الطعن رقم 1473 لسنة 6 ق – جلسة 15 /04 /1962
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ
649
جلسة 15 من إبريل سنة 1962
برياسة السيد – عبد العزيز الببلاوي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة عبد الفتاح نصار ومحمد عبد العزيز البرادعي وعزت عبد المحسن وأبو الوفا زهدي المستشارين.
القضية رقم 1473 لسنة 6 القضائية
( أ ) القوانين المعدلة للاختصاص – المقصود بها – نص المادة 90
من القانون رقم 56 لسنة 1959 على عدم جواز الطعن أمام أية جهة قضائية في القرارات الصادرة
في شأن تعيين القضاة ورجال النيابة العامة – عدم انطوائه على قاعدة من قواعد الاختصاص
– أساس ذلك – هو جواز الطعن في هذه القرارات في ظل القانون رقم 147 لسنة 1949 – تعديل
نص المادة 90 سالفة الذكر في طبيعة هذا النوع من القرارات، الصادرة في ظل القانون رقم
56 لسنة 1959، يجعلها حصينة من الإلغاء أمام أي جهة قضائية.
(ب) اختصاص – اختصاص القضاء الإداري – طلبات إلغاء قرارات التعيين والترقية المتعلقة
بإدارة القضاء – دخولها في ولاية محكمة القضاء الإداري قبل العمل بالقانون رقم 147
لسنة 1949 – انطواء نص المادة 23 من هذا القانون على قاعدة من قواعد المرافعات بنقله
ولاية محكمة القضاء الإداري في هذا الشأن إلى محكمة النقض منعقدة بهيئة جمعية عمومية
– أساس ذلك.
(جـ) اختصاص – طلبات إلغاء قرارات التعيين والترقية المتعلقة بإدارة القضاء – اختصاص
محكمة النقض المنعقدة بهيئة جمعية عمومية بالفصل فيها – شموله الطلبات المقدمة منها
من رجال القضاء والنيابة أو من غير هؤلاء متى كان القرار محل الطعن متعلقاً بإدارة
القضاء عدا النقل والندب – مثال – اختصاص هذه المحكمة بالطعن في قرارات التعيين في
الوظائف القضائية.
1 – من المسلم أن القوانين المعدلة للاختصاص هي نوع من قوانين المرافعات من شأنها أن
تغير الاختصاص المحلي أو النوعي مع الإبقاء على محكمة تنظر النزاع وينبني على ذلك أن
ينتقل النزاع من ولاية محكمة إلى ولاية محكمة أخرى وهذه مسألة إجرائية لا تمس أصل الحق
المتنازع عليه، ومن ثم كان نص المادة 1 من قانون المرافعات المدنية والتجارية التي
تقضي بسريان قوانين المرافعات على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى أو تم من الإجراءات
قبل تاريخ العمل بها.
وإذ قضت المادة 90 من القانون رقم 56 لسنة 1959 في الفقرة الثانية منها بعدم جواز الطعن
أمام أية جهة قضائية في القرارات الصادرة في شأن تعيين القضاة ورجال النيابة العامة،
فإنها لا تكون بذلك قد انطوت على قاعدة من قواعد الاختصاص حتى يجوز التحدي بها في هذه
الدعاوى ولبيان ذلك تقرر المحكمة أنه قبل العمل بالقانون رقم 56 لسنة 1959 سالف الذكر
كان يمكن مخاصمة هذا النوع من القرارات وطلب إلغائها.
فقد كانت المادة 23 من القانون رقم 147 لسنة 1949 بإصدار قانون نظام القضاء تقضي باختصاص
محكمة النقض منعقدة بهيئة جمعية عمومية دون غيرها بالفصل في الطلبات المقدمة من رجال
القضاء والنيابة… بإلغاء المراسيم والقرارات المتعلقة بإدارة القضاء.. إلخ ويبين
من ذلك في وضوح أن هذا النوع من القرارات كان يمكن التقاضي بشأنه وطلب إلغائه في ظل
القانون رقم 147 لسنة 1959 فجاء القانون رقم 56 لسنة 1959 وحظر مخاصمة هذه القرارات
في الفقرة الثانية من المادة 90 فلا تكون هذه الفقرة قد اشتملت على قاعدة من قواعد
الاختصاص إذ أنها لم تبين جهة قضائية أخرى تتولى الاختصاص في مثل هذه القضية. وإنما
حقيقة الأمر أن هذه المادة عدلت في طبيعة هذا النوع من القرارات الإدارية فجعلتها حصينة
بمولدها لا تقبل الطعن بطلب الإلغاء فالفقرة الثانية من المادة 90 سالفة الذكر إنما
اشتملت على قاعدة موضوعية تتعلق بنفس القرار وطبيعة جوهره فأصبحت هذه القرارات بمنجاة
من طلب إلغائها ومن البديهي ألا يتمتع بهذه الميزة إلا القرارات التي صدرت في ظل القانون
رقم 56 لسنة 1959 فهي وحدها الحصينة بالمولد أما القرارات الصادرة قبل العمل بذلك القانون
فلا سبيل لها للتمتع بتلك الميزة لأنها ولدت ويصاحبها صفة القابلية للطعن وطلب الإلغاء
ولم يتضمن القانون رقم 56 لسنة 1959 حكماً يقضي بسريان أحكامه على الماضي.
2 – من المسلم قبل العمل بالقانون رقم 112 لسنة 1946 الصادر بإنشاء مجلس الدولة أنه
لم تكن هناك جهة قضائية تختص بالنظر في دعاوى إلغاء القرارات الإدارية أو إيقاف تنفيذها،
ذلك أن المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية الصادرة في 14 يونيه سنة 1883 والمعدلة
بالقانون رقم 90 لسنة 1937 كانت تقضي صراحة بأن ليس لهذه المحاكم تأويل عمل إداري أو
إيقاف تنفيذه ثم صدر القانون رقم 112 لسنة 1946 سالف الذكر وحل محله القانون رقم 9
لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة وقد منح المشرع بهذا القانون محكمة القضاء الإداري دون
غيرها ولاية القضاء كاملة في بعض المسائل فنص في البند 30 من المادة 3 من ذلك القانون
على اختصاص تلك المحكمة في الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن بالطعن في القرارات الإدارية
النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو بالترقية متى كان مرجع الطعن عدم الاختصاص
أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو اللوائح أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها
أو إساءة استعمال السلطة وغني عن البيان أن قرارات التعيين والترقية المتعلقة بإدارة
القضاء كانت تدخل في ولاية مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري إذا ما شابها عيب من العيوب
المشار إليها آنفاً ثم صدر بعد ذلك القانون رقم 147 لسنة 1949 بإصدار قانون نظام القضاء
ونصت المادة 23 منه على اختصاص محكمة النقض منعقدة بهيئة جمعية عمومية دون غيرها بالفصل
في الطلبات المقدمة من رجال القضاء والنيابة والموظفين القضائيين بالديوان العام بإلغاء
المراسيم والقرارات المتعلقة بإدارة القضاء عدا الندب والنقل متى كان مبنى الطلب عيباً
في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو خطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال
السلطة.
وتود المحكمة أن تسجل في هذا المقام أن نص المادة 23 سالفة الذكر قد انطوى على قاعدة
من قواعد المرافعات إذ نقل ولاية محكمة القضاء الإداري فيما يتعلق بقرارات التعيين
والترقية الخاصة بإدارة القضاء إلى محكمة النقض وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لذلك
القانون تعليقاً على هذا النص أن "المشرع شرع لرجال القضاء والنيابة طريقاً للطعن في
المراسيم والقرارات المتعلقة بإدارة هيئة القضاء عدا الندب والنقل.. وزاد على ذلك ضمانة
أخرى فوكل أمر الفصل في هذه الطعون إلى أعلى هيئة قضائية في البلاد منعقدة بهيئة جمعية
عمومية إمعاناً في بث روح الثقة والطمأنينة في نفوسهم.. وبعبارة أخرى فإن لمحكمة النقض
منعقدة بهيئة جمعية عمومية ولاية القضاء كاملة في شئون رجال الهيئة القضائية فهي تجمع
بين قضاء الإلغاء وقضاء التعويض بغير معقب".
ثم جاء أيضاً في المذكرة الإيضاحية "ومن شأن هذا النص حسم الخلاف القائم حول أية هيئة
أخرى بالنظر في شئون أعضاء الهيئة القضائية فليس أجدر ولا أقدر على الإحاطة بشئون القضاء
وتعرف شئونهم والفصل في ظلاماتهم من رجال من صميم الأسرة القضائية" يضاف إلى ما تقدم
أن النص تطبيق محكم لنظرية الفصل بين السلطات حيث تستقل السلطة القضائية بشئون سدنتها
فلا يكون لأية سلطة سواها سبيل أو رقابة عليهم.
ويتضح مما سبق أن المشرع استهدف بنص المادة 23 من القانون رقم 147 لسنة 1949 غرضاً
معيناً لحكمة ارتآها وأفصح عنها في المذكرة الإيضاحية فجعل لمحكمة النقض منعقدة بهيئة
جمعية عمومية ولاية القضاء كاملة في شئون رجال القضاء وذلك لجدارة تلك الهيئة وقدرتها
على الإحاطة بشئون القضاة والفصل في ظلاماتهم.
3 – يثور التساؤل عما إذا كانت ولاية محكمة النقض بهيئة جمعية عمومية تقتصر على الفصل
في الطلبات المقدمة من رجال القضاء والنيابة بمعنى أن يكون مقدم الطلب أحد رجال القضاء
أو النيابة. أم أن ولايتها تجاوز ذلك فتشمل الطلبات المقدمة من غير رجال القضاء أو
النيابة متى كان القرار محل الطعن متعلقاً بإدارة القضاء عدا النقل والندب وهنا قد
يذهب قول إلى وجوب أن يكون مقدم الطلب من بين رجال القضاء أو النيابة وذلك جرياً مع
صراحة النص، ولكن يؤخذ على هذا الرأي أنه يقف عند النظرة السطحية للنص ولا يتغلغل في
فحواه وتقصي الحكمة من وضعه وتأييداً لذلك يمكن سوق قرارات التعيين في الوظائف القضائية
على سبيل المثال فالفصل في التظلم من هذه القرارات يقع قاطعاً في ولاية محكمة النقض
منعقدة بهيئة جمعية عمومية، وذلك لسبب واضح وهو أن قرارات التعيين هذه تدخل في مدلول
القرارات المتعلقة بإدارة القضاء والقدر المتيقن من هذا النظر أن نص المادة 23 من القانون
رقم 147 لسنة 1949 يعتوره بعض الغموض وليس بالأمر الذي يستوجب من المحكمة العمل على
تفسيره وإزالة ما به من غموض مستعينة في ذلك بوسائل التفسير المختلفة مثل حكمة النص
وما أفصح عنه المشرع في المذكرة الإيضاحية للقانون. وقد سبق القول بأن المذكرة الإيضاحية
في تعليقها على المادة 23 من القانون وصفت نصها بأنها تطبيق محكم لنظرية الفصل بين
السلطات حيث تستقل السلطة القضائية بشئونها فلا يكون لأية سلطة سواها سبيل أو رقابة
عليهم. فكيف يتسق هذا مع القول بأن الاختصاص ينعقد لمجلس الدولة بهيئة قضاء إداري في
حالة الطعن في قرارات التعيين عند التخطي لأن مقدمي تلك الطلبات لم يتدرجوا بعد في
عداد رجال القضاء والنيابة. أليس في ذلك تسليط لسلطة أخرى غير محكمة النقض على شئون
سدنة السلطة القضائية ويبين هذا المعنى واضحاً إذ أخذ في الاعتبار أن الأمر في هذا
الصدد لا يقتصر على التعيين في الأدنى من وظائف القضاء والنيابة إذ يبين من نص المادة
5 من القانون رقم 188 لسنة 1952 في شأن استقلال القضاء أنه يجوز التعيين في وظائف المستشارين
على سبيل المثال من بين المحامين وأساتذة كليات الحقوق.
وفضلاً عما سبق بيانه فإنه يمكن القول بأن القانون إذا أجاز الطعن في نوع معين من القرارات
وعقد الاختصاص للفصل في هذا الطعن لمحكمة بالذات فلا يمكن سلبها هذا الاختصاص بمقولة
أن الطاعن لا يصدق عليه وصف معين متى توافرت له المصلحة الحقيقية في هذا الطعن ما لم
يتضح بجلاء أن المشرع قصد بجلاء تحقق هذا الوصف في مقدم الطعن والشأن في المادة 23
من القانون رقم 147 لسنة 1949 أن المشرع نظر إلى القرارات التي يمكن الطعن فيها نظرة
عينية وهي النظرة الغالبة عند مخاصمة القرارات الإدارية.
إجراءات الطعن
في 9 من مايو سنة 1960 أودع السيد رئيس إدارة قضايا الحكومة بصفته نائباً عن السيد وزير العدل سكرتيرية هذه المحكمة عريضة طعن عن الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري بتاريخ 10 من مارس سنة 1960 القاضي بقبول الدعوى شكلاً وفي موضوعها بإلغاء القرار الصادر بتاريخ 14 من ديسمبر سنة 1958 فيما تضمنه من تخطي المدعي في التعيين في وظيفة معاون نيابة وما يترتب على ذلك من آثار. وطلب السيد الطاعن استناداً إلى الأسباب التي ذكرها في عريضة طعنه الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم أصلياً بعدم جواز سماع الدعوى واحتياطياً بعدم قبولها أو برفضها مع إلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة. وفي 8/ 11/ 1960 أعلن الطعن للمطعون ضده وتعين لنظره جلسة 30 إبريل سنة 1961 أمام دائرة فحص الطعون وأخطر ذوو الشأن بتلك الجلسة في 17 من إبريل 1961 فنظرته وقررت إحالته إلى هذه المحكمة لجلسة 17/ 6/ 1961 وقد سمعت المحكمة ما رأت ضرورة سماعه من ملاحظات الطرفين ثم أرجأت النطق بالحكم لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل في أن المطعون ضده أقام دعواه بعريضة أودعها سكرتيرية
محكمة القضاء الإداري في 5/ 2/ 1959 طلب فيها الحكم بتعديل القرار الصادر من السيد
وزير العدل بتاريخ 14/ 12/ 1958 بتعيينه قبل تعيين الأستاذ يوسف عبد العزيز في وظيفة
معاون نيابة مع إلزام وزارة العدل بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة.
وبياناً لدعواه قال أنه حصل على ليسانس الحقوق بتقدير جيد في دور مايو سنة 1958 من
جامعة القاهرة وكان مجموع درجاته 134.5 من مجموع الدرجات النهائي ومقداره 200 درجة
ثم طلب لأداء الخدمة الإجبارية في 6 من أكتوبر 1958 وقدم بعد ذلك طلباً إلى وزارة العدل
لتعيينه في إحدى الوظائف الفنية الشاغرة وأرفق مع هذا الطلب ما يفيد تجنيده فاستدعاه
مكتب النائب العام في 18 من أكتوبر سنة 1958 لاستكمال مسوغات التعيين إذ رشحه لوظيفة
معاون نيابة وتوقع الكشف الطبي عليه في 23/ 10/ 1958 فكان لائقاً طبياً ومع ذلك أصدر
السيد وزير العدل القرار المطعون فيه بتاريخ 14/ 12/ 58 بتعيين عدد من حملة الليسانس
بتقدير جيد ولم يكن من بينهم ثم نعت هذا التعيين بأنه جاء مخالفاً لحكم المادة – 59
– من القانون رقم 505 لسنة 1955 الخاص بالخدمة العسكرية التي تمنح له الأولوية في التعيين
على زملائه في تلك الوظيفة باعتباره مجنداً، فدفعت الوزارة هذه الدعوى بعدم القبول
بمقولة أنه لم يسبقها تظلم من المدعي كما يستلزم ذلك القانون رقم 165 لسنة 1955 في
شأن تنظيم مجلس الدولة. وأجابت على موضوعها بأنه تخرج في كلية الحقوق بجامعة القاهرة
في يونيه سنة 1958 بدرجة جيد وحصل على مجموع قدره 134.5 درجة بنسبة مئوية 67 و1/ 4%
وكان ترتيبه بين الناجحين (91 مكرراً) ولم تتسع الحركة التي أجرتها له إذ كان آخر من
عينته من أقرانه هو السيد/ حسن السيد حسن الحاصل على مجموع قدره 146 و1/ 2 بنسبة مئوية
73 و1/ 4% والذي كان ترتيبه بين الناجحين الأربعين مكرراً وأضافت الوزارة إلى ما تقدم
أن المادة التي يتمسك المدعي بها لا تمنح أولوية للمجند إلا على زملائه المرشحين معه
في ذات مرتبة النجاح وأن تحديد تلك المرتبة مقصور على مقدار الدرجات التي حصل عليها
كل مرشح ومن كان مجموع درجاته أزيد من غيره يكون في مرتبة نجاح أسمى وبالتالي يكون
له الحق في شغل الوظيفة وليس المدعي في ذات مرتبة النجاح بالنسبة لآخر من لحقه الدور
في التعيين.
وبتاريخ 10 من مارس سنة 1960 قضت تلك المحكمة في الدعوى على الوجه المشار إليه وأسست
قضاءها من حيث الشكل على أن المادة 12 من القانون 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس
الدولة وإن استلزمت التظلم من القرار المطعون فيه إلى الهيئة الإدارية التي أصدرته
أو إلى الهيئات الرئيسية وانتظار المواعيد المقررة للبت في التظلم قبل رفع دعوى الإلغاء
فإن المدعي يقول أنه تظلم فعلاً ولكنه لم يستطع أن يقدم الدليل على ما ادعاه ومع ذلك
فلم يكن ثمت جدوى من هذا التظلم إذ القرار المطعون فيه تخطى غير المدعي وقد تظلم هؤلاء
الأغيار كما هو الشأن في الدعوى 1063 لسنة 13 القضائية التي كانت منظورة مع هذه فلم
تستجب الوزارة إلى تظلمهم وظلت عند رأيها السابق ذكره في تفسير مفهوم المادة 59 من
القانون 505 لسنة 1955 المعدل بالقانون 9 لسنة 1958 الخاص بأفضلية المجندين عند التعيين
وما دامت الدعوى الحالية رفعت في خلال الأربعة الأشهر التالية للقرار المطعون فيه فتكون
دعوى مرفوعة في الميعاد ومستوفية للأوضاع القانونية. ومن حيث الموضوع أقامت المحكمة
قضاءها على أن القاعدة التنظيمية التي وضعتها وزارة العدل والتي ربطت بها مرتبة النجاح
بالدرجات التي يحصل عليها المرشحون لا تسري في نظرها إلا فيما بين المرشحين غير المجندين
الذين لا يزاحمهم أحد من المجندين فإذا وجد المجندون المرشحون فللمجند أولويته على
أقرانه التي يستمدها من نص المادة 59 المشار إليها آنفاً إذا ما تساوى معهم في مرتبة
النجاح دون الرجوع إلى درجة الأسبقية في الامتحان لأن مرتبة النجاح التي تعينها المادة
المنطبقة هي درجة جيد وما دام المدعي حصل على مرتبة جيد في الامتحان فتكون له الأفضلية
على أقرانه الحاصلين على نفس المرتبة (جيد) دون حاجة إلى مقارنته بهم من حيث مجموع
درجات الامتحان ثم ذهبت إلى القول أن القرار المطعون فيه جاء بالمخالفة لأحكام المادة
59 المشار إليها آنفاً ومن ثم حكمت بإلغائه فيما تضمنته من تخطي المذكور في التعيين
بالوظيفة المذكورة.
ومن حيث إن الطعن بني على ثلاثة أسباب:
السبب الأول: عدم جواز سماع الدعوى.
إذ تنص المادة 90 من القانون 56 لسنة 1959 بشأن السلطة القضائية بأن قرارات تعيين رجال
القضاء والنيابة لا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن أمام أية جهة قضائية وأن
هذا النص يعدل من قواعد الاختصاص ويتعلق بقواعد النظام العام ومن ثم يتحتم على المحكمة
القضاء بها من تلقاء نفسها وواجب التطبيق بأثر حال مباشر على الدعاوى المنظورة إذ لم
يرد فيه استثناء بشأنها.
السبب الثاني: عدم قبول الدعوى.
إذ تقضي المادة 12 من القانون 165 لسنة 1955 بأنه لا تقبل الطلبات المقدمة رأساً بإلغاء
القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة قبل التظلم منها إلى
الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية وانتظار المواعيد المقررة
للبت في التظلم وفيما ذهب إليه الحكم المطعون فيه إهدار لنظام التظلم الذي أوجبه القانون
المشار إليه آنفاً إذا ما أفصحت الجهة الإدارية عن رأيها في حالة من الحالات المماثلة
قدمت فيها تظلمات لم يؤخذ بها كما أن فيما قرره الحكم من استحداث ميعاد لرفع الدعوى
بأنه أربعة أشهر من تاريخ صدور القرار المطعون فيه لا سند له في القانون ويخالف ما
استقر عليه الفقه والقضاء في تحديد ميعاد رفع هذه الدعوى.
السبب الثالث: الخطأ في تفسير المادة 59 من القانون 505 لسنة 1955:
إذ العبرة في مرتبة النجاح هي بالتماثل في مجموع الدرجات ولا تكون هناك مساواة في مرتبة
النجاح إلا إذا اتحدت الدرجات، فالأسبقية التي نصت عليها هذه المادة لا تجد لها مجالاً
لإعمالها إلا إذا تساوى المجند مع مرشحين آخرين في مجموع الدرجات كما انتهت إليه بحق
الجمعية العمومية للقسم الاستشاري في الفتوى رقم 25 – 1 – 15 في 29 – 3 – 1959، وقد
بان في خصوصية الدعوى أن آخر من عين بالقرار المطعون فيه كانت نسبة نجاحه 73 و1/ 4%
بينما حصل المدعي على 67 و1/ 4% فلم يكن ترتيبه يسمح بتعيينه وليس هناك مجال للمفاضلة
بينه وبين من عين في هذا القرار وما دام الحكم قد ذهب إلى غير هذا الرأي فيكون حكماً
مخالفاً للقانون ومستوجباً الإلغاء.
ومن حيث إن هيئة مفوضي الدولة قدمت مذكرة برأيها القانوني في هذه المنازعة بحثت فيه
أوجه الطعن فقالت أن الوجه الأول على غير أساس، إذ الثابت أن المدعي فرد عادي وليس
من الفئات التي نعتها المادة 90 من القانون رقم 56 لسنة 59 بشأن السلطة القضائية.
وفي التدليل على سلامة ما ذهب إليه رداً على هذا الوجه استشهدت بقضاء سابق لهذه المحكمة
في حكمها الصادر في الطعن رقم 721 لسنة 3 القضائية، ولكنها أيدت ما انتهى إليه الوجه
الثاني على أساس أن الدعوى تعتبر في الحقيقة دعوى إلغاء جزئي للقرار المطعون فيه وأن
كيفها المطعون ضده على أساس أنها دعوى بطلب تعديل أقدمية، إذ الحكم بطلباته يقتضي إلغاء
القرار إلغاءاً جزئياً وهي بهذا الوصف الصحيح لها يتعين أن يسبقها تظلم قبل رفعها وذلك
إعمالاً لنص المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة ولا
يغني عنه فتيلاً إظهار الجهة الإدارية لرأيها في حالات مماثلة ثم قالت أن هذا الحكم
أهدر صريح نص المادة 12 من القانون آنف الذكر وتمشى مع حكمته وجافى القاعدة الأصولية
التي تقول أنه لا سبيل إلى تلمس حكمة النص مع وضوحه كما خالف ما جرى به قضاء هذه المحكمة
واستشهدت في هذا الصدد بالحكم الصادر في الطعن رقم 837 لسنة 7 القضائية، ومن ثم خلصت
إلى القول بأن الحكم المطعون فيه إذ قضى بقبول الدعوى قد أخطأه الصواب وتعين الحكم
بإلغائه وعدم قبول هذه الدعوى.
وأما عن الوجه الثالث فاتفقت وجهة نظرها مع الطعن وقالت أن المرتبة الواحدة من مراتب
النجاح تنتظم عدداً متفاوتاً تفاوتاً كبيراً من الدرجات فإذا ما ذهبت وزارة العدل في
صدد الترشيح لوظيفة متميزة وذات أهمية خاصة إلى إجراء تفصيل بين المرشحين بالنسبة لمجموع
درجات الامتحان النهائي دون الوقوف عند مرتبة النجاح لكل مرشح فليس في ذلك مخالفة لروح
القانون ولا للمفهوم الصحيح من نص المادة 59 من القانون رقم 505 لسنة 1955 المشار إليه
وليس انحرافاً بل فيه توخ للمصلحة العامة بالعمل على تمييز أفضل العناصر للتعيين في
هذه الوظيفة ثم انتهت إلى طلب الحكم بقبول الطعن شكلاً والحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى،
واحتياطياً برفضها مع إلزام المدعي بالمصروفات.
ومن حيث إن إدارة قضايا الحكومة قدمت مذكرة رددت فيها ما جاء في صحيفة الطعن وصممت
على الطلبات الواردة بها ثم عادت وقدمت مذكرة أخرى فصلت ما أجملته في القول بعدم جواز
الطعن في القرار موضوع الدعوى وعدم اختصاص القضاء الإداري وألمعت فيها إلى أن قانون
السلطة القضائية رقم 56 لسنة 1959 قد جاء بحكم جديد في قانون استقلال القضاء يخالف
الحكم الوارد في القانون السابق عليه رقم 147 لسنة 1949 وهو "أن القرارات الصادرة بالتعيين
أو النقل أو الندب لا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن أو أمام أية جهة قضائية
أخرى" وطبقاً لهذا النص لا يسوغ لأي فرد كان سواء كان من رجال القضاء أو من الأفراد
العاديين الذين قد تمسهم هذه القرارات أن يطعنوا فيها بأي طريق من طرق الطعن أمام أية
جهة من جهات القضاء المدني أو الإداري وأن هذا النص يسري على الدعوى الحالية وهي دعوى
متعلقة بالطعن في قرار صادر بتعيين معاون نيابة رفعت في ظل النص القديم المعدل، لأن
النص الجديد جاء بقاعدة جديدة من قواعد الاختصاص، ومن ثم فإنه يسري بأثر مباشر على
جميع الدعاوى التي تدخل في نطاق القاعدة التي استحدثت، وفي هذا المقام استشهدت بقضاء
سابق لهذه المحكمة قرر أنه إذا جاء القانون الجديد ملغياً ولاية جهات القضاء في نوع
من المنازعات فإنه يسري على المنازعات التي لم يفصل فيها حتى ولو كان باب المرافعة
قد أقفل فيها قبل العمل به (الطعن رقم 1789/ 2 جلسة 8/ 6/ 1957 – السنة الثانية من
مجموعة المكتب الفني – قاعدة 117 ص 1115).
ومن حيث إن هذه الدعوى تعتبر دعوى إلغاء كما ذكرت هيئة مفوضي الدولة بحق وإن لم يطلب
المدعي هذا الطلب صراحة بل طلب تعديل القرار الصادر من وزير العدل بتاريخ 14/ 12/ 1958
بتعيينه قبل تعيين الأستاذ يوسف عبد العزيز في وظيفة معاون نيابة إذ أنه لا يمكن إجابة
مطلبه من غير إلغاء جزئي لهذا القرار كما قضى الحكم المطعون فيه.
ومن حيث إنه على ضوء طبيعة ما سبق فإنه يتعين على هذه المحكمة أن تتحرى ما إذا كانت
هذه الدعوى يمكن قبولها وأي محكمة تختص بنظرها.
ومن حيث إن هذه المحكمة ترى بادئ ذي بدء ملاءمة فحص الوجه الأول من وجوه الطعن ويقوم
على أن المادة 90 من القانون رقم 56 لسنة 1959 بشأن السلطة القضائية تنص على أن قرارات
تعيين رجال القضاء والنيابة لا يجوز الطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن أمام أية جهة
قضائية، وأن هذا النص يعدل من قواعد الاختصاص التي من شأنها أن تسري على الدعاوى القائمة
وقت العمل بها.
ومن حيث إن من المسلم أن القوانين المعدلة للاختصاص هي نوع من قوانين المرافعات من
شأنها أن تغير الاختصاص المحلي أو النوعي مع الإبقاء على محكمة تنظر النزاع، وينبني
على ذلك أن ينتقل النزاع من ولاية محكمة إلى ولاية محكمة أخرى وهذه مسألة إجرائية لا
تمس أصل الحق المتنازع عليه، ومن ثم كان نص المادة 1 من قانون المرافعات المدنية والتجارية
التي تقضي بسريان قوانين المرافعات على ما لم يكن قد فصل فيه من الدعاوى أو تم من الإجراءات
قبل تاريخ العمل بها.
ومن حيث إن المادة 90 من القانون رقم 56 لسنة 1959 إذ قضت في الفقرة الثانية منها بعدم
جواز الطعن أمام أية جهة قضائية في القرارات الصادرة في شأن تعيين القضاة ورجال النيابة
العامة لا تكون بذلك قد انطوت على قاعدة من قواعد الاختصاص حتى يجوز التحدي بها في
هذه الدعوى، ولبيان ذلك تقرر المحكمة أنه قبل العمل بالقانون رقم 56 لسنة 1959 سالف
الذكر كان يمكن مخاصمة هذا النوع من القرارات وطلب إلغائها.
فقد كانت المادة 23 من القانون رقم 147 لسنة 1949 بإصدار قانون نظام القضاء تقضي باختصاص
محكمة النقض منعقدة بهيئة جمعية عمومية دون غيرها بالفصل في الطلبات المقدمة من رجال
القضاء والنيابة… بإلغاء المراسيم والقرارات المتعلقة بإدارة القضاء… إلخ. ويبين
من ذلك في وضوح أن هذا النوع من القرارات كان يمكن التقاضي بشأنه وطلب إلغائه في ظل
القانون رقم 147 لسنة 1959 فجاء القانون رقم 56 لسنة 1959 وحظر مخاصمة هذه القرارات
في الفقرة الثانية من المادة 90 فلا تكون هذه الفقرة قد اشتملت على قاعدة من قواعد
الاختصاص إذ أنها لم تبين جهة قضائية أخرى تتولى الاختصاص في مثل هذه الأقضية. وإنما
حقيقة الأمر أن هذه المادة عدلت في طبيعة هذا النوع من القرارات الإدارية فجعلتها حصينة
بمولدها لا تقبل الطعن بطلب الإلغاء فالفقرة الثانية من المادة 90 سالفة الذكر إنما
اشتملت على قاعدة موضوعية تتعلق بنفس القرار وطبيعة جوهره فأصبحت هذه القرارات بمنجاة
من طلب الإلغاء. ومن البديهي ألا يتمتع بهذه الميزة إلا القرارات التي صدرت في ظل القانون
رقم 56 لسنة 1959 فهي وحدها الحصينة بالمولد أما القرارات الصادرة قبل العمل بذلك القانون
فلا سبيل لها للتمتع بتلك الميزة لأنها ولدت ويصاحبها صفة القابلية للطعن وطلب الإلغاء،
ولم يتضمن القانون رقم 56 لسنة 1959 حكماً يقضي بسريان أحكامه على الماضي.
ومن حيث إنه وقد ثبت ذلك فيكون هذا الوجه من وجوه الطعن هزيلاً لا يعتد به.
ومن حيث إنه وقد تبين ذلك فإن المحكمة ترى ملاءمة بحث ما إذا كان المدعي عندما اتجه
بدعواه إلى محكمة القضاء الإداري اتجه إلى المحكمة صاحبة الولاية للنظر في هذا النزاع.
ومن حيث إنه من المسلم به أنه قبل العمل بالقانون رقم 112 لسنة 1946 الصادر بإنشاء
مجلس الدولة لم تكن هناك جهة قضائية تختص بالنظر في دعاوى إلغاء القرارات الإدارية
أو إيقاف تنفيذها، ذلك أن المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية الصادرة في 14
من يونيه سنة 1883 والمعدلة بالقانون رقم 90 لسنة 1937 كانت تقضي صراحة بأن ليس لهذه
المحاكم تأويل عمل إداري أو إيقاف تنفيذه، ثم صدر القانون رقم 112 لسنة 1946 سالف الذكر
وحلَّ محله القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة وقد منح المشرع بهذا القانون
محكمة القضاء الإداري دون غيرها ولاية القضاء كاملة في بعض المسائل، فنص في البند 3
من المادة 3 من ذلك القانون على اختصاص تلك المحكمة في الطلبات التي يقدمها ذوو الشأن
بالطعن في القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو بالترقية
متى كان مرجع الطعن عدم الاختصاص أو وجود عيب في الشكل أو مخالفة القوانين أو اللوائح
أو الخطأ في تطبيقها وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة. وغني عن البيان أن قرارات التعيين
والترقية المتعلقة بإدارة القضاء كانت تدخل في ولاية مجلس الدولة بهيئة قضاء إداري
إذا ما شابها عيب من العيوب المشار إليها آنفاً، ثم صدر بعد ذلك القانون رقم 147 لسنة
1949 بإصدار قانون نظام القضاء ونصت المادة 23 منه على اختصاص محكمة النقض منعقدة بهيئة
جمعية عمومية دون غيرها بالفصل في الطلبات المقدمة من رجال القضاء والنيابة والموظفين
القضائيين بالديوان العام بإلغاء المراسيم والقرارات المتعلقة بإدارة القضاء عدا الندب
والنقل متى كان مبنى الطلب عيباً في الشكل أو مخالفة القوانين واللوائح أو خطأ في تطبيقها
وتأويلها أو إساءة استعمال السلطة.
وتود المحكمة أن تسجل في هذا المقام أن نص المادة 23 سالفة الذكر انطوى على قاعدة من
قواعد المرافعات إذ نقل ولاية محكمة القضاء الإداري فيما يتعلق بقرارات التعيين والترقية
الخاصة بإدارة القضاء إلى محكمة النقض وقد جاء في المذكرة الإيضاحية لذلك القانون تعليقاً
على هذا النص أن "المشرع شرع لرجال القضاء والنيابة طريقاً للطعن في المراسيم والقرارات
المتعلقة بإدارة هيئة القضاء عدا الندب والنقل… وزاد على ذلك ضمانة أخرى فوكل أمر
الفصل في هذه الطعون إلى أعلى هيئة قضائية في البلاد منعقدة بهيئة جمعية عمومية إمعاناً
في بث روح الثقة والطمأنينة في نفوسهم… وبعبارة أخرى فإن لمحكمة النقض منعقدة بهيئة
جمعية عمومية ولاية القضاء كاملة في شئون رجال الهيئة القضائية فهي تجمع بين قضاء الإلغاء
وقضاء التعويض بغير معقب".
ثم جاء أيضاً في المذكرة الإيضاحية "ومن شأن هذا النص حسم الخلاف القائم حول أية هيئة
أخرى بالنظر في شئون أعضاء الهيئة القضائية، فليس أجدر ولا أقدر على الإحاطة بشئون
القضاء وتعرف شئونهم والفصل في ظلاماتهم من رجال من صميم الأسرة القضائية". يضاف إلى
ما تقدم أن النص تطبيق محكم لنظرية الفصل بين السلطات حيث تستقل السلطة القضائية بشئون
سدنتها فلا يكون لأية سلطة سواها سبيل أو رقابة عليهم".
ومن حيث إنه يتضح مما سبق أن المشرع استهدف بنص المادة 23 من القانون رقم 147 لسنة
1949 غرضاً معيناً لحكمة ارتآها وأفصح عنها في المذكرة الإيضاحية فجعل لمحكمة النقض
منعقدة بهيئة جمعية عمومية ولاية القضاء كاملة في شئون رجال القضاء وذلك لجدارة تلك
الهيئة وقدرتها على الإحاطة بشئون القضاة والفصل في ظلاماتهم.
ومن حيث إن مقطع النزاع ينحصر في بيان ما إذا كانت ولاية تلك المحكمة تقتصر على الفصل
في الطلبات المقدمة من رجال القضاء والنيابة بمعنى أن يكون مقدم الطلب أحد رجال القضاء
أو النيابة عند تقديم الطلب أم أن ولايتها تجاوز ذلك فتشمل الطلبات المقدمة من غير
رجال القضاء أو النيابة متى كان القرار محل الطعن متعلقاً بإدارة القضاء عدا النقل
والندب، وهنا قد يذهب قول إلى وجوب أن يكون مقدم الطلب من بين رجال القضاء أو النيابة
وذلك جرياً مع صراحة النص، ولكن يؤخذ على هذا الرأي أنه يقف عند النظرة السطحية للنص
ولا يتغلغل في فحواه وتقصي الحكمة من وضعه، وتأييداً لذلك يمكن سوق قرارات التعيين
في الوظائف القضائية على سبيل المثال، فالفصل في التظلم من هذه القرارات يقع قطعاً
في ولاية محكمة النقض منعقدة بهيئة جمعية عمومية وذلك لسبب واضح وهو أن قرارات التعيين
هذه تدخل في مدلول القرارات المتعلقة بإدارة القضاء. والقدر المتيقن من هذا النظر أن
نص المادة 23 من القانون رقم 147 لسنة 1949 يعتوره بعض الغموض واللبس الأمر الذي يستوجب
من المحكمة العمل على تفسيره وإزالة ما به من غموض مستعينة في ذلك بوسائل التفسير المختلفة
مثل حكمة النص وما أفصح عنه المشرع في المذكرة الإيضاحية للقانون. وقد سبق القول بأن
المذكرة الإيضاحية في تعليقها على المادة 23 من القانون وصفت نصها بأنه تطبيق محكم
لنظرية الفصل بين السلطات حيث تستقل السلطة القضائية بشئونها فلا يكون لأية سلطة سواها
سبيل أو رقابة عليهم. فكيف يتسق هذا مع القول بأن الاختصاص ينعقد لمجلس الدولة بهيئة
قضاء إداري في حالة الطعن في قرارات التعيين عند التخطي لأن مقدمي تلك الطلبات لم يندرجوا
بعد في عداد رجال القضاء والنيابة. أليس في ذلك تسليط لسلطة أخرى غير محكمة النقض على
شئون سدنة السلطة القضائية، ويبين هذا المعنى واضحاً إذا أخذ في الاعتبار أن الأمر
في هذا الصدد لا يقتصر على التعيين في الأدنى من وظائف القضاء والنيابة إذ يبين من
نص المادة 5 من القانون رقم 188 لسنة 1952 في شأن استقلال القضاء أنه يجوز التعيين
في وظائف المستشارين على سبيل المثال من بين المحامين وأساتذة كليات الحقوق.
ومن حيث إنه فضلاً عما سبق بيانه فإنه يمكن القول بأن القانون إذا أجاز الطعن في نوع
معين من القرارات وعقد الاختصاص للفصل في هذا الطعن لمحكمة بالذات، فلا يمكن سلبها
هذا الاختصاص بمقولة أن الطاعن لا يصدق عليه وصف معين متى كان الطاعن تتوافر له المصلحة
الحقيقية في هذا الطعن ما لم يتضح بجلاء أن المشرع قصد بجلاء تحقق هذا الوصف في مقدم
الطعن. والشأن في المادة 23 من القانون رقم 147 لسنة 1949 أن المشرع نظر إلى القرارات
التي يمكن الطعن فيها نظرة عينية وهي النظرة الغالبة عند مخاصمة القرارات الإدارية.
ومن حيث إنه على مقتضى ما سبق من بيان، فإن محكمة القضاء الإداري إذ قضت في موضوع الدعوى
بالحكم المطعون فيه، تكون قد استجابت لاختصاص ليس لها، وفي ذلك مخالفة للقانون، ويكون
الحكم المذكور قد أخطأ في تفسير القانون وتأويله ويحق إلغاؤه ولا محل بعد ذلك لبحث
ما بقى من أسباب الطعن.
ومن حيث إن المدعي خسر الدعوى، فيلزم بالمصروفات وذلك إعمالاً لنص المادة 357 من قانون
المرافعات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، في موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبعدم الاختصاص، وألزمت المدعي بالمصروفات.
