الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 2019 لسنة 6 ق – جلسة 21 /04 /1962 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ 673


جلسة 21 من إبريل سنة 1962

برياسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي وكيل المجلس وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.

القضية رقم 2019 لسنة 6 القضائية

موظف – جزاء تأديبي – القرار الصادر من النيابة العامة بحفظ التهمة الجنائية – غير مانع من المؤاخذة التأديبية متى قام موجبها – أساس ذلك.
إذا كان الثابت أن قرار فصل المدعي قد صدر من مختص يملك سلطة إصداره قانوناً واستوفى أوضاعه وشرائطه الشكلية، وقام على سببه الذي يبرره، وهو سبب مستند إلى وقائع مادية صحيحة لها أصل ثابت موجود في الأوراق من أفعال ارتكبها المدعي تكون ذنباً إدارياً قوامه الإخلال بواجب الأمانة التي تتطلبها وظيفته، مما قدرت الإدارة خطورته ورتبت عليه الجزاء الذي ارتأته مناسباً، بعد أن كونت اقتناعها وعقيدتها بإدانة سلوك المدعي على أساس ما قام لديها من قرائن ودلائل وشواهد أحوال، مما لا سبيل إلى تعقيب القضاء الإداري عليه باستئناف النظر فيه بالموازنة أو الترجيح. وقد انتهت في حق المذكور إلى نتيجة صحيحة – استخلصتها استخلاصاً سليماً سائغاً من الوقائع المشار إليها التي تؤدي مادياً وقانونياً إلى تلك النتيجة، فإنه لا يغير من هذا كون النيابة العامة قد حفظت التحقيق الذي أجرته في خصوص هذه الوقائع ذاتها لعدم كفاية الأدلة أو لسبب آخر، إذ أن هذا الحفظ الجنائي لا يبرئ سلوك المدعي من الوجهة الإدارية ولا يمنع من مؤاخذته تأديبياً على هذا السلوك مؤاخذة مردها إلى وقوع إخلال منه بواجبات الوظيفة وخروج على مقتضى الأمانة التي ينبغي أن يتحلى بها الموظف أو العامل في أداء عمله متى قام الموجب لهذه المؤاخذة، الأمر الذي لا يتأثر إعماله في مجال تطبيقه في نطاق روابط القانون العام بقرار الحفظ الصادر من النيابة العامة في خصوص التهمة الجنائية التي تختلف بطبيعتها من الذنب الإداري.


إجراءات الطعن

في يوم 19 من يوليه سنة 1960 أودع الأستاذ محمود عيسى عبده المحامي نيابة عن الأستاذ كرم عبد الهادي المحامي الوكيل عن السيد/ السيد شريف السيد سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 2019 لسنة 6 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والأوقاف والشئون البلدية والقروية بجلسة 21 من ديسمبر سنة 1959 في الدعوى رقم 399 لسنة 6 القضائية "محاكم" المرفوعة من السيد/ السيد شريف السيد ضد وزارة الشئون البلدية والقروية، والسيد محافظ القاهرة بصفته الممثل القانوني لبلدية القاهرة، والسيد مدير عام الإدارة الهندسية بالتنظيم والقاضي بعدم قبول الدعوى شكلاً، وألزمت المدعي المصروفات، وطلب السيد الطاعن للأسباب التي استند إليها في صحيفته "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم رقم 399/ 6 قضائية فيما قضى به من عدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان، والقضاء بقبولها ورفعها في الأوان، وإعادة القضية إلى محكمة أول درجة للفصل فيها لسماع الحكم بالطلبات الثابتة بالدعوى مع إلزام المطعون ضدهم بصفتهم بالمصروفات وأتعاب المحاماة عن الدرجتين بحكم مشمول بالنفاذ المعجل وبلا كفالة. هذا مع حفظ كافة الحقوق بوجه عام" وقد أعلن هذا الطعن إلى الجهة الإدارية في 20 يوليه سنة 1960. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن يتقدم أي من الطرفين بمذكرة بملاحظاته عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 3 من ديسمبر سنة 1961 التي أبلغ بها الطرفان في 9 من نوفمبر سنة 1961. وقد أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه لما أبدته من أسباب إلى أنها ترى الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بقبول الدعوى شكلاً ورفضها موضوعاً مع إلزام رافعها بالمصروفات". وقد قررت دائرة فحص الطعون إحالة الطعن إلى المحكمة العليا لنظره بجلسة 24 من مارس سنة 1962 التي أبلغ بها الطرفان في 5 من مارس سنة 1962. وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم. وقد قدم الطاعن مذكرة بدفاعه طلب فيها الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان والحكم بقبولها وبإعادة الطاعن إلى عمله، مع استحقاقه لكافة الحقوق وإلزام الحكومة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة ثم شفعها بمذكرة ثانية.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية بمراعاة أن الحكم فيه قد صدر من المحكمة الإدارية بجلسة 21 من ديسمبر سنة 1959 وأن المدعي أودع سكرتيرية لجنة المساعدة القضائية في 16 من فبراير سنة 1960 طلباً بإعفائه من رسوم هذا الطعن قيد برقم 44 لسنة 6 القضائية، وصدر قرار اللجنة بقبوله بجلسة 22 من مايو سنة 1960، فأقام المدعي طعنه الحالي بصحيفة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 19 من يوليه سنة 1960، ومن ثم فإن الطعن يكون مقبولاً لرفعه في الميعاد القانوني واستيفائه لأوضاعه الشكلية وفقاً لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المدعي أقام الدعوى رقم 399 لسنة 6 القضائية أمام المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والأوقاف والشئون البلدية والقروية بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 27 من إبريل سنة 1959 ذكر فيها أنه كان يعمل سباكاً ببلدية القاهرة بتفتيش الحدائق والأزهار بالأزبكية، وهي الوظيفة التي عين فيها اعتباراً من 2 من إبريل سنة 1949. وأثناء عملية توسيع شارع الخليج المصري سابقاً قام المقاول برفع البكابورتات والعدادات وخلافها من الطريق، وقام الملاحظ المختص بإيداع هذه الأدوات لدى مخزنجي حديقة المنشية. ولما كان المهندس المختص قد أصدر أمراً كتابياً بإيداع المخلفات المذكورة المخزن الكائن بحديقة الحوض المرصود فقد قام المدعي تنفيذاً لهذا الأمر بتسلمها من مخزن المنشية بعد أن وقع على الأمر الكتابي بحسن نية بناءً على طلب المخزنجي، وأوصلها إلى مخزن الحوض المرصود حيث أودعها لدى المخزنجي المنوط به، وبذلك انحصرت مهمته في نقل المهمات المشار إليها من مخزن إلى آخر، دون أن تنصرف إلى تسلمه إياها كعهدة في ذمته. وفي شهر يونيه سنة 1958 مرض المدعي ولزم منزله في إجازة فحضر إليه المهندس مستصحباً مخزنجي الحوض المرصود وأخبره أن غطاءات البكابورتات قد فقدت من الخفير الذي رفت، وأن الأمر يقتضي إحضار غطاءات بدلاً منها، وأنه قد أحضر فعلاً الغطاءات البديلة وأودعها مخبأ الحكومة بحديقة الحوض المرصود، وعلى هذا سلم المخزنجي مفاتيح المخبأ إلى المدعي الذي أفهم من المهندس أن يقرر أن الغطاءات موجودة وأنه مستعد لتسليمها إذا ما سئل عنها. وبسبب خصومة بين المدعي وبين ملاحظ حدائق ميدان عابدين وباب الحديد قام هذا الأخير بإبلاغ النيابة الإدارية بشكوى ادعى فيها بفقد أشجار وأخشاب ونباتات وأسوار وحديد وغطاءات بكابورتات من منطقة السيدة. وبسؤال المدعي في التحقيق الذي أجرته النيابة في موضوع هذا البلاغ عن البكابورتات المفقودة قرر أنه لا يعلم عنها شيئاً إلا أن المحقق واجهه بأن الغطاءات الموجودة ليست هي الأصلية، وانتهى إلى تقدير قيمتها بمبلغ 500 م و37 ج، ثم ألزمه بأداء هذا المبلغ إنهاءً للنزاع بعد أن أفهمه بأن سداده للمبلغ المذكور سيؤدي إلى حفظ التحقيق بعد أن رأت النيابة العامة أنه لا جريمة في الموضوع. إلا أن المدعي علم بعد ذلك أن السيد المدير العام للإدارات العامة للتنظيم قد قرر فصله من العمل، فأرسل إنذاراً إلى السيد وزير الشئون البلدية والقروية وإلى السيد مدير عام الإدارات الهندسية بالتنظيم فتظلما من هذا الفصل، وتم إعلان التنظيم في 15 من فبراير سنة 1959. ولما كانت مدة التظلم قد مضت دون أن تجيب عنه الجهة الإدارية، فقد أقام دعواه الحالية طالباً الحكم بإلغاء قرار فصله الذي جاء تعسفياً ومجحفاً بحقوقه بعد إذ انتهت النيابة العامة إلى عدم وجود جريمة في الأمر. وبعد أن ثبت في التحقيق الإداري أنه قام بأداء قيمة الغطاءات المفقودة، التي لم يكن له أي دخل في المساءلة عنها لأنها لم تكن في عهدته ولا في حيازته، الأمر الذي يجعل قرار الفصل المطعون فيه غير قائم على أساس من القانون ومن ثم فإنه يطلب "الحكم بإلغاء قرار الفصل واعتباره كأن لم يكن، مع إلزام المدعى عليهم متضامنين بالمصروفات وأتعاب المحاماة والنفاذ المعجل بلا كفالة. ومع حفظ كافة الحقوق الأخرى بوجه عام" وقد ردت بلدية القاهرة على هذه الدعوى بأن النيابة الإدارية قامت بإجراء تحقيق ضد المدعي في القضية رقم 241 لسنة 1958 انتهت فيه إلى مساءلته لتبديده البكابورتات الحكومية المسلمة إليه وعددها خمسة ثمن الواحد منها 798 م و7 ج حسب تقدير محطة مياه الجيزة التي قامت بتركيبها وثلاثة أغطية لها، مع إبلاغ النيابة العامة ضده وتحميله بقيمة هذه البكابورتات. وبجلسة 12 من يناير سنة 1959 قررت اللجنة الفنية لشئون العمال بالإدارات العامة للتنظيم فصله من الخدمة لهذا السبب، وصدق على ذلك السيد المدير العام للتنظيم في 17 من يناير سنة 1959. وقد تظلم المذكور من هذا الفصل بإنذار عرض على السيد مفوض الدولة الذي رأى رفضه. وأقرَّ السيد المدير العام للبلدية في 24 من سبتمبر سنة 1959 هذا الرأي. وقد ثبت من اعتراف المدعي في التحقيق الذي أجرته النيابة الإدارية أنه اختلس فعلاً البكابورتات المشار إليها كما قرر في التحقيق أنه مستعد لإحضار بكابورتات أخرى تقوم مقامها مما يدل على عدم أمانته. وقد كان فصله بقرار صادر من اللجنة الفنية لشئون العمال صدق عليه السيد المدير العام للتنظيم بعد تحقيق ثبتت منه مسئوليته ومكن فيه من الدفاع عن نفسه. وقد صدر قرار السيد المدير العام للتنظيم بناءً على السلطة المخولة له من السيد المدير العام للبلدية وهو وكيل الوزارة المختص، استناداً إلى المادة 49 معدلة فقرة (خامساً) من القانون رقم 145 لسنة 1949 بإنشاء مجلس بلدي القاهرة التي تنص على أنه "فيما عدا المسائل الخاصة بالموظفين الداخلين في الهيئة يجوز للمدير العام أن يعهد إلى وكيله أو إلى مديري عموم الإدارات العامة ورؤسائها ببعض اختصاصاته"، ومن ثم إن قرار الفصل المطعون فيه يكون قد صدر سليماً غير مشوب بأي عيب يبطله، وتكون الدعوى لا سند لها من القانون، ويتعين القضاء برفضها مع إلزام المدعي بمصروفاتها.
وقد قدم السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهى فيه لما أبداه به من أسباب إلى أنه يرى "الحكم بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع رفضها وإلزام المدعي المصروفات" وعقب المدعي على هذا التقرير بمذكرة ردد فيها دفاعه السابق وأضاف إليه أن النيابة العامة انتهت من تحقيقها إلى أنه لا جريمة في الموضوع لعدم توافر عناصر الاختلاس فضلاً عن شيوع التهمة بينه وبين آخرين وقعت عليهم جزاءات إدارية بالخصم من مرتباتهم دون أن تصل إلى حد فصلهم من الخدمة، الأمر الذي يجعل قرار فصله جزاء غير متناسب مع الذنب الإداري الذي ارتكبه، ويصم هذا القرار بالإجحاف وإساءة استعمال السلطة.
وبجلسة 21 من ديسمبر سنة 1959 قضت المحكمة الإدارية "بعدم قبول الدعوى شكلاً وألزمت المدعي بالمصروفات" وأقامت قضاءها على أن القرار المطعون فيه قد صدر في 17 من يناير سنة 1959، وأن المدعي أعلن بلدية القاهرة في 8 من مارس سنة 1959 بإنذار يقوم مقام التظلم الإداري، وقد تم هذا التظلم خلال ستين يوماً، ولكن الجهة الإدارية لم تجبه عن تظلمه، فكان يتعين عليه انتظار الستين يوماً التي يعتبر فواتها بمثابة قرار حكمي بالرفض، ثم يرفع دعواه خلال الستين يوماً التالية لانقضاء الستين يوماً المذكورة بالتطبيق لحكم المادة 22 من القانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة للجمهورية العربية المتحدة، بيد أن رفع دعواه في 27 من إبريل سنة 1959 قبل فوات ميعاد الستين يوماً المقررة للبت في التظلم، ومن ثم تكون دعواه غير مقبولة شكلاً لرفعها قبل الأوان وذلك بالتطبيق لنص المادة 12 من قانون مجلس الدولة رقم 55 لسنة 1959 آنف الذكر.
وقد طعن المدعي في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 19 من يوليه سنة 1960 طلب فيها "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم رقم 399/ 6 قضائية فيما قضى به من عدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان والقضاء بقبولها ورفعها في الأوان، وإعادة القضية إلى محكمة أول درجة للفصل فيها لسماع الحكم بالطلبات الثابتة بالدعوى الابتدائية مع إلزام المطعون ضدهم بصفتهم بالمصروفات وأتعاب المحاماة عن الدرجتين بحكم مشمول بالنفاذ المعجل وبلا كفالة. هذا مع حفظ كافة الحقوق بوجه عام" واستند في أسباب طعنه إلى أنه عندما علم بقرار فصله قام بإنذار الجهة الإدارية متظلماً من هذا القرار، وعند انتهاء الستين يوماً التي بدأت من إنذار السيد محافظ القاهرة بصفته الممثل القانوني لبلدية القاهرة أقام دعواه خلال الستين يوماً التالية، وقد وافق السيد مفوض الدولة في تقريره على أن الدعوى رفعت في الميعاد، ولكن المحكمة قضت من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان مع أنها مرفوعة بعد مضي الستين يوماً التالية لإعلان وزير الشئون البلدية والقروية بوصفه المهيمن على جميع الإدارات والمصالح التابعة لوزارته والمسئول عنها وبذلك تكون المحكمة قد أخطأت في التطبيق القانوني. وفيما يتعلق بالموضوع يخلص حاصل الأمر في أن المدعي اتهم بتبديد بعض بكابورتات، وقد أبلغت النيابة الإدارية وكذا النيابة العامة بهذا الاتهام وقد انتهت هذه الأخيرة من التحقيق الذي أجرته إلى حفظ الأوراق قطعياً لعدم الجناية، أما النيابة الإدارية فقد قبل أمامها مرغماً أن يقوم بدفع قيمة هذه البكابورتات، بيد أن الجهة الإدارية قامت بفصله من الخدمة قبل أن ينتهي التحقيق، الأمر الذي يجعل قرارها حقيقاً بالإلغاء.
ومن حيث إن هيئة مفوضي الدولة أودعت تقريراً بالرأي القانوني مسبباً خلصت فيه إلى أنها ترى الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بقبول الدعوى شكلاً ورفضها موضوعاً مع إلزام رافعها بالمصروفات، وأسست رأيها على أنه لا جدوى من الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان في الحالة المعروضة لأن موقف الإدارة سيتضح أثناء نظر الدعوى، فإن رفضت التظلم فقد تحقق الشرط الذي حرص عليه القانون واستكملت الدعوى أوضاعها الشكلية، وإن أجابته الإدارة إلى تظلمه انتهت المنازعة ولم يعد الدفع مجدياً وهذا هو ما جرى عليه قضاء المحكمة الإدارية العليا وعلى مقتضى ذلك يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون وتطبيقه ويتعين إلغاؤه والقضاء بقبول الدعوى شكلاً، ومن حيث الموضوع فإن الثابت من الأوراق أن القرار المطعون فيه قد قام على ما أسفر عنه تحقيق النيابة الإدارية من مساءلة المدعي لتبديده البكابورتات الحكومية المسلمة إليه في 11 من إبريل سنة 1958 وهي التي لم يستطع إثبات تسليمها إلى غيره أو ردها إلى المخازن، وإن حاول التنصل من مسئولية اختلاسها بإحضار غيرها بدلاً منها، الأمر الذي أدى إلى كشف الاختلاس وإلى اعترافه به، ومن ثم فإن النتيجة التي انتهى إليها قرار الفصل المطعون فيه تكون مستخلصة استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها مادياً وقانوناً، ويكون القرار المذكور قائماً على سبب صحيح يبرره مما يجعل طلب إلغائه غير مستند إلى أساس سليم من القانون متعيناً رفضه.
عن قبول الدعوى:
من حيث إن الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بعدم قبول الدعوى على أنه في الحالات التي يستوجب القانون فيها تقديم تظلم إداري قبل رفع دعوى الإلغاء يتعين على رافع الدعوى أن ينتظر حتى تنقضي المواعيد المقررة للبت في التظلم وهي ستون يوماً، فلا يرفع دعواه قبل مضيها، بل يرفعها بعد ذلك في ميعاد الستين يوماً التالية لانقضاء الستين يوماً المذكورة التي يعتبر فواتها دون إجابة السلطات المختصة بمثابة قرار حكمي بالرفض يبدأ منه سريان الميعاد، أو يرفعها في ميعاد الستين يوماً التالية لرد الجهة الإدارية إذا ما ردت على تظلمه خلال الستين يوماً المقررة للبت فيه برفضه، وإلا كانت غير مقبولة شكلاً لرفعها قبل الأوان.
ومن حيث إنه ثابت من الأوراق أن اللجنة الفنية لشئون العمال بالإدارات العامة للتنظيم قررت بجلستها المنعقدة في 12 من يناير سنة 1959 بعد الاطلاع على التحقيق الذي أجرته النيابة الإدارية في القضية رقم 241 لسنة 1958 فصل المدعي الذي كان يعمل سباكاً باليومية بحدائق منطقة السيدة زينب بتفتيش الحدائق ببلدية القاهرة من الخدمة لما نسب إليه من تبديد البكابورتات الحكومية المسلمة إليه، وقد صدق السيد المدير العام للتنظيم على هذا القرار في 17 من يناير سنة 1959 ونفذ الفصل اعتباراً من 22 منه. وفي 8 من مارس سنة 1959 وجه المدعي إنذاراً على يد محضر إلى السيد وزير الشئون البلدية والقروية، ثم أقام دعواه الحالية بإيداع صحيفتها سكرتيرية المحكمة الإدارية لوزارات الصحة والأوقاف والشئون البلدية والقروية في 27 من إبريل سنة 1959 طالباً إلغاء قرار فصله.
ومن حيث إن هذه المحكمة سبق أن قضت بأن الغرض من جعل التظلم وجوبياً طبقاً لأحكام قانون مجلس الدولة هو تقليل الوارد من القضايا بقدر المستطاع وتحقيق العدالة الإدارية بطريق أيسر للناس وإنهاء المنازعات في مراحلها الأولى إذا ما رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه فاستجابت إليه. أما إذا رفضته أو لم تبت فيه خلال الميعاد المقرر فله أن يلجأ إلى طريق التقاضي وواضح من هذا أن المشرع ولئن استحدث التظلم الوجوبي الذي لا مناص من استنفاده قبل مراجعة القضاء، إلا أنه في صدد المواعيد لم يخرج عما قرره في شأن التظلم الاختياري. ولما كان انتظار المواعيد إنما قصد به إفساح المجال أمام الإدارة لإعادة النظر في قرارها، فإن النتيجة الطبيعية لذلك أن الحكمة التي تغياها الشارع من انتظار المواعيد المقررة للبت في التظلم تكون متحققة إذا عمدت الإدارة إلى البت في هذا التظلم قبل انقضاء فسحة الميعاد الذي منحته أو إذا بكر ذوو الشأن بمراجعة القضاء وانقضى الميعاد أثناء سير الدعوى دون أن تجيبهم الإدارة إلى طلباتهم، ومن ثم فلا جدوى من القول بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان إذا كان المدعي قد قدم تظلمه إلى الجهة الإدارية ثم رفع دعواه قبل انقضاء الستين يوماً التالية لتقديم التظلم في حالة التظلم الوجوبي، ما دام موقف الإدارة منه سيتضح أثناء نظر الدعوى فإن رفضت التظلم تحقق الشرط الذي حرص عليه الشارع للحكمة التي بسطها في المذكرة الإيضاحية لقانون مجلس الدولة واستكملت الدعوى أوضاعها الشكلية، وإن استجابت إلى التظلم انتهت المنازعة.
ومن حيث إنه على وفق ما تقدم يكون حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه إذ أخذ بغير هذا النظر، قد جانب الصواب، ويتعين القضاء بإلغائه وبقبول الدعوى.
عن الموضوع:
من حيث إن الدعوى صالحة للفصل في موضوعها.
ومن حيث إنه يبين من تحقيق النيابة الإدارية في القضية رقم 241 لسنة 1958 بشأن ما نسب إلى بعض المهندسين الزراعيين والعمال – ومنهم المدعي – من التلاعب بعهدة حدائق منطقة السيدة زينب التابعة لتفتيش حدائق بلدية القاهرة، أن المدعي، وهو يعمل سباكاً باليومية بالبلدية المذكورة، تسلم باعترافه وتوقيعه في 11 من إبريل سنة 1958 خمسة بكابورتات حكومية من الحديد الظهر ثمن الواحد منها 798 م و7 ج وثلاثة أغطية خاصة بها كانت قد نزعت من حديقة أحمد ماهر، ولم يستطع إثبات تسليمها لغيره أو ردها للمخازن، وأنه حاول التنصل من مسئولية اختلاسها بإحضار بدل منها تختلف عنها في المقاس والوزن والنوع. فلما كشف أمره اعترف باختلاسه إياها وأشرك معه في المسئولية مهندساً وأحد العمال، ودلل على صحة ذلك بشهادة العمال، وأبدى استعداده لدفع قيمتها. وقد رأى السيد عضو النيابة الإدارية لوزارة الشئون البلدية والقروية الذي تولى التحقيق، وأيده السيد رئيس النيابة ومن بعده السيد الوكيل العام، مساءلة المدعي عن واقعة تبديد البكابورتات الحكومية وأغطيتها المسلمة إليه وتحميله قيمتها مع إبلاغ النيابة العامة ضده. وبناءً على ذلك صدر القرار رقم 4 من اللجنة الفنية لشئون العمال بالإدارات العامة للتنظيم بجلستها المنعقدة في 12 من يناير سنة 1959 بفصل المذكور من الخدمة، وهو القرار الذي اعتمده السيد المدير العام للإدارات العامة للتنظيم في 17 منه ونفذه التفتيش في 21 من الشهر ذاته اعتباراً من اليوم التالي.
ومن حيث إن القرار المطعون فيه القاضي بفصل المدعي من الخدمة قد بني على التحقيق الذي أجرته النيابة الإدارية في القضية رقم 241 لسنة 1958 والذي سمعت فيه أقواله ودفاعه وشهادة الشهود وانتهت منه إلى إدانة مسلكه وقد صدر هذا القرار بعد أخذ رأي اللجنة الفنية المختصة لشئون العمال وفقاً لأحكام كادر العمال التي وافقت على هذا الفصل، وصدر من السيد المدير العام لبلدية القاهرة، الذي يقوم مقام وكيل الوزارة في هذا الخصوص، وذلك استناداً إلى المادة 49 معدلة فقرة (خامساً) من القانون رقم 145 لسنة 1949 بإنشاء مجلس بلدي القاهرة التي أجازت للمدير العام للبلدية، فيما عدا المسائل الخاصة بالموظفين الداخلين في الهيئة أن يعهد ببعض اختصاصاته إلى وكيله أو إلى مديري عموم الإدارات العامة ورؤسائها، ومنهم المدير العام للإدارات العامة للتنظيم الذي فوضه في السلطة المخولة له في تأديب العمال. وبذلك يكون القرار المذكور قد صدر من مختص يملك سلطة إصداره قانوناً واستوفى أوضاعه وشرائطه الشكلية، وقام على سببه الذي يبرره، وهو سبب مستند إلى وقائع مادية صحيحة لها أصل ثابت موجود في الأوراق من أفعال ارتكبها المدعي تكون ذنباً إدارياً قوامه الإخلال بواجب الأمانة التي تتطلبها وظيفته، مما قدرت الإدارة خطورته ورتبت عليه الجزاء الذي ارتأته مناسباً، بعد أن كونت اقتناعها وعقيدتها بإدانة سلوك المدعي على أساس ما قام لديها من قرائن ودلائل وشواهد أحوال، مما لا سبيل إلى تعقيب القضاء الإداري عليه باستئناف النظر فيه بالموازنة أو الترجيح. وقد انتهت في حق المذكور إلى نتيجة صحيحة استخلصتها استخلاصاً سليماً سائغاً من الوقائع المشار إليها التي تؤدي مادياً وقانوناً إلى تلك النتيجة ولا يغير من هذا كون النيابة العامة قد حفظت التحقيق الذي أجرته في خصوص هذه الوقائع ذاتها لعدم كفاية الأدلة أو لسبب آخر، إذ أن هذا الحفظ الجنائي لا يبرئ سلوك المدعي من الوجهة الإدارية ولا يمنع من مؤاخذته تأديبياً على هذا السلوك مؤاخذة مردها إلى وقوع إخلال منه بواجبات الوظيفة وخروج على مقتضى الأمانة التي ينبغي أن يتحلى بها الموظف أو العامل في أداء عمله متى قام الموجب لهذه المؤاخذة، الأمر الذي لا يتأثر إعماله في مجال تطبيقه في نطاق روابط القانون العام بقرار الحفظ الصادر من النيابة العامة في خصوص التهمة الجنائية التي تختلف بطبيعتها عن الذنب الإداري. ومن ثم فإن القرار المطعون فيه الصادر بفصل المدعي من الخدمة يكون صحيحاً مطابقاً للقانون وتكون الدعوى بطلب إلغاء هذا القرار غير مستندة إلى أساس سليم من القانون متعيناً رفضها مع إلزام المدعي بمصروفاتها.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه، وبقبول الدعوى، وبرفضها موضوعاً، وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات