الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 975 لسنة 33 ق – جلسة 15 /03 /1988 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة والثلاثون – الجزء الثاني (أول مارس 1988 – 30 سبتمبر 1988) – صـ 1146


جلسة 15 من مارس سنة 1988

برئاسة السيد الأستاذ المستشار عبد العزيز أحمد حمادة نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة جمال السيد دحروج وفاروق علي عبد القادر والدكتور محمد عبد السلام مخلص وعطية الله رسلان أحمد فرج المستشارين.

الطعن رقم 975 لسنة 33 القضائية

( أ ) مناقصات ومزايدات – حدود سلطة مجلس إدارة شركات القطاع العام عند وضع لائحة داخلية مغايرة للقواعد المعمول بها – القانون رقم 97 لسنة 1983 بإصدار قانون هيئات القطاع العام وشركاته.
خول المشرع مجلس إدارة الشركة سلطة وضع اللوائح الداخلية لتنظيم أعمال الشركة وإدارتها دون التقيد بالنظم الحكومية – إذا استعمل مجلس الإدارة هذه الرخصة وأصدر لائحة بتنظيم الإجراءات الخاصة بالتعاقد فيتعين الالتزام بأحكام هذه اللائحة التي تتضمن نصوصاً عامة مجردة – لا يجوز لمجلس الإدارة الخروج على أحكام هذه اللائحة أو الاستثناء من أحكامها في حالات فردية لأن مؤدى ذلك أن تصير الشركة غير مقيدة بالنظم الحكومية أو باللوائح التي تصدرها – تطبيق.
(ب) مدى تقيد المحكمة التأديبية بالفتاوى الصادرة من محامي الشركات ونتائج التحقيق بجهاز المدعي العام الاشتراكي. (حجية).
مادة من قانون الإثبات.
الفتوى التي يصدرها محامي الشركة لا تعدو أن تكون مجرد رأي قانوني لا يلزم الشركة ولا يلزم غيرها من باب أولى – التحقيق الذي يجريه جهاز المدعي العام الاشتراكي هو مجرد تحقيق أجرته سلطة الاتهام ولا يقيد المحكمة فيما انتهى إليه – أساس ذلك: أن نتيجة هذه التحقيقات لا تحوز حجية فالحجية مقصورة فقط على الأحكام القضائية النهائية – تطبيق [(1)].


إجراءات الطعن

بتاريخ الثلاثاء السابع عشر من فبراير سنة 1987 أودع الأستاذ/ ……. المحامي تقرير طعن بقلم كتاب المحكمة بصفته وكيلاً عن السادة/ …… و…… و…… و…… العاملين بشركة النصر للإسكان والتعمير، في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية للعاملين بمستوى الإدارة العليا بتاريخ 31/ 12/ 1986 في الدعوى التأديبية رقم 165 لسنة 28 ق المقامة من النيابة الإدارية ضد الطاعنين وبعض المحالين الآخرين من العاملين بشركة النصر للإسكان والتعمير والذي تضمن قضائه مجازاة المحالين من الأول إلى الثالث بخصم شهر ونصف من راتب كل منهم، ومجازاة الطاعن الرابع بخصم شهر واحد من راتبه.
وطلب الطاعنون في تقرير طعنهم الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم أصلياً: ببراءة الطاعنين مما نسب إليهم، واحتياطياً: بتعديل الجزاء الموقع على الطاعنين بما لا يتلاءم والذنب الإداري المنسوب إليهم.
وأعلن تقرير الطعن إلى النيابة الإدارية بتاريخ 19/ 2/ 1987 وبعد اتخاذ إجراءات تحضير الطعن وفقاً للقانون وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني اقترحت فيه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه.
ونظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة التي قررت بجلسة 20/ 1/ 1987 إحالة الطعن للموافقة أمام المحكمة الإدارية العليا الدائرة الثالثة لنظره بجلسة 2/ 2/ 1987، وبهذه الجلسة سمعت المحكمة ما رأت لزوماً لسماعه من إيضاحات ومرافعات ذوي الشأن وأرجأت النطق بالحكم لجلسة 8/ 3/ 1988 ثم تقرر مد أجل النطق بالحكم لجلسة اليوم وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة تتحصل في أن النيابة الإدارية قد أقامت الدعوى التأديبية رقم 165 لسنة 28 ق بإيداع أوراقها قلم كتاب المحكمة التأديبية للعاملين بمستوى الإدارة العليا بتاريخ 28/ 4/ 1986 متضمنة تقريراً باتهام الطاعنين وبعض العاملين بشركة النصر للإسكان والتعمير بعدة مخالفات، وقد نسبت للطاعنين المخالفات الآتية:
أولاً: أنهم وبعض المحالين بوصفهم يشكلون مجلس إدارة الشركة أخلوا بالالتزام الذي يفرضه القانون والذي يتطلب الحرص على تحقيق أهداف الشركة ومراعاة ما تقضي به نظمها المالية بأن وافقوا مكتملين على:
إسناد عملية تعمير المبنيين السابع والثامن بالهضبة الوسطى بمدينة المقطم في 25/ 12/ 1984 بالأمر المباشر للمقاول……. و……. قطاع خاص بمبلغ 26 مليون جنيه بالمخالفة للائحة الشركة مما ترتب عليه التعاقد مع المقاول بسعر مغالى فيه أدى إلى تفويت ربح على الشركة…. إلخ.
إسناد عملية تعمير مدينة المعراج في 16/ 9/ 1985 بالأمر المباشر لذات المقاول بمبلغ 22 مليون جنيه مخالفين بذلك لائحة الشركة وبالرغم من تحذير وزير الإسكان السابق…. إلخ.
ثانياً: أنهم وبعض المحالين بادروا إلى إجابة طلب المقاول بشأن التنازل عن قطعة الأرض الخام المشتراة من شركة المقطم والمحظور التصرف فيها في سبيل الحصول على قطعة أرض أخرى مملوكة لشركة النصر للإسكان والتعمير وذلك قبل إجراء التحري والفحص الدقيق لأسباب هذا التنازل مما سهل على المقاول الحصول على هذه الأرض الخالية من المنازعات.
ثالثاً: – أنهم وبعض المحالين أساءوا استعمال سلطة مجلس الإدارة دون مراعاة لمصلحة الشركة وذلك بالموافقة في 13/ 5/ 1985 على اعتبار معدات المقاول ضماناً لتنفيذ عملية تعمير مدينتي المقطم والمعراج وكذا على إعفائه من سداد التأمين النهائي وقدره 2.5 مليون جنيه وذلك قبل التعاقد معه.
وارتأت النيابة الإدارية أنهم بذلك يكونوا قد ارتكبوا المخالفات المنصوص عليها بمواد الاتهام وطلبت بذلك محاكمتهم تأديبياً بهذه المواد.
ونظرت المحكمة التأديبية الدعوى على النحو المبين بمحاضر جلساتها وبجلسة 31/ 12/ 1986 أصدرت المحكمة حكمها المطعون فيه تناولت في أسبابه مناقشة المخالفات المنسوبة إلى الطاعنين وانتهت إلى براءتهم مما نسب إليهم من مخالفات عدا المخالفات المبينة في البند أولاً من أسباب هذا الحكم بشقيها فقد خلصت المحكمة إلى ثبوتها في حقهم وجازت الطاعنين من الأول حتى الثالث بخصم شهر ونصف من أجر كل منهم وجازت الطاعن الرابع بخصم شهر واحد من أجره، وأقامت المحكمة قضاءها على أسباب تتحصل في أن الطاعنين وغيرهم من المحالين بوصفهم أعضاء مجلس إدارة شركة النصر للإسكان والتعمير قد خالفوا أحكام اللائحة المالية للشركة بأن أسندوا عملية تعمير المبنيين السابع والثامن بالهضبة الوسطى بمدينة المقطم بتاريخ 25/ 12/ 1984 بالأمر المباشر للمقاول……. وشركاه "قطاع خاص" كما وافقوا بتاريخ 16/ 9/ 1985 على عملية إسناد تعمير مدينة المعراج لذات المقاول بالأمر المباشر دون سلوك طريق المناقصة ولعدم دخول حالة الإسناد المباشر في عملية المقاولة ضمن الحالات المحددة على سبيل الحصر في اللائحة المالية للشركة والتي أجيز فيها التعاقد بالأمر المباشر ومن ثم تكون المخالفة ثابتة في حقهم.
ومن حيث إن الطعن في هذا الحكم يقوم على مخالفته للقانون للأسباب الآتية:
أولاً: عدم الملاءمة الظاهرة بين درجة خطورة الذنب الإداري وبين نوع الجزاء ومقداره ذلك لأن الحكم المطعون فيه حين انتهى إلى مساءلة جميع أعضاء مجلس الإدارة عن إسناد عملية المقاولة في شأن تعمير المبنى السابع والثامن بمدينة المقطم وكذلك عملية تعمير مدينة المعراج بالأمر المباشر للمقاول. قد انتهى في قضائه إلى توقيع عقوبة اللوم على بعض أعضاء مجلس الإدارة ووقع على الطاعنين عقوبة الخصم من المرتب ولا شك في أن تلك المفارقة في تقدير الجزاء لا أصل لها في الأوراق ويلازم ذلك عدم ملاءمة الجزاء الموقع على الطاعنين والمشتاع بينهم وبين الآخرين لم يصيبهم ما أصاب الطاعنون من إجحاف.
ثانيا: – بالنسبة لخروج الطاعنين على مقتضى واجبات الوظيفة فإنهم لم يرتكبوا أي مخالفة لأن موافقتهم مع باقي أعضاء مجلس الإدارة على عملية الإسناد بالأمر المباشر لا تعدو أن تكون رأياً قانونياً في مادة عرضت عليهم، كما أن الطاعنين لم يكونوا ملمين بطرق إسناد أعمال المقاولات لحداثة خدمتهم بمجلس الإدارة واقتناعهم بتصرفات كبار المسئولين بالشركة كما أنه لم يترتب ضرر مالي للشركة مع افتراض إهمال الطاعنين.
ومن حيث إنه عن الوجه الأول من الطعن الذي ينعى فيه الطاعنون على الحكم المطعون فيه مخالفته للقانون لاتسامه بعدم الملاءمة الظاهرة بين درجة خطورة الذنب الإداري وبين نوع الجزاء الموقع على كل منهما ومقداره، فقد استندوا إلى المغايرة في نوع الجزاء الموقع على أعضاء المجلس إذ بالرغم من أن المخالفة المنسوبة للجميع هي مخالفة واحدة إلا أن الحكم أوقع على بعضهم عقوبة اللوم وأوقع على الطاعنين جزاء الخصم من الأجر على التفصيل المبين بمنطوق الحكم وتلك تعد مفارقة تعيب الحكم وتسمه بالغلو في تقدير الجزاء الموقع على الطاعنين.
وهذا الذي ذهب إليه الطاعنون مردود بأن هذه المغايرة في توقيع الجزاء على الطاعنين وغيرهم من أعضاء مجلس الإدارة المشتركين معهم في ذات المخالفة يجد سنده في نص المادة 82 من نظام العاملين بالقطاع العام الصادر بالقانون رقم 48 لسنة 1978 فقد أوردت في فقرتها الأولى الجزاءات التي يجوز توقيعها على العاملين وتتدرج هذه الجزاءات من الإنذار حتى الفصل من الخدمة، أما العاملين من شاغلي وظائف الإدارة العليا، فقد أفردت لهم المادة الثانية الجزاءات التي يجوز توقيعها عليهم وهي أربعة فقط التنبيه، واللوم، الإحالة إلى المعاش، والفصل وإذ أصدرت المحكمة حكمها بمجازاة بعض العاملين من شاغلي وظائف الإدارة العليا بعقوبة اللوم فإن حكمها يكون مستنداً إلى صحيح حكم القانون لأن هذا الجزاء هو من الجزاءات التي يجوز توقيعها عليهم قانوناً أما جزاء الخصم من الراتب فلم يرد في القانون ضمن الجزاءات التي يجوز توقيعها فالمفارقة هنا أساسها القانون ومن ثم يكون هذا الوجه من الطعن على غير أساس.
ومن حيث إنه بالنسبة للوجه الأول من الطعن المتمثل فيما نسب لأعضاء مجلس إدارة الشركة ومنهم الطاعن بوصفهم من أعضاء مجلس الإدارة من أنهم وافقوا مكتملين وبإجماع الآراء على إسناد عملية تعمير الحيين السابع والثامن بالهضبة الوسطى بمدينة المقطم وكذلك إسناد عملية مدينة المعراج بالأمر المباشر للمقاول…… وشركاه بالمخالفة لأحكام اللائحة المالية للشركة فقد نصت المادة 32 من القانون رقم 97 لسنة 1983 بشأن هيئات القطاع العام وشركاته والتي حددت اختصاصات مجالس الإدارات على أنه، يكون لمجلس إدارة الشركة جميع السلطات اللازمة للقيام بالأعمال التي يقتضيها تحقيق أغراض الشركة وعلى وجه الخصوص وضع الخطط التنفيذية التي تكفل تطوير الإنتاج وأحكام الرقابة على جودته وحسن استخدام المواد المتاحة استخداماً اقتصادياً سليماً، وكل ما من شأنه زيادة وكفاية الإنتاج وتحقيق أهداف الشركة وتنفيذ المشروعات الاستثمارية المسندة إلى الشركة ومتابعة تنفيذها بما يكفل إنجازها في مواعيدها المحددة وعلى وجه الخصوص وضع اللوائح الداخلية لتنظيم أعمال الشركة وإدارتها ونظام حساباتها وشئونها المالية التي تكفل انتظام العمل وأحكام الرقابة وذلك دون التقيد بالنظم الحكومية ونصت المادة 49 من قرار رئيس الجمهورية رقم 90 لسنة 1985 بإصدار اللائحة التنفيذية لقانون هيئات القطاع العام وشركاته على أنه، لمجلس إدارة الشركة اعتماد اللوائح ونظم العمل الداخلية بالشركة واتخاذ كافة الإجراءات والتصرفات القانونية الأخرى اللازمة لحسن إدارة جميع أنشطة الشركة والتصرف في شئونها، وتصدر قرارات مجلس الإدارة نهائية دون حاجة إلى اعتماد سلطة أعلى وذلك مع عدم الإخلال بأحكام هذه اللائحة.
ومن حيث إن قرار رئيس الجمهورية بالقانون رقم 60 لسنة 1971 بإصدار قانون المؤسسات العامة وشركات القطاع العام قد نص في المادة 49 منه على أن، يكون لمجلس إدارة الشركة جميع السلطات اللازمة للقيام بالأعمال التي تقتضيها أغراض الشركة وعلى وجه الخصوص…. إلخ. كما نصت المادة 50 من ذات القانون على أن، يضع مجلس الإدارة اللوائح الداخلية لتنظيم أعمال الشركة وإدارتها ونظام حساباتها وشئونها المالية التي تكفل انتظام العمل وأحكام الرقابة وذلك دون التقيد بالنظم الحكومية ثم جاء القانون رقم 111 لسنة 1975 وأورد في المادة 50 منه ذات النص بعباراته وأضاف إليه، وبما يتناسب مع ظروف الشركة الإدارية والمالية والإنتاجية والتسويقية وطبيعة نشاطها. وهذه النصوص جميعها تتطابق مع النصوص الواردة في قانون الهيئات العامة رقم 97 لسنة 1983 المشار إليه ولائحته التنفيذية.
ومن حيث إنه استناداً إلى هذه النصوص أصدر مجلس إدارة شركة النصر للإسكان والتعمير وصيانة المباني بجلسة 7/ 12/ 1974 لائحة مالية للشركة حوت 143 مادة في أبوابها المختلفة وقد نصت المادة 80 منها على أن يتم الشراء أو التكليف بالأعمال والخدمات بإحدى الطرق الآتية:
( أ ) المناقصة العامة.
(ب) المناقصة المحدودة.
(ج) الممارسة.
(د) الأمر المباشر.
ونظمت المواد من 81 – 108 من اللائحة الأحكام الواجب اتباعها وطرق طرح المناقصة العامة والمحدودة وكذلك الممارسة وأفردت المادة 114 الإجراءات الواجب اتباعها عند اللجوء للأمر المباشر فنصت على أنه يجوز الشراء أو التكليف بأداء الأعمال عن طريق الأمر المباشر بشرط ألا ينطوي ذلك على تجزئة العملية للتهرب من المناقصة في الأحوال الآتية:
1 – الأصناف والمهمات التي تنتجها أو توردها شركة قطاع عام أو هيئة عامة واحدة ويكون سعرها محدداً مما يتعذر معه إجراء المناقصة أو الممارسة وذلك بعد الحصول على موافقة رئيس مجلس الإدارة.
2 – الأصناف والمهمات التي وصل مخزونها إلى مرحلة الخطر بحيث يترتب على عدم شرائها فوراً خسائر للشركة وتقتصر الكميات المشتراة على أقل قدر ممكن ريثما تستوفى إجراءات الشراء بالطرق المقررة بهذا النظام.
3 – الأصناف والمهمات زهيدة القيمة.
4 – الأصناف والمهمات المستحدثة لتجربتها واختبارها.
5 – الأصناف والمنتجات المسعرة جبرياً محلية أو أجنبية.
كما تضمنت هذه اللائحة أن يكون هنالك مبرراً كافياً للجوء إلى الأمر المباشر فنصت المادة 115 من اللائحة على أن، يجب أن توضح الأسباب التي تدعوا إلى الشراء بأمر مباشر في مذكرة مكتوبة ترفع من جهاز المشتريات إلى السلطة المختصة بالشراء للنظر في الموافقة عليها، وحددت المادة 117 السلطات المختصة باعتماد الشراء بالأمر المباشر ثم عدلت صلاحية وحدود السلطة المختصة هذه بموجب قرار مجلس الإدارة رقم 66 لسنة 1984 الصادر في 12/ 5/ 1984.
ومن حيث إنه يبين من استعراض النصوص السابقة أن المشرع في المادة 50 من قانون هيئات القطاع العام وشركاته رقم 60 لسنة 1971 قد خول مجلس إدارة الشركة سلطة وضع اللوائح الداخلية لتنظيم أعمال الشركة وإداراتها ونظام حساباتها وشئونها المالية التي تكفل انتظام العمل وأحكام الرقابة وذلك دون التقيد بالنظم الحكومية وقد وردت ذات الأحكام في المادة 32 من القانون رقم 97 لسنة 1983 كما تضمنت المادة 49 من اللائحة التنفيذية للقانون المشار إليه الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 90 لسنة 1985 على أن لمجلس الإدارة اعتماد اللوائح ونظم العمل الداخلية بالشركة واتخاذ كافة الإجراءات والتصرفات القانونية الأخرى اللازمة لحسن إدارة جميع أنشطة الشركة والتصرف في شئونها، وتصدر قرارات المجلس نهائية دون حاجة إلى اعتماد سلطة أعلى وذلك مع عدم الإخلال بأحكام هذه اللائحة. ومن ذلك يبين بجلاء أن أحكام اللائحة المالية للشركة التي وضعها مجلس الإدارة بمقتضى السلطة المخولة له قانوناً هي الواجبة الاتباع في كافة عمليات الشركة التي تتعاقد عليها للشراء أو التوريد أو التكليف بالأعمال ويتعين على مجلس الإدارة الالتزام المطلق بأحكام تلك اللائحة وإذ نظمت تلك اللائحة طرق الشراء أو التكليف بالأعمال على نحو محدد ومرتب وفقاً لأهمية العمل المذمع التعاقد عليه فجعلت الأصل في التعاقد هو وجوب اتباع أسلوب المناقصة العامة والمناقصة المحدودة على الترتيب باعتبارهما أفضل الطرق لتحقيق مصلحة الشركة للحصول على أفضل الشروط وأنسب الأسعار وأحسن العروض من النواحي الفنية والمالية وهذا أمر بديهي ومستقر عليه سواء في الحكومة أو القطاع العام ودليل ذلك أن اللائحة المشار إليها اتجهت إلى الأخذ بأسلوب الممارسة فقد كان ذلك على وجه الاستثناء بأن حددت الحالات التي يتم فيها اللجوء إلى طرق الممارسة، أما الإسناد بالأمر المباشر فقد وضع في اللائحة كأسلوب أخير أكثر استثناءاً ولذلك وضعت شروطاً محددة للجوء إلى هذا الأسلوب بأن حددت الحالات التي يلجأ فيها للأمر المباشر على سبيل الحصر تدور في مجملها حول شراء الأصناف التي تحتكر إنتاجها أو توريدها شركات قطاع عام أو شراء الأصناف التي وصل مخزونها إلى حد الخطر مما يترتب على عدم توافرها خسائر جسيمة للشركة. كما قيدت اللجوء إلى أسلوب الأمر المباشر بعدة قيود منها.
( أ ) ألا ينطوي اللجوء للأمر المباشر على تجزئة العملية للتهرب من المناقصة.
(ب) أن توضح أسباب اللجوء للأمر المباشر في مذكرة مكتوبة من جهاز المشتريات للسلطة المختصة بالشراء للنظر في الموافقة عليها.
(جـ) عند اللجوء للأمر المباشر في شراء الأصناف التي وصل مخزونها إلى حد الخطر يقتصر الشراء على أقل كمية ممكنة ريثما تستوفى إجراءات الشراء بالطرق المقررة.
ومن حيث إن الثابت من الأوراق أن مجلس إدارة الشركة قد وافق على إسناد عملية تعمير الحيين السابع والثامن بالهضبة الوسطى بمدينة المقطم بتاريخ 25/ 12/ 1984 بالأمر المباشر إلى المقاول…… و……. (قطاع خاص) بتكلفة بلغت 26 مليون جنيه مصري كما وافق المجلس على إسناد عملية تعمير مدينة المعراج بتاريخ 16/ 9/ 1985 بالأمر المباشر أيضاً لذات المقاول بتكلفة بلغت 22 مليون جنيه فإن هذا التصرف من جانب أعضاء مجلس الإدارة يكون مخالفاً لأحكام اللائحة المالية للشركة بعدم دخول هاتين الحالتين في حالات الإسناد بالأمر المباشر المنصوص عليها في اللائحة والمحددة على سبيل الحصر والتي أجيز فيها اللجوء للأمر المباشر ومن ثم فإن هذا التصرف يمثل خروجاً صارخاً من المجلس على مقتضى واجبات الوظيفة وما يجب من دقة وأمانة للمحافظة على أموال الشركة التي يعملون على إدارتها وبذلك تكون هذه المخالفة ثابتة في حقهم الأمر الذي يسوغ مساءلتهم، ولا يغير من ذلك ما دفع به من وجود خلاف في الرأي القانوني حول تفسير نصوص اللائحة المالية وغيرها من النصوص القانونية مما ينفي عن الطاعن وغيره من المحالين ارتكاب المخالفة، ذلك الخلاف الذي ورد بتقرير الطعن كوجه من أوجه الدفاع يتمثل في:
1 – مذكرة بالرأي من الدكتور……. في ذات الموضوع خلص فيها بناء على طلب الشركة – إلى أن قانون هيئات القطاع العام وشركاته قد أباح لشركات القطاع العام أن تتعاقد دون اتباع الأحكام الواردة بقانون تنظيم المناقصات أو بالنظم الحكومية ولذلك يكون لمجلس الإدارة أن يتعاقد بالإسناد بالأمر المباشر مع أي مقاول ولا يلزم مجلس الإدارة باتباع أسلوب المناقصة العامة.
2 – التحقيق الذي أجراه المستشار مساعد المدعي العام الاشتراكي في هذا الموضوع ومذكرته التي حررها نتيجة التحقيق وانتهى فيها إلى حفظ الموضوع لانتفاء المخالفة ومن حيث إنه عن الاتجاه الأول فإنه لا يمثل خلافاً في الرأي يتعين الالتزام به لأنه لم يصدر من جهة مختصة بالفتوى وإبداء الرأي وإنما هو رأي قانوني صادر من محام خاص بالشركة لا يلزم الشركة ولا يلزم غيرها من باب أولى.
وفضلاً عن ذلك فإن عملية الإسناد لم تكن بناء على الفتوى المشار إليها ذلك لأن الثابت أن عملية إسناد تعمير الحيين السابع والثامن من الهضبة الوسطى لمدينة المقطم قد أسندت للمقاول بالأمر المباشر بتاريخ 25/ 12/ 1984 في حين أن الفتوى التي أصدرها الأستاذ الدكتور…….. المحامي كانت بتاريخ 6/ 6/ 1985 أي بعد إسناد العملية بحوالي ستة شهور فالقول بأن عملية الإسناد كانت بناء على هذه الفتوى هو قول ظاهر الفساد.
وبالنسبة للرأي الثاني المتمثل في تحقيق مساعد المدعي العام الاشتراكي والمذكرة التي أعدها سيادته وانتهى فيها إلى الحفظ فإنه يبين منها أنه شرح ما هو مستقر في الفقه الإداري من تدرج التشريع ومكان كل نظام في مدارج التدرج التشريعي وأن القرارات التنظيمية المنفذة للقوانين والتي تتولى السلطة التنفيذية إصدارها هي ما اصطلح على تسميتها، باللوائح، وأن مجلس إدارة شركة النصر للإسكان والتعمير قد أصدر قراره الإداري التنظيمي، لائحة، بإسناد عملية تنفيذ أعمال تعمير مدينتي المقطم والمعراج لذات المقاول القائم بأعمال التعمير تحقيقاً لأغراض الشركة بهدف الصالح العام فهو بذلك يكون قراراً صحيحاً ومتفقاً وأحكام القانون لأنه مستمد مباشرة من القانون رقم 97 لسنة 1983 بنظام هيئات القطاع العام وشركاته ولائحته التنفيذية، وليس هناك إلزام على مجلس إدارة الشركة في اتباع طريقة المناقصة لأنه طبقاً للقانون المشار إليه فهو غير مقيد بالنظم الحكومية.
ومن حيث إن هذا القول مردود عليه بأن مجلس إدارة شركة القطاع العام إذا ما استعمل الرخصة التي خولها له المشرع بأن أصدر لائحة تنظيم الإجراءات والقواعد التي يتعين على الشركة اتباعها عند إجراء تعاقداتها، فإنه يتعين عليه الالتزام بأحكام هذه اللائحة التي تتضمن نصوصاً عامة مجرده عند إجراء التعاقد على عملية معينة بذاتها، ولا يجوز لمجلس الإدارة الخروج على أحكام هذه اللائحة أو الاستثناء من أحكامها في حالات فردية والقول بغير ذلك مؤداه أن مجلس إدارة أي شركة قطاع عام يسير أمور الشركة دون أي نظام يحكمه فهو غير مقيد بالنظم الحكومية وغير مقيد باللوائح المالية التي يصدرها.
ومن حيث إن تحقيق السيد المستشار مساعد المدعي العام الاشتراكي وما خلص إليه لا يعدو أن يكون تحقيقاً أجرته سلطة الاتهام وأياً كان رأيها فهو لا يقيد سلطة المحكمة ولا إلزام عليها باتباع ما وصل إليه من نتيجة وبالتالي لا يكتسب أي حجية إذ الحجية مقصورة فقط على الأحكام النهائية في الحدود وبالشروط المنصوص عليها في المادة 101 من قانون الإثبات.
ومن حيث إنه وقد ثبت مما تقدم أن المخالفة المنسوبة للطاعنين بشقيها ثابتة في حقهم وهي تمثل خروجاً منهم على مقتضى واجبات الوظيفة الأمر الذي يسوغ مساءلتهم تأديبياً، ولا يغير من ذلك ما جاء بتقرير طعنهم من حداثة عهدهم بمجلس الإدارة واعتمادهم على حسن تدبير كبار المسئولين بالشركة وأنه لم يترتب ضرر للشركة من جراء ذلك لأن ذلك يعد من قبيل الدفوع الواهية التي لا تؤثر في مسئوليتهم عما فرط منهم، وإذ قضى الحكم المطعون فيه بمجازاتهم بما فرط منهم فإنه يكون قد أصاب وجه الحق في قضائه ويكون الطعن عليه في غير محله متعين الرفض.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه.


[(1)] بذات المبدأ الأحكام الصادرة في الطعون الرقمية 899 و900 و1018 لسنة 33 ق والمحكوم فيها بذات الجلسة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات