الطعن رقم 1693 لسنة 6 ق – جلسة 21 /04 /1962
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ
663
جلسة 21 من إبريل سنة 1962
برياسة السيد – الإمام الإمام الخريبي وكيل المجلس وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل، حسن السيد أيوب، الدكتور ضياء الدين صالح، محمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 1693 لسنة 6 القضائية
( أ ) موظف – حسن السمعة وطيب الخصال – وجوب توافر هاتين الصفتين
في الموظف العام – التدليل على سوء السمعة أو عدم طيب الخصال – يكفي وجود دلائل أو
شبهات قوية تلقي ظلالاً من الشك المثير على توافر هذه الصفة بمراعاة البيئة التي يعمل
بها الموظف – لا حاجة إلى الدليل القاطع على ذلك.
(ب) المباحث العامة – تحرياتها – صحة التعويل عليها في المحيط الإداري كأساس للمؤاخذة
الإدارية – أساس ذلك – مثال.
1 – إن حسن السمعة وطيب الخصال هما من الصفات الحميدة المطلوبة في كل موظف عام والتي
تعتبر جزءاً من الوظيفة العامة وبدون هذه الصفات لا تتوافر الثقة والطمأنينة في شخص
الموظف مما يكون له أثر بالغ على المصلحة العامة وبذلك تختل الأوضاع وتضطرب القيم في
جميع نواحي النشاط الإداري وغيره، ولا يحتاج الأمر في التدليل على سوء السمعة أو عدم
طيب الخصال وجود دليل قاطع على توافرهما أو توافر أيهما، وإنما يكفي في هذا المقام
وجود دلائل أو شبهات قوية تلقي ظلالاً من الشك المثير على أي من الصفتين المذكورتين
حتى يتسم الموظف بعدم حسن السمعة وذلك بمراعاة البيئة التي يعمل فيها.
2 – إن المباحث العامة من الأجهزة الحكومية المختصة بجمع التحريات والاستدلالات عن
كل ما يمس الأمن العام ويوصل إلى اكتشاف الجرائم والقبض على مرتكبها وطبيعي أن هذه
التحريات لا تصل إلى رجال المباحث إلا بعد أن تكون قد استفاضت وشاعت بين الناس وبالتالي
لها سند من الواقع وإن لم يبرز إلى حد الدليل القاطع على صحتها، ولا يغير من قيمتها
هذه كون تفتيش الشخص الذي قيل بأن السلاح قد أخفى طرفه لم يسفر عن شيء فطبيعة الجريمة
الإدارية تختلف اختلافاً كلياً عن طبيعة الجريمة الجنائية فيكفي في الجريمة الأولى
أن تثير الوقائع المنسوبة للموظف غباراً قاتماً حول تصرفاته مما يمس سلوكه الوظيفي
ويؤثر في سمعته بين الناس فتتناثر حوله الأقاويل – الأمر الذي يفقد معه الاطمئنان إلى
عمله وبالتالي يكون بقاؤه في وظيفته مما يعرض المصلحة العامة للخطر.
إجراءات الطعن
في 11 من يونيه سنة 1960 أودع السيد الأستاذ المحامي عريضة طعن سكرتيرية هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1693 لسنة 6 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية بجلسة 12 من إبريل سنة 1960 في القضية رقم 8 لسنة 7 القضائية المقامة من موكله الشيخ محمد بهجات خليل الشريف ضد وزارة الداخلية والقاضي "بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع برفضها وإلزام المدعي المصروفات" وطلب الطاعن للأسباب التي أوردها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وإلغاء القرار الصادر بفصل الطاعن من وظيفته مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام الوزارة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الداخلية في 21 من يونيه سنة 1960 وحدد لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 14 من يناير سنة 1962 أخطر بها الطرفان وهذه بدورها أحالته إلى المحكمة الإدارية العليا لنظره بجلسة 10 من مارس سنة 1962 وفيها سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن ثم قررت إرجاء النطق بالحكم فيه لجلسة اليوم وفيها صدر الحكم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن الطاعن أقام
القضية رقم 8 لسنة 7 القضائية ضد وزارة الداخلية أمام المحكمة الإدارية المختصة طلب
فيها إلغاء قرار لجنة الشياخات بمديرية المنيا الصادر في 15 من مارس سنة 1959 والمصدق
عليه من وزير الداخلية بفصله من مشيخة صفط أبو جرج مركز بني مزار مع ما يترتب عليه
من آثار وإلزام الوزارة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وقال في بيان هذا الطلب أنه
عين في يناير سنة 1956 شيخاً لبلدة صفط أبو جرج بعد وفاة والده الذي كان يشغل هذه الوظيفة
زمناً طويلاً، وقد سار في عمله سيرة والده متمتعاً بثقة الحكومة والأهالي، إلا أن موقفه
من بعض المرشحين لعضوية مجلس الأمة أثارت حفيظة العمدة عليه لخلافهما فيمن يولونه منهم
ثقتهم، وقد زادت هذه الجفوة بينهما بتعيين أحد الأشخاص من أهالي حصة المدعي حارساً
على زراعة العمدة المحجوز عليها وفاءً للأموال الأميرية المستحقة عليه، ثم تلا ذلك
أن قتل هندي علي دكروري في الحقل وهو ابن عم المدعي فتوجه إلى منزل القتيل ليرى الخبر
فعلم أنه لا يزال في الحقل فتوجه إليه وهناك وجد الشيخ محمد بدر وبعد نصف ساعة من وجوده
حضر العمدة وبعد أن شاهد الجثة انصرف إلى البلدة وصاحبه المدعي والشيخ المذكور وفي
منزل العمدة التقى بأحد أبناء القتيل وفهم منه أنه لم يرَ القاتل وأن أخاه موجوداً
بحجرة السلاح بمنزل العمدة وأراد أن يستطلع حقيقة الأمر من هذا الأخ فمنعه العمدة من
ذلك وطرده من المنزل وأبلغ ضد المدعي كذباً بأنه حاول التأثير على المبلِّغ أي على
ابن القتيل الموجود بحجرة السلاح لكي يعدل عن اتهام المتهمين اللذين اتهمهما بقتل والده،
ثم أوعز العمدة إلى ضابط المباحث بأن يكتب تقريراً ينسب فيه إلى المدعي تزعمه لعصابة
من الأشقياء كونها أخ المدعي المدعو خليل بهجات خليل وبالرغم من أن ولدي القتيل قد
كذَّبا افتراءات العمدة على المدعي فقد تقرر في 7/ 11/ 1958 وقفه عن العمل ثم بعد أن
تقرر في الجناية المشار إليها بأن لا وجه لإقامة الدعوى ضد المتهمين اللذين قيل بأن
المدعي كان يعمل لخلاصهما من الجريمة بالتأثير على شاهدي الرؤيا وهما ولدا القتيل وافقت
المديرية على رفع الإيقاف وعاد المدعي إلى عمله يوم أول فبراير سنة 1959 وذلك كله مع
إحالة المدعي إلى لجنة الشياخات لمحاكمته عن التهمتين الآتيتين:
أولاً – تأثيره على أبو غنيمه هندي علي دكروري في الجناية رقم 2017 بني مزار سنة 1958
الخاصة بقتل والد هذا الشخص للعدول عن اتهام عبد الصمد وحسني محمد عبد الرحمن لقرابة
هذين الشخصين للمدعي بتهريب وإخفاء السلاح المستعمل في الجريمة.
ثانياً – مساعدة المدعي للأشقياء والاتصال بهم وذلك بالتستر على شقيقه خليل بهجات وعصابته
ببلدته مما يخل بالأمن العام.
وبجلسة 25 من مارس سنة 1959 قررت اللجنة فصل المدعي من وظيفته وصدق وزير الداخلية على
هذا القرار وأخطر المدعي بذلك في 18 من يوليه سنة 1959 فتظلم إلى السيد الوزير في 25
من يوليو سنة 1959 ولم تجب الوزارة على هذا التظلم حتى الآن، وإذ ثبت أن الاتهام الأول
غير صحيح بشهادة ولدي القتيل وأنه ملفق بمعرفة العمدة لينال منه جزاءً على القيام بالإرشاد
عن زراعة العمدة للحجز عليها وتعيين حارس عليها بمعرفته، مستعيناً في ذلك بنفر من أتباعه
هم عامل التليفون ونوبتجي السلاح، وإذ ثبت أيضاً أن ما قيل عن شقيق المدعي فغير صحيح
وجميع التهم التي وجهت إلى هذا الأخ حفظت لعدم صحتها، يكون السبب الذي انبنى عليه القرار
المطعون فيه غير قائم مما يجعله خليقاً بالإلغاء. أجابت الحكومة على الدعوى بأن المدعي
يمت بصلة القرابة للمتهمين في الجناية رقم 2017 لسنة 1958 وأن المذكور حاول الاتصال
بالمبلِّغ في الحادث أثناء وجوده بحجرة في دوار العمدة انتظاراً للتحقيق لكي يعدل عن
اتهام هذين الشخصين فطلب منه العمدة مغادرة الحجرة فامتنع ثم خرج وأبلغ بإشارة من أبي
جرج باتهام العمدة وأخيه بارتكاب الحادث موضوع الجناية المشار إليها، وقد أيد العمدة
في هذا الادعاء كل من عامل التليفون والخفير النظامي بتقريرهما واقعة اتصال المدعي
بالشاهد للتأثير عليه، كما أن ابن القتيل قرر أنه كان ينتظر بالحجرة المجاورة للسلاحليك
فحضر إليه المدعي وطلب منه الخروج من الحجرة دون أن يطلب منه أمراً معيناً فقام العمدة
بطرده وقرر الابن الثاني للقتيل أنه سمع العمدة ينهر المدعي ويأمره بالخروج ومنعه من
الاتصال بأخيه المبلِّغ، وقد دلَّت تحريات ضابط المباحث على أن المدعي قام بالتأثير
على شهود الحادث لقرابته وأنه قام بتهريب السلاح المستعمل في الحادث عند من يدعى كامل
معوض من عزبة آدم وإن لم يسفر التفتيش عن وجود شيء. وأضافت التحريات بأن المدعي دائب
العمل على التستر على المجرمين لتضليل العدالة والتأثير على الشهود في حوادث مماثلة،
وقد تأيدت هذه التحريات بتحريات مباحث المديرية بأن المدعي يتستر على عصابة يرأسها
أخوه المدعو خليل بهجات وهو من الأشقياء وتضم هذه العصابة محمد أبو الأسطى الشقي المعروف
ومهمة المدعي الإشراف على ارتكاب الحوادث مثل السرقات وخاصة سرقات المواشي وبتهديد
المجني عليهم حتى لا يخطرون عن تلك المسروقات، ولم يتسنَ جمع الأدلة ضده لشدة حرصه
وبطشه، وفي 18 من نوفمبر سنة 1958 قدم العمدة شكوى ضد المدعي بأنه دائب الإخلال بالأمن
بمساعدة الأشقياء في تكوين عصابات برئاسة أخيه للاعتداء على النفس والمال وأنه سبق
الحكم عليه بالحبس سنة مع الإيقاف لتعديه بالضرب على أحد الأشخاص أحدث به عاهة مستديمة.
ولم ينكر المدعي مقابلته أولاً: لأحد أولاد المجني عليه وبسؤاله عن حادث مقتل أبيه
وعن معرفته للفاعل من عدمه ثم توجهه لدوار العمدة لمقابلة الابن الآخر للمجني عليه
والمبلِّغ عن الحادث إلا أن العمدة لم يمكنه من ذلك مع أن القتيل ابن عمه وقد علل المدعي
شكوى العمدة ضده بأنه متحامل عليه ظناً منه بأن الشكاوى المقدمة ضد العمدة من وحي المدعي
وإن كان حقيقة قد أبلغ ضد العمدة بأنه يجتبي أشخاصاً مشهوراً عنهم سوء السمعة وأن اثنين
منهم يعملان بوظيفة خفيرين خصوصيين لدى شقيق العمدة واعترف المدعي بأن شقيقه سبق أن
اتهم في حوادث لم يثبت فيها أي شيء ضده. ثم تستطرد الحكومة في ردها بأن تحريات معاون
مباحث المركز أثبتت أن المدعي من ذوي السيرة السيئة وأنه يتستر على الأشقياء الذين
يلوذون به، وأن مناصرته لأحد المرشحين لعضوية مجلس الأمة وتعيين أحد أقاربه حارساً
على محجوزات يمتلكها العمدة ليست بحافزة للعمدة على اتهامه زوراً وبطلاناً، هذا فضلاً
عن أن أفراد حصة المدعي في المشيخة قد انشقوا عليه وطالبوا بالانفصال عن شياخته وإلحاقهم
بشياخة أخرى، وبذلك يكون القرار المطعون فيه قد صدر صحيحاً لا عيب فيه وتكون الدعوى
خليقة بالرفض. وبجلسة 12 من إبريل سنة 1960 قضت المحكمة الإدارية المذكورة بقبول الدعوى
شكلاً وفي الموضوع برفضها مع إلزام المدعي المصروفات، وبَنت قضاءها على أن التهمة الأولى
ثابتة قبل المدعي وهو ما استظهرته لجنة العمد والمشايخ من أقوال وتحريات جميع رجال
الإدارة القائمين في الناحية التي وقعت فيها الجريمة وأيدهم في ذلك الشهود أنفسهم،
ومن ثم فلا أهمية لمحاولة التقليل من شأن شهادة الخفير وعامل التليفون بمقولة أنهما
من توابع العمدة الذي يحقد عليه لأمور ناجمة عن المعركة الانتخابية، هذا إلى أن تقرير
مباحث المركز قد أثبت أن المدعي قام بتهريب وإخفاء السلاح الذي استعمل في الحادث مما
يؤكد ما نسب إليه من محاولة تدخله لتغيير الحقيقة وعدم توجيه الاتهام إلى أقربائه…
وأما عن الاتهام الثاني فإن الثابت من أقوال المدعي نفسه في محضر التحقيق الإداري أن
شقيقه سبق اتهامه في ثلاثة أو أربعة قضايا ولم يثبت ضده أي شيء منها. وفي هذا الاعتراف
من جانب المدعي الدليل الكافي على أن أخيه تحوم حوله الشبهات. فإذا نسبت الإدارة إلى
المدعي أن يتستر على هذا الأخ وعلى عصابته في بلده وساندها في ذلك تقرير المباحث الجنائية
في مديرية المنيا فلا جناح عليها في ذلك، ولعل هذا التستر هو السبب في إفلات عصابة
الأخ من سطوة القانون في المرات العديدة التي اتهم فيها.
ومن حيث إن الطعن في الحكم المشار إليه يقوم على أن المحكمة قد أخطأت باعتدادها بشهادة
العمدة وهو العدو اللدود للمدعي وباعتدادها أيضاً بشهادة عامل التليفون والخفير وكلاهما
من أتباع العمدة يأتمرون بأمره ولا يجرءون على مخالفته، ولا شك في أن قيام الخصومة
يعتبر سبباً كافياً لتجريح شهادة الشاهد أما عن أقوال وتحريات رجال الإدارة فإن مصدرها
هو العمدة المشكوك في أمانته في الرواية، وشهادة ولدي المجني عليه تنفي مثل هذا الزعم،
أما عن التهمة الثانية فإن استناد المحكمة فيها قام على أساس من الحدس والتخمين فليس
في اتهام أخ الطاعن ثلاث مرات ما يفيد أن هذا الأخ تحوم حوله الشبهات، ومع ذلك فما
هو شأن الطاعن به وشخصية العقوبات مبدأ مسلم به ومن الأصول المقررة في قانون العقوبات،
كما وأن الأحكام يجب أن تبنى على القطع واليقين لا على مجرد الحدس والتخمين.
ومن حيث إنه تبين من أوراق الطعن أن المدعي عين شيخاً في سنة 1957 وفي يوم 7 من نوفمبر
سنة 1958 قتل هندي علي دكروري واتهم في قتله كل من عبد الكريم عبد الصمد إبراهيم وحسني
محمد عبد الرحمن وذلك بناءً على شهادة أحد أبناء القتيل من أن والده أخبره قبل وفاته
بأن هذين الشخصين هما قاتلاه وقد نفى تقرير الطبيب الشرعي احتمال أن يتحدث المجني عليه
عقب إصابته نظراً لجسامة الإصابة، كما وأن الاتهام بني أيضاً على شهادة أحد الأشخاص
لم تأخذ النيابة بها للأسباب التي ذكرتها في الأمر الصادر بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى
في الجناية المقيدة عن هذا الحادث برقم 2017 لسنة 1958 مركز بني مزار. وقد أبلغ العمدة
نقطة بوليس أبو العباس في ذات يوم وقوع الجناية المذكورة متهماً المدعي بأنه اتصل بالشاهد
وهو ابن القتيل ليعدل عن اتهامه للمتهمين المشار إليهما وأنه أي العمدة أمره بالخروج
من الحجرة التي كان بها هذا الشاهد في انتظار التحقيق، وفي نفس اليوم أيضاً (7/ 11/
1958) قدم تقريران أحدهما من ضابط مباحث المركز جاء فيه أن التحريات دلَّت على أن شيخ
البلد (المدعي) حاول التأثير على شهود الحادث بعدم اتهام هذين المتهمين لقرابته لهما
وأنه قام بتهريب السلاح المستعمل في الحادث وإخفائه عند من يدعى كامل معوض بعزبة آدم،
وبتفتيش المذكور لم يعثر معه على شيء وهذا مما يضر بالتحقيق وهو دائب العمل على التستر
على المجرمين وتضليل العدالة والتأثير على الشهود في حوادث مماثلة، والتقرير الآخر
من ضابط مباحث المديرية نسب فيه للمدعي بأنه دأب على الإخلال بالأمن واستغلال سلطة
وظيفته وأنه يتزعم عصابة برياسة أخيه ومن ضمن أفرادها محمد أبو الأسطى الشقي المعروف،
كما وأن المدعي يترقب الحوادث وخاصة السرقات، وعند حدوث واقعة من هذا القبيل يمنع المجني
عليه من الإبلاغ عنها تحت تأثير التهديد وقد عز الحصول على دليل ضده لشدة حرصه وبطشه
حتى كان يوم وقوع الجناية سالفة الذكر فعلم أنه طلب من المتهمين الإنكار وقام بتهريب
السلاح المستعمل في الجريمة مستغلاً بذلك سلطة وظيفته.
عمل محضر تحقيق إداري مؤرخ 7 من نوفمبر سنة 1958 ضد المدعي سئل فيه العمدة فقرر أنه
أبلغ بمقتل هندي علي دكروري وبأسماء المتهمين فقام بضبطهما وحجزهما بحجرة السلاحليك
وكان الشاهد أبو غنيمة هندي علي دكروري ابن القتيل والمبلِّغ عن الحادث ومقترفيه في
الحجرة المجاورة وبعد معاينته للجثة في الحقل وعودته رأى المدعي يدخل الحجرة التي بها
الشاهد وسمعه يقول له "لا يصح أن تشهد على قرايبك مع حفظ حقوقك" فاعترض العمدة على
هذا القول وطلب من المدعي الخروج من الحجرة فثار وخرج ليبلغ ضد العمدة وأخيه أمين بأنهما
المرتكبان لحادث القتل وكان ذلك بحضور عامل التليفون وخفير النوبتجي للسلاح ووكيل شيخ
الخفراء وآخرين لا يذكرهم. وبسؤال هذين الشخصين أيدا العمدة فيما نسب للمدعي من محاولته
التأثير على الشاهد بعد اتهام المتهمين المذكورين، إلا أن هذا الشاهد عندما سئل لم
ينكر أن المدعي حضر إلى الغرفة التي كان موجوداً بها وطلب منه الخروج فنهره العمدة
عن ذلك وإن أنكر أن المدعي قد طلب منه شيئاً مما جاء على لسان العمدة وشاهديه. واعترف
في الوقت نفسه بأن المدعي من أبناء عمومته وبسؤال الابن الثاني للمجني عليه وشقيق المبلِّغ
قرر أنه رأى المدعي بجوار باب الحجرة الموجود فيها أخوه وسمع مشادة كلامية بين العمدة
والمدعي لم يتبين كنهها، وعلم بأن المدعي كان يحاول إثناء أخيه عن اتهام الشخصين اللذين
أبلغ العمدة عنهما باقترافهما مقتل أبيه. وبسؤال المدعي عما هو منسوب إليه مما تقدم
ذكره نفى ذلك وقال أن الحادث يهمه لأن القتيل ابن عمه ولا يعقل أن يتستر على قاتله
حتى ولو كان أحد المتهمين ابن خاله وهو في الوقت ذاته متزوج بابنة ابن عم القتيل ثم
اعترف بأن شقيقه سبق أن اتهم في حوادث لم يثبت ضده شيء فيها وعلل اتهامه بما ذكر بأنه
من تدبير العمدة بغية الإضرار به وقد ترتب على اتهام المدعي بذلك أن صدر أمر في 17
من نوفمبر سنة 1958 بوقفه عن العمل وفي 18 من نوفمبر سنة 1958 تقدم العمدة بمذكرة ضد
المدعي نسب إليه فيها أنه دأب على الإخلال بالأمن العام ومساعدة الأشقياء وعلى الأخص
شقيقه المدعو خليل وأقاربه وأنه سبق أن اعتدى على أحد الأشخاص أحدث به عاهة مستديمة
حكم عليه من أجلها بالحبس سنة مع وقف التنفيذ، كما اتهم بالتحريض على ضرب علي خليل
أبو النجا وما زالت القضية منظورة أمام محكمة الجنايات. وتشاجر أيضاً مع عائلة أخرى
بسبب التنازع على خفارة أرض وهذا بالإضافة إلى الحادث الأخير الخاص بمقتل هندي علي
دكروري والذي كان موضع تحقيق سابق وقد طالب العمدة النظر في أمر المدعي وفعله مراعاة
لدواعي الأمن العام في القرية.. وعقب ضابط النقطة على هذه المذكرة بأن كل ما جاء فيها
هو صحيح وحقيقي وأن بعض ما نسب للمدعي فيها حصل أثناء فترة وجوده لذلك فهو يرى الموافقة
على طلب العمدة بفصل المدعي – وبسؤال المدعي عما جاء في مذكرة العمدة نفي كل ما نسبه
إليه وقال بأن سبب عدم استتباب الأمن في البلدة هو من سوء تصرف العمدة كما وأن ما جاء
بمذكرة المباحث خاصاً به إنما مصدره العمدة.
وفي 12 من نوفمبر سنة 1958 قدمت شكوى تحمل توقيع المدعي واثنين آخرين محصلها أن مشايخ
ناحية صفط أبو جرج لا يقدرون على التعاون مع العمدة لمصلحة الأهالي وتلتها شكوى أخرى
مقدمة من بعض أفراد حصة المدعي في المشيخة يتظلمون فيها من وقفه عن العمل مما يعطل
قضاء مصالحهم دون ذنب ما ارتكبه الشيخ المذكور. وبعد تحقيق الجناية رقم 1470 لسنة 1958
كلي المنيا وعدم ذكر أي شيء فيها يمس المدعي تقرر رفع الإيقاف عند وعودته إلى العمل
في أول نوفمبر سنة 1959 مع تقديمه إلى لجنة العمد والمشايخ لمحاكمته تأديبياً – ويبين
من الاطلاع على الجناية الخاصة بمقتل هندي علي دكروري المشار إليها أنه لم يرد فيها
ذكر للمدعي لا كمتهم أو كشاهد وقد قيدت ضد عبد الكريم عبد الصمد إبراهيم وحسني محمد
عبد الرحمن ثم تقرر فيها بتاريخ 15 من ديسمبر سنة 1958 بعدم وجود وجه لإقامة الدعوى
الجنائية ضد المتهمين لعدم كفاية الأدلة. وقد وجه للمدعي تهمتان الأولى تأثيره على
أبو غنيمة هندي علي دكروري في الجناية رقم 2017 سنة 1958 بني مزار الخاصة بقتل والده
للعدول عن اتهام المتهمين عبد الكريم عبد الصمد وحسني محمد عبد الرحمن لقرابته لهما،
وتهريبه وإخفائه السلاح المستعمل في الحادث، والثانية: مساعدته الأشقياء والاتصال بهم
وذلك بالتستر على شقيقه خليل بهجات وعصابته ببلدته مما يخل بالأمن العام. وبجلسة 25
من مارس سنة 1959 نظرت لجنة العمد والمشايخ في التهمتين المنسوبتين للمدعي الذي حضر
الجلسة وأحال على دفاعه بالتحقيق ثم أصدرت اللجنة قرارها بالإجماع بإدانة المدعي وفصله
بالاستناد إلى ثبوت التهم الموجهة إليه وعدم دفعها بما يخليه من المسئولية وتصدق على
هذا القرار من وزارة الداخلية في 24 من مايو سنة 1959.
ومن حيث إن حسن السمعة وطيب الخصال هي من الصفات الحميدة المطلوبة في كل موظف عام والتي
تعتبر جزءاً من الوظيفة العامة وبدون هذه الصفات لا تتوافر الثقة والطمأنينة في شخص
الموظف مما يكون له أثر بالغ على المصلحة العامة وبذلك تختل الأوضاع وتضطرب القيم في
جميع نواحي النشاط الإداري وغيره ولا يحتاج الأمر في التدليل على سوء السمعة أو عدم
طيب الخصال وجود دليل قاطع على توافرهما أو توافر أيهما، وإنما يكفي في هذا المقام
وجود دلائل أو شبهات قوية تلقي ظلالاً من الشك المثير على أي من الصفتين المذكورتين
حتى يتسم الموظف بعدم حسن السمعة وذلك بمراعاة البيئة التي يعمل فيها.
ومن حيث إن المدعي يعمل في وظيفة شيخ بلد وهو بهذه الصفة من رجال السلطة التنفيذية
وممثلاً لها في القرية وعليه تبعات جسام فيما يتعلق بالأمن والضرب على يد العابثين
به والكشف عن الجناة والترفع والبعد عن مواطن الشبهات بما يوحي الثقة فيه والاطمئنان
إلى سلوكه، فإذا ما رأت الجهة الإدارية الخاضع لها الموظف في الإشراف والتوجيه أنه
فقد عنصر الصلاحية للبقاء في وظيفته لأمور نسبت إليه بما فيه إخلال خطير بواجبات الوظيفة،
وقدرت هذه الأمور بميزان المصلحة العامة تستخلص إياها من واقع أوراق قدمت إليها، فإن
قرارها الذي تتخذه في هذا الشأن يكون صحيحاً ما دام أن استخلاصها للوقائع التي انبنى
عليها يجيء سائغاً ومقبولاً ويؤدي إلى النتيجة التي انتهت إليها..
ومن حيث إنه يبين مما سبق ذكره من وقائع تناولها التحقيق في مواجهة المدعي واستخلص
منها التهمتين الموجهتين إليه واللتين انبنى عليهما فصله بقرار من لجنة العمد والمشايخ
أن التهمة الأولى تقوم على أقوال العمدة وعامل التليفون وخفير السلاحليك وعززها تقريرا
مباحث المركز ومباحث المديرية وأضافا إليها أن المدعي عمل على تهريب السلاح المستعمل
في الحادث وإخفائه لدى شخص معين على الوجه المفصل بالتقريرين المذكورين السابق الإشارة
إليهما، هذا إلى قول أبناء القتيل بأنه سمع أن المدعي كان يحاول التأثير على أخيه المبلِّغ
للعدول عن اتهام من اتهمهما في قتل أبيه وشهد بحصول مشادة بين العمدة والمدعي أثناء
وقوف هذا الأخير بجوار باب الحجرة التي كان فيها أخوه، والذي قرر أن المدعي حضر إليه
وطلب منه الخروج من الحجرة فنهره العمدة عن ذلك وإن نفى أن المدعي حاول التأثير عليه
في شيء مما ذكر ولم ينكر المدعي ذهابه إلى المكان الذي كان محجوزاً فيه المبلِّغ ابن
القتيل وطرد العمدة له من هذا المكان لا لسبب ما سوى الخصومات القائمة بينهما والتي
فصلها في التحقيق. وأما عن تهريب السلاح وإخفائه فسنده ما جاء في تقرير المباحث المشار
إليها وهي من الأجهزة الحكومية المختصة بجمع التحريات والاستدلالات عن كل ما يمس الأمن
العام ويوصل إلى اكتشاف الجرائم والقبض على مرتكبيها، وطبيعي أن هذه التحريات لا تصل
إلى رجال المباحث إلا بعد أن تكون قد استفاضت وشاعت بين الناس وبالتالي لها سند من
الواقع وإن لم يبرز إلى حد الدليل القاطع على صحتها، ولا يغير من قيمتها هذه كون تفتيش
الشخص الذي قيل بأن السلاح قد أخفي طرفه لم يسفر على شيء فطبيعة الجريمة الإدارية تختلف
اختلافاً كلياً عن طبيعة الجريمة الجنائية فيكفي في الجريمة الأولى أن تثير الوقائع
المنسوبة للموظف غباراً قاتماً حول تصرفاته مما يمس سلوكه الوظيفي ويؤثر في سمعته بين
الناس فتتناثر حوله الأقاويل – الأمر الذي يفقد معه الاطمئنان إلى عمله والثقة فيه
وبالتالي يكون بقاؤه في وظيفته مما يعرض المصلحة العامة للخطر، فإذا رأت اللجنة من
واقع التحقيق الذي أجري مع المدعي سواء عن التهمة الأولى أو عن التهمة الثانية وكلتا
التهمتين تناولتا وقائع محددة وعلى الأخص فإن التهمة الثانية تقوم على أمور عالقة بالمدعي
نفسه أو بمن يلوذ بهم وقد أكدها الضابط رئيس نقطة البوليس وهذه الوقائع بحالتها وإن
لم تصلح للمؤاخذة الجنائية فهي على الأقل تصلح في المحيط الإداري أساساً للمؤاخذة الإدارية،
وعلى ذلك إذ اتخذت اللجنة من الوقائع المطروحة عليها والسابق الإشارة إليها ما استدلت
به على أن المدعي قد تنكب الطريق السوي في سلوكه الوظيفي مما يدعو إلى فصله فإنها تكون
قد استخلصت السبب الذي أقامت عليه قرارها المطعون فيه استخلاصاً سائغاً يؤدي إلى النتيجة
التي انتهت إليها ومن ثم يكون هذا القرار بمنأى عن الطعن لصدوره في الحدود المرسومة
قانوناً وبعدم ثبوت إساءة استعمال السلطة.
ومن حيث إنه لذلك يكون الحكم المطعون فيه قد أصاب الحق برفض الدعوى مما يتعين معه الحكم
بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وإلزام الطاعن بالمصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وألزمت الطاعن بالمصروفات.
