الطعن رقم 128 لسنة 30 ق – جلسة 12 /03 /1988
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة أحكام
المحكمة الإدارية العليا
السنة الثالثة والثلاثون – الجزء الثاني (أول مارس 1988 – 30 سبتمبر 1988) – صـ 1084
جلسة 12 من مارس سنة 1988
برئاسة السيد الأستاذ المستشار عزيز بشاي سيدهم نائب رئيس مجلس الدولة وعضوية السادة الأساتذة عبد اللطيف أحمد أبو الخير ود/ جودت الملط وثروت عبد الله وفريد نزيه تناغو المستشارين.
الطعن رقم 128 لسنة 30 القضائية
عاملون مدنيون بالدولة – تأديب – الواجبات الوظيفية والمخالفات
التأديبية – الكذب وأثره في المجالين الجنائي والتأديبي.
ينبغي على الموظف التزام الصدق في كل ما يصدر عنه من أقوال في مجال الوظيفة العامة
– لا وجه للقياس على ما يجوز قبوله من أقوال غير صحيحة في مجال الدفاع عن النفس في
المجال الجنائي – أساس ذلك: أن الكذب في المجال الإداري يشكل بذاته مخالفة تأديبية
– تطبيق.
إجراءات الطعن
في يوم الخميس الموافق 22 من مارس سنة 1984 أودعت إدارة قضايا الحكومة
نيابة عن السيدين وزير النقل وأمين عام وزارة النقل قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا
تقرير طعن قيد بجدولها تحت رقم 1298 لسنة 30 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية
لوزارة النقل بجلسة 22 من يناير 1984 في الدعوى رقم 22 لسنة 17 القضائية المقامة من
السيد/ …… ضد الطاعنين والقاضي بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون
فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وقد طلب الطاعنان للأسباب الواردة بتقرير الطعن الحكم بقبول الطعن وفي الموضوع بإلغاء
الحكم المطعون فيه والحكم مجدداً برفض الدعوى مع إلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل
أتعاب المحاماة عن الدرجتين. وبعد أن تم إعلان الطعن على النحو المبين بالأوراق، قدمت
هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً ارتأت فيه قبول الطعن شكلاً ورفضه
موضوعاً وقد تحدد لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 25 من نوفمبر
1987 وبجلسة 27 من يناير 1988 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا
"الدائرة الرابعة" لنظره بجلسة 13 من فبراير 1988 وبتلك الجلسة استمعت المحكمة لما
رأت لزوماً للاستماع إليه من إيضاحات ذوي الشأن وقررت إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها
صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يبين من الأوراق – في أنه بتاريخ 14/
4/ 1983 أودع السيد/ ……. قلم كتاب المحكمة التأديبية للعاملين بوزارة النقل عريضة
دعوى قيدت بسجلها العام تحت رقم 22 لسنة 17 القضائية طالباً الحكم بإلغاء القرار رقم
56 لسنة 1982 الصادر من أمين عام وزارة النقل بتاريخ 22/ 12/ 1982 بمجازاته بخصم خمسة
أيام من راتبه واحتساب يوم 9/ 9/ 82 بدون أجر. وقال شرحاً لدعواه إن القرار المطعون
فيه قد صدر من أمين عام وزارة النقل استناداً إلى ما انتهى إليه التحقيق الإداري رقم
71 لسنة 1982 ونظراً لأن هذا القرار جاء مجحفاً بحقوقه وعلى غير سند من القانون والواقع
فإنه ينعى عليه أولاً صدوره من غير مختص لأن أمين عام الوزارة لا يدخل في اختصاصه إصدار
مثل هذا القرار. ومن ثم يغدو القرار منعدماً. ثانياً عدم مشروعيته لافتقاده ركن السبب
إذ أنه لعذر عائلي انقطع عن عمله يوم 9/ 8/ 1982 وقدم في اليوم التالي طلباً لاحتساب
يوم غيابه إجازة عارضة. ونظراً لأن له رصيد من الإجازات فإنه ما كان يتوقع أن يعامل
على هذا النحو من التعسف وبجلسة 2 من يونيو 1983 أودع الطاعن حافظة مستندات طويت على
صورة التظلم المقدم منه في القرار المطعون فيه. وصمم على طلباته الواردة بصحيفة الدعوى.
وبجلسة 16 من أكتوبر 1983 أودع الحاضر عن الجهة الإدارية حافظة مستندات طويت على ملف
التحقيق كما قدم بجلسة 13 من نوفمبر 1983 مذكرة بدفاع الجهة الإدارية صمم فيها على
ما جاء بعريضة الدعوى وانتهى إلى طلب رفضها.
وبجلسة 22 من يناير 1984 حكمت المحكمة بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار
المطعون فيه تأسيساً على أن المخالفة المنسوبة إلى المدعي وهي الانقطاع عن العمل بدون
إذن لمدة يوم واحد مقرر لها وفقاً للائحة الجزاءات الصادرة بالقرار الوزاري رقم 3 لسنة
1982 جزاء الإنذار أو الخصم لمدة يوم واحد مع الحرمان من الأجر عن أيام الانقطاع إذا
كان هو الانقطاع الأول. ولما كان لم يثبت من الأوراق سبق انقطاع المدعي عن العمل بدون
إذن فإن القرار المطعون فيه وقد أوقع عليه جزاء خصم خمسة أيام من أجره يكون قد صدر
مخالفاً لأحكام اللائحة ومن ثم غير مشروع متعين الإلغاء.
ومن حيث إن مبنى الطعن أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه إذا أقام
قضاءه على ما سبق بيانه في حين أن أسباب القرار، وهو ما أغلفه الحكم، هو إهمال المطعون
ضده وتقصيره وخروجه على مقتضى الواجب الوظيفي وذلك حين حاول طمس الحقيقة في تبرير غيابه
مدعياً على خلاف الحقيقة أنه قدم طلباً للحصول على الإجازة وهو ما شهد به الشهود الذين
سمعت أقوالهم في التحقيق يضاف إلى ذلك أن الجزاء المقرر وفقاً للائحة أن الموظف الذي
يخرج على مقتضى الواجب الوظيفي وما يجب أن يتحلى به من سلوك وأخلاق حسنة يبدأ من الإنذار
إلى خصم خمسة أيام. ومن ثم فإن الحكم يكون قد جانبه الصواب جديراً بالإلغاء.
ومن حيث إن المستفاد من الأوراق والتحقيقات أنه في 3/ 11/ 1982 قدم مدير إدارة شئون
العاملين بوزارة النقل مذكرة إلى أمين عام الوزارة أورد بها أنه بمراجعة دفتر الحضور
والانصراف بديوان عام الوزارة تبين أن المدعي لم يوقع في الحضور والانصراف يوم 9/ 8/
1982 وأن له رصيداً من الإجازات العارضة مقداره يوم ومن الإجازات الاعتيادية مقداره
9 أيام وقد تأشر من الأمين العام بتاريخ 3/ 11/ 82 على المذكرة بإحالتها للشئون القانونية
لإجراء التحقيق. وبتاريخ 6/ 11/ 1982 باشرت إدارة الشئون القانونية التحقيق وبسؤال
المدعي قرر أنه تغيب فعلاً عن العمل هذا اليوم وأنه قدم باليد إلى السيد/ ……. طلباً
في اليوم التالي مباشرة لاحتساب غيابه إجازة عارضة وأن تغيبه عن العمل كان لأسباب عائلية
وأن طلب الإجازة اعتمد من الأمين العام. وبسؤال السيد/ ……. نفى أن المدعي قد سلمه
طلب إجازة عن اليوم المذكور كما أفاد أمين عام الوزارة أنه لم يعتمد للمدعي إجازة عارضة
عن هذا اليوم. وبسؤال كل من…… و…… و…… وهم من العاملين بإدارة شئون العاملين
نفوا جميعاً ورود طلب إجازة المذكور. وقرروا أن النظام المتبع بشأن الإجازات الواردة
ضمن "بوستة" الأمين العام يتم قيدها في سركى ثم يتم توزيعها على الجهة المختصة.
وفي ضوء ما تقدم أعدت إدارة الشئون القانونية مذكرة بتاريخ 19/ 12/ 1982 انتهت فيها
إلى أن المدعي انقطع عن عمله يوم 9/ 8/ 1982 بدون إذن أو عذر مقبول وأنه خرج على مقتضى
الواجب الوظيفي بادعائه كذباً تسليمه طلب إجازة عنه ولذلك تتعين مساءلته عن ذلك وأن
الجزاء المقرر وفقاً للائحة الجزاءات بالنسبة لما هو منسوب إليه هو الإنذار أو الخصم
خمسة أيام كحد أقصى باعتباره الجزاء الأشد مع الحرمان من الأجر عن يوم الانقطاع. وبتاريخ
22/ 12/ 1982 وافق أمين عام الوزارة على مجازاته بخصم خمسة أيام من راتبه مع احتساب
يوم الانقطاع بدون أجر. وصدر بذلك القرار المطعون عليه.
ومن حيث إنه بالاطلاع على قرار وزير النقل والمواصلات والنقل البحري رقم 2 لسنة 1982
بشأن تنظيم استخدام وقت العمل وتحقق الانضباط الإداري بالديوان العام لكل من وزارة
النقل ووزارة المواصلات يبين أن البند 4 – 10 منه ينص على أنه "يقدم العامل طلب الإجازة
العارضة في اليوم التالي لعودته للعمل إلى الرئيس المباشر….." كما تنص لائحة المخالفات
والجزاءات الصادرة بقرار وزير النقل والمواصلات والنقل البحري الصادرة بالقرار الوزاري
رقم 3 لسنة 1982 على أنه أولاً: المخالفات التي تتعلق بمواعيد العمل…… الانقطاع
عن العمل دون إذن أو عذر مقبول أول مرة يكون الحد الأدنى للجزاء الإنذار وحد أقصى خصم
يوم وعند العودة حد أدنى للجزاء إنذار وحد أقصى 10 أيام مع الحرمان من الأجر عن أيام
الانقطاع……. عدم اتباع الإجراءات المقررة في حالة الانقطاع عن العمل حد أدنى للجزاء
إنذار وحد أقصى خصم يوم وفي حالة العودة إنذار حد أدنى وخصم خمسة أيام حد أقصى "رابعاً:
مخالفات تتعلق بالسلوك…… 2 – الخروج على مقتضى الواجب الوظيفي وما يجب أن يتحلى
به الموظف من سلوك وأخلاق حسنة، أول مرة حد أدنى للجزاء إنذار وحد أقصى خصم خمسة أيام
وعند العودة حد أدنى للجزاء خصم يوم وحد أقصى خصم 10 أيام".
ومن حيث إنه متى كان ذلك وكان الثابت من سياق الوقائع المتقدمة باعتراف المدعي نفسه
أنه انقطع فعلاً عن عمله يوم 9/ 8/ 1982 ولم يثبت من الأوراق ما يفيد حصوله على إذن
قبل انقطاعه أو تقديمه لعذر بعد الانقطاع صادف قبول جهة الإدارة إذ أن جميع الشهود
الذين سمعت أقوالهم نفوا أن ثمة طلباً قد ورد إليهم من خلال الأسلوب المتبع لورود بوستة
أمين عام الوزارة مؤشراً عليه بما يفيد إجازة الأمين العام غياب المدعي وانقطاعه عن
العمل ذلك اليوم فإن هذه المخالفة تكون ثابتة في حقه.
ومن حيث إن قرار الجزاء المطعون فيه الصادر من أمين عام وزارة النقل بمجازاة الطاعن
بخصم خمسة أيام من راتبه لم يكن سببه هو مجرد انقطاع الطاعن عن العمل يوم 9/ 8/ 1982
دون إذن سابق ودون تقديم أسباب مقبولة بعد الانقطاع، ولكن كان سببه هو ادعاء الطاعن
كذباً أنه قدم في اليوم التالي للانقطاع طلباً لأمين عام وزارة النقل وحصل على موافقته
عليه لاعتبار يوم الانقطاع إجازة عارضة ثم سلمه بعد ذلك……. وقد تبين من التحقيق
عدم صحة هذه الواقعة – ولذلك صدر القرار المطعون فيه بمجازاة الطاعن بخصم أجر خمسة
أيام من راتبه – ليس جزاء عن انقطاعه بدون إذن وبدون مبرر يوم 9/ 8/ 1982. ولكن لأنه
سلك مسلكاً لا يتفق والأخلاق الحسنة حين حاول طمس الحقيقة في مجال تبرير المخالفة الأولى
بأن ادعى كذباً وعلى خلاف الحقيقة أنه قدم طلباً إلى أمين عام وزارة النقل في اليوم
التالي وحصل منه على موافقته لاعتبار غيابه إجازة عارضة مصرحاً بها قانوناً. ولا يقبل
من الطاعن الادعاء بأنه قال ما صدر عنه من تبريرات في مجال الدفاع عن نفسه وأنه في
هذا المجال يجوز له أن يكذب إذ يتعين على الموظف أن يلتزم بالصدق الكامل في جميع أقواله
في مجال الوظيفة فلا يكذب ولا يخدع ولا يخرج عن الجادة ويلتزم بالأدب والحسنى في السلوك
وفي القول في كل موقف. وعلى ذلك يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تطبيق القانون حين
جعل سبب القرار المطعون فيه هو انقطاع الطاعن يوم 9/ 8/ 1982. والحقيقة أن سبب القرار
هو ادعاء الطاعن على خلاف الحقيقة أنه قدم طلب إجازة إلى أمين عام وزارة النقل في اليوم
التالي للانقطاع وثبت من التحقيق كذب هذا الادعاء. وقد جوزي الطاعن بالجزاء الأشد المقرر
بحسبانه الجزاء عن الواقعة الأكبر، وهو جزاء الخصم من المرتب لمدة خمسة أيام. ومتى
كان من المتعين أن يلتزم الموظف العام بالصدق في كل ما يصدر عنه من أقوال في مجال الوظيفة
العامة، ولا قياس على ما يجوز قبوله من أقوال غير صحيحة في مجال الدفاع عن النفس في
المجال الجنائي لأن الكذب في المجال الإداري يشكل بذاته مخالفة تأديبية لذلك يكون الحكم
المطعون فيه قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه، الأمر الذي يتعين معه الحكم بقبول الطعن
شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه. وبرفض الطعن التأديبي المقام من الطاعن
أمام المحكمة التأديبية.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبرفض الطعن التأديبي المقام من الطاعن.
