الطعن رقم 946 لسنة 7 ق – جلسة 21 /04 /1962
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ
690
جلسة 21 من إبريل سنة 1962
برياسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي وكيل المجلس، وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 946 لسنة 7 القضائية
بريد – العينات والطرود – نص المادة 195 من التعليمات العمومية
عن الأشغال البريدية والمادتين 293 و305 من قانون مصلحة الجمارك في شأنها – مسئولية
موظفي البريد وحدهم عن فتحها وإخراج محتوياتها وعرضها على مندوب الجمرك لفحصها وتقدير
الرسوم الواجب تحصيلها قانوناً ثم إعادة حزمها – وجوب مراعاتهم حكم المادة 195 سالفة
الذكر بالنسبة للعينات المتماثلة والعينات غير المتماثلة.
يستفاد من نص المادة 195 من التعليمات العمومية عن الأشغال البريدية، تحت باب الرسائل
المحتوية على الأشياء المستحقة عليها رسوم جمركية، ونص المادتين 293، 305 من قانون
مصلحة الجمارك، الخاصتين بفتح الطرود، والأصناف ذات القيمة التجارية الواردة بغير طريقة
طرود البريد القانونية أن الأصل أن العينات تعامل معاملة الطرود. وأن فتح هذه العينات
وإخراج محتوياتها وعرضها على مندوب الجمرك ثم إعادة حزمها كل ذلك عبء ملقى على عاتق
رئيس قلم التوزيع أو التصديق أو وكيله وأحد المستخدمين منهم يباشرون ذلك تحت مسئوليتهم
وحدهم، وزيادة في الحيطة أوجبت التعليمات البريدية ألا يتم ذلك في بريد القاهرة إلا
بحضور مندوب الجمارك. كما أوجبت هذه التعليمات على موظفي البريد، في حالة ورود جملة
ملفات برسم شخص واحد في إرسالية واحدة أن يقوم بعرضها على المندوب الجمركي دفعة واحدة
مع لفت نظره إلى ذلك، ورتبت على إغفالهم هذا الإجراء وتجزئة العرض للعينات مسئوليتهم
فيما لو وقع المحظور وتم الإفراج عنها دون رسم. أما عن مندوب الجمرك فإن القواعد المتقدمة
حددت مهمته فقصرتها على مهمة فحص المحتويات وتقدير الرسوم الواجب تحصيلها دون أن تعتبر
طرود العينات في عهدته في أي وقت من الأوقات، ومع ذلك فإنه في بريد القاهرة، عليه أن
يحضر عملية الفتح التي لا تتم عادة إلا بحضوره، والأصل أن يشير بفتح العينات غير المتماثلة
جميعاً. ويكون الشأن كذلك في العينات المتماثلة إذا حصل اشتباه فقط، ومن ثم ما لم يقع
اشتباه في الأمر، فيكتفي بإجراء عملية جاشنى على عدد منها بمعاينة مدير الجمرك أو المندوب
في تحديد ما يقع عليه الاختيار من العينات للفتح بطريق الجاشنى.
إجراءات الطعن
في 9 من مارس سنة 1961 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة، سكرتيرية
هذه المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم لسنة 7 القضائية
في الحكم الصادر من المحكمة التأديبية لموظفي وزارة المواصلات بجلسة 12 من يناير سنة
1961 في الدعوى التأديبية المقيدة بالجدول العمومي برقم لسنة 2 القضائية وبسجل
النيابة برقم لسنة 1959 المقامة ضد:
1 – عبد الحميد محمود سلامة رئيس قسم العينات المسجلة بهيئة البريد سابقاً، وحالياً
بمكتب بريد الدواوين، درجة سابعة.
2 – محمد عبد المنعم المكي، المراجع بالجمرك، درجة خامسة والذي قضى حضورياً:
1) بعزل عبد الحميد محمود سلامة الموظف بالهيئة العامة للبريد من وظيفته مع الاحتفاظ
له بما قد يستحق من المعاش أو المكافأة.
2) بعزل محمد عبد المنعم المكي الموظف بالجمارك من وظيفته مع الاحتفاظ له بما قد يستحق
من المعاش أو المكافأة.
وطلب السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة للأسباب الواردة في طلب كل من المحكوم بعزلهما باتخاذ
طريق الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا في الحكم التأديبي الصادر ضد كل منهما. وبطلب
إلغائه وبراءة الطاعن الثاني (المكي) مما نسب إليه.
وخلصت صحيفة الطعن إلى أنها قدمت في الميعاد نزولاً على حكم المادة من القانون
رقم لسنة 1958 وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين في ختام صحيفة الطعن الحكم بقبول
طعنه شكلاً وبرفضه موضوعاً. وأعلنت صحيفة الطعن إلى كل من النيابة الإدارية، وكل من
المطعون لصالحهما في 15 من مارس سنة 1961. وعين لنظر هذا الطعن أمام دائرة فحص الطعون
جلسة 21 من مايو سنة 1961 وبعد أن تحمل الطعن عدة تأجيلات بناءً على طلب الخصوم، قدمت
هيئة المفوضين في 24 من ديسمبر سنة 1961 مذكرة بالرأي القانوني في الطعن الذي كانت
قد تقدمت به نزولاً على طلب كل من المحكوم بعزلهما، وانتهت فيها إلى طلب قبول الطعن
شكلاً، ثم بالنسبة للطاعن الأول عبد الحميد محمود سلامة برفض الطعن موضوعاً. أما بالنسبة
للطاعن الثاني محمد عبد المنعم المكي، قبول الطعن موضوعاً والقضاء بإلغاء الحكم المطعون
فيه فيما قضى به من عزل المكي من الخدمة والقضاء ببراءته مما نسب إليه وبجلسة 18 من
فبراير سنة 1962 قررت الدائرة إحالة الطعن أمام المحكمة الإدارية العليا للمرافعة بجلسة
10 من مارس سنة 1962 وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه
المبين بمحضر الجلسة، ثم قررت المحكمة إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم
مع الترخيص في تقديم مذكرات. وفي 26 من مارس سنة 1962 قدم الطاعن الأول (سلامة) مذكرة
انتهى فيها إلى أن درجة خطورة الذنب المنسوب إليه لا تتناسب مع جزاء العدل الذي قضى
به الحكم المطعون فيه كما قدم الطاعن الثاني (المكي) مذكرة في 29 من مارس سنة 1962
خلص فيها إلى طلب الحكم ببراءته مما نسب إليه.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن النيابة الإدارية
أودعت سكرتيرية المحكمة التأديبية لموظفي وزارة المواصلات في 21 من يناير سنة 1960
أوراق الدعوى التأديبية التي قيدت بالجدول العمومي برقم لسنة 2 القضائية وبسجل
النيابة الإدارية برقم لسنة 1959 ضد كل من:
1) عبد الحميد محمود سلامة الموظف بالدرجة السابعة بهيئة البريد.
2) محمد عبد المنعم المكي الموظف بالدرجة الخامسة بالجمارك.
وذلك لأن الأول (سلامة) في المدة من 12 من ديسمبر سنة 1958 إلى 12 من يناير سنة 1959
بهيئة البريد، عمل على تهريب بعض أقمشة حريرية واردة من إيطاليا إلى التاجر (علي حسين
الكاتب) وشركائه، في صورة عينات، لا تحصل عنها الرسوم الجمركية وقد تم تهريب هذه العينات
بإجراءات معينة تؤكد إدانته، وعدم نزاهته وتتعارض مع عمله كموظف يجب أن يكون أميناً
في أداء واجباته، والثاني (المكي) في المدة المذكورة، وفي نفس الجهة الإدارية أفرج
عن هذه الأقمشة دون تحصيل الرسوم الجمركية المقررة عليها. وبذلك يكون الأول (سلامة)
قد ارتكب المخالفة الجمركية المنصوص عليها في قانون الجمارك، واشترك مع الثاني (المكي)
في مخالفة أحكام قانون موظفي الدولة. بأن خرجا على مقتضيات الواجب طبقاً لأحكام المادة
من القانون رقم لسنة 1951. وطلبت النيابة الإدارية محاكمتهما أمام المحكمة
التأديبية.
وبجلسة 12 من يناير سنة 1961 حكمت المحكمة التأديبية لموظفي وزارة المواصلات حضورياً:
أولاً – بعزل عبد الحميد محمود سلامة الموظف بالهيئة العامة للبريد من وظيفته مع الاحتفاظ
له بما قد يستحق من المعاش أو المكافأة.
ثانياً – بعزل محمد عبد المنعم المكي الموظف بالجمارك من وظيفته مع الاحتفاظ بما قد
يستحق من المعاش أو المكافأة. وأقامت المحكمة التأديبية قضاءها على أنه قد بان لها
من الاطلاع على التحقيقات التي أجريت في هذا الشأن أن المتهم الأول (سلامة) يتلقى كل
ما يرد من البلاد الخارجية من عينات ثم يقوم بقيدها وعرضها على مندوب الجمرك المتهم
الثاني (المكي) الذي يفرج عنها أو يتخذ الإجراءات الخاصة بتحصيل الرسوم المقررة عليها
قبل تسليمها للمرسل إليهم ويعاون المتهم الأول (سلامة) في عمله هذا المستخدم خيري سليم.
وأنه في 12 من يناير سنة 1959 فاجأ مساعد مراقب بريد القاهرة (أحمد يحيى أباظة) قسم
العينات بقلم التوزيع وعثر بالدولاب عهدة المتهم الأول (سلامة) على عينات واردة من
إيطاليا إلى (علي حسين الكاتب) رقم شارع الشواذلية بالموسكي، وإلى مصطفى صلاح الدين
قناوي رقم 23 شارع قصر النيل، وإلى اكسيلنت رقم شارع قصر النيل أيضاً، وتبين أن
المظاريف تحتوي على أقمشة حريرية طبيعي وصناعي لصنع الكرافاتات وتخضع للرسوم الجمركية
وعلى الرغم من ذلك فقد سلمت تلك المظاريف بما فيها إلى تلك الجهات التجارية بعد تهريبها
وتسليمها إلى أصحابها التجار دون أن يدفع عنها أي رسوم للجمرك، وبناءً على ذلك أبلغ
قسم الموسكي بالواقعة فتولى التحقيق المبدئي كما قام بتفتيش منزل المتهم الأول (سلامة)
حيث عثر في دولاب ملابسه على ورقة محررة بخطه ثابت فيها أسماء التجار المشار إليهم
مضافاً إليها عنوان تاجر آخر اسمه (عرفة علي عرفة) رقم شارع قصر النيل أيضاً.
وقد شهد (أحمد يحيى أباظة) المراقب المساعد بهيئة البريد بأنه قد نما إلى علمه أن العينات
المشار إليها ترد من الخارج عن طريق النقل الجوي من إيطاليا، ولا تعرض على الجمرك ويتسلمها
التاجر (علي حسين الكاتب) الذي يغطي هذا التهريب بأن ترسل إليه الجهة المصدرة للحرير
من إيطاليا، تلك العينات باسمه بأسماء أخرى وإنما على ذات العنوان وقد ضبط لدى المتهم
الأول سلامة عدد قطعة من حرير هذه العينات وقد بلغ طول القطعة في بعض الأحيان
عشرة أمتار من الحرير، كما حصر التحقيق عدد ما جرى تهريبه على هذا الأساس خلال مدة
شهر واحد مقدار عينة كان المتهم الأول سلامة يسلمها إلى التاجر علي حسين الكاتب
تدريجياً. وقد أنكر المتهم الأول (سلامة) ما نسب إليه وتذرع بأعذار واهية وقال أنه
عرض هذه العينات على مندوب الجمرك (المكي). وقد أنكر المتهم الثاني (المكي) اشتراكه
في الجريمة وقال أنه كان يكتفي بعمل جاشنى على هذه العينات قبل الإفراج عنها وذلك طبقاً
للوائح والتعليمات الجمركية. وانتهى الحكم المطعون فيه، إلى أن المتهم الأول (عبد الحميد
محمود سلامة) كان غير أمين على عمله، وهرب تباعاً لصالح التاجر (علي حسين الكاتب) في
مدة حوالي شهر واحد عدد عينة من الأقمشة الحريرية وارد إيطاليا دون أن يدفع عنها
أي رسم جمركي مما يؤكد أنه كان على اتفاق مع التاجر المذكور لتهريب هذه الأقمشة لصنع
كرافاتات منها وسلب رسومها الجمركية. ويؤيد هذا التواطؤ بين التاجر والمتهم الأول (سلامة)
أن تلك الرسائل وردت تباعاً للتاجر المذكور وتسلمها بنفسه سواء منها ما ورد حقيقة باسمه
الصريح أم ما ورد بأسماء مستعارة تم الاتفاق عليها بين التاجر الكاتب والمتهم سلامة،
وقد ثبت ذلك أيضاً من أن سلامة ضبط محتفظاً لديه بمنزله الخاص بقائمة تحتوي الأسماء
والعناوين المستعارة التي ترسل برسمها تلك الرسالات ولم يستطع المتهم الأول سلامة أن
يرد على تلك الواقعة رداً مقنعاً والدليل المقدم، قاطع على نحو ما جاء بأسباب الحكم
المطعون فيه، على جرمه. ثم قالت المحكمة التأديبية أيضاً أن المتهم الأول سلامة قد
استقطع سبع رسالات باسم المرسل إليه (الكاتب) من بين أربع وعشرين عينة وردت بعد الميعاد
يوم 12 من يناير سنة 1959 وعرضها على مندوب الجمرك وحفظها في مكان خاص تمهيداً لتسليمها
إلى التاجر الكاتب وهذا أيضاً يؤكد الاتفاق بين التاجر والمتهم الأول على تسهيل عملية
التهريب. كما ثبت من التحقيقات أن سلامة سافر إلى الإسكندرية في يوم 18، 19 من ديسمبر
سنة 1958 واستبقى معه مفاتيح القسم لأنه كان يخشى تركها لمن يخلفه من الموظفين فيفتضح
أمره ولذلك آثر استبقاء المفاتيح معه ليستقل، على حد تعبير الحكم المطعون فيه بالغنيمة
الحرام.
وقالت المحكمة التأديبية أنه لا وجه لما ورد بمذكرة دفاع المتهم الأول سلامة من أن
عرض السبع عينات بالذات، على مندوب الجمرك كان بواسطة المندوب ذاته لتسهيل العمل كما
لا وجه لما جاء في أقوال سلامة من أن العينات تفتح طبقاً للمادة من التعليمات
الخاصة بالأشغال البريدية بحضور مندوب الجمارك، فهذا الدفاع لا ينفي الجريمة عن المتهم
الأول. وخلصت المحكمة في أسباب إدانتها للمتهم الأول (سلامة) إلى أن موظفاً هذا حاله
من ناحية عدم أمانته، واشتراكه في التهريب، واتخاذ كافة الوسائل بالاشتراك مع أحد التجار
لتهريب أقمشة حريرية إليه على التوالي، فإنه لا يستحق أن يظل في الوظيفة التي من أول
واجباتها الأمانة، التي إن خانها وجب بتره حتى يسلم المجال الوظيفي من أمثاله ويرتدع
غيره بما لاقاه من سوء المصير.
ومن حيث إنه عن الأسباب التي استند إليها الحكم المطعون فيه إذ قضى أيضاً بعزل المتهم
الثاني (المكي) من وظيفته في الدرجة الخامسة بالجمارك، فإن تلك الأسباب لا تخرج عن
الآتي: (أما بالنسبة للمتهم الثاني المكي فقد ثبت من التحقيق وأقوال التاجر أنه أفرج
عن عينة دون رسوم جمركية مع أنها جميعها يستحق عنها تلك الرسوم. وهذا أمر لا
يمكن أن يتم إلا إذا كان متفقاً مع المتهم الأول سلامة والتاجر علي حسين الكاتب، على
عملية التهريب فلا سبيل إلى إتمام العملية إلا بانضمام المكي إلى العصابة المهربة.
وهذا ظاهر من إفراجه عن كل العينات المذكورة. وبذلك يكون (المكي) شريكاً في الجرم وعليه
يستحق مصير المتهم الأول (سلامة). ولا وجه لدفاع المكي ومحاولته إلقاء المسئولية على
المتهم الأول سلامة، ذلك لأن حلقة الجريمة لا تتم فصولها إلا بانضمام المكي للعصابة
وقد انضم إليها فعلاً كما يبين من تصرفاته".
ومن حيث إنه ولئن كانت صحيفة الطعن المودعة في 9 من مارس سنة 1961 من السيد رئيس هيئة
مفوضي الدولة نزولاً على طلب كل من المحكوم بعزلهما إعمالاً لنص الفقرة الثالثة من
المادة من القانون رقم لسنة 1958 التي تقضي بأن على رئيس هيئة مفوضي الدولة
أن يقيم الطعن في حالات الفصل من الوظيفة إذا قدم إليه الطلب من الموظف المفصول. لئن
كانت صحيفة هذا الطعن قد انتهت إلى طلب الحكم بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً. إلا
أن هذه الهيئة الطاعنة قد خلصت في مذكرتها المودعة أمام هذه المحكمة في 24 من ديسمبر
سنة 1961 إلى أنها ترى الحكم:
أولاً – بقبول الطعن شكلاً.
ثانياً – برفضه موضوعاً بالنسبة للمتهم الأول (سلامة).
ثالثاً – بقبول الطعن موضوعاً بالنسبة للمتهم الثاني (المكي) وبإلغاء الحكم المطعون
فيه فيما قضى به من عزله من الخدمة والحكم ببراءته مما نسب إليه. وقد أقامت مذكرة هيئة
المفوضين رأيها هذا على أنه فيما يتعلق بالمتهم الأول (سلامة) فإن الدلائل والقرائن
والملابسات قاطعة كلها في أن هذا المتهم قد تواطأ مع التجار المرسل إليهم العينات الحريرية
لصنع الكرافاتات وانحرف في سلوكه الوظيفي، الأمر الذي يمس أمانته ونزاهته وهي أولى
الصفات الواجب توافرها في الموظف. فإذا هو تخلى عنها فقد شرط الصلاحية للبقاء في الوظيفة،
وهي شرط أساسي لاستمرار رابطة التوظف طبقاً لنص المادة السادسة من القانون رقم لسنة 1951 في شأن نظام موظفي الدولة. أما فيما يتعلق بالمتهم الثاني (المكي) فترى مذكرة
الطعن أن التحقيقات قد خلت من أي دليل يقطع باتفاق المتهم الثاني وهو مندوب الجمرك
مع المتهم الأول مندوب البريد في واقعة الاتهام وهي تهريب الأقمشة الحريرية في صورة
عينات لصنع الكرافاتات. وقد ثبت من أقوال الشهود أن المتهم الثاني (المكي) قد قام بما
يوجبه عليه عمله، وهو إجراء عملية (الجشنى) على العينات المضبوطة بوصفها عينات متماثلة،
وهذا القدر كان كافياً في ذاته أمام الظروف التي أحاطت بالواقعة لتحقق الواجب الوظيفي
الملقى على عاتقه إذ لم يكن من الميسور عليه إزاء الأسلوب الذي لجأ إليه المتهم الأول
(سلامة) أن يكشف تلاعبه بالعينات، ومن ثم فليس هناك ما يدعو إلى التشكك في أمانته أو
أدائه لواجبه الوظيفي ومن التجوز أن ينسب إليه تواطؤ أو سوء قصد أو تقصير أو إهمال
يمكن أن يؤاخذ عليه. وإذ كان الجزاء أساسه الجزم واليقين فلا يستساغ الربط بين المتهم
الثاني (المكي) وبين المتهم الأول (سلامة) لمجرد قول الحكم المطعون فيه أن الحلقة الإجرامية
لا يمكن أن تتم إلا باتفاق (المكي) لأن الدليل في هذه الحالة يكون أساسه الاستنتاج
والظن الذي لا يغني عن الحق شيئاً. وانتهت مذكرة هيئة المفوضين إلى الإشارة أن (المكي)
لم يعلق به أي اتهام أو يوقع عليه أي جزاء خلال مدة خدمته التي قربت على الثانية والثلاثين
عاماً.
ومن حيث إن وقائع الاتهام الذي ساق إلى المحاكمة التأديبية وأدى إلى صدور الحكم المطعون
فيه بعزل كل من:
1) عبد الحميد محمود سلامة رئيس قسم العينات المسجلة بهيئة البريد وهو موظف بالدرجة
السابعة.
2) محمد عبد المنعم المكي الموظف من الدرجة الخامسة الإدارية في وظيفة مراجع بجمرك
القاهرة، قد بدأت تلك الوقائع ببلاغ قدمه في 12 من يناير سنة 1959 مساعد مراقب بريد
القاهرة (أحمد يحيى أباظة) إلى السلطات الإدارية الرئاسية يقول فيه أنه علم من مصدر
سري بأن هناك عينات مسجلة كثيرة تتسرب تباعاً من قلم التوزيع إلى أصحابها بدون أن تعرض
على الجمرك أو بالاتفاق مع موظفي الجمرك. فقام المبلِّغ فوراً بتتبع تلك العينات من
مدة حتى وجد يوم تقديم البلاغ ست عينات بقسم الموزعين باسم التاجر (علي حسين الكاتب)
بالشواذلية بالموسكي وتلك العينات بأرقام (6496، 6499، 6495، 6500، 6497، 6493) كما
تبين له أن نفس هذا التاجر قد تسلم بالأمس في 11/ 1/ 1959 ست عينات أخرى تحت أرقام
(5885، 5886، 5887، 5876، 5880، 58879) وكلها واردة من إيطاليا من الحرير الطبيعي أو
الصناعي لصنع الكرافاتات. كما وجد المبلِّغ عند الموظف (عبد الحميد محمود سلامة) تحت
التسليم كمية أخرى من العينات عددها أيضاً ستة أخرى منها واحدة رقم باسم التاجر
(علي حسين الكاتب) وثلاث عينات أرقام (6693، 6692، 6694) باسم مصطفى صلاح الدين مرسي
قناوي تاجر بشارع شريف باشا عمارة وهبة. وثلاث عينات أخرى بأرقام (6689، 6690، 6691)
باسم محل اكسلانت مودرن رقم 33 شارع قصر النيل. وأن جميع هذه العينات واردة من إيطاليا
من مصدر واحد وشكل غلافها واحد. وقد فتح غلاف أحد هذه العينات رقم باسم التاجر
علي حسين الكاتب فوجد بها قطعة قماش حرير تصلح لعمل كرافاتات منها. وهذه العينات أفرج
عنها دون دفع رسوم جمركية عنها. وتبين أن هذه العملية تجري بانتظام ولذلك فإن المبلِّغ
أودع تلك العينات بخزينة المراقبة لحين إخطار الشرطة والمباحث والجمارك، وما كاد هذا
البلاغ يصل إلى مراقب بريد القاهرة حتى انتقل فوراً بعد ظهر يوم 12 يناير سنة 1959
إلى مكان الواقعة وأخطر رئيس قلم التوزيع وأبلغ شرطة قسم الموسكي فحضر ضابط المباحث
وقام بحصر العينات الواردة إلى أسماء التجار المشار إليهم في البلاغ. ثم قام البوليس
في مبنى هيئة البريد بفض المظاريف الثلاثة عشر التي ضبطت في يوم 12/ 1/ 1959 فتبين
أن المظروف رقم يحتوي على سبع قطع من الحرير قرر مثمن الجمرك أن كلاً منها يصلح
لعمل رباط رقبة – كرافات – وأن بالمظروف رقم قطعة من الحرير الطبيعي طولها
عشرة أمتار وعرضها سبعون سنتيمتراً وأن بالمظروف رقم ست قطع حرير تصلح كل منها
لعمل كرافات. وثابت بمحضر تحقيق الشرطة رقم في 12 من يناير سنة 1959 الساعة الثامنة
مساءً، وبعد أن سأل الضابط المحقق معاون قسم الموسكي، المتهم الأول عبد الحميد سلامة،
الذي أدلى بأقواله تفصيلاً ثابت أن الضابط المحقق استأذن المتهم في تفتيش منزله يوم
اكتشاف الواقعة وتقديم البلاغ، فوافق المتهم على التفتيش ووقع المحضر بالموافقة فانتقل
مع المحقق والشهود إلى منزله في الساعة الحادية عشر ليلاً وأثبت الضابط المحقق أنه
لم يعثر بالمنزل على شيء من عينات الكرافاتات وإنما وجد بدولاب ملابس المتهم الأول
(سلامة) ورقة محررة بالحبر الأزرق فيها عنوان (اكسلنت بعمارة وهبة شارع شريف 33 قصر
النيل وكذلك أسماء مصطفى صلاح الدين قناوي، وعلي علي عرفة، وعلي حسين الكاتب رقم شارع الشواذلية)، وبسؤال المتهم عن سر احتفاظه بهذه العناوين بدولاب ملابسه بمنزله
الخاص قرر المتهم سلامة أنه "كان هناك استعلام عن طرود واردة بأسماء المذكورين" وفي
13 من يناير سنة 1959 تقدم رئيس قلم التوزيع بمراقبة بريد القاهرة تقريراً عن الواقعة
جاء فيه "أن مساعد المراقب قام بفحص العينات الموجودة بالقلم ثم استدعى (عبد الحميد
محمود سلامة) المختص بالعينات المسجلة من منزله بعد انتهاء عمله وتبين أن هناك عينات
مسجلة ترد من ايطاليا بطريق النقل الجوي باسم التاجر (علي حسين الكاتب رقم 9 شارع الشواذلية
بالقاهرة، ومحل اكسلانت بشارع شريف) وذلك بطريقة متتابعة حيث تبين أن ست عينات مسجلة
سلمت في 11 يناير سنة 1959 وست عينات أخرى قيدت بتاريخ أمس 12/ 1/ 1959 وكانت تحت التسليم،
ثم تبين وجود سبع عينات أخرى مسجلة بخزينة قسم العينات المسجلة ثم استخرجها عند حضور
(عبد الحميد سلامة) الذي كانت في عهدته، وبالرجوع إلى الدفاتر رقم (21 تحت رقمي 2،
11) اللذين تقيد بهما مراسلات وعنوانات المرسل إليهم والسالف ذكرهم في المادة من 28/
12/ 1959 إلى يوم 7/ 12/ 1959 تبين أن خمسين عينة من نفس الجهة المرسل منها وهي إيطاليا
قد سلمت إلى أولئك التجار وجاري البحث لحصر العينات التي تسربت عن هذا الطريق بدون
دفع رسوم جمركية عنها. وقال رئيس قلم التوزيع أنه حضر للمراقبة واطلع على إحدى هذه
العينات التي فتحت أمامه فوجد بها حرير يبلغ طوله حوالي ستة أمتار من النوع الخاص بصنع
الكرافاتات". وقدم مدير جمرك القاهرة مذكرة جاء فيها (أن موظفي مصلحة البريد يقومون
بفرز الملفات والمظاريف التي ترد بغير طريقة طرود البريد القانونية وتسليم المشتبه
في كونها تحتوي على أصناف يستحق عليها رسوم جمركية على مندوب الجمرك لتحقيق مشتملاتها
وإجراء اللازم نحو تحصيل الرسوم الجمركية على الملفات التي يتضح أن بداخلها أصناف تجارية
أو أصناف يستحق عليها رسوم جمركية. ونظير ذلك تحصل غرامة لحساب موظفي مصلحة البريد.
وبالتطبيق لأحكام قانون الجمارك، فإن الأصناف ذات القيمة التجارية الواردة بغير طريقة
طرود البريد القانونية تعتبر أساساً وكمبدأ، بضائع مهربة، وتكون عرضة للمصادرة وتوقع
غرامة بمقدار مثلي رسوم الوارد المستحقة عليها. على أنه لا تحصل رسوم ولا غرامة على
ملفات العينات التي لا يزيد مجموع الرسوم والعوائد الإضافية المستحقة عليها على ستين
مليماً. إلا أنه في حالة ورود جملة ملفات من هذا القبيل برسم شخص واحد، وفي إرسالية
واحدة، فلا تعفى من الرسوم إلا في حالة التأكد من أن إرسالها بهذه الكيفية لم يقصد
به التهريب من الرسوم فيما لو وردت المحتويات في ملف واحد. وتبعاً لذلك يتعين على مندوب
البريد عرض مثل هذه الملفات على مندوب الجمرك دفعة واحدة. وفي حالة حفظها طرفه وتقديم
ملف أو أكثر في أيام متفاوتة، وعدم لفت نظر مندوب الجمرك من أنها واردة برسم شخص واحد
وفي إرسالية واحدة، يعتبر مسئولاً في حالة ما إذا ترتب على ذلك الإفراج عن هذه الملفات
بدون رسوم باعتبار أن كل ملف في حد ذاته لا يعتبر ذا قيمة تجارية). وفي 14 من يناير
سنة 1959 أصدر السيد مدير عام هيئة البريد قراراً بتشكيل لجنة إدارية فنية لفحص قسم
عينات الجمرك بقسم تسجيل الوارد بقلم توزيع القاهرة حيث وقعت الجرائم المنسوبة إلى
كل من المتهمين سلامة والمكي.
ومن حيث إن المستفاد من الاطلاع على تقرير اللجنة الإدارية الفنية المذكورة هو أن عملية
موظف البريد تنحصر في عرض هذه العينات على موظف الجمرك مغلقة ليتخذ بشأنها ما يراه
فيأمر بفتح العينة لمشاهدة محتوياتها، وقد يؤشر على العينات دون فتحها. ويباشر هذه
العملية أولاً كشاف الجمرك الذي يقوم بالإفراج عن بعض عينات وحجز الباقي الآخر ليعرض
على الكشاف المثمن الذي قد يفرج عن جزء من هذا الباقي، أما الأخير فيحرر عن كل عينة
منه شهادة جمركية، ثم يقوم مستخدما البريد (سلامة ومساعده خيري سليم) بغلق العينات
ثم بتشميعها بختم القسم بالشمع الأسود والعينات المفرج عنها تسلم للطاولة وغير المفرج
عنها التي رأى موظف الجمرك أنها تستحق تحصيل رسوم جمركية عنها ترسل إلى الجمرك ليتخذ
بشأنها الإجراءات اللازمة. ثم استطردت اللجنة الفنية قائلة في تقريرها: أنها قامت بفحص
موضوع البلاغ المقدم في 12/ 1/ 1959 من السيد أ/ مساعد مراقب بريد القاهرة فرجعت إلى
الأوراق من أول ديسمبر سنة 1958 لغاية يوم البلاغ في 12/ 1/ 1959 وأسفر فحصها عن أنه
قد ورد من هذه العينات عدد عينة ثبتت بأربعة جداول مرفقة بالتقرير ومبين بكل
منها رقم العينة وتاريخ ورودها، واسم المرسل إليه، وتاريخ تسليمها لقسم عينات الجمرك
وتاريخ خروجها للطاولة وتسليمها لقسم سعاة التوزيع وتاريخ توزيعها. وقد راجعت اللجنة
عملية العينات في مدة الأربعين يوماً السابقة لتاريخ البلاغ. فكان يجري عليها ما جرى
في عينات يوم 12/ 1/ 1959 فقد ورد للقسم عينات على دفعات عرضت على موظف الجمرك، وما
أفرج عنه سلم للطاولة وما استحق رسوم جمركية عليه سلم للجمرك. وتبقى عينة لم تعرض
على موظف الجمرك وثبت بالدفتر (17 ب) أنها باقية لليوم التالي. ثم تسلم القسم بعد قفل
حساب عملية يوم 12/ 1/ 1959 عدد عينة اتخذت بشأن سبع منها الإجراءات وشمعت بالشمع
الأسود، وضبطت بالدولاب حيث ما كان يجوز أن توجد فيه. وقامت اللجنة بسؤال وكيل قلم
التوزيع فأجاب بأن جميع العينات الباقية لم يعرض شيء منها على كشاف الجمرك ودلل على
ذلك بعدم توقيعات مندوب الجمرك على غلافات العينات كالمعتاد كما أنها لم تختم بالشمع
وأنه استخلص من ذلك بأنها لم يتخذ بشأنها أي إجراء. ولما سألت اللجنة رئيس تسجيل الوارد
بقلم التوزيع عن تصرفات عبد الحميد سلامة بشأن الإجراءات التي اتبعها في العينات السبع
التي وجدت في دولابه فضلاً عن أن البوليس عثر عند تفتيش منزله على ورقة بها أسماء التجار
المشار إليهم أجاب رئيس التسجيل بأن ذلك يدعو إلى الشك في تصرفات الموظف المذكور وما
كان يجوز له الاتصال بالتجار المرسل إليهم تلك العينات. ثم سألت اللجنة رئيس قسم العينات
فأجاب بأن العينات الباقية من عملية يوم 12 من يناير سنة 1959 لم تعرض على موظف الجمرك
(المكي) وكذلك العينات السبعة عشر الباقية من الأربعة والعشرين عينة المسلمة لقسم العينات
في اليوم المذكور بعد إقفال حساب اليوم وعلل ذلك بعدم وجود توقيع على غلاف هذه العينات
كالمتبع، ثم بعدم تشميعها بالشمع الأسود كالمعتاد، ثم أنها لو كانت قد عرضت لرفض مندوب
الجمرك الكشف عليها لأن وضعها غير سليم، ثم قرر هذا الشاهد بأنه يعتبر تصرفات المتهم
عبد الحميد سلامة تصرفات مريبة تدعو إلى الشك. وقال وكيل قلم التوزيع أن حكمة تعيين
فراز مع معاون القسم سلامة هو أن يكون كل منهما رقيباً على الآخر وقال أن التقاط سبع
عينات من الكيس الذي لم تدخل محتوياته عملية يوم 12 من يناير سنة 1959 واتجاهها نحو
خط سير خاص يعتبر سوء نية من الموظف عبد الحميد سلامة، وأضاف الشاهد بأن المتهم الأول
ربما غافل زميله خيري سليم وتلاعب في العينات لأنها في عهدة سلامة يحفظها تحت القفل.
وخلص تقرير اللجنة الفنية إلى أن المستفاد من عملية الفحص ومن محضري تحقيق البوليس
واللجنة أن المتهم عبد الحميد سلامة رئيس قسم عينات الجمرك قد عامل العينات موضوع البلاغ
معاملة خاصة للأسباب الآتية:
1) وجود عينات سبعة مخفية في دولابه، ومفرج عنها بتوقيع كشاف الجمرك على غلافها وتشميعها
بالشمع الأسود في حين أنها واردة ضمن عينات أخرى سلمت للقلم بعد قفل حساب يوم 12 من
يناير سنة 1959 مميزاً لها عن باقي العينات وأنه تبقى لديه بدون عرض من عملية يوم 12/
1/ 1959 عدد عينة ثبت من أقوال الموظف الذي كلفته اللجنة بالفحص أنها لم تعرض
على كشاف الجمرك.
2) عثر البوليس عند تفتيش منزله في ليلة تقديم البلاغ، على ورقة مكتوبة بالحبر الأزرق
بدولاب ملابسه عليها العناوين الآتية:
(عمارة وهبة شارع شريف باشا 33 شارع قصر النيل 9 شارع الشواذلية) وهي العناوين الواردة
إليها الثلاثة عشر مظروفاً التي ضبطت بمعرفة مساعد مراقب البريد. وانتهت اللجنة الفنية
إلى أن موقف المتهم عبد الحميد سلامة مشين وأنه قد امتنع عن الإدلاء بأقواله أمام اللجنة
الفنية. وقالت اللجنة أن مساعد سلامة وهو خيري سليم لم يكن على شيء من اليقظة عندما
كان سلامة يعامل عينات معينة معاملة خاصة تدعو إلى الريبة والشك. ويلاحظ أن تقرير هذه
اللجنة الفنية لم يعرض بأي نقد إلى موقف مندوب الجمرك (المكي) من هذه الوقائع أو من
ذاك الاتهام. وجاء في مذكرة النيابة الإدارية رقم (43/ 1959) أن النيابة الإدارية واجهت
التاجر علي حسين الكاتب بكل ما تقدم فقرر أنه لا يعرف عن هذا الموضوع أكثر من أن المظاريف
موضوع التحقيق وغيرها وردت فعلاً باسمه وباسم بعض شركائه وأنه مستعد لدفع كافة الرسوم
الجمركية على العينات المضبوطة والتي سبق أن تسلمها، كما أنه أنكر أي صلة له بمستخدمي
البريد أو الجمارك ونفى علمه شيئاً عن الورقة التي ضبطت بدولاب ملابس عبد الحميد سلامة
بمنزله الخاص. وبمواجهة هذا التاجر أخيراً بالثلاثة عشر مظروفاً المضبوطة ووجود أقمشة
حريرية للكرافاتات بداخلها قرر أنه لا يعرف عنها شيئاً لأنه لم يصله أي إخطار بشأنها.
وبسؤاله عن باقي المظاريف التي وصلت إليه خلال الشهر السابق لتقديم البلاغ قرر أنه
لا يحتفظ بأي مظروف قديم وبمواجهته بالقصاصات التي وجدها البوليس بمحله عند إجراء التفتيش
عقب وصول البلاغ وكلها قاطعة في الدلالة على تلقيه أقمشة حريرية للكرافاتات من إيطاليا
عن طريق العينات المهربة دون دفع رسوم جمركية عليها بلغت عن مضبوطات يوم واحد حسب تقرير
الخبير المثمن الجمركي خمسين جنيهاًً مصرياً أو يزيد، فإن هذا التاجر لم يدل ببيان
شاف أو رد مقنع يخفف من وطأة الاتهام.
ومن حيث إنه يتعين، بادئ ذي بدء وقبل توجيه الاتهام إلى كل من موظف البريد وهو المتهم
الأول سلامة، وموظف الجمارك، وهو المتهم الثاني (المكي) وبيان مناط اختصاص كل منهما
في عملية تلقي العينات ومعاينتها وفتحها وعرضها والإفراج عنها وتسليمها إلى أصحابها،
وتحديد المجال القانوني الذي يعمل في نطاقه كل منهما طبقاً للتعليمات المصلحية واللوائح
الجمركية. فقد جاءت المادة من التعليمات العمومية عن الأشغال البريدية تحت باب
الرسائل المحتوية على الأشياء المستحقة عليها رسوم جمركية، تنص على ما يأتي: "كافة
أنواع الرسائل الواردة من الخارج المحتوية على أشياء مستحق عليها رسوم جمركية، أو يشتبه
في احتوائها علي أشياء مستحق عليها رسوم جمركية تعامل كما يأتي: أولاً… ثانياً…
ثالثاً…. رابعاً: الرسائل المخلص عليها برسوم العينات الواردة من الخارج وليس عليها
إحدى البطاقتين المذكورتين أو أي عبارة تفيد طلب عرضها على الجمارك يتبع فيها ما يأتي:
( أ )… (ب) إذا كانت برسم نفس الجهة الموجودة بها مكتب التبادل الواردة عن طريقه
يجب أن تفتح في قلم التوزيع أو التسجيل حسب الحالة بمعرفة رئيس القلم أو وكيله وأحد
المستخدمين، فإن وجدت محتوياتها يستحق عليها رسوم جمركية ترسل إلى قلم طرود الجمرك
لعرضها على الجمارك لتقدير قيمة العوائد الجمركية المستحقة عليها. أما في إدارة بريد
القاهرة فتفتح بحضور مندوب مصلحة الجمارك المعين لهذا الخصوص". وقد جاء في أقوال مندوب
مصلحة البريد أمام السيد مفوض الدولة أمام المحكمة الإدارية العليا: "أن رئيس العينات
لا يقوم بفتح العينات إلا بحضور مندوب الجمارك وأن عملية الجاشنى تتم إذا كانت هناك
مجموعة من العينات برسم مرسل إليه واحد، ومصدرة من بلد واحد، فيختار العدد الذي يطلبه
للفتح والكشف، أما إذا كانت المجموعات صادرة من بلاد متفرقة فإنها يجب أن تفتح كلها
لعدم التأكد مما تحتوي عليه تلك العينات. وأن توقيع مندوب الجمرك على العينات المفرج
عنها يدل على أنه أجرى عملية الجاشنى. وأن العادة أن العينة التي تفتح لا يمكن غلقها
كما كانت عليه قبل الفتح بالنظر إلى كثرة العمل، ولا يمكن تحديد ما إذا كان المندوب
الجمركي أجرى جليشنى أم أنه قام بفتح العينات نظراً لأن جميع العينات تشمع وتختم. ولا
يمكن تحديد المظاريف التي فتحت من المجموعة". وأمام السيد المفوض أجاب المتهم الثاني
– مندوب الجمارك – المكي أن موظفي البريد هم الذين يقومون بفتح العينات وعرضها عليه،
وأنه فيما يتعلق بشأن الـ عينة المضبوطة فقد قام هو (المكي) بعملية جاشنى عليها
لأنها كانت في مظاريف مقفلة بدبوس أي أنها كانت شبه مفتوحة وقد رأى بها قصاصات أقمشة
لا يستحق الرسم عليها لأول وهلة. وأن مندوب البريد (سلامة) لا بد وأن يكون قد استبدل
في غيابه وقبل حضوره أو بعد انصرافه مشمول هذه العينات بطريق الغش ثم أفرج عنها على
هذا الأساس. وأن سلامة هو الشخص الوحيد الذي يستلم العينات من زملائه ويفرزها بنفسه
على حدة دون مراقبة من مندوب الجمارك (المكي) أو حتى من موظفي البريد الآخرين. ثم يقوم
سلامة بوضعها على الطاولة لحين حضور مندوب الجمارك (المكي) حوالي الساعة العاشرة صباحاً.
في حين أن مندوب البريد (سلامة) يحضر عادة إلى مكان عمله من الساعة السابعة صباحاً.
وبالاطلاع على قانون مصلحة الجمارك تنص المادة على أنه "فتح الطرود – لأجل إجراء
الكشف الجمركي يباشر عمال البريد تحت مسئوليتهم وحدهم فتح الطرود واستخراج محتوياتها
وإعادة حزمها أما الجمرك فيقتصر عمله على فحص المحتويات وتقدير الرسوم الواجب تحصيلها
دون أن تعتبر الطرود في عهدته في أي وقت من الأوقات… وتختم الطرود التي فتحت بختم
مصلحة البريد"، وتنص الفقرة الأخيرة من المادة السابعة من الملحق رقم من اللائحة
الجمركية على أنه: (… وأما طرود البريد فتكشف جميعها وتراجع محتوياتها وإذا لم يحصل
اشتباه بوجود احتيال فيكتفي بمراجعة إجمالية على عدد معلوم من تلك الطرود يعينه مدير
الجمرك). وتنص المادة من قانون مصلحة الجمارك على أن "الأصناف ذات القيمة التجارية
الواردة بغير طريقة طرود البريد القانونية – جميع البضائع ذات القيمة المستحق عليها
رسم الوارد التي ترد بالبريد بغير طريقة طرود البريد القانونية تعتبر كمبدأ كبضائع
مهربة، وتكون عرضة للمصادرة وتوقع غرامة بمقدار مثلي رسوم الوارد المستحق عليها. ويجوز
في حالة العود زيادة الغرامة إلى ستة أمثال الرسوم. ومع ذلك فإن المصلحة تتجاوز في
الواقع عن تطبيق المبدأ الآنف الذكر في الأحوال الآتي بيانها: – 1 – لا تحصل رسوم ولا
غرامة عن ملفات العينات التي لا يزيد مجموع الرسوم والعوائد الإضافية المستحق عليها
على ستين مليماً. وفي حالة ورود جملة ملفات من هذا القبيل برسم شخص واحد، وفي إرسالية
واحدة لا تعفى من الرسوم إلا في حالة التأكد من أن إرسالها بهذه الكيفية لم يقصد به
التهرب من الرسوم فيما لو وردت المحتويات في ملف واحد..) ومفاد ذلك أنه يتعين على مندوب
البريد عرض مثل هذه الملفات على مندوب الجمرك دفعة واحدة، وفي حالة حفظها طرفه وتقديم
ملف أو أكثر في أيام متفاوتة مع عدم لفت نظر مندوب الجمرك إلى أنها واردة برسم شخص
واحد في إرسالية واحدة يعتبر مندوب البريد مسئولاً عندما يترتب على موقفه الإفراج عن
تلك العينات بدون رسوم وأساس ذلك هو اعتبار أن كل ملف عينة – في حد ذاته لا يعتبر وحده
ذا قيمة تجارية. وجاء في الفقرة الثالثة من البند الخامس من المادة من قانون
الجمارك أن (الملفات المشار إليها آنفاً تكون خاضعة فيما يتعلق بالإجراءات الجمركية
للأنظمة المتبعة نحو طرود البريد. ومع ذلك فإن مصلحة البريد تحرر عنها استمارة رقم
وتعطي لها نمرة مسلسلة وتقوم مقام حوافظ الطريق). والفهم الصحيح لهذه الأحكام
والتعليمات هو أن الأصل أن العينات تعامل معاملة الطرود. وأن فتح هذه العينات وإخراج
محتوياتها وعرضها على مندوب الجمرك ثم إعادة حزمها كل ذلك عبء ملقى على عاتق رئيس قلم
التوزيع أو التسجيل أو وكيله وأحد المستخدمين، فهم يباشرون ذلك تحت مسئوليتهم وحدهم،
وزيادة في الحيطة أوجبت التعليمات البريدية ألا يتم ذلك في بريد القاهرة إلا بحضور
مندوب الجمارك. كما أوجبت هذه التعليمات على موظفي البريد، في حالة ورود جملة ملفات
برسم شخص واحد في إرسالية واحدة أن يقوم بعرضها على المندوب الجمركي دفعة واحدة مع
لفت نظره إلى ذلك ورتبت على إغفالهم هذا الإجراء وتجزئة العرض للعينات مسئوليتهم فيما
لم وقع المحظور وتم الإفراج عنها دون رسم. أما عن مندوب الجمرك فإن القواعد المتقدمة
حددت مهمته فقصرتها على مجرد فحص المحتويات وتقدير الرسوم الواجب تحصيلها دون أن تعتبر
طرود العينات في عهدته في أي وقت من الأوقات. ومع ذلك فإنه في بريد القاهرة عليه أن
يحضر عملية الفتح التي لا تتم عادة إلا بحضوره. والأصل أن يشير بفتح العينات غير المتماثلة
جميعاً. ويكون الشأن كذلك في العينات المتماثلة إذا حصل اشتباه فقط. ومن ثم فما لم
يقع اشتباه في الأمر فيكتفي بإجراء عملية جاشنى على عدد منها يعينه مدير الجمرك أو
المندوب في تحديد ما يقع عليه الاختيار من العينات للفتح بطريق الجاشنى. وعلى هدي ما
تقدم من قواعد وأصول، وفي ضوء التحقيقات التي تمت والمعاينات التي وقعت، وفي ظل أقوال
الشهود يتعين تحديد مدى مسئولية كل من المتهمين: موظف البريد سلامة، وموظف الجمارك
المكي ولنتعرف مدى سلامة أو خطأ الحكم التأديبي المطعون فيه وما انتهى إليه من عزل
كل منهما بغير تفريق.
ومن حيث إنه بالنسبة للمتهم الأول عبد الحميد محمود سلامة فإنه يخلص من التحقيقات وأقوال
الشهود والقواعد التي تحكم العملية التي يقوم بها هذا المتهم بوصفه رئيساً لقسم العينات
بمصلحة البريد أنه يهيمن على طرود هذه العينات هيمنة تامة لا تحد بأي رقابة فعلية.
فهو الذي يتسلم العينات ويعطي إيصالاً عنها ويضبط حساباتها ويتخذ إجراءات فحصها وعرضها
على المندوب الجمركي (المكي) ثم يقوم بإعادة غلقها وكل أولئك بغير رقيب عليه أو حسيب،
ولا يعدو عمل الفراز أو الموزع الذي يعاونه – خيري سليم أن يكون عملاً مادياً بحتاً،
وقد ثبت من أقوال هذا الأخير أنه لا يعلم شيئاً من أمره فقد كان مجرد أداة في يد المتهم
سلامة يحركها كيف يشاء. وهكذا كان المجال في ذاته مهيأ لهذا المتهم للعبث والتلاعب
بالطرود والعينات التي في عهدته خاصة إذا كانت هذه العينات من النوع الذي يسهل العبث
به نتيجة لسهولة فض محتوياته وإعادتها كما حدث في واقعة الاتهام. وقد ثبت من التحقيقات
ومن القرائن والملابسات أن هذا المتهم كان يعامل العينات المضبوطة، التي كانت ترد في
مصدر واحد من إيطاليا، إلى تاجر بذاته في القاهرة معاملة خاصة وكان هذا التاجر يتستر
وراء أسماء وعناوين مستعارة وكانت تلك العينات ترد تباعاً، وفي تسلسل، وعلى نحو مطرد
تحمل في ثناياها قطعاً كبيرة من الحرير الطبيعي والصناعي وتصلح كل منها لعمل عدد من
الكرافاتات رغم أن شكل المظاريف وحجمها يدعو لأول وهلة للريبة والشك مما لا يمكن أن
يخطئه نظر رئيس قسم العينات تمرس في هذا العمل وبذلك كانت تفلت هذه العينات من الرقابة
الجمركية ومن دفع تحصيل الرسوم المقررة عليها فتضيع على خزانة الدولة أموالاً، على
مر الأيام والشهور والسنين، لا يمكن إدراك مداها. فالمظاريف الثلاثة عشر التي أمكن
ضبطها في يوم واحد قدمت الدليل القاطع على أن عملية فتحها واستبدال محتوياتها بقصاصات
قبل العرض على المندوب الجمركي (المكي) وإدخال الغفلة عليه أمر ميسور خاصة وأن هذه
المظاريف خالية من أي بيان يدل علي محتوياتها سوى عبارة (عينة بلا قيمة) وقد اشتدت
حلقة الاتهام عند تفتيش منزل المتهم سلامة إذ عثر ضابط البوليس المحقق، بدولاب ملابسه
علي ورقة مكتوبة بالحبر الأزرق تحوي العناوين المستعارة المرسلة إليها العينات الثلاثة
عشرة، ولم يستطع المتهم سلامة أن يبرر أو يعلل وجودها عنده في داره، غير أنه قال أن
أحد الأفراد الذين لا يعرفهم قد أملاها عليه بقصد الاستعلام بعد خروجه من مكتبه الرسمي،
وهي حجة ساذجة لا تستقيم وأي عقل. كما تبين أن سبعة من تلك المظاريف وجدت مخفية بدولابه
الخاص بالمصلحة بعد التوقيع على غلافها من الكشاف الجمركي بالإفراج عنها وتشميعها بالشمع
الأسود، وذلك دون علة ظاهرة في حين أنها واردة ضمن عينات أخري سلمت للقلم بعد قفل حساب
يوم 12 من يناير سنة 1959 وفي ذلك تمييز لها عن العينات الأخرى التي كانت متبقية لديه
بدون عرض من عملية يوم 12 من يناير سنة 1959 وكان عددها عينة. وكذلك عن العينات
التي وردت معها وعددها عينة. كما أن هذه العينات السبع كان من الواجب أن تأخذ
طريقها إلى قسم التوزيع بعد الإفراج عنها ولا شك أن حفظها في دولابه الخاص يدل على
أنه يؤثرها وأصحابها بمعاملة خاصة فضلاً عما ينطوي عليه هذا التصرف من التبعيض والتجزئة
الذي يسهل أمر إفلاتها من الرقابة دون فرض الرسوم عليها. وقد قرر الشهود جميعاً من
رجال مصلحة البريد والجمارك أن تصرفات المتهم سلامة تتسم بالريبة والتلاعب المقصود
وتدل على اتصاله بالتجار المرسل إليهم تلك العينات. ومن ثم فإن هذه الدلائل والقرائن
والملابسات كل أولئك قاطع في أن هذا المتهم سلامة قد تواطأ مع التجار المرسل إليهم
تلك العينات وغيرها وأنه قد انحرف في سلوكه الأمر الذي يمس أمانته ونزاهته وهي أولى
الصفات الواجب توافرها في الموظف عامة وفي من يعمل بمصلحة البريد بوجه خاص. فإن هو
تخلى عن هذه الأمانة فقدْ فقدَ شرط الصلاحية للبقاء في خدمة وظيفته، وهو شرط أساسي
لاستمرار رابطة التوظف بالتطبيق لنص المادة السادسة من القانون رقم لسنة 1951.
وإذا رجعنا إلى ملف خدمة المتهم الأول عبد الحميد سلامة نجد أنه عين في مايو سنة 1930
بوظيفة ساعي توزيع بريد في الأرياف بمرتب أربعة جنيهات شهرية وأنه غير حاصل إلا على
شهادة الدراسة الابتدائية ثم نقل إلى وظيفة ختام درجة ثانية بمكتب بريد كفر صقر ثم
نقل فرازاً ثانياً بالدرجة التاسعة الشخصية ثم نقل إلى مكتب بريد الغورية في نوفمبر
سنة 1933 ثم نقل إلى قلم طرود جمرك مصر من ديسمبر سنة 1933 بناءً على سعي حثيث منه
ثم نقل إلى مكتب بريد القصر العيني من أول سبتمبر سنة 1942. وفي يونيه سنة 1946 وقَّع
مع مصلحة البريد عقد استخدام مؤقت لمدة سنة في درجة مربوطها من (36/ 72) جنيه سنوياً.
وفي سنة 1949 رقي إلى الدرجة الثامنة وكيلاً لبريد الميمون وعين بقلم سفريات مصر في
مارس سنة 1953 ولكنه حرص على البقاء بقلم التوزيع وألغى نقله إلى قلم السفريات. وكلما
فكرت الإدارة في نقله من قسم التوزيع سعى للبقاء فيه منذ سبتمبر سنة 1953 وعمله في
هذا القسم هو القيام بفتح العينات المسجلة وعرضها على كشاف ومثمن الجمرك، وفي سبتمبر
سنة 1957 ندب للعمل بمؤسسة مديرية التحرير في غير أوقات العمل الرسمية. وفي أول يناير
سنة 1956 قرر مدير مصلحة البريد خصم يومين من ماهيته بناءً على طلب النيابة الإدارية
بعد انتهاء التحقيق في القضية رقم لسنة 1955 وكان الاتهام متعلقاً بنقص محتويات
عينة خارجية.
ومن حيث إنه لكل ما تقدم يكون الحكم المطعون فيه إذ قضى بعزل هذا المتهم الأول (سلامة)
من الخدمة لما نسب إليه، فإنه يكون قد استخلص هذه النتيجة استخلاصاً سائغاً من الأوراق
من أصول تنتجها وتؤدي حتماً إليها، فهذا الجزاء من جنس ذاك العمل، ومن ثم يكون الحكم
المطعون فيه سليم في هذا الشق منه وتؤيده هذه المحكمة لأسبابه ويكون الطعن في هذا الشق
وحده من الحكم قد قام على غير سند من القانون خليقاً برفضه موضوعاً.
ومن حيث إنه بالنسبة للمتهم الثاني محمد عبد المنعم المكي موظف بالدرجة الخامسة في
وظيفة مراجع بمصلحة الجمارك، وحاصل على شهادة الدراسة الثانوية قسم ثان أدبي سنة 1929
وعين تحت الاختبار بجمرك بالإسكندرية منذ تخرجه في تلك السنة ثم ثبت في نوفمبر سنة
1930 بالدرجة الثامنة ونقل إلى جمرك السويس سنة 1937 ثم إلى جمرك القاهرة في نوفمبر
سنة 1942 ورقي إلى الدرجة السابعة في مارس سنة 1944 ثم رقي إلى الدرجة السادسة فالخامسة.
وتفيد تقارير خدمته أنه يقوم بعمله على أحسن وجه ويتميز بالطاعة والأخلاق الحميدة.
أما الاتهام المنسوب إليه فإنه يخلص في أنه أفرج عن العينات المضبوطة دون تحصيل الرسوم
الجمركية المقررة عليها، وهو بذلك يكون قد شارك المتهم الأول سلامة في الذنب الإداري،
واستحق على حد قول الحكم المطعون فيه نفس المصير. وأقام الحكم أسباب إدانة هذا الموظف
على أن التحقيقات وأقوال التاجر صاحب العينات المهربة أثبتت أن الإفراج عنها لا يمكن
أن يتم إلا إذا كان هذا المتهم الثاني متفقاً مع المتهم الأول سلامة وركناً في حلقة
التهريب.
ومن حيث إن قانون مصلحة الجمارك قد حدد الدور الذي يقوم به المندوب الجمركي بالنسبة
لطرود العينات فقصره على نحو ما سبق بيانه، على فحص محتويات المظاريف وتقدير الرسوم
في حالة استحقاقها قانوناً. دون أن يكون من اختصاصه فتح الطرود وكشف العينات أو اعتبارها
في عهدته بأي صورة من الصور. وقد رأينا من ترديد النصوص أن القانون ألقى عبء المسئولية
في هذا الشأن على موظفي البريد وحدهم، فهم الذين يباشرون، دون غيرهم، عملية فتح العينات
وفض المظاريف وإخراج محتوياتها ثم عرضها على مندوب الجمرك وإعادة حزمها بعد الاطلاع
عليها، وكل ما أوجبته المادة من تعليمات الأشغال البريدية في ملاحظة أخيرة ملحقة
بالفقرة (ب) من البند الرابع لهذه المادة هو أن تتم عملية الفتح في بريد القاهرة بحضور
المندوب الجمركي، وأن تعرض عليه العينات المتماثلة دفعة واحدة غير مجزأة وأن يقوم موظف
البريد بلفت نظره إلى ما قد يثير الريبة والشك في مثل تلك العينات. وهنا يقوم المندوب
الجمركي، حسبما رسم القانون، بفحص العينات. وهو في العينات غير المتماثلة بطلب فتحها
جميعاً. أما في العينات المتماثلة فقد أجاز له القانون إذ لم يتطرق إليه الشك في أمر
العينة، الاكتفاء بإجراء عملية (الجاشنى) ومن مقتضاها أن يفتح بعض العينات دون الباقي،
ولا شك أن المندوب الجمركي يحدد العينات التي يطلب من موظف البريد أن يقوم بفتحها ومعاينتها
وعرض ما فيها. وواضح من ذلك أن المتهم الأول – موظف البريد – (سلامة) بوصفه رئيساً
لقسم العينات وبحكم الواقع وبفضل هيمنته التامة على أعمال القسم، يستطيع أن يعرقل عملية
الفحص الجمركي ويتلاعب بالعينات. لأن في مكنته أن يبدل مشمول المظروف قبل عملية الفرز
والعرض على مندوب الجمرك خاصة إذا كانت طبيعة تغليف هذه العينات وطريقة تدبيسها تساعد
على ذلك كما هو الحال في واقعة الاتهام. وقد ثبت بالدليل القاطع في حق المتهم الأول
عبد الحميد محمود سلامة وقامت الشواهد من التحقيقات على أنه كان يعامل العينات المضبوطة
معاملة خاصة فوجدت بالفعل بعض العينات المفرج عنها في دولابه الخاص بالمصلحة ووجدت
قائمة بأسماء التجار المرسلة إليهم من إيطاليا تلك العينات في دولاب ملابسه بداره فلا
شك بعد ذلك في أن صاحب المصلحة الأولى في هذا التلاعب وذاك التحايل على الإفلات بها
من الرقابة الجمركية إلى يد التاجر علي حسين الكاتب الذي يشاركه هذه العملية الآثمة
إنما هو المتهم الأول وحده موظف البريد. وقول الحكم التأديبي المطعون فيه بأن هذه الحلقة
الإجرامية ما كانت لتتم بغير تواطؤ مع المندوب الجمركي قول لا يسانده الواقع ولا دليل
عليه في الأوراق إذ لا تلازم بين طبيعة عمل المتهم الأول وعمل المتهم الثاني، فالأول
منهما يسيطر تماماً على العملية منذ بدايتها إلى نهايتها والعينات بما فيها تدخل دائماً
في عهدته أما مندوب الجمرك فيقف دوره بحكم القانون عند الفحص وتقدير الرسم ثم يترك
كل شيء بين يدي السيد أ/ رئيس قسم العينات ومساعده يعيد من جديد التغليف ويتخذ إجراءات
التشميع وتسليم العينات لا إلى أصحابها مباشرة وإنما إلى قسم التوزيع. فإذا ساءت نية
هذا الأخير – موظف البريد – أمكنه التدليس وإدخال الغفلة على من حوله بما فيهم مندوب
الجمرك الذي لا سلطان له في هذا الصدد إلا على ما قد يعرض عليه من جانب المتهم الأول
(سلامة) ويأمر بفتحه من العينات. وليس لمندوب الجمرك أن يبحث بل وقد لا يتسنى له أن
يعرف ما إذا كانت هناك عينات أخرى غير ما عرضه موظف البريد عليه. والمتهم الثاني (عبد
المنعم المكي) مندوب الجمرك، فقد ثبت من التحقيقات أن عمله غير قاصر على قسم العينات
وحده وإنما يشمل عدة أقسام أخرى بين البريد والجمارك يتنقل بينها خلال ساعات العمل
في النهار. وقد ثبت أيضاً أن المندوبين الجمركيين يتناوبون العمل في أيام مختلفة بمعنى
أنه ليس هناك مندوب دائم مستقر ومعروف سلفاً حتى يمكن القول بجواز التواطؤ معه على
عملية التهريب من الرسوم الجمركية. ولو كان هناك ثمة تواطؤ بين المتهم الأول والثاني
لما لجأ المتهم الأول إلى فكرة تجزئة عملية عرض العينات على مندوب الجمرك وتقديم بعض
العينات دون البعض الآخر وتلك كانت طريقة موظف البريد وحده ليدخل الغفلة على مندوب
الجمرك ويفوز وحده بالكسب غير المشروع.
ومن حيث إنه يخلص من كل ما تقدم أن البلاغ الأول المقدم عن الجريمة وكذلك تحقيقات البوليس
ثم النيابة العامة ثم النيابة الإدارية وكذلك تقرير اللجنة الإدارية الفنية جاءت كلها
بغير استثناء خلواً من أي دليل يوحي باتفاق مندوب الجمرك (المكي) مع المتهم الأول (سلامة)
في واقعة الاتهام وظروفها، وقد ثبت من أقوال الشهود جميعاً أن مندوب الجمرك قد قام
بما يوجبه عليه عمله من إجراء عملية الجاشنى على العينات المعروضة عليه وكلها عينات
متماثلة ولم يكن من الميسور عليه إزاء الأسلوب الماكر الذي لجأ إليه المتهم الأول أن
يكشف تلاعبه بالعينات. ومن ثم فليس هنالك ما يدعو إلى التشكك في أمانته أو القول بأنه
قصر أو أهمل في أداء واجبه الوظيفي. ومن التجوز أن ينسب إليه تواطؤ أو سوء قصد أو إهمال
يمكن أن ينسب إليه. وملف خدمته خال من أي اتهام أو جزاء طوال مدة خدمته في جمرك الإسكندرية
أو السويس أو القاهرة وقد بلغت الثالثة والثلاثين سنة كان دائماً فيها محل ثناء وتقدير
ثابت في العديد من تقاريره السنوية.
ومن حيث إن الحكم التأديبي المطعون فيه إذ نسب إلى موظف الجمرك عبد المنعم المكي أنه
اتفق وتواطأ مع المتهم الأول (سلامة)، فإنه يكون ما في هذا الشق وحده منه، قد قام على
وقائع غير صحيحة، ولا أصل لها في الأوراق، واستخلص النتيجة الخاطئة التي انتهى إليها،
استخلاصاً غير سليم، وتكون الحالة الواقعية والقانونية التي تكون ركن السبب في توقيع
الجزاء قد تخلفت الأمر الذي يجعل الحكم المطعون فيه مخالفاً للقانون في هذا الخصوص
ويتعين القضاء بإلغائه في هذا الشق منه كما يتعين الحكم ببراءة السيد عبد المنعم المكي
مما نسبته إليه النيابة الإدارية في تقرير اتهامها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه بالنسبة للسيد أ/ محمد عبد المنعم المكي وبراءته مما أسند إليه، وبتأييد الحكم التأديبي فيما عدا ذلك.
