الطعن رقم 1965 لسنة 6 ق – جلسة 31 /03 /1962
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ
535
جلسة 31 من مارس سنة 1962
برياسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي وكيل المجلس وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 1965 لسنة 6 القضائية
( أ ) أموال عامة – الانتفاع بها يكون وفقاً لأوضاع وإجراءات القانون
العام – أساس ذلك وأثره – للإدارة أن تخص شخصاً بجزء من المال العام لانتفاعه الخاص
ما دام لا يتعارض مع المنفعة العامة التي خصص لها العقار – الرجوع في هذا التصرف أو
تعديله لداعي المنفعة العامة من حق الإدارة – مثال.
(ب) أموال عامة – التصرف فيها بتخصيص جزء من العقار للانتفاع الخاص لأحد الأفراد مقابل
مبلغ معين، بشروط معينة تخرج عن نطاق القواعد المقررة في القانون الخاص – اعتباره عقداً
إدارياً لا قراراً إدارياً – لا يغير من ذلك وصف العقد بأنه ترخيص أو أن مقابل الانتفاع
رسم – مثال.
1 – إن ملكية الأموال العامة هي من الموضوعات التي يستقل بها القانون العام، وقد استقر
الفقه الإداري على أن الدولة هي المالكة للأموال العامة ومن حقوق الملكية حق استعمال
المال واستثماره والتصرف فيه بمراعاة وجهة المنفعة العامة المخصص لها المال، ويحول
هذا التخصيص دون التصرف في المال العام إلا إذا انطوى ذلك على نية تجريده من صفة العمومية
فيه، ومن ثم فترتيب سبل الانتفاع بالمال العام يجري وفقاً لأوضاع وإجراءات القانون
العام…
وعلى وفق ما تقدم يكون من حق الحكومة أن تخص فرداً أو تؤثره بجزء من المال العام لانتفاعه
الخاص ما دام أن ذلك لا يتعارض مع المنفعة العامة التي خصص لها العقار ولا يكون من
شأنه أن يحد من حرية الشخص الإداري في الرجوع فيه أو تعديله لداعي المنفعة العامة..
والحكومة، إذ خصت مورث المدعى عليها بجزء من العقار بوصفه من الأموال العامة المملوكة
للدولة، فإنها تكون قد أجرت تصرفاً يحكمه القانون العام الذي يوافق طبيعة المال العام.
2 – إن القرار الإداري هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة للأفراد بناءً على سلطتها
العامة بمقتضى القوانين واللوائح حين تتجه إرادة الإدارة لإنشاء مركز قانوني يكون جائزاً
وممكناً قانوناً وبباعث من المصلحة العامة التي يبتغيها القانون. وأما العقد الإداري
فهو الاتفاق الذي تبرمه الإدارة مع أحد الأفراد يتحدد فيه حقوق والتزامات كل من الطرفين
ويخضع للقانون العام ويبين من الاطلاع على السند الذي قامت على أساسه هذه الدعوى أن
الحكومة خصصت لمورث المدعى عليها جزءاً من الملك العام لانتفاعه الخاص مقابل مبلغ معين
بشروط معينة تخرج عن نطاق القواعد المقررة في القانون الخاص، وبذلك قد اصطبغ هذا السند
بصبغة العقد الإداري لا القرار الإداري بحسب التعريف المشار إليه ولا يغير من ذلك وصف
هذا العقد بأنه ترخيص أو أن المبلغ المقابل للانتفاع هو رسم فلا وجه له لأن الحكومة
حين خصت مورث المدعى عليها بجزء من الملك العام فإنها كانت مستغلة لهذا الجزء باعتبارها
مالكة له ملكية تحكمها قواعد القانون العام على النحو السالف ذكره، ولم يكن ذلك إفصاحاً
عن إرادة الإدارة الملزمة بل نتيجة لاتفاق تبادل فيه الطرفان الحقوق والواجبات، وغني
عن البيان أن العقد الذي يكون محله الانتفاع بمال عام هو بطبيعته من العقود التي تخضع
لأحكام القانون العام لأنها توافق طبيعة المال العام ولاتصالها الوثيق بمقتضيات النفع
العام.
ولذلك يكون الحكم المطعون فيه – إذ قضى بعدم الاختصاص لأن الترخيص المعطى لمورث المدعى
عليها لا يرقى إلى مرتبة العقد الإداري بعد استكماله الشروط الواجب توافرها في العقود
الإدارية – قد جانبه الصواب.
إجراءات الطعن
في 13 من يوليه سنة 1960 أودع السيد رئيس إدارة قضايا الحكومة سكرتيرية هذه المحكمة عريضة طعن في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري في 22 من مايو سنة 1960 في القضية رقم 1248 لسنة 13 القضائية المرفوعة من السيد/ وزير الثقافة والإرشاد القومي بصفته المذكورة ضد السيدة/ نفوسة إسماعيل دسوقي والقاضي "بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى وبإلزام الوزارة المصروفات" وطلب السيد رئيس إدارة القضايا للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والقضاء باختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الدعوى وإحالتها إليها لتقضي في موضوعها مع إلزام المطعون ضدها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة" وبتاريخ 24/ 7/ 1960 أعلن الطعن للطرفين وعين لنظره جلسة 5/ 11/ 1961 أمام دائرة فحص الطعون وأخطر بهذه الجلسة وقررت بجلسة 10/ 12/ 1961 إحالته إلى هذه المحكمة لجلسة 13/ 1/ 1962 وأنها سمعت الإيضاحات التي رأت ضرورة سماعها من الطرفين ثم حجزت القضية للحكم – وصدر فيها الحكم بجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة تتحصل – حسبما يستفاد من أوراق الطعن – في أن الطاعن
أقام الدعوى رقم 1248 لسنة 13 القضائية أمام محكمة القضاء الإداري بعريضة أودعها سكرتيرية
المحكمة في 25 من أغسطس سنة 1959، طلب فيها "الحكم بصفة مستعجلة بإخلاء المدعى عليها
من العين المبينة الحدود بصحيفة الدعوى وإزالة ما عليها من منشئات وإخلائها وتسليمها
إليه بصفته في ظرف خمسة عشر يوماً من تاريخ الحكم في الدعوى وإلا فيصرح له بالإزالة
بمصاريف يرجع بها على المدعى عليها مع إلزامها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة" وقال
المدعي شرحاً لدعواه أنه في 1/ 1/ 1949 رخصت مصلحة الآثار للسيد إلياس إدريس مورث المدعى
عليها في إشغال أرض من أملاك الدولة العامة التابعة لمصلحة الآثار تبلغ مساحتها تسعمائة
متراً لاستعمالها منشر سلات وجلود وذلك لمدة سنة تنتهي في 31 من ديسمبر سنة 1949، ويتجدد
من تلقاء نفسه لمدة أخرى ما لم يعلن أحد الطرفين الآخر بعدم رغبته في التجديد قبل انقضاء
المدة بشهر واحد مع حفظ الحق للحكومة في إلغاء الترخيص في أي وقت كان في الأحوال المنصوص
عنها فيه، ونص في الترخيص المذكور على أنه شخصي للمرخص له ومؤقت، كما نص في البند الثالث
منه على أنه عندما تريد الحكومة الحصول على الأرض المشغلة لأي سبب كان، يلغى الترخيص
من تلقاء نفسه وبدون اتخاذ إجراءات قضائية وبمجرد إعلان إداري بسيط وعلى المرخص له
أن يسلم الأرض للحكومة في بحر شهر من تاريخ الإعلان، ولا يترتب على سحب الترخيص أي
تعويض أو مقابل للمرخص له من أي نوع كان وحظر الترخيص في البند الرابع إقامة مبان على
الأرض أو غرس أشجار فيها أو إجراء أي شيء خلاف المرخص به.
احتاجت المصلحة للأرض المرخص بإشغالها لإجراء أعمال الحفر والتنقيب في المنطقة فأخطرت
ورثة المرخص له في 17/ 11/ 1951 بإنهاء الترخيص ولكنهم لم يقوموا بإخلائها فرفعت الدعوى
رقم 3986/ 1952 مستعجل جزئي القاهرة ضد إدريس وعبد الجواد واعتماد وفوزية أولاد المرخص
له قضي فيها بتاريخ 27/ 12/ 1952 "بإخلائهم من العين وتسليمها لمصلحة الآثار في ظرف
خمسة عشر يوماً من تاريخ إعلان الحكم وإلا فيصرح للمصلحة بالإزالة بمصاريف من لدنها
ترجع بها على المدعى عليهم" وقد استشكلت في هذا الحكم المطعون ضدها الآن في القضية
رقم 2596/ 1958 جزئي القاهرة بوصفها من ورثة المرخص له أصلاً ولم تمثل في الدعوى فقضى
بوقف تنفيذ الحكم المستشكل فيه، بالاستناد إلى حيازة المستشكلة لهذه الأرض في المدة
اللاحقة على صدور حكم الإخلاء تؤيد جدية المنازعة في تنفيذ الحكم، وهذا فضلاً عن أنها
لم تختصم في الحكم المذكور مما لا يعتبر حجة عليها. وقد استأنفت المصلحة الحكم المذكور
في القضية رقم 1022/ 1958 استئناف القاهرة قضي فيه برفضه لأن دعوى الإخلاء لم ترفع
ضد جميع الورثة وأنه لا يمكن أن يتحدى الحكم المستشكل فيه إلى المستأنف عليها (المطعون
ضدها حالياً) التي لم تكن طرفاً فيه ولا ممثلة في الخصومة التي صدر فيها.
وبما أن الترخيص المذكور هو ترخيص شخصي ومؤقت وقد انتهت مدته، ومن المقرر أن الترخيص
بإشغال جزء من المال العام بطبعه مؤقت وغير ملزم للسلطة المرخصة التي لها دواماً ولدواعي
المصلحة العامة الحق في إلغائه والرجوع عنه ولو قبل حلول أجله، وقد خالف المرخص له
نصوص الترخيص بأن أقام بها منشآت والعين محل الترخيص أثرية تقع في حرم الحمام الفاطمي
والبيت الطولوني الأثريين ويجب إزالة ما عليها من منشآت وإخلائها وذلك لأعمال الحفر
والتنقيب في المنطقة!. ثم قال إن المادة من القانون المدني تنص على أن "تعتبر
أموالاً عامة العقارات والمنقولات التي للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة والتي
تكون مخصصة لمنفعة عامة بالفعل أو بمقتضى قانون أو مرسوم" وتنص المادة السادسة من القانون
رقم 14 الصادر في 22 من يونيه سنة 1962 الخاص بالآثار على أن "أراضي الحكومة المقررة
أو التي ستقرر أنها أثرية تعد جميعها من الأملاك العامة" وقد كان الرأي الغالب في فرنسا
حتى سنة 1938 أن الاتفاقات التي تتضمن محلها شغلاً لمال عام تعتبر عقوداً إدارية باستمرار
وفقاً لمحلها، لأن المال العام يخضع لنظام استثنائي وهذا الرأي يتفق مع نصوص القانون
المصري وطبيعة المال العام إذ تنص المادة من القانون المدني على عدم جواز التصرف
في الأموال العامة أو الحجز عليها أو تملكها بالتقادم بمعنى أنه لا يمكن أن تكون محل
تصرفات مدنية ومنها عقود الإيجار في القانون الخاص لأن مثل هذه الاتفاقات المدنية لا
تتفق والغرض الذي من أجله خصص المال العام وهو الاستعمال العام. وفي سنة 1938 أصدر
المشرع الفرنسي مرسوماً بقانون من مقتضاه جعل المنازعات المتعلقة بتلك العقود من اختصاص
القضاء الإداري، ويرى الفقه أن الذي يتبين من أحكام مجلس الدولة أن نص المرسوم بقانون
المشار إليه هو نص كاشف بمعنى أن العقود التي تتضمن شغلاً للدومين العام هي عقود إدارية
بطبيعتها ولأن الاتفاقات المدنية لا تتفق والغرض الذي خصص من أجله المال العام فلا
يكون محلاً للتصرفات المدنية وأما في مصر فإن الأمر انتهى بالمحاكم المدنية وعلى رأسها
محكمة النقض، إلى إنكار الصفة التعاقدية على الاتفاقات المشار إليها واعتبرتها مجرد
تراخيص أي قرارات إدارية، فقضت محكمة النقض في 13/ 11/ 1944 بأن "تصرف السلطات الإدارية
في الأملاك العامة لانتفاع الأفراد بها لا يكون إلا بترخيص وهو بحكم طبيعته معين الأجل
غير ملزم للسلطة المرخصة التي لها دائماً لداعي المصلحة العامة الحق في إلغائه والرجوع
فيه قبل حلول أجله وأن إعطاء الترخيص ورفضه وإلغاءه والرجوع فيه كل أولئك أعمال إدارية
بحكم القانون العام وصدور الترخيص مقابل رسم لا يخرجه عن طبيعته ولا يجعله عقد إيجار
عادي خاضع لأحكام القانون المدني" ولذلك اعتبرت محكمة القضاء الإداري الاتفاقات المشار
إليها عقود إدارية (قضية رقم 222 لسنة 10 القضائية) فمقطع النزاع في خصيصة العقد يرجع
إلى صفة المال الذي يقوم عليه، فإذا كان مالاً عاماً فهو عقد إداري دون نظر إلى توافر
الشروط العامة للعقود الإدارية، هذا إلى أن الترخيص المشار إليه قد احتوى على شروط
استثنائية تخرج عن المألوف في التعامل العادي في نطاق القانون الخاص، ولأنه من المسلم
به أن الأرض المرخص بإشغالها مال عام لذلك يكون الترخيص بإشغالها عقداً إدارياً ويكون
الاختصاص بنظر الدعوى معقوداً لمحكمة القضاء الإداري دون غيرها.
أجابت المدعى عليها على الدعوى بأنه لكي يعتبر العقد إدارياً وفق قضاء مجلس الدولة
المصري يلزم أن يبرمه شخص معنوي عام بقصد إدارة مرفق عام أو بمناسبة تسييره وأن يظهر
نيته في هذا العقد بالأخذ بأسلوب القانون العام وأحكامه وذلك بتضمين العقد شروطاً استثنائية
غير مألوفة في القانون الخاص.. وبالرجوع إلى العقد الصادر من الحكومة لمورث المطعون
ضدها يبين أنه لا يتوافر فيه الركنان الثاني والثالث فلا هو منصرف إلى تسيير مرفق عام
ولا هو متضمن شروطاً استثنائية لا يقرها القانون الخاص فهو بذلك لا يرقى إلى مرتبة
العقد الإداري الذي تنفرد محكمة القضاء الإداري بالفصل فيه ذلك لأن الإدارة تستطيع
أن تبرم عقوداً تتصل بمرفق عام ومع ذلك تأخذ فيها بأسلوب القانون الخاص والحكومة إذ
أجرت هذه الأرض لمورث المدعى عليها، فإنها تكون قد سلمت بأنها ليست من الأملاك العامة
ولكنها ملك خاص يخضع لكافة التصرفات التي يخضع لها الملك الخاص للأفراد.
وبتاريخ 22/ 5/ 1960 حكمت محكمة القضاء الإداري بعدم اختصاصها بنظر الدعوى وإلزام الوزارة
المصروفات، وذهبت المحكمة في أسباب هذا الحكم إلى "أن الأرض المرخص بها وإن كانت بحسب
طبيعتها تعتبر من الأموال العامة إلا أنه في حالة ما إذا كان المال العام قد أعد لكي
ينتفع به أفراد الناس انتفاعاً خاصاً بصفة مستمرة بشروط محددة لآجال طويلة كما هو الحال
بالنسبة لأراضي الجبانات فإن ترخيص السلطة الإدارية لأحد الأفراد بهذا الانتفاع لا
يجوز اعتباره من قبيل الأعمال الإدارية الفردية المبنية على التساهل والتسامح والتي
يكون للإدارة حق إلغائها في كل وقت، وإنما يجب اعتبارها عقوداً أو تصرفات تحكمها القوانين
واللوائح الإدارية التي تنظم الانتفاع بالمال العام وتكسب المنتفع حقوقاً على المال
العام تختلف في مداها وفي قوتها باختلاف نوع الأشغال ونوع المال المقرر عليه الانتفاع،
ذلك أن الترخيص بالانتفاع يكون في هذه الحالة متفقاً مع ما خصص له المال العام بمقتضى
القوانين واللوائح بمعنى أن النفع العام والنفع الخاص يتحدان ويلتقيان في نقطة واحدة
فيتحقق النفع العام بتحقيق النفع الخاص، ولأن الترخيص الذي كان معطى لمورث المدعى عليها
لا يرتقي إلى مرتبة العقد الإداري لعدم استكماله كافة الشروط التي استقر القضاء الإداري
على وجوب توافرها في العقد الإداري، ويكفي عدم توافر ركن اتصاله بمرفق عام لترتيب هذا
الحكم فإن الدعوى على أية صورة من الصور المتقدم وضعها لا تدخل في نطاق اختصاص المحكمة
المحدد في المادة 10 من القانون رقم 165 لسنة 1955 بشأن تنظيم مجلس الدولة المعدل بالقانون
رقم 55 لسنة 1959.
ومن حيث إن مبنى الطعن ينحصر في أن الترخيص في شغل جزء من المال العام يختلف في طبيعته
ونطاقه عن طبيعة ونطاق العقد الإداري فلكي يعتبر العقد إدارياً يتعين توافر شرائط معينة
فإن تخلفت هذه الشروط في الترخيص لا يغير من طبيعته وصبغته الإدارية، وقد استقرت آراء
الفقهاء وأحكام القضاء في فرنسا ومصر بأن الاتفاقات التي يتضمن محلها شغلاً للمال العام
تعتبر عقوداً إدارية على الدوام وعلى الأسس السابقة اعتبر القضاء الإداري الفرنسي عقوداً
إدارية الاتفاقات التي تبرمها الإدارة بقصد شغل جزء من شاطئ البحر لبناء كبائن الاستحمام
وكذلك تأجير الإدارة لقطعة من أرض الدومين العام لأحد الأفراد لإقامة سلخانة عليها
وتخصيص أجزاء من الأسواق العامة لبعض الباعة. واختصاص مجلس الدولة في مجال العقود الإدارية
لم يكتمل إلا في سنة 1955 وقد أخذ في بادئ الأمر بمذهب المحاكم المدنية فاعتبر الاتفاقات
التي ترد على المال العام بمثابة تراخيص أي قرارات إدارية إلا أنه بعد أن عدلت قواعد
الاختصاص استقر رأي معظم الفقهاء على اعتبار مثل هذه الاتفاقات من قبيل العقود الإدارية،
وعدلت محكمة القضاء الإداري عن التكليف السابق، ووضعت هذه الاتفاقات وضعها الصحيح فأنكرت
عن هذه الاتفاقات صفتها المدنية واعتبرتها عقوداً إدارية وكون الاتفاق الذي يكون موضوعه
شغل مال عام يعتبر عقداً إدارياً باستمرار فإن ذلك لا يعني بحال من الأحوال منع الإدارة
من الالتجاء إلى فكرة التراخيص فقد ترى الإدارة أن تجعل الانتفاع الخاص بالمال العام
يتخذ صورة ترخيص كما أن لها أن تفرغ الاتفاق في صورة عقد إداري ولا شبهة أن كلتا الحالتين
مما يدخل في ولاية القضاء الإداري بحكم القانون وتأسيساً على ما تقدم يكون الحكم المطعون
فيه قد جانب الصواب سواء في تكييف العقد موضوع التداعي أو في وجوب توافر الشروط العامة
للعقود الإدارية في هذا العقد لانعقاد الاختصاص للمحكمة.
ومن حيث إنه يبين من استظهار ملف الطعن أنه في أول يناير سنة 1949 رخص لمورث المدعى
عليها المرحوم إلياس إدريس شخصياً وبصفة مؤقتة في إشغال قطعة أرض مساحتها 900 متر من
أملاك الميري لاستعمالها في نشر سلاته وجلوده وذلك لمدة سنة تبدأ من أول يناير سنة
1949 وتنتهي في 31/ 12/ 1949 مقابل رسم قدره 600 م و21 ج بواقع إيجار المتر سنوياً
24 مليماً على أن يتجدد هذا الترخيص من تلقاء نفسه لمدة أخرى، ما لم يعلن أحد الطرفين
الآخر بعدم رغبته في التجديد قبل انقضاء المدة بشهر واحد مع حفظ حق الحكومة في إلغائه
في أي وقت كان بدون اتخاذ أي إجراءات قضائية، وبمجرد إعلان إداري بسيط متى احتاجت إلى
الأرض المرخص بشغلها لأي سبب كان وحظر على المرخص له قطعياً إقامة مبان أو غرس أشجار
أو إجراء أي شيء خلاف المرخص له به وعليه أن يسلم الأرض في بحر شهر من تاريخ الإعلان
ولا يترتب على سحب الترخيص إعطاء أي تعويض أو مقابل للمرخص له من أي نوع كان فقط يرفع
عنه الرسم المقرر على الأرض اعتباراً من تاريخ تسليمها للحكومة كما وأن التأخير في
دفع الرسم المقرر على الأرض في وقت الطلب وكذلك كل مخالفة لأي شرط من شروط هذا الترخيص
يعطي للحكومة الحق إذا شاءت في إلغائه في الحال بمقتضى إعلان بسيط ولا يكون للمرخص
له الحق في المطالبة بأي تعويض ما أو مقابل من أي نوع كان على أن يختص قاضي الأمور
المستعجلة بالحكم في كافة الإجراءات المستعجلة وبإخراج المرخص إليه قهراً من الأرض
في حالة مخالفته للاشتراطات المدونة بهذا الترخيص ووقَّع عليه كل من المرخص "مدير دار
الآثار العربية وأعمال الحفر" والمرخص إليه إلياس إدريس.
وفي سنة 1951 تقدم أولاد المرخص له بطلب إلى مصلحة الآثار أوردوا فيه بأن مورثهم قد
توفى وأنه كان قد أجرى مباني خفيفة في مساحة تبلغ 120 متراً من الأرض المرخص بها وأظهروا
استعدادهم لإزالتها أو رفع إيجار المساحة المقام عليها الكشك لمنع تطاير الشعر في الهواء
– وفي سنة 1952 أقامت المصلحة دعوى ضدهم بإخلائهم للعين وإزالة ما عليها من منشئات
وتسليمها إليها في خلال شهر من تاريخ الحكم وإلا تقوم المصلحة بالإزالة على حسابهم
وقد قضي في هذه الدعوى بطلبات المصلحة من قاضي الأمور المستعجلة بمحكمة مصر بتاريخ
27/ 12/ 1952 وقد استشكلت المطعون ضدها في هذا الحكم، لأنها لم تعلن في الدعوى الصادر
فيها بوصفها من ورثة إلياس إدريس فضلاً عن أنها كانت تضع يدها على العين في الفترة
التالية للحكم من سنة 1952 حتى سنة 1958 حين تقدمت بهذا الإشكال الذي قضي فيه بجلسة
30/ 3/ 1958 بوقف تنفيذ الحكم المذكور فاستأنفت المصلحة هذا الحكم وقضي فيه بالتأييد
بجلسة 12/ 11/ 1958.
ومن حيث إنه قد وضح مما تقدم أن الأرض محل الترخيص تعتبر من الأملاك العامة وأن نقطة
الفصل في هذه الدعوى هو البحث فيما إذا كان الترخيص الذي تستند إليه الحكومة في طلباتها
هو من قبيل العقود الإدارية التي تختص بنظر المنازعات فيها محكمة القضاء الإداري كما
تذهب إلى ذلك الحكومة أم أن هذا الترخيص لا يعدو أن يكون قراراً إدارياً يخرج على ولاية
هذه المحكمة بحكم ولايتها المحددة.
ومن حيث إن ملكية الأموال العامة هي من الموضوعات التي يستقل بها القانون العام، وقد
استقر الفقه الإداري على أن الدولة هي المالكة للأموال العامة ومن حقوق الملكية حق
استعمال المال واستثماره والتصرف فيه بمراعاة وجهة المنفعة العامة المخصص لها المال،
ويحول هذا التخصيص دون التصرف في المال العام إلا إذا انطوى ذلك على نية تجريده من
صفة العمومية فيه، ومن ثم فترتيب سبل الانتفاع بالمال العام يجري وفقاً لأوضاع وإجراءات
القانون العام.
ومن حيث إنه على وفق ما تقدم يكون من حق الحكومة أن تخص فرداً أو تؤثره بجزء من المال
العام لانتفاعه الخاص ما دام أن ذلك لا يتعارض مع المنفعة العامة التي خصص لها العقار
ولا يكون من شأنه أن يحد من حرية الشخص الإداري في الرجوع فيه أو تعديله لداعي المنفعة
العامة.
ومن حيث إن الحكومة إذ خصت مورث المدعى عليها بجزء من العقار بوصفه من الأموال العامة
المملوكة للدولة فإنها تكون قد أجرت تصرفاً يحكمه القانون العام الذي يوافق طبيعة المال
العام ويبقى بعد ذلك الشكل الذي أفرغ فيه هذا التصرف، هل هو قرار إداري أم عقد إداري.
ومن حيث إن القرار الإداري هو إفصاح الإدارة عن إرادتها الملزمة للأفراد بناءً على
سلطتها العامة بمقتضى القوانين واللوائح حين تتجه إرادة الإدارة لإنشاء مركز قانوني
يكون جائزاً وممكناً قانوناً وبباعث من المصلحة العامة التي يبتغيها القانون، وأما
العقد الإداري فهو الاتفاق الذي تبرمه الإدارة مع أحد الأفراد يتحدد فيه حقوق والتزامات
كل من الطرفين ويخضع للقانون العام. ويبين من الاطلاع على السند الذي قامت على أساسه
هذه الدعوى أن الحكومة خصصت لمورث المدعى عليها جزءاً من الملك العام لانتفاعه الخاص
مقابل مبلغ معين بشروط معينة تخرج عن نطاق القواعد المقررة في القانون الخاص وبذلك
قد اصطبغ هذا السند بصبغة العقد الإداري لا القرار الإداري بحسب التعريف المشار إليه
ولا يغير من ذلك وصف هذا العقد بأنه ترخيص أو أن المبلغ المقابل للانتفاع هو رسم فلا
وجه له، لأن الحكومة حين خصت مورث المدعى عليها بجزء من الملك العام فإنها كانت مستغلة
لهذا الجزء باعتبارها مالكة له ملكية تحكمها قواعد القانون العام على النحو السالف
ذكره ولم يكن ذلك إفصاحاً عن إرادة الإدارة الملزمة بل نتيجة لاتفاق تبادل فيه الطرفان
الحقوق والواجبات، وغني عن البيان أن العقد الذي يكون محله الانتفاع بمال عام هو بطبيعته
من العقود التي تخضع لأحكام القانون العام لأنها توافق طبيعة المال ولاتصالها الوثيق
بمقتضيات النفع العام.
ومن حيث إنه لذلك يكون الحكم المطعون فيه، إذ قضى بعدم الاختصاص لأن الترخيص المعطى
لمورث المدعى عليها لا يرقى إلى مرتبة العقد الإداري بعدم استكماله الشروط الواجب توافرها
في العقود الإدارية، قد جانبه الصواب، ومن ثم يتعين الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه وباختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى وإحالتها إلى المحكمة
المختصة للفصل في موضوعها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وباختصاص القضاء الإداري بنظر الدعوى وبإعادة القضية لمحكمة القضاء الإداري للفصل فيها.
