الطعن رقم 334 لسنة 5 ق – جلسة 15 /04 /1962
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ
634
جلسة 15 من إبريل سنة 1962
برياسة السيد/ عبد العزيز الببلاوي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة الدكتور محمود سعد الدين الشريف وعبد الفتاح نصار وعزت عبد المحسن وأبو الوفا زهدي المستشارين.
القضية رقم 334 لسنة 5 القضائية
( أ ) دعوى الإلغاء – ميعاد رفعها – التظلم الوجوبي من القرار –
التظلم من قرار الفصل المقدم إلى مدير عام هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية دون وزير
المواصلات – صحيح منتج لآثاره – أساس ذلك.
(ب) قرار إداري – سحبه – القرار الصادر بفصل العامل من الخدمة بسبب القبض عليه تنفيذاً
لعقوبة الحبس المحكوم بها – عدم اعتباره سحباً لقرار التعيين – أساس ذلك.
(جـ) عامل – فصله بسبب تأديبي – نص كادر العمال على عدم جوازه إلا بموافقة وكيل الوزارة
المختص بعد أخذ رأي اللجنة الفنية – عدم سريان هذا الحكم على حالة الفصل بسبب غير تأديبي
– مثال – الفصل بسبب انقطاع العامل عن العمل – عدم اعتباره فصلاً تأديبياً.
(د) عامل – فصل غير تأديبي – القاعدة التي تقضي بفصل العامل الدائم الذي يتغيب أكثر
من 10 أيام بدون إذْن وبدون أن يثبت أن غيابه كان بسبب قوة قاهرة – قيامها على أمر
فرضي هو اعتبار العامل في حكم المستقيل – انتفاء فكرة الاستقالة الحكمية إذا ما ثبت
أن الغياب كان بسبب قوة قاهرة – المقصود بالقوة القاهرة هو قيام العذر المقبول – أساس
ذلك – مثال – حبس العامل تنفيذاً لحكم بالحبس – اعتباره عذراً مقبولاً يبرر غيابه بدون
إذْن.
1 – إن القول بأن التظلم المقدم من المدعي إلى مدير عام هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية
لم تتوافر له مقومات التظلم الوجوبي، لأنه لا يكون كذلك إلا إذا قدم إلى الوزير المختص
حسبما نص في قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من إبريل سنة 1955، مدفوع بأن التظلم قدم
إلى هيئة رئيسية بالنسبة إلى المتظلم – وعلى أثر تقديمه إليها مضت في فحصه وتحقيقه
توطئة للبت فيه، ولا يغير من طبيعة هذا التظلم أو من إنتاجه أثره كونه لم يقدم إلى
الوزير المختص لعدم ورود هذا القيد في المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 الذي
يحكم أوضاع هذا التظلم من جهة، ولأن الإجراءات التي نص عليها قرار مجلس الوزراء الصادر
في 6 من إبريل سنة 1955 على سبيل التوجيه والبيان في شأن تقديم التظلم وطريقة الفصل
فيه لم يرتب الشارع على مخالفتها جزاء البطلان من جهة أخرى يؤكد ذلك أن الجهة الإدارية
صاحبة الشأن لم تعترض على تقديم التظلم في الشكل الذي اتخذه، وأنه تحقق به الغرض الذي
ابتغاه المشرع من استلزام هذا الإجراء قبل رفع الدعوى أمام القضاء الإداري في أمثال
الطعن موضوع المنازعة الحالية، كما ترتب عليه الأثر القاطع المراد به، وعلى ذلك يكون
ما أثارته الجهة الإدارية من عدم قبول الدعوى حقيقاً بالرفض وما انتهى إليه الحكم المطعون
فيه من رفض الدفع بعدم قبول الدعوى وقبولها صحيح تقره عليه هذه المحكمة.
2 – إن هذه المحكمة لا ترى محلاً للخوض فيما إذا كانت إرادة الإدارة مشوبة بعيب من
العيوب أفسد إرادتها ورضاءها بالنسبة إلى ركن جوهري توقف عليه قرارها الصادر بتعيين
المطعون عليه على اعتبار أنه كتم أمراً لو انكشف لها لما أقدمت على هذا التعيين، لا
ترى هذه المحكمة وجهاً للخوض في هذا البحث لأن القرار المطعون فيه بحكم مضمونه وملابسات
اتخاذه لا يستطاع تأويله على معنى سحب القرار المنشئ للتعيين، حتى يسوغ، من أجل مراقبته
البحث في مدى صحة قرار التعيين أو بطلانه ومدى مطاوعته للسحب أو عدم استجابته لذلك،
لا محل لهذا كله بعد أن وضح من ملابسات صدور القرار المطعون فيه، أن الإدارة لم تقصد
إلى جعل آثار الفصل من الوظيفة منسحبة على بداية الخدمة حتى يصح القول بأنه أريد به
سحب قرار التعيين لبطلانه، وإنما ربطت قرارها بواقعة منشئة لمانع من موانع البقاء في
الخدمة وهي واقعة القبض على المدعي في 27 من أكتوبر سنة 1955 لتنفيذ عقوبة الحبس عليه،
وهذه الواقعة تكشف عن نية الإدارة في أنها لم تقم قرارها على سبب يتعلق بقرار التعيين
من حيث فقده أحد شروط صحته أو أركان وجوده وإنما أقامته على ما يصح اعتباره مانعاً
من موانع البقاء في الخدمة، وذلك أن القرار المطعون فيه ذكر القبض على المطعون عليه
وأراد ما هو تابع له ومسبب عنه، وهو الانقطاع عن العمل، فدلَّ هذا على أنه أراد الفصل
من الخدمة على ما رآه محققاً لقيام المانع من البقاء في خدمة بدأت صحيحة.
3 – بالرجوع إلى كادر العمال الصادر به قرار مجلس الوزراء في 23 من نوفمبر سنة 1944
وكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم 234 – 9/ 53 في 19 من ديسمبر سنة 1944 يبين أنه
تناول النص على حالة فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي يقضي بأنه "لا يجوز فصل العامل
من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة بعد أخذ رأي اللجنة المشار إليها فيما
تقدم" وأغفل حالة إنهاء خدمة العامل بسبب غير تأديبي بما يعد في حكم الاستقالة، وهو
تغيبه وانقطاعه عن عمله بدون إذْن أو عذر قهري لمدة تجاوز فترة معينة، ذلك أن الفصل
التأديبي يفترض ارتكاب العامل ذنباً إدارياً خلال الخدمة يستوجب هذا الجزاء، أما اعتبار
العامل تاركاً الخدمة بسبب انقطاعه عن العمل مدة ما بدون إذْن أو عذر فيفترق عن ذلك
بأنه ليس من قبيل الفصل التأديبي إذ يقوم على قرينة الاستقالة التي تقتصر الإدارة على
تسجيلها بمحو قيد العامل من سجلاتها وإذا كان كادر العمال قد أوجب ألا يكون فصل العامل
من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة المختص بعد أخذ رأي اللجنة الفنية
التي نظم الكادر المذكور طريقة تشكيلها، فإن هذا الحكم لا ينسحب على حالة الفصل غير
التأديبي بسبب الانقطاع عن العمل الذي يتعين الرجوع في شأنه إلى القواعد التنظيمية
الأخرى التي عالجت أمره والتي تكمل أحكام كادر العمال في هذا الخصوص لامتناع القياس
بينه وبين الفصل التأديبي.
4 – إن القاعدة التنظيمية التي تحكم حالة المدعي هي تلك التي تضمنتها الفقرة 14 من
تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 الصادرة في أول يوليه سنة 1922 التي نصت على أن "كل
عامل من عمال اليومية يتغيب بدون إذْن أكثر من عشرة أيام ولا يثبت فيما بعد بما يقنع
رئيسه بأن غيابه كان بسبب قوة قاهرة ينقطع بمجرد ذلك قيده في الدفاتر بصفته أحد عمال
اليومية الدائمين، وإذا أعيد استخدامه في أي تاريخ تالٍ، فلا يكون له أي حق في أي إجازة
متجمعة لحسابه عن أية مدة خدمة سابقة لتاريخ إعادته في الخدمة".
ومفاد هذا أن الأصل هو أنه "لا يجوز للعامل أن يتغيب عن عمله بدون إذْن سابق من رئيسه
وإذا تغيب بدون إذْن ألا يجاوز غيابه عشرة أيام، فإذا زاد على ذلك فلا يشفع له في استئناف
عمله بعد هذا الانقطاع إلا إثبات القوة القاهرة وتقدير قيام هذا العذر وتبريره لغياب
العامل رهن باقتناع رئيسه به بما لا هيمنة لغيره عليه ولا معقب عليه فيه متى برئ من
إساءة استعمال السلطة فإذا عجز العامل عن إقامة الدليل على أن غيابه كان بسبب قوة قاهرة
أو لم يقتنع رئيسه بذلك، فإن البت في مصيره يكون بيد هذا الرئيس دون تطلب الرجوع في
ذلك إلى وكيل الوزارة أو إلى اللجنة الفنية، كما هو الشأن في حالة الفصل التأديبي،
وبمجرد هذا ينقطع قيد العامل في السجل الخاص باعتباره أحد عمال اليومية الدائمين وتنتهي
صلته بالحكومة بحيث إذا أعيد استخدامه بعد ذلك اعتبر معيناً تعييناً مبتدئاً.
ولا مشاحة في أن تلك القاعدة إنما بنيت على أمر فرضي وهو اعتبار العامل في حكم المستقيل
في حالة غيابه استعاضة بذلك عن الاستقالة الصريحة، ولم يكن مفر من تقرير ذلك إذ أن
دوام نشاط المرفق هدف تجب له الرعاية وهذا يقتضي في هذه الحالة قبول استقالة العامل
الضمنية على النحو السابق. ومن ناحية أخرى، فإن العامل قد تعرض له أمور تستوجب غيابه
دون إذْن فإذا ما ثبت الأمر على هذه الصورة انتفت معه فكرة الاستقالة الضمنية، وجاز
للرئيس إعادة النظر في قرار فصل العامل وهذا ما تضمنه مفهوم التعليمات المالية رقم
26 لسنة 1922.
ومتى تقرر هذا فإن من واجب المحكمة أن تتعرف على نية واضع تلك القاعدة التنظيمية عندما
أشار فيها إلى أن فكرة الاستقالة الحكمية تنتفي عند العامل إذا ما ثبت أن هناك قوة
قاهرة أدت إلى غيابه بدون إذْن هل يقصد بذلك القوة القاهرة بشروطها وأركانها المعروفة
في فقه القانون، أن أنه عندما وضعت تلك القاعدة في سنة 1922 لم يكن يقصد منها إلا قيام
العذر المقبول وهذه المحكمة ترى أن واضع تلك القاعدة عندما أشار فيها إلى القوة القاهرة
لم يكن يقصد بذلك أكثر من قيام العذر المقبول إذ أن القوة القاهرة كما هي معروفة في
فقه القانون بشروطها وأركانها تكون عادة في صدد الإخلال بالالتزامات العقدية، والقضية
الحالية لا تدور في هذا النطاق وما يؤيد هذا أن المشرع أقلع بعد ذلك في القوانين المشابهة
عن عبارة "القوة القاهرة" واستعاض عنها بالعذر المقبول، وذلك واضح من نص المادة 112
من قانون موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951 ويضاف إلى ذلك أن هذه المحكمة تكاد تكون قد
اتجهت هذا الاتجاه في الحكم الذي أصدرته في الطعن رقم 1697 لسنة 2 ق إذ جاء في تعليقها
على تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922، أن الأصل هو "أنه لا يجوز للعامل أن يتغيب عن
عمله بدون إذْن سابق من رئيسه وإذا تغيب بدون إذْن ألا يجاوز غيابه عشرة أيام فإذا
زاد على ذلك فلا يشفع له في استئناف عمله بعد هذا الانقطاع إلا إثبات القوة القاهرة
وتقدير قيام هذا العذر وتبريره لغياب العامل رهين باقتناع رئيسه بما لا هيمنة لغيره
عليه ولا معقب عليه فيه متى تجرد من إساءة استعمال السلطة" فالمحكمة في حكمها المشار
إليه علقت على إثبات القوة القاهرة بأنها تقدير لقيام المبرر للغياب.
وفيما يختص بما جاء في دفاع هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية من أن تنفيذ عقوبة الحبس
على المدعي بسبب ارتكابه جريمة جنائية لا يمكن أن تعتبر عذراً قهرياً لأن الحبس كان
بسبب ما وقع من المدعي نفسه بإرادته واختياره فإن المحكمة ترى أن هذا القول لا يمكن
التعويل عليه لأن في الأخذ به رجوعاً إلى فكرة القوة القاهرة بشروطها وأركانها في فقه
القانون وهو أمر لم يدر في خلد واضع تعليمات المالية.
وتأسيساً على ما سبق فإن حبس المدعي تنفيذاً لحكم صادر ضده يعتبر في حد ذاته عذراً
مقبولاً يبرر غيابه بدون إذْن.
إجراءات الطعن
في 19 من فبراير سنة 1959 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 334 لسنة 5 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والهيئة العامة للسكك الحديدية بجلسة 24 من ديسمبر سنة 1958 في الدعوى رقم 17 لسنة 4 القضائية المقامة من السيد/ حسنين غريب حسنين ضد وزارة المواصلات والقاضي "بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار رقم 872 الصادر في 14 من إبريل سنة 1956 من مدير التلغراف، بفصل المدعي وألزمت الهيئة المدعى عليها بالمصروفات، وبأن تدفع مبلغ مائتي قرش مقابل أتعاب المحاماة" وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "قبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء برفض الدعوى وإلزام رافعها المصروفات" وقد أعلن هذا الطعن إلى المطعون عليه في 3 من يونيه سنة 1959 وإلى الحكومة في 20 منه، وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 2 من مايو سنة 1960، وفيها أحيل إلى المحكمة الإدارية العليا بجلسة 15 من أكتوبر سنة 1960 ثم إلى جلسة 26 من نوفمبر سنة 1960 ليقدم كل من المطعون عليه والحكومة مذكرة بدفاعه في الطعن وقد قررت المحكمة تأجيل نظره إلى عدة جلسات متتالية لتنفيذ القرار، وبعد أن سمعت ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة أرجئ النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.
المحكمة
وبعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن المطعون
عليه السيد/ حسنين غريب حسنين أقام الدعوى رقم 17 لسنة 4 القضائية أمام المحكمة الإدارية
لوزارة المواصلات ضد وزارة المواصلات بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة المذكورة في 16
من أكتوبر سنة 1956 بعد أن حصل على قرار بإعفائه من الرسوم القضائية في 18 من سبتمبر
سنة 1956 طالباً الحكم له بإلغاء قرار الفصل من الخدمة الصادر في 15 من مايو سنة 1956
تحت رقم 872 واعتباره كأن لم يكن، وإعادة المدعي إلى وظيفته وقال بياناً لدعواه أنه
التحق بخدمة مصلحة التليفونات في وظيفة عامل توزيع بمكتب تلغراف الزقازيق في 11 من
إبريل سنة 1955 وكان قد صدر عليه حكم سابق على تعيينه في تلك الوظيفة من المحكمة العسكرية
قضى بحبسه شهراً وبغرامة قدرها عشرون جنيهاً لأنه باع لحوماً بثمن يزيد على التسعيرة
عندما كان يقوم بالعمل في محل جزارة أخيه قبل التحاقه بالخدمة وقد نفذ عليه الحكم أثناء
وجوده بالوظيفة في 17 من أكتوبر سنة 1955 حين قبض عليه في هذا التاريخ ثم أفرج عنه
بعد قضاء العقوبة في 27 من نوفمبر سنة 1955. وقال أنه توجه بعد الإفراج عنه إلى المصلحة
فعلم أنه صدر قرار بوقفه عن العمل لتغيبه وقد تظلم من قرار الوقف في 13 من مارس سنة
1957 وتقرر حفظ التظلم حتى تتخذ المصلحة ما تشير به إدارة الفتوى والتشريع لمصلحة السكك
الحديدية في شأن إعادته إلى العمل من عدمه. وقد رأت الإدارة المذكورة عدم جواز إعادته
إلى عمله وتم إعلان المدعي بذلك في 7 من أغسطس سنة 1956، ونوه المدعي بأن قرار فصله
من عمله قد جاء مخالفاً للقانون للسببين الآتيين:
الأول – أن تغيبه عن عمله كان لعذر قهري، هو القبض عليه في جريمة تسعيرة وأن الأحكام
الصادرة في قضايا التسعيرة لا تعتبر سابقة لأنها أحكام لا تمس النزاهة أو الشرف بل
هي أحكام اقتضتها ظروف وقتية يؤيد ذلك أن صحيفة سوابقه خالية من أية إشارة إلى صدور
هذا الحكم.
والثاني – أن تنفيذ هذا الحكم عليه لم يضعه في صفوف المجرمين الذين لا يجوز إلحاقهم
بالوظائف الحكومية بدليل أن قرار الفصل المطعون فيه قد بني على غياب المدعي عن مقر
وظيفته بدون مبرر مشروع وهو أمر كان بسبب عذر قهري لا يستطيع دفعه وهو تنفيذ الحكم
عليه. وأضاف المدعي في مذكراته أن القانون الذي يعاقب علي البيع بأزيد من التسعيرة
هو قانون مؤقت اقتضته الظروف الحاضرة لأن الأصل هو حرية التجارة وللتاجر أن يبيع بالسعر
الذي يريده خاضعاً في ذلك لقانون العرض والطلب وليس في مخالفة قانون التسعيرة أي مساس
بالمبادئ الخلقية لأن مثل هذا القانون وقتي يعمل به في فترة محدودة من الزمن ثم يلغى
أما المبادئ الأخلاقية فهي قديمة وأزلية ولا يمكن أن تتغير بتغير الزمن كجرائم السرقة
والنصب وخيانة الأمانة فهي جرائم تمس الأخلاق لأنها تعتبر مخالفة لمفاهيم أخلاقية ثابتة
ومتواضع عليها – أما جريمة البيع بزيادة عن التسعيرة المقررة فليس لها مساس بأي مبدأ
أخلاقي لأن السلعة المسعرة اليوم قد تخرج عن التسعيرة غداً، فلا يصح في الأذهان أن
يكون الفعل مجرماً ومبرءاً باختلاف الظروف وبقيام التسعيرة وإلغائها، ولذلك كانت أحكام
التسعيرة لا تدون في صحيفة السوابق مثل سائر الأحكام الجنائية ولذلك استخرج المدعي
– على حد قوله – شهادة سوابق بعد صدور الحكم المذكور عليه وهي خالية من أية سابقة وأضاف
المدعي أن المعول عليه ليس تنفيذ العقوبة قبل تقلد الوظيفة أو بعدها بل هو نوع العقوبة
ونوع الجريمة التي عوقب من أجلها فالمصلحة يهمها أن لا يبقى من موظفيها مجرم بالمفهوم
الذي يحط من كرامته ويشين سمعته وهذا لا يتحقق إلا إذا كان الفعل المنسوب إلى الموظف
مما ينعكس على الخلق القويم، أما إذا كان مجرد مخالفة لقانون وقتي فليس في الأمر ما
يلوث الأخلاق ويعتبر تغيب المدعي عن مقر وظيفته بسبب تنفيذ العقوبة ظرفاً اضطرارياً
حتم غيابه كأي ظرف آخر طارئ كمرض أو سفر وقد ردت الجهة الإدارية على هذه الدعوى بأن
المدعي قد ارتكب جريمة تموينية قبل تعيينه في وظيفة وحكم فيها في 15 من مارس سنة 1955
بحبسه شهراً مع النفاذ وبغرامة عشرين جنيهاً وأنه عيِّن عامل توزيع تلغراف باليومية
الدائمة بها اعتباراً من 11 من إبريل سنة 1955 حيث قدم شهادة تحقيق شخصية وصحيفة سوابق
مؤرخة أول فبراير سنة 1955 تفيد بأن ليس له سوابق وقد قبضت المباحث على المدعي في 27
من أكتوبر سنة 1955 لتنفيذ الحكم المذكور عليه فتقرر فصله من الخدمة اعتباراً من تاريخ
القبض عليه وذلك بالأمر الإداري رقم 872 الصادر في 14 من إبريل سنة 1956 وبعد أن قضى
مدة الحبس وأخلي سبيله تقدم بطلب إعادته إلى الخدمة من 27 من نوفمبر سنة 1955، فاستطلعت
المصلحة رأي إدارة الفتوى والتشريع عما إذا كان من الجائز إجابة المدعي إلى طلبه فأفتت
بأن ذلك لا يجوز.
وبجلسة 24 من ديسمبر سنة 1958 حكمت المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والهيئة العامة
للسكك الحديدية "بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار رقم 872 الصادر في 14
من إبريل سنة 1956 من مدير التلغراف بفصل المدعي وألزمت الهيئة المدعى عليها المصروفات
ومقابل أتعاب المحاماة". وأسست قضاءها بالنسبة إلى قبول الدعوى على أن: المدعي لم يعلن
بهذا القرار (أي قرار الفصل من الخدمة) إلا بتاريخ 15 من مايو سنة 1956 إذ لا يوجد
من أوراق الدعوى ما يفيد أن المدعي قد علم بهذا القرار علماً يقينياً قبل 15 من مايو
سنة 1956 وأن المدعي قد تقدم في 4 من يوليه سنة 1956 بتظلم إلى مدير عام هيئة المواصلات
السلكية واللاسلكية طالباً إلغاء هذا القرار، ولما لم يصله رد على هذا التظلم خلال
ستين يوماً من تاريخ تقديمه وهو ما اعترفت به المدعى عليها في كتابها المودع تحت رقم
8 دوسيه، حيث قالت أنه لم يرد على التظلم إلا بتاريخ 13 من سبتمبر سنة 1956، رفع دعواه
الحالية بتاريخ 16 من أكتوبر سنة 1956 فتكون الدعوى قد رفعت في الميعاد القانوني. كما
أقامت هذا القضاء بالنسبة إلى الموضوع على أن المدعي من عمال اليومية الدائمين الذين
تسري عليهم قواعد كادر العمال وتحكم علاقتهم مع الحكومة تعييناً وفصلاً ما جاء بهذه
القواعد من أحكام ولما كان قد نص في البند سابعاً من كتاب دوري المالية رقم 234 – 9/
53 بشأن إنصاف عمال اليومية الصادر في 19 من ديسمبر سنة 1944 ما نصه "لا يجوز فصل العامل
من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة بعد أخذ رأي اللجنة الفنية المشار
إليها فيما تقدم" وعلى أن "القرار المطعون فيه قد صدر من مدير الهيئة المدعى عليها
وليس من السيد وكيل الوزارة المختص وبعد عرض أمر المدعي على اللجنة الفنية لأخذ رأيها
في شأنه"، وعلى أن "القرار المطعون فيه يكون لذلك قد صدر من غير مختص كما أنه لم يتبع
في شأنه الإجراءات التي نص عليها القانون لإصداره ومن ثم يكون باطلاً متعيناً الحكم
بإلغائه مع ما يترتب على ذلك من آثار".
ومن حيث إن طعن السيد رئيس هيئة المفوضين قد بني على أن "فصل المدعي في الحالة المعروضة
قد كان بسبب الحكم الذي صدر في حقه قبل التحاقه بالوظيفة واعتبار الحكم مانعاً من التعيين،
والواقع أن قرار تعيين المدعي قد شابه نوع خاص من أنواع عيوب القرار الإداري وهو أن
إرادة المصلحة كانت في غلط بيِّن عند تعينها للمدعي فقد عينته وهي تظنه لم يرتكب ما
يعاقب عليه بالحبس ولم تتبين جريمته عند تعيينه ولا شك في أن تعيين الموظف في الوظيفة
العامة هو من التصرفات التي تقوم على الاعتبار الشخصي وذلك لأنه يقوم على الترخص والملاءمة
في تقدير المرشح للوظيفة بما لا تناقش فيه الإدارة فحسن السيرة والصلاحية هي من الأسباب
التقديرية المخصصة التي لا يجوز فرض الرأي فيها على الإدارة، ولا شك في أن الإدارة
وقد أفصحت عن إرادتها في أنها لو كانت تعلم عن المدعي ذلك قبل تعيينه لما أصدرت قرارها
بإلحاقه بخدمتها، ولا يجوز للمحكمة أن تفرض على الإدارة القول بأن هذه الجريمة لا تخل
بمقومات حسن السيرة الواجب مراعاتها في الموظف عند تعيينه وبخاصة وأن ذلك فيه شك كبير
لأن هذه الجريمة بالذات مبناها ضعف الوازع العام في نفس الشخص وتفضيله لصالحه الخاص
وهو أمر يعيب من يرشح للوظيفة العامة" ثم خلص الطعن إلى أن "المدعي لم يكتسب المركز
القانوني الذي يجعله من موظفي الدولة ويوجب له ما ذهب إليه الحكم من الضمانات، فضلاً
عن أن الفصل كان بسبب عدم توافر شروط التعيين الواجبة في المدعي، وغلط الإدارة في ظنها
استيفاءه لهذه الشروط، فهو غير إنهاء لخدمة قامت وانتهت، بل كشف عن حقيقة مركز لم يتكون،
ومن ثم فلا حرج على الإدارة فيما أجرته في شأنه" وانتهى الطعن إلى طلب إلغاء الحكم
المطعون فيه، والقضاء برفض الدعوى وإلزام رافعها بالمصروفات".
( أ ) عن قبول الدعوى:
ومن حيث إنه ولئن كان طعن هيئة مفوضي الدولة وقع على ما قضى به الحكم المطعون فيه في
الموضوع إلا أن هذا الطعن يفتح الباب أمام هذه المحكمة لتسليط رقابتها على ما قضى به
في خصوص دفع الجهة الإدارية بعدم قبول الدعوى ذلك أن الحكم في الموضوع يتوقف على سلامة
القضاء في قبول الدعوى بحيث يصح القول بأن أحدهما مرتبط بالآخر ارتباطاً جوهرياً يسمح
بإنزال حكم القانون على شقي المنازعة.
ومن حيث إن الجهة الإدارية أثارت دفعاً بعدم قبول الدعوى عن طريق المجادلة في إنتاج
التظلم المقدم من المدعي بمقولة أنه قدمه إلى السيد مدير عام هيئة المواصلات السلكية
واللاسلكية في حين أن قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من إبريل سنة 1955 بشأن إجراءات
التظلم الإداري وطريقة الفصل فيه قد أوجب تقديمه إلى الوزير المختص بالطريقة التي نص
عليها، ومتى كان التظلم غير منتج في قطع الميعاد، كانت الدعوى غير مقبولة.
ومن حيث إنه قد تبين لهذه المحكمة من واقع الأوراق أن قرار الفصل المطعون فيه قد أصدره
مدير التلغراف في 14 من إبريل سنة 1956 ولم ينازع طرفا الخصومة في أن المدعي لم يعلم
بهذا القرار قبل إعلانه في 15 من مايو سنة 1956 وأنه تقدم متظلماً منه إلى مدير عام
هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية في 4 من يوليه سنة 1956 ولما لم يظفر بإجابة السلطات
المختصة اعتبر التظلم مرفوضاً حكماً بانقضاء ستين يوماً على تقديم تظلمه، ولهذا فقد
أقام دعواه خلال الستين يوماً التالية لتاريخ القرار الحكمي بالرفض وهو 2 من سبتمبر
سنة 1956، فإذا كان قد ثبت أنه أقام دعواه الحالية في 16 من أكتوبر سنة 1956 فإنها
تكون مقبولة شكلاً لرفعها في الميعاد القانوني. ذلك أن السلطات المختصة إذا كانت أجابت
عن التظلم بقرار صريح بالرفض قبل انقضاء ستين يوماً على تاريخ تقديمه، وجب حساب الميعاد
من تاريخ إبلاغ المتظلم لهذا القرار. إذ يجرى بهذا الإبلاغ سريان الميعاد قانوناً أما
إذا سكتت الإدارة عن الإجابة حتى تصرم الميعاد المشار إليه، فإن القرار الحكمي برفض
التظلم يكون قد تحقق بفوات الستين يوماً المحددة لفحص التظلم ويجرى من ثم ميعاد إقامة
الدعوى من تاريخ هذا القرار الحكمي حتى ولو أعلن المتظلم بعد ذلك بقرار صريح بالرفض
كما حدث في خصوص المنازعة الحاضرة حيث ردت السلطات على التظلم في 13 من سبتمبر سنة
1956.
ومن حيث إن القول بأن التظلم المقدم من المدعي إلى مدير عام هيئة المواصلات السلكية
واللاسلكية لم تتوفر له مقومات التظلم الوجوبي، لأنه لا يكون كذلك إلا إذا قدم إلى
الوزير المختص حسبما نص في قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 من إبريل سنة 1955، مدفوع
بأن التظلم قدم إلى هيئة رئيسية بالنسبة إلى المتظلم وعلى أثر تقديمه إليها مضت في
فحصه وتحقيقه توطئة للبت فيه، ولا يغير من طبيعة هذا التظلم أو من إنتاجه أثره كونه
لم يقدم إلى الوزير المختص لعدم ورود هذا القيد في المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة
1955 الذي يحكم أوضاع هذا التظلم من جهة، ولأن الإجراءات التي نص عليها قرار مجلس الوزراء
الصادر في 6 من إبريل سنة 1955 على سبيل التوجيه والبيان في شأن تقديم التظلم وطريقة
الفصل فيه لم يرتب الشارع على مخالفتها جزاء البطلان من جهة أخرى يؤكد ذلك أن الجهة
الإدارية صاحبة الشأن لم تعترض على تقديم التظلم في الشكل الذي اتخذه، وأنه تحقق به
الغرض الذي ابتغاه المشرع من استلزام هذا الإجراء قبل رفع الدعوى أمام القضاء الإداري
في أمثال الطعن موضوع المنازعة الحالية، كما ترتب عليه الأثر القاطع المراد به وعلى
ذلك يكون ما أثارته الجهة الإدارية من عدم قبول الدعوى حقيقاً بالرفض وما انتهى إليه
الحكم المطعون فيه من رفض الدفع بعدم قبول الدعوى وقبولها صحيح تقره عليه هذه المحكمة.
(ب) عن الموضوع:
ومن حيث إنه يتعين البحث فيما إذا كان للجهة الإدارية أن تفصل المدعي من الخدمة بعد
إذ تبين لها بعد تنفيذ عقوبة الحبس عليه أنه سبق أن حكم عليه، قبل تعيينه، بعقوبة مقيدة
للحرية في جريمة تموينية قارفها وكان أمر الحكم المذكور خافياً على الإدارة رغم مسوغات
التعيين التي قدمها، أو لا يجوز لها ذلك وإذا لم يجز لها فصله من الخدمة، هل يسوغ لها
هذا الأمر بسبب آخر يمكن حمل قرارها عليه؟
ومن حيث إن هذه المحكمة لا ترى محلاً للخوض فيما إذا كانت إرادة الإدارة مشوبة بعيب
من العيوب أفسد إرادتها ورضاءها بالنسبة إلى ركن جوهري توقف عليه قرارها الصادر بتعيين
المطعون عليه على اعتبار أنه كتم عنها أمراً أو انكشف لها لما أقدمت على هذا التعيين،
لا ترى هذه المحكمة وجهاً للخوض في هذا البحث لأن القرار المطعون فيه بحكم مضمونه وملابسات
اتخاذه لا يستطاع تأويله على معنى سحب القرار المنشئ للتعيين، حتى يسوغ، من أجل مراقبته
البحث في مدى صحة قرار التعيين أو بطلانه ومدى مطاوعته للسحب أو عدم استجابته لذلك،
لا محل لهذا كله بعد أن وضح من ملابسات صدور القرار المطعون فيه، أن الإدارة لم تقصد
إلى جعل آثار الفصل من الوظيفة منسحبة على بداية الخدمة حتى يصح القول بأنه أريد به
سحب قرار التعيين لبطلانه وإنما ربطت قرارها بواقعة منشئة لمانع من موانع البقاء في
الخدمة وهي واقعة القبض على المدعي في 27 من أكتوبر سنة 1955 لتنفيذ عقوبة الحبس عليه،
وهذه الواقعة تكشف عن نية الإدارة في أنها لم تقم قرارها على سبب يتعلق بقرار التعيين
من حيث فقده أحد شروط صحته أو أركان وجوده وإنما أقامته على ما يصح اعتباره مانعاً
من موانع البقاء في الخدمة، ذلك أن القرار المطعون فيه ذكر القبض على المطعون عليه
وأراد ما هو تابع له ومسبب عنه وهو الانقطاع عن العمل فدلَّ هذا على أنه أراد الفصل
من الخدمة على ما رآه محققاً لقيام المانع من البقاء في خدمة بدأت صحيحة.
ومن حيث إنه تأسيساً على هذا الفهم ينحصر مثار البحث في هذه المنازعة فيما إذا كان
تنفيذ العقوبة على المطعون عليه وما ترتب عليه من انقطاعه عن العمل يصلح سبباً لاتخاذ
القرار المطعون فيه أم لا يصلح لذلك.
ومن حيث إنه يبين من استظهار حالة المطعون عليه من واقع ملف خدمته أنه عين بمصلحة التليفونات
بالقرار رقم 357 الذي أصدره مديرها العام في 14 من إبريل سنة 1955 في وظيفة عامل توزيع
دائم بأجر يومي مقداره مائة وأربعون مليماً في الفئة (140/ 300) مليم طبقاً لقواعد
كادر العمال وقد نص في ديباجة قرار التعيين المشار إليه على أنه كان لائقاً للخدمة
طبياً ومستوفياً جميع مسوغات التعيين اللازمة لاتخاذ القرار المذكور وقد ألحق فور تعيينه
بمكتب تلغراف الزقازيق، كما تبين أيضاً أنه خلال خدمته ألقي عليه القبض في 27 من أكتوبر
سنة 1955 تنفيذاً لحكم جنائي كان قد صدر عليه في 15 من مارس سنة 1955 – قبل تعيينه
– بالحبس شهراً مع الشغل وبغرامة قدرها عشرون جنيهاً في جنحة تموينية لما نسب إليه
بتاريخ 10 من أكتوبر سنة 1954 بأنه باع لحوماً بأكثر من التسعيرة المقررة بدائرة بندر
الزقازيق وعلى أثر قضائه العقوبة وإخلاء سبيله في 26 من نوفمبر سنة 1955، تقدم في اليوم
التالي بطلب إعادته إلى الخدمة وإنهاء حالة وقفه عن العمل وظل أمره معلقاً على رأي
إدارة الفتوى والتشريع المختصة حتى صدرت في 4 من يونيه سنة 1956 فتوى مستشار الدولة
لإدارة الرأي بمصلحة السكك الحديدية بعدم جواز إعادته إلى العمل وفي أثناء ذلك أصدر
مدير عام مصلحة التلغراف في 11 من إبريل سنة 1956 القرار رقم 872 بفصل المدعي من الخدمة
اعتباراً من 27 من أكتوبر سنة 1955 تاريخ القبض عليه.
ومن حيث إنه بالرجوع إلى كادر العمال الواجب التطبيق في حق المدعي والصادر به قرار
مجلس الوزراء في 23 من نوفمبر سنة 1944 وكتاب وزارة المالية الدوري ملف رقم 234 – 9/
53 في 19 من ديسمبر سنة 1944 يبين أنه تناول النص على حالة فصل العامل من الخدمة بسبب
تأديبي يقضي بأنه "لا يجوز فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة
بعد أخذ رأي اللجنة المشار إليها فيما تقدم" وأغفل حالة إنهاء خدمة العامل بسبب غير
تأديبي بما يعد في حكم الاستقالة، وهو تغيبه وانقطاعه عن عمله بدون إذْن أو عذر قهري
لمدة تجاوز فترة معينة، ذلك أن الفصل التأديبي يفترض ارتكاب العامل ذنباً إدارياً خلال
الخدمة يستوجب هذا الجزاء، أما اعتبار العامل تاركاً الخدمة بسبب انقطاعه عن العمل
مدة ما بدون إذْن أو عذر فيفترق عن ذلك بأنه ليس من قبيل الفصل التأديبي إذ يقوم على
قرينة الاستقالة التي تقتصر الإدارة على تسجيلها بمحو قيد العامل من سجلاتها وإذا كان
كادر العمال قد أوجب ألا يكون فصل العامل من الخدمة بسبب تأديبي إلا بموافقة وكيل الوزارة
المختص بعد أخذ رأي اللجنة الفنية التي نظم الكادر المذكور طريقة تشكيلها، فإن هذا
الحكم لا ينسحب على حالة الفصل غير التأديبي بسبب الانقطاع عن العمل الذي يتعين الرجوع
في شأنه إلى القواعد التنظيمية الأخرى التي عالجت أمره والتي تكمل أحكام كادر العمال
في هذا الخصوص لامتناع القياس بينه وبين الفصل التأديبي.
ومن حيث إن القاعدة التنظيمية التي تحكم حالة المدعي هي تلك التي تضمنتها الفقرة 14
من تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 الصادرة في أول يوليه سنة 1922 التي نصت على أن
"كل عامل من عمال اليومية يتغيب بدون إذْن أكثر من عشرة أيام ولا يثبت فيما بعد بما
يقنع رئيسه بأن غيابه كان بسبب قوة قاهرة ينقطع بمجرد ذلك قيده في الدفاتر بصفته أحد
عمال اليومية الدائمين، وإذا أعيد استخدامه في أي تاريخ تالٍ فلا يكون له أي حق في
أي إجازة متجمعة لحسابه عن أية مدة خدمة سابقة لتاريخ إعادته في الخدمة" ومفاد هذا
أن الأصل هو أنه لا يجوز للعامل أن يتغيب عن عمله بدون إذْن سابق من رئيسه وإذا تغيب
بدون إذْن ألا يجاوز غيابه عشرة أيام، فإذا زاد على ذلك فلا يشفع له في استئناف عمله
بعد هذا الانقطاع إلا إثبات القوة القاهرة وتقدير قيام هذا العذر وتبريره لغياب العامل
رهن باقتناع رئيسه به بما لا هيمنة لغيره عليه ولا معقب عليه فيه متى برئ من إساءة
استعمال السلطة. فإذا عجز العامل عن إقامة الدليل على أن غيابه كان بسبب قوة قاهرة
أو لم يقتنع رئيسه بذلك، فإن البت في مصيره يكون بيد هذا الرئيس دون تطلب الرجوع في
ذلك إلى وكيل الوزارة أو إلى اللجنة الفنية، كما هو الشأن في حالة الفصل التأديبي،
وبمجرد هذا ينقطع قيد العامل في السجل الخاص باعتباره أحد عمال اليومية الدائمين وتنتهي
صلته بالحكومة بحيث إذا أعيد استخدامه بعد ذلك اعتبر معيناً تعييناً مبتدئاً.
ومن حيث إنه ثابت من الأوراق – على ما سلف إيضاحه – أن المدعي وهو من عمال اليومية
انقطع عن عمله بوصفه عامل توزيع بأحد مكاتب البرق في فترة زمنية من 27 من أكتوبر سنة
1955 حتى 26 من نوفمبر سنة 1955 وهي فترة تجاوز الفترة القانونية وهي عشرة أيام وكان
الانقطاع غير مأذون له فيه، وراجعاً إلى القبض عليه لتنفيذ عقوبة مقضى بها عليه بحكم
سابق في جريمة تموينية هي البيع بأكثر من التسعيرة المقررة.
ومن حيث إنه يبين من القرار محل الطعن أن فصل المدعي كان بسبب تغيبه عن عمله بدون إذْن
مدة تزيد على عشرة أيام وهنا يتعين للنظر في سلامة هذا الطعن الرجوع إلى القاعدة التنظيمية
التي تحكم هذه الحالة وهي التي تضمنتها الفقرة 14 من تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922
الصادرة في أول يوليه سنة 1922 وتنص على أن "كل عامل من عمال اليومية يتغيب بدون إذْن
أكثر من عشرة أيام ولا يثبت فيما بعد بما يقنع رئيسه بأن غيابه كان بسبب قوة قاهرة
ينقطع بمجرد ذلك قيده في الدفاتر بصفته أحد عمال اليومية الدائمين.. إلخ" ومفهوم ذلك
أن غياب العامل بدون إذْن عشرة أيام يترتب عليه صدور قرار بإنهاء خدمته ما لم يثبت
فيما بعد أن غيابه كان بسبب قوة قاهرة.
ومن حيث إنه لا مشاحة في أن تلك القاعدة إنما بنيت على أمر فرضي وهو اعتبار العامل
في حكم المستقيل في حالة غيابه هذه استعاضة بذلك عن الاستقالة الصريحة ولم يكن مفر
من تقرير ذلك إذ أن دوام نشاط المرفق هدف تجب له الرعاية وهذه تقتضي في هذه الحالة
قبول استقالة العامل الضمنية على النحو السابق، ومن ناحية أخرى فإن العامل قد تعرض
له أمور تستوجب غيابه دون إذْن فإذا ما ثبت الأمر على هذه الصورة انتفت معه فكرة الاستقالة
الضمنية وجاز للرئيس إعادة النظر في قرار فصل العامل وهذا ما تضمنه مفهوم التعليمات
المالية رقم 26 لسنة 1922.
ومن حيث إنه متى تقرر هذا فإن من واجب المحكمة أن تتعرف على نية واضع تلك القاعدة التنظيمية
عندما أشار فيها إلى أن فكرة الاستقالة الحتمية تنتفي عند العامل إذا ما ثبت أن هناك
قوة قاهرة أدت إلى غيابه بدون إذْن هل يقصد بذلك القوة القاهرة بشروطها وأركانها المعروفة
في فقه القانون أم أنه عندما وضع تلك القاعدة في سنة 1922 لم يكن يبغي منها إلا قيام
العذر المقبول.
ومن حيث إن هذه المحكمة ترى أن واضع تلك القاعدة عندما أشار فيها إلى القوة القاهرة
لم يكن يقصد بذلك أكثر من قيام العذر المقبول إذ أن القوة القاهرة كما هي معروفة في
فقه القانون بشروطها وأركانها تكون عادة في صدد الإخلال بالالتزامات العقدية والقضية
الحالية لا تدور في هذا النطاق، ومما يؤيد هذا أن المشرع أقلع بعد ذلك في القوانين
المشابهة عن عبارة "القوة القاهرة" واستعاض عنها بالعذر المقبول وذلك واضح من نص المادة
112 من قانون موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951 ويضاف إلى ذلك أن هذه المحكمة تكاد تكون
قد اتجهت هذا الاتجاه في الحكم الذي أصدرته في الطعن رقم 1697 لسنة 2 القضائية إذ جاء
في تعليقها على تعليمات المالية رقم 26 لسنة 1922 "أن الأصل هو أنه لا يجوز للعامل
أن يتغيب عن عمله بدون إذْن سابق من رئيسه وإذا تغيب بدون إذْن ألا يجاوز غيابه عشرة
أيام فإذا زاد على ذلك فلا يشفع له في استئناف عمله بعد هذا الانقطاع إلا إثبات القوة
القاهرة وتقدير قيام هذا العذر وتبريره لغياب العامل رهين باقتناع رئيسه بما لا هيمنة
لغيره عليه ولا معقب عليه فيه متى تجرد من إساءة استعمال السلطة". فالمحكمة في حكمها
المشار إليه علقت على إثبات القوة القاهرة بأنها تقدير لقيام المبرر للغياب.
ومن حيث إنه فيما يختص بما جاء في دفاع هيئة المواصلات السلكية واللاسلكية من أن تنفيذ
عقوبة الحبس على المدعي بسبب ارتكابه جريمة جنائية لا يمكن أن تعتبر عذراً قهرياً،
لأن الحبس كان بسبب ما وقع من المدعي نفسه بإرادته واختياره، فإن المحكمة ترى أن هذا
القول لا يمكن التعويل عليه لأن في الأخذ به رجوعاً إلى فكرة القوة القاهرة بشروطها
وأركانها في فقه القانون وهو أمر لم يدر في خلد واضع تعليمات المالية.
ومن حيث إنه تأسيساً على ما سبق يكون حبس المدعي تنفيذاً لحكم صادر ضده يعتبر في حد
ذاته عذراً مقبولاً يبرر غيابه بدون إذْن ويكون القرار محل الطعن إذ أغفل تقدير هذا
العذر على الوجه المذكور قد اتسم بعيب الانحراف ويكون الحكم المطعون فيه عندما قضى
بإلغائه قد ذهب في المسلك السديد ويتعين تأييده.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع برفضه وتأييد الحكم المطعون فيه.
