أنه لا يسوغ أن يستخدم الرئيس الإداري في تأشيراته على أوراق تقدم إليه من مرؤوسيه أية ألفاظ غير لائقة حتى ولو كان الهدف من ذلك المداعبة التي تمليها حسن النية لأن العمل الرسمي يجب أن لا يتعرض للخلط بين الجد والهزل بل يجب أن يقوم على الجدية التامة حتى لا تضيع فاعليته وحتى يتحقق الاحترام المتبادل بين الرئيس ومرؤوسيه وأضافت المحكمة أنها تقديراً منها لحسن نية المتهم الأول فإنها تكتفي لتوقيع جزاء التنبيه عليه وهو أدنى الجزاءات التي توقع على العاملين من شاغلي الوظائف العليا.
وأضافت المحكمة أن الثابت من أقوال الشهود الذين سمعوا في التحقيق أن المتهم الثاني تهجم على المتهم الأول بمكتبه بعد أن علم بحرمانه من المكافأة الشهرية التي كان يحصل عليها لقيامه بحجب البحث الذي قدمه للمتهم الأول وتبادل معه عبارات وألفاظ خارجة عن حدود اللياقة وتنطوي على الإهانات والشتائم وأن أحد الشهود اضطر لجذب المتهم الثاني على السلم والوقوف بين المتهمين لمنعهما من الاشتباك بالأيدي وهو لا شك مسلك غير لائق وليس فيه محافظة على كرامة الوظيفة ويتعارض مع الاحترام الواجب للمرؤوس نحو رئيسه ومن ثم تكون المخالفة المنسوبة إليه بتقرير الاتهام ثابتة في حقه ويتعين مساءلته عنها وترى المحكمة أن الجزاء المناسب لهذه المخالفة هو خصم أيام من راتبه ومن ثم انتهت المحكمة التأديبية لمستوى الإدارة العليا إلى الحكم بمجازاة المتهم الأول بجزاء التنبيه والمتهم الثاني بجزاء خصم خمسة أيام من مرتبه.
وحيث إن مبنى الطعن الماثل المقام من السيد/ …….. يقوم على الأسباب الآتية:
أولاً: أن الطاعن أورد في دفاعه أمام المحكمة التأديبية أنه يعتبر مرؤوسيه أولاد له يعاملهم معاملة الأب الحاني على أولاده الذي يحسن توجيههم في غير تكبر أو غطرسة لتكون علاقة المودة دافعاً قوياً لإتقان العمل وقدم الطاعن الدليل على أن تلك الطريقة المثلى ارتضاها المرؤوسون واطمأنوا إليها وأصبحت تعليقاته تشحذ المهمة، فالمداعبة الطبية لا يقصد بها الإهانة أو إيذاء المشاعر إلا أن الحكم المطعون فيه خرج بمفهوم جديد لهذا الوضع السليم واعتبره إخلالاً بالعمل وهزلاً يسيء إلى الجد وأحمل الحكم المطعون فيه تعليقات الطاعن فوق ما تحتمل وخرج بها عن مدلولها.
ثانياً: أن التبسط بروح المرح المشروعة هو الركيزة الأساسية في التعامل مع الناس ومن المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد البشر وصاحب الخلق العظيم أنه يمزح ولا يقول إلا الحق.
كما أن قواميس اللغة والعرف بين الناس ليس بها معنى سيئ لكلمة "مايص" فهي في العرف الجاري تعني الإشارة إلى عدم الاكتراث، أما كلمة "الخيبة دي" فهي تحمل إشارة إلى وقوع الفشل في أمر معين وإذا كان الرئيس قد رأى في عمل مرؤوسيه تهاوناً أو إهمالاً فلا تثريب عليه إن هو وجه إليه عبارة تفيد هذا المعنى يقصد بها الإصلاح دون الإساءة ومن ثم انتهى الطاعن إلى طلب الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق والمستندات التي يحويها ملف الطعن أن الطاعن (وهو المتهم الأول في الدعوى التأديبية سالفة الذكر) أشر على البحث المقدم من…….. (وهو المتهم الثاني في الدعوى التأديبية السالفة) بعبارة "تميص إيه يا مايص" وبعبارة "إيه الخيبة دي" وذلك تعليقاً على بعض الأخطاء المادية التي وقعت عند نسخ البحث المقدم من المتهم الثاني بالآلة الكاتبة.
ومن حيث إن البند الثالث من المادة 76 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة الصادر بالقانون رقم 47 لسنة 1978 تنص على أنه يجب على العامل أن يحافظ على كرامة وظيفته طبقاً للعرف العام وأن يسلك في تصرفاته مسلكاً يتفق والاحترام الواجب.
ومن حيث إن واجب المحافظة على كرامة الوظيفة طبقاً للعرف العام والسلوك في التصرفات مسلكاً يتفق والاحترام الواجب وهو الأمر المنصوص عليه في البند الثالث من المادة 76 من قانون نظام العاملين المدنيين بالدولة السالف الذكر، إنما يحدد به المشرع ما يجب أن يتحلى به الموظف العام من سلوك رفيع المستوى بما يحفظ للوظيفة العامة والعاملين فيه كرامتهم وبما يتفق مع الاحترام الواجب طبقاً للعرف العام.
ومن حيث إنه ولئن كان يسوغ للرئيس الإداري عند ممارسة اختصاصاته الوظيفية أن يوجه مرؤوسيه وأن يعلق على أعمالهم أو تقاريرهم المقدمة إليه بما يفيد صحة أو خطأ ما انتهوا إليه من نتائج وبما يراه في شأنها من رأي صحيح إلا أنه لا يسوغ أن تكون تلك التوجيهات أو التعليقات متجاوزة لما يجب أن يسود جو العمل الوظيفي من احترام متبادل ومحافظة على كرامة العاملين سواءً أكانوا رؤساء أو مرؤوسين، فلا يجوز أن تكون تلك التوجيهات أو التعليقات ماسة بكرامة العاملين أو تحمل معاني الاستهزاء أو الهزء بهم ولا يسوغ في مجال أداء الواجبات الوظيفية خلط الجد بالهزل أو التدني إلى إطلاق العبارات والتعليقات التي تحمل معاني الهزل أو الاستهزاء أو النيل من احترام وكرامة العاملين، فكل ذلك يعد إخلالاً بما أوجبه المشرع على الموظف العام من واجبات للمحافظة على كر امة الوظيفة العامة طبقاً لنص المادة 76 سالفة الإشارة.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن العبارات السالفة التي أشر بها الطاعن تعليقاً على البحث المقدم إليه إنما تحمل في طياتها ووفقاً للعرف العام معنى الهزل أو الاستهزاء بشخص مقدم البحث وتتعارض مع ما يجب أن يسود جو العمل الوظيفي من احترام متبادل بما يحفظ للوظيفة العامة جلالها وللعاملين فيها كرامتهم واحترامهم فإن ما وقع من الطاعن يعد إخلالاً بما أوجبه المشرع طبقاً لنص المادة 76 سالف الإشارة ويشكل في حق الطاعن ذنباً إدارياً يستوجب المساءلة التأديبية.
ومن حيث إنه لا يقدح في الوجه السالف من النظر ما أثاره الطاعن في طعنه من أنه قصد بتلك العبارات مجرد المداعبة حتى يكون ذلك دافعاً لحسن سير العمل، ذلك أنه مردود على هذا حسبما سلف القول بأنه لا يسوغ عند أداء الواجبات الوظيفية خلط الجد بالهزل. أو تضمين التأشيرات الرسمية ما يحمل معنى الهزل أو الاستهزاء، فكل ذلك لا محل له في مقام ممارسة الاختصاصات والواجبات الوظيفية، وإنما ما يؤدي في الحقيقة إلى حسن سير العمل هو توفير جو من الاحترام المتبادل بين جميع العاملين رؤساء ومرؤوسين بما يحفظ كرامتهم حتى ينصرف كل منهم إلى أداء واجباته الوظيفية مطمئن النفس موفور الثقة والكرامة وهو ما يؤدي في النهاية إلى حسن أداء الأعمال الموكولة إليهم على خير وجه بما يحقق صالح المرفق العام.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه أدان الطاعن عن المخالفة الإدارية السالفة وقضى بمجازاته بعقوبة التنبيه فإنه يكون قد أصاب في قضائه صحيح حكم القانون مما يتعين معه رفض الطعن الماثل موضوعاً لعدم استناده على أساس صحيح من القانون أو الواقع.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات