الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 766 لسنة 5 ق، والطعن رقم 772 لسنة 5 ق – جلسة 31 /03 /1962 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ 506


جلسة 31 من مارس سنة 1962

برئاسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي وكيل المجلس وعضوية السادة: مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.

القضية رقم 766 لسنة 5 القضائية، والقضية رقم 772 لسنة 5 القضائية

( أ ) مواعيد المرافعات – تحديد المادة 27 من القانون رقم 80 لسنة 1944 الخاص بإنشاء صندوق معاشات للمحامين أمام المحاكم المختلطة ميعاد سنة من تاريخ حل نقابة المحامين المختلط، لتنازل المحامي خلاله عن قيد اسمه في جدول المحامين لإمكان ترتيب معاش له – انتهاء هذا الميعاد في 14 من أكتوبر سنة 1950 وهو يوم عطلة رسمية – تسجيل طلب التنازل بمكتب البريد في يوم 15 من أكتوبر سنة 1950 – اعتباره مقدماً في الميعاد المقرر – أساس ذلك.
(ب) مواعيد المرافعات – العلاقة بينها وبين ما يرد في القوانين الأخرى من مواعيد يترتب على انقضائها أو بدئها قيام حق أو سقوط حق – العبرة في ذلك بكنه الميعاد – الميعاد المتعلق بمسألة إجرائية أياً كان القانون المنظم لها يخضع لقواعد المواعيد في قانون المرافعات بغير نص – أساس ذلك ومثال.
(جـ) مواعيد المرافعات – مواعيد السقوط – امتدادها إذا وافق آخر يوم فيها يوم عطلة رسمية – أساس ذلك.
1 – إذا كان الثابت أن المدعي لم يتمكن من تسجيل خطاب تنازله عن قيد اسمه بجدول المحاماة الوطنية في يوم السبت 14 من أكتوبر سنة 1950 – وهو آخر يوم في السنة المنصوص عليها في المادة 27 من القانون رقم 80 لسنة 1944 لتقديم طلب اعتزال مهنة المحاماة – لأن هذا اليوم كان بالتأكيد يوم عطلة رسمية إشعاراً للجميع بعيد رأس السنة الهجرية (غرة المحرم سنة 1370) الذي صادف في ذلك العام يوم الجمعة 13 من أكتوبر سنة 1950، فقرر مجلس الوزراء أن يكون يوم السبت أيضاً عطلة رسمية. ولكن الحكم المطعون فيه لم يعتد بهذا الطلب تحت تأثير ما تصوره الحكم خطأ من أن مصلحة البريد لا ينقطع عملها في أيام العطلة، فإن ذلك الذي انتهى إليه الحكم قد انبنى على فهم خاطئ للقانون، ذلك أنه وإن يكن حقاً أن صناديق البريد معدة بطبيعتها دواماً لتلقي ما يودع فيها من خطابات ورسائل حتى أيام العطلات الرسمية والأعياد القومية، فإنه ليس في أوراق الدعوى ما يفيد أن مكاتب البريد حيث يجرى حتماً تسجيل الرسائل الموصى عليها، كانت تعمل في يوم السبت 14 من أكتوبر سنة 1950 على خلاف ما قرره مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 8 من أكتوبر سنة 1950 وما نشرته الوقائع المصرية بالعدد رقم الصادر في 9 من أكتوبر سنة 1950.
وليس في الأوامر العالية المنظمة لإنشاء مصلحة البريد والقوانين اللاحقة المعدلة لها اعتباراً من الأمر العالي الصادر في سنة 1886 حتى 14 من أكتوبر سنة 1950 ما يوجب فتح مكاتب تسجيل البريد في أيام العطلات والأعياد.
2 – إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون إذ جرت أسبابه على أنه لا علاقة بين مواعيد المرافعات وبين ما قد يرد في القانون المدني أو التجاري أو القوانين الأخرى من مواعيد يترتب على انقضائها أو بدئها قيام حق أو سقوط حق. والصحيح هو أن العبرة هي في النظر إلى كنه الميعاد فإن جاء في صدد مسألة إجرائية أياً كان القانون المنظم لها، حتى ولو كان قانوناً موضوعياً كالقانون المدني، فإن قواعد المواعيد في قانون المرافعات تحكمه بغير نص على أساس أنه القانون الأصيل العام في كل ما يتصل بالإجراءات، شاهد ذلك أن المواعيد الإجرائية البحتة في القانون المدني مثلاً كمواعيد الشفعة – شأن ميعاد إعلان الرغبة المنصوص عنه في المادة وميعاد رفع الدعوى المنصوص عنه في المادة مدني تمتد بغير جدال إذا تصادف أن كان آخر يوم فيها يوم عطلة، وذلك إعمالاً للقاعدة المقررة في قانون المرافعات وذلك دون أن يتقرر هذا الامتداد بنص خاص.
3 – إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في قوله أن مواعيد السقوط لا تمتد ولا تنقطع لأي سبب من الأسباب، ولو وافق آخر يوم فيها يوم عطلة رسمية إلا بنص صريح في القانون، والصحيح أن الأصل العام هو المقرر في المادة (20 من قانون المرافعات). وقد نصت على أنه لا يحسب من الميعاد يوم التكليف أو التنبيه أو الأمر الذي يعتبره القانون مجرياً للميعاد. وفرقت بين أن يكون الميعاد ظرفاً يجب أن يحصل الإجراء في خلاله وغضونه كمواعيد الطعون في الأحكام أو فترة يجب انقضاؤها قبل الإجراء ولا يصح الإجراء إلا بعد انقضائها مثل مواعيد الحضور والمواعيد الواجب انقضاؤها مثل إيداع قائمة شروط البيع. ففي الحالة الأولى ينقضي الميعاد بانقضاء اليوم الأخير، وفي الحالة الثانية لا يجوز حصول الإجراء إلا بعد انقضاء اليوم الأخير من الميعاد. والأصل أيضاً في مواعيد المرافعات هو ما نصت عليه المادتان الثامنة والثالثة والعشرين من قانون المرافعات، فلا يجوز إجراء أي إعلان في أيام العطلة الرسمية. وإذا صادف آخر الميعاد عطلة رسمية امتد إلى أول يوم عمل بعدها. إنما لا يمتد ميعاد المرافعات إذا وقعت العطلة خلاله ما دام اليوم الأخير ليس عطلة رسمية. والأصل العام في الطعون أيضاً نصت عليه المادة من قانون المرافعات "يترتب على عدم مراعاة مواعيد الطعن في الأحكام سقوط الحق في الطعن. وتقضي المحكمة بالسقوط من تلقاء نفسها". ولم يرد في خصوص المعارضة أو الاستئناف أيما نص خاص بامتداد المواعيد المقررة لإقامة أيهما. ومع ذلك فميعاد المعارضة وميعاد الاستئناف يمتد كل منهما عملاً بالأصل العام دون نص خاص مع أنهما ميعادا سقوط.


إجراءات الطعن

في 24 من فبراير سنة 1959 أودع السيد رئيس هيئة مفوضي الدولة سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 766 لسنة 5 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري – هيئة منازعات الأفراد والهيئات – بجلسة 24 من فبراير سنة 1959 في الدعوى رقم 872 لسنة 10 القضائية المقامة من الأستاذ ديمتري خروني المحامي السابق لدى المحاكم المختلطة الملغاة، ضد السيد/ وزير المالية والاقتصاد بوصفه حالاً محل صندوق معاشات المحامين لدى المحاكم المختلطة والذي قضى: "أولاً: برفض الدفع بعدم قبول الدعوى، وبقبولها، وفي الموضوع برفضها وألزمت المدعي بالمصروفات. ثانياً: بعدم اختصاص المحكمة بنظر الطلب العارض، وألزمت الحكومة بمصروفاته". وطلب السيد رئيس هيئة المفوضين للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه: "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وذلك في شقه الثاني الذي قضى فيه بعدم اختصاص المحكمة بنظر الطلب العارض المقدم من جهة الإدارة والقضاء باختصاص المحكمة بنظر هذا الطلب والقضاء بإعادة القضية إليها للنظر في موضوعه".
وفي 25 من إبريل سنة 1959 أودع السيد/ ديمتري خروني المحامي السابق تقريراً بالطعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 772 لسنة 5 القضائية في ذات الحكم المذكور منطوقه أعلاه، وطلب الطاعن للأسباب التي استند إليها في تقرير طعنه: "عرض هذا الطعن على دائرة فحص الطعون لتأمر بعرضه على المحكمة الإدارية العليا لتقضي فيه بقبوله شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه. والقضاء لهذا الطاعن بإلغاء القرار المطعون فيه، مع إلزام الوزارة المطعون عليها بكافة المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة".
وقد أعلن الطعن الأول رقم 766 لسنة 5 القضائية إلى الحكومة في 9 من يوليو سنة 1959 وإلى الخصم في 3 من سبتمبر سنة 1959 كما أعلن الطعن الثاني رقم 772 لسنة 5 القضائية إلى السيد/ وزير الخزانة في 30 من يونيو سنة 1959 وعين لنظر كل منهما أمام دائرة فحص الطعون جلسة 26 من يونيو سنة 1960 ثم لجلسة 9 من أكتوبر سنة 1960 ثم لجلستي 6، 27 من نوفمبر سنة 1960 وبجلسة 26 من يناير سنة 1961 قررت الدائرة ضم كل من الطعنين إلى الآخر وإحالتهما إلى المحكمة الإدارية العليا للمرافعة بجلسة 25 من مارس سنة 1961 وبعد جلسات متعاقبة تبودلت فيها المذكرات وقدمت مستندات وسمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت المحكمة بجلسة 24 من فبراير سنة 1962 إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع الإيضاحات، وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعنين – تتحصل في أن الأستاذ ديمتري خروني المحامي السابق لدى المحاكم المختلطة أقام الدعوى رقم 872 لسنة 10 القضائية ضد السيد/ وزير المالية والاقتصاد بوصفه حالاً محل صندوق معاشات المحامين لدى المحاكم المختلطة، بصحيفة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري – هيئة منازعات الأفراد والهيئات في 28 من يناير سنة 1956 يطلب فيها الحكم بإلغاء الأمر الإداري الصادر من السيد وزير المالية والاقتصاد، بالامتناع عن تنفيذ قرار لجنة صندوق معاشات المحامين لدى المحاكم المختلطة بإحالة المدعي إلى المعاش، وتقرير مبلغ 533 م و15 ج معاشاً شهرياً له مع إلزامه بالمصروفات ومقابل الأتعاب. وقال بياناً لدعواه أن المادة 27 من القانون رقم 80 لسنة 1944 المعدل بالقانون رقم 127 لسنة 1951 نصت على أن يستحق المحامي الأجنبي المقيد أمام المحاكم المختلطة والعضو في صندوق المعاشات، معاشاً إذا تنازل عن قيد اسمه في جدول النقابة خلال سنة من تاريخ إلغاء المحاكم المختلطة في 15 من أكتوبر سنة 1949 ويحسب المعاش على أساس عدد السنين التي مارس فيها المحامي مهنته. وقد توافرت شروط انطباق هذه المادة في المدعي فهو أجنبي كان مقيداً في جدول المحامين لدى المحاكم المختلطة وعضواً في صندوق المعاشات بها، وقد تنازل عن قيد اسمه في جدول النقابة خلال المدة المنصوص عليها وطلب إحالته إلى المعاش وقد قررت اللجنة المختصة الاستجابة إلى طلبه وإحالته إلى المعاش ابتداءً من 23 من سبتمبر سنة 1951 بمعاش شهري قدره 533 م و15 ج وأخطر بذلك في 20 من ديسمبر سنة 1952. وقد نفذ ذلك بأن قبض المدعي المعاش المقرر لخمسة شهور ثم كف صندوق المعاشات عن دفع المعاش للمدعي دون سبب فاضطر إلى إنذار المدعى عليه في 26 من يوليو سنة 1954 طالباً منه الاستمرار في صرف المعاش إلا أن هذا الإنذار ظل أيضاً بغير جواب. وفي 30 من أكتوبر سنة 1955 وجه المدعي إلى السيد/ وزير المالية إنذاراً كلفه فيه بتنفيذ قرار لجنة الصندوق المذكور ومنبهاً عليه إلى أنه إذا كان التأخير في هذا التنفيذ يعني العدول عن القرار المذكور فإنه يتظلم بهذا الإنذار من الأمر الإداري بالامتناع عن تنفيذ القرار المذكور. وقد لاذ السيد/ الوزير بالصمت، الأمر الذي قدر المدعي منه أن أمراً إدارياً صدر بعدم تنفيذ قرار لجنة الصندوق في خصوص المدعي، وبرفض التظلم الذي تقدم به المدعي في هذا الأمر. ومن ثم فقد لجأ إلى محكمة القضاء الإداري بالطعن في هذا الأمر لمخالفته لنص المادة 27 من القانون رقم لسنة 1944 المعدل بالقانون رقم لسنة 1951 وقد توافرت شروط انطباق هذه المادة على المدعي وقرر صندوق المعاشات حقه في المعاش وصرف له فعلاً لعدة شهور، وقد ردت إدارة المعاشات بوزارة المالية والاقتصاد على المدعي بمذكرة في 19 من فبراير سنة 1956 طلبت فيها الحكم برفض الدعوى تأسيساً على أن تاريخ إلغاء المحاكم المختلطة وقع يوم 14 من أكتوبر سنة 1949 طبقاً لنص المادة الثالثة من الاتفاق على إلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر والمعقود بمونترو في 8 من مايو سنة 1937 والمادتين الأولى والرابعة من القانون رقم لسنة 1949 بنقل أسماء المحامين المقبولين أمام المحاكم المختلطة إلى جدول نقابة المحامين الوطنية. وقد أرسل المدعي تنازله عن قيه اسمه في 15 من أكتوبر سنة 1950 أي بعد مضي المدة التي حددها القانون وسقوط حقه في هذا التنازل. أما قرار مجلس الإدارة في 3 من ديسمبر سنة 1952 فقد جاء خارجاً على أحكام قانون الصندوق وقد انطوى على ثلاث مخالفات لهذه الأحكام: الأولى: التجاوز عن إرسال تقرير نزول المدعي عن تقييد اسمه، وحفظ حقه في المعاش بعد الأجل المحدد. والثانية: تحديد بدء الانتفاع بالمعاش في 23 من سبتمبر سنة 1951. والثالثة: إدخال كسور السنة في تقدير قيمة المعاش عملاً بحكم قانون المعاشات رقم لسنة 1929. ثم قالت إدارة المعاشات أن شعبة الرأي بمجلس الدولة قد كشفت عن هذه المخالفات ورأت:
1) إن قانون الصندوق لا يخول مجلس الإدارة حتى تفسير نصوصه ومن باب أولى لا يخوله حق الخروج على ما قضى به في وضوح ومن ثم يكون حق المدعي قد سقط في 14 من أكتوبر سنة 1950.
2) إن الانتفاع بالمعاش المنشأ بالقانون رقم لسنة 1951 يبدأ من أول يوليو سنة 1952 بحكم المادتين ، من قانون الصندوق رقم لسنة 1944 وكذلك بحكم المادة من قانون المحاماة أمام المحاكم الوطنية رقم لسنة 1944، وليس من 23/ 9/ 1951.
3) إن القانون رقم سنة 1929 الخاص بالمعاشات والذي قضى بإدخال الشهور في حساب معاشات الذين شغلوا وظائف حكومية لا ينطبق على معاشات المحامين إذ يحكمها قانونها الخاص رقم لسنة 1944 المعدل بالقانون رقم وبالمرسوم بقانون رقم لسنة 1952 ولم يرد في نصوصها حكم يجيز إدخال الشهور في حساب معاشات المحامين الذين مارسوا مهنة حرة. واسترسلت إدارة المعاشات قائلة أنه ليبين من ذلك كله أن قرار مجلس إدارة الصندوق قد خالف القانون. كما أن وقف دفع معاش المدعي قد سبق إلغاء مجلس إدارة الصندوق وقيام وزارة المالية والاقتصاد مقامه بصدور القانون رقم لسنة 1954 وإذا أخذ مجلس إدارة الصندوق المنحل يتجاوز سلطته إذ قرر حق انتفاع المدعي بمعاش فإن إدارة المعاشات في وزارة المالية والاقتصاد لم تخرج عن نطاق اختصاصها إذ صدقت على وقف معاش ربط على خلاف أحكام القانون وطبقت عليه هذه الأحكام تطبيقاً سليماً ومن ثم يتعين رفض دعوى المدعي، وقد قامت هيئة مفوضي الدولة أمام محكمة القضاء الإداري بتحضير الدعوى وأودعت تقريراً فيها ثم عين لنظرها جلسة 24 من ديسمبر سنة 1957 وبجلسة 4 من مارس سنة 1958 طلب الحاضر عن صندوق المعاشات بوزارة المالية التأجيل للاتصال بإدارة قضايا الحكومة للسير في طلبه العارض بإلزام المدعي بأن يرد إلى وزارة المالية مبلغ (565 م و77 ج) كان قد دفع إليه بغير وجه بمقولة أنه يمثل جملة معاشه عن خمسة شهور دفعة واحدة ومن أجل هذا قررت المحكمة تأجيل الدعوى لجلسة 6 من مايو سنة 1958 لتعلن الوزارة المدعي بدعواها الفرعية. وفي 17 من أغسطس سنة 1958 أودعت إدارة القضايا صحيفة الطلب العارض بسكرتيرية المحكمة، وقد أعلنت إلى المدعي في 20 من أغسطس سنة 1958.
وجاء في هذه الصحيفة أن المعلن إليه كان محامياً أمام المحاكم المختلطة ولما تقرر إلغاء الامتيازات الأجنبية استتبع هذا الإلغاء زوال المحاكم المختلطة فوضع نظام لترتيب معاشات السادة المحامين أمام تلك المحاكم نص عليه في القانون رقم لسنة 1944. وقد نص هذا القانون في المادة منه على وجوب تقديم طلب من كل محام بالتنازل عن قيد اسمه في جدول المحامين في خلال سنة من تاريخ حل نقابة المحامين المختلطة وذلك لإمكان ترتيب المعاش له. ولكن المدعي لم يقدم طلباً بالتنازل خلال الميعاد القانوني، ومع ذلك فقد ربط له خطأ معاش شهري قدره (533 م و15 ج) وصرف له فعلاً هذا المعاش عن خمسة شهور كما اعترف بذلك المدعي في الدعوى رقم لسنة 10 القضائية فبلغ مجموع المعاش الذي صرف له خطأ عن هذه المدة مبلغ (665 م و77 ج) ووزارة المالية تطلب الحكم بإلزام المدعي بأن يدفع لها المبلغ المذكور مع الفوائد القانونية من تاريخ المطالبة الرسمية والمصاريف والأتعاب. وفي 29 من أكتوبر سنة 1958 أودعت إدارة قضايا الحكومة مذكرة بدفاعها جاء فيها أن نقابة المحامين المختلطة قد حلت بإلغاء المحاكم المختلطة التي كانت تتبعها تلك النقابة في نهاية فترة الانتقال المنصوص عليها في اتفاقية مونترو سنة 1937. وقد انتهت فترة الانتقال في 14 من أكتوبر سنة 1949 وتقرر ذلك بالقانون رقم لسنة 1949 الخاص بنقل أسماء المحامين المقبولين أمام المحاكم المختلطة إلى جدول المحامين أمام المحاكم الوطنية إذ قضى بأن يتم ذلك قبل يوم 15 من أكتوبر سنة 1949. وإن من مقتضى حكم المادة من القانون رقم لسنة 1944 كان يتعين على كل من يرغب من أولئك المحامين المشتركين في الصندوق النزول عن قيد اسمه في جدول المحاماة مع حفظ حقه في المعاش أن يودع طلبه مكتب الصندوق أو يرسله بالبريد في مدة أقصاها 14 من أكتوبر سنة 1950، ولكن المدعي لم يسلم كتابه المؤرخ 13/ 10/ 1950 بتنازله عن القيد وحفظ حقه في المعاش إلى مكتب البريد إلا في 15/ 10/ 1950 فوصل إلى مكتب الصندوق في 16/ 10/ 1950. وقد قرر مجلس إدارة الصندوق في 3 من ديسمبر سنة 1952 انتفاع المدعي بمعاش قدره (533 م و15 ج) شهرياً ابتداءً من 23/ 9/ 1951 وأخطره بذلك في 20/ 12/ 1955 وصرف إليه مبلغ (665 م و77 ج) قيمة معاش خمسة شهور دفعة واحدة في 27/ 12/ 1952. وقالت الحكومة في دفعها بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد أن مجلس إدارة الصندوق أخطر المدعي في 20/ 12/ 1952 بتقرير معاش شهري له ابتداءً من 23/ 9/ 1951 وصرف له دفعة واحدة معاش خمسة أشهر في 27/ 12/ 1952 ثم لم يصرف له بعدها شيئاً. وقد كتب المدعي في 10/ 12/ 1953 إلى الوزارة احتجاجاً على عدم الاستمرار في صرف المعاش كما أنذرها في 26/ 7/ 1954 طالباً الاستمرار في صرف معاشه ثم أعاد إنذاره للوزارة في 30/ 10/ 1955 والدعوى التي أقامها المدعي في 28/ 1/ 1956 تتضمن طعناً على امتناع جهة الإدارة عن إصدار قرار بالاستمرار في صرف معاش المدعي المقرر له وكان واجباً عليها إصداره. فالمدعي علم بذلك منذ احتجاجه في 10/ 12/ 1953 وعلى أحسن الفروض منذ أن أنذر الوزارة في 26/ 7/ 1954 فكان يتعين عليه رفع دعوى الإلغاء في خلال الستين يوماً بعد انقضاء مدة أربعة شهور على إنذاره المؤرخ 26/ 7/ 1954 والذي تضمن تظلماً من قرار الامتناع عن الصرف ولكن المدعي لم يرفع دعواه إلا في 28/ 1/ 1956 فإنها تكون والحالة هذه غير مقبولة شكلاً لرفعها بعد الميعاد وذلك بالتطبيق لحكم المادة من القانون رقم لسنة 1949 الذي يحكم وقائع هذه الدعوى. أما عن موضوع الدعوى فقد أقامت الوزارة دفاعها على حكم المادة من القانون رقم لسنة 1944 الخاص بإنشاء صندوق معاشات للمحامين أمام المحاكم المختلطة. وقالت الوزارة أن مهلة السنة الوارد ذكرها في المادة تبدأ من يوم 15/ 10/ 1949 وتنتهي في 14 من أكتوبر سنة 1950 ولكن المدعي أرسل طلبه بالتنازل عن القيد بطريق البريد. وقد أثبت مكتب البريد على الغلاف تاريخ تقديمه وهو 15/ 10/ 1950 فوصل إلى مجلس إدارة الصندوق في اليوم التالي وهو 16/ 10/ 1950 وهو اليوم الذي يعتد به إذ لا عبرة بالتاريخ الذي وضعه المدعي على كتابه ومن ثم يكون المدعي قد قدم طلبه بعد الميعاد المنصوص عليه في المادة سالفة الذكر. أما عن سند الحكومة في طلبها العارض فينحصر في أن قرار مجلس إدارة الصندوق الصادر في 3/ 12/ 1952 بتقرير معاش للمدعي قد خالف القانون من وجهتين: الأول: أنه قرر معاشاً للمدعي حالة كونه لا يفيد من حكم المادة لتقديمه الطلب بعد الميعاد المنصوص عليه في هذه المادة.
والثاني: أنه حدد تاريخ انتفاع المدعي بالمعاش ابتداءً من 23/ 9/ 1951 في حين أن الانتفاع بالمعاش لا يبدأ إلا من أول يوليو سنة 1952 إذا كان الطلب مقدماً في الميعاد. وتأسيساً على ذلك يكون المبلغ الذي حصل عليه المدعي وقدره (665 م و77 ج) قد تم قبضه بغير وجه حق ويتعين المطالبة برده وانتهى دفاع الحكومة إلى طلب الحكم أولاً: في الدعوى الأصلية بالحكم أصلاً بعدم قبولها لرفعها بعد الميعاد واحتياطياً برفضها مع إلزام المدعي بالمصروفات ومقابل الأتعاب.
ثانياً: في الطلب العارض بإلزام المدعي بأن يدفع للمدعى عليه بصفته مبلغ (665 م و77 ج) والفوائد القانونية بواقع 4% من وقت المطالبة الرسمية حتى السداد والمصاريف ومقابل الأتعاب.
وبجلسة 24 من فبراير سنة 1959 أصدرت محكمة القضاء الإداري هيئة منازعات الأفراد والهيئات الحكم المطعون فيه، وقضت أولاً: برفض الدفع بعدم قبول الدعوى، وبقبولها، وفي الموضوع برفضها وألزمت المدعي بالمصروفات: ثانياً: بعدم اختصاص المحكمة بنظر الطلب العارض وألزمت الحكومة بمصروفاتها. وأقامت قضاءها برفض دفع الحكومة بعدم قبول الدعوى لرفعها بعد الميعاد، أقامته على أنه قد بان لها من الأوراق المودعة أن جهة الإدارة لم تخطر المدعي بعدولها عن قرارها السابق بربط معاش له إلا بعد صدور قرار لجنة الصندوق بجلستها المنعقدة في 26 من نوفمبر سنة 1955 بأنها استبعدت طلب المدعي لأنه أرسله إليها بعد فوات الميعاد المحدد قانوناً. وقد وصل المدعي خطاب التبليغ بذلك بعد أن أقام هذه الدعوى في 28 من يناير سنة 1956، ومقتضى ذلك أن الحكومة اعتبرت أن حق المدعي كان إلى ذلك التاريخ لا يزال قائماً لم يفصل فيه إلى يومذاك بعد، وطالما أن الإدارة لم تفصح عن إرادتها الواضحة في أنها قد عدلت عن قرارها فعلاً فإن من حق المدعي أن يعتقد، خطأ أو صواباً أن أمر تباطئها لا يعدو أن يكون مجرد نزاع من جانبها في الوفاء لسبب لا علم له به، وأنه إن ساغ اعتبار التوقف عن صرف معاش المدعي، قراراً إدارياً بالامتناع عن تنفيذ قرار مجلس إدارة الصندوق، على حد ما ذهبت إليه الحكومة فإن فكرة العلم اليقيني بذلك القرار وما انطوى عليه غير متوافرة قبل المدعي وذلك فضلاً عن أن الحق في المعاش مستمر ويتجدد حق المطالبة به مشاهرة وبذلك يكون من حق المدعي أن ينازع جهة الإدارة فيما استجد له من المعاش وذلك من وقت إنذاره المؤرخ 30 من أكتوبر سنة 1955، ومن ثم تكون هذه الدعوى مرفوعة في الميعاد القانوني ويتعين رفض دفع الحكومة شكلاً والقضاء بقبولها. أما من حيث الموضوع فقد أقام الحكم المطعون فيه قضاءه برفض دعوى المدعي على أن مهلة السنة الوارد ذكرها في المادة من القانون رقم لسنة 1944 إنما تبدأ من يوم 15 من أكتوبر سنة 1949 وتنتهي في 14 من أكتوبر سنة 1950، ومن ثم يتحتم على كل من يرغب من هؤلاء المحامين المشتركين في الصندوق النزول عن قيد اسمه في جدول المحاماة الوطنية مع حفظ حقه في المعاش، أن يودع طلبه كتابة في مكتب الصندوق أو يرسله بالبريد في مدة أقصاها 14 من أكتوبر سنة 1950. ولما كان المدعي قد أرسل طلبه بطريق البريد، وقد أثبت مكتب البريد على غلاف الكتاب تاريخ إيداعه وهو 15 من أكتوبر سنة 1950 وأن هذا التاريخ هو الذي – في نظر الحكم المطعون فيه – يجب أن يعتد به ولا عبرة بالتاريخ الذي وضعه المدعي على كتابه. وتأسيساً على ذلك يكون المدعي قد قدم طلبه بعد الميعاد المعين في المادة من القانون رقم لسنة 1944 وبالتالي فإنه لا يفيد مما تضمنه من أحكام ولا يجدي المدعي ما ذهب إليه من أن يوم 14 من أكتوبر سنة 1950 كان يوم عطلة رسمية فيمتد ميعاد السنة إلى اليوم التالي وذلك لأنه على الرغم من أن مصلحة البريد لا ينقطع عملها في أيام العطلة فإنه لا علاقة بين مواعيد المرافعات، وهي الخاصة بإجراء من إجراءات المرافعات وبين ما قد يرد في القانون المدني أو التجاري أو القوانين الأخرى من مواعيد يترتب على انقضائها أو بدئها قيام حق أو سقوطه، لأن من المسلم به في قانون المرافعات أن مواعيد السقوط لا تمتد، ولا تنقطع لأي سبب من الأسباب حتى ولو وافق آخر يوم فيها يوم عطلة رسمية إلا بنص صريح في القانون. ولا نزاع في أن الميعاد الذي حدده القانون في المادة هو ميعاد سقوط لم ينص القانون على امتداده أو انقطاعه لأي سبب من الأسباب ومن ثم يجب التزامه بكل دقة وإذ قرر مجلس إدارة الصندوق في 3 من ديسمبر سنة 1952 معاشاً شهرياً للمدعي على الرغم من أن شروط استحقاق هذا المعاش لم تكن متوافرة فيه، بعد إذ تبين أنه قدم طلبه بالنزول عن قيد اسمه بجدول المحامين أمام المحاكم الوطنية بعد الميعاد، فإن قرار مجلس إدارة الصندوق يكون مخالفاً للقانون. وبالتالي تكون الإدارة على حق إذ عدلت عنه. أما عن الدعوى الفرعية (الطلب العارض) من جانب الحكومة بمطالبة المدعي برد ما استولى عليه من المعاش فقد أقام الحكم المطعون فيه قضاءه بعدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظره مع إلزام الحكومة بمصروفاتها، على أن سند هذا الطلب هو المادة من القانون المدني لأن مطالبة المدعي برد ما دفعه الصندوق إليه بغير وجه حق ليست مطالبة بتعويض عن قرار خاطئ وإنما هي مطالبة بالتزام مدني نشأ عن فعل خاطئ.
ومن حيث إن الطعن المقدم من السيد رئيس هيئة المفوضين برقم 766 لسنة 5 القضائية لا ينصرف إلا إلى الشق الثاني والأخير من الحكم المطعون فيه ويقوم على أنه لما كانت الدعوى الأصلية هي منازعة في معاش، وكان الطلب العارض المقدم من جهة الإدارة باسترداد ما قبضه المدعي من معاش بغير وجه حق فمن ثم تكون العلاقة بين الدعوى الأصلية والطلب العارض غير قابلة للانفصام وتكون محكمة القضاء الإداري هي المختصة أيضاً بالفصل في الطلب العارض ويكون الحكم المطعون فيه قد خالف القانون في هذا الشق وحده من قضائه وانتهى تقرير هذا الطعن بطلب الحكم بإلغاء الحكم المطعون فيه فيما قضى به من عدم اختصاص محكمة القضاء الإداري بنظر الطلب العارض والقضاء باختصاصها مع إعادة القضية إليها للنظر في موضوعه.
أما الطعن المقدم من المدعي برقم لسنة 5 القضائية فإنه يقوم على أسباب أربعة: أن الحكم المطعون فيه وقد لابس قضاءه الظن بأن اللوائح المنظمة لأعمال البريد كانت تقضي يوم 14 من أكتوبر سنة 1950 بوجوب القيام بالعمل في مكاتب التسجيل قد شابه عيب مخالفة القانون أن الحكم المطعون فيه، قد استند في أسبابه إلى أنه لا علاقة بين مواعيد المرافعات وبين ما قد يرد في القانون المدني أو التجاري أو القوانين الأخرى من مواعيد يترتب على انقضائها أو بدئها قيام حق أو سقوطه، يكون قد خالف الأساس السوي من صحيح القانون. ويلحق الحكم المطعون فيه، هذا الوصف كذلك عندما قال أن من المسلم به في قانون المرافعات أن مواعيد السقوط لا تمتد ولا تنقطع لأي سبب من الأسباب، ولو وافق آخر يوم فيها يوم عطلة رسمية إلا بنص صريح في القانون. أن الحكم المطعون فيه قد دلَّ على خطئه فهم القانون، إذ رد على دفاع الطاعن الأخير بأن القرار الصادر بفرض معاش له، متى كان لم يطعن من السيد وزير العدل في الميعاد، ومتى كان الميعاد العام المقرر لسحبه، قد انقضى فإن ذلك القرار أياً كانت مخالفته للقانون يعتبر قد اكتسب حصانة تعصمه من العيب. فرد الحكم على ذلك بأن خروج قرار مجلس إدارة الصندوق على أحكام القانون رقم لسنة 1944 يستوجب بطلان هذا القرار بطلاناً مطلقاً بحيث لا ينشأ عنه حق أو مركز قانوني لمن صدر لصالحه، ويجوز سحبه والعدول عنه في أي وقت دون التقيد بميعاد الستون يوماً.. إلخ وهذا الرد غير سديد. أن الحكم المطعون فيه قد فاته أن قرارات مجلس الصندوق هي بطبيعتها لا تخضع للأصل العام المقرر للحكومة في سحب القرارات الصادرة عنها. لأن المشرع رسم للاعتراض على قرارات الصندوق، طريقاً خاصاً وقصر حق الحكومة على هذا الطريق دون سواه. فقد نصت المادة السابعة من القانون رقم لسنة 1944 على أن "تعرض قرارات المجلس على وزير العدل في خلال ثلاثة أيام من صدورها، وله أن يعترض عليها في ميعاد ثمانية أيام من إبلاغها إليه، وفيما عدا أحوال الاستعجال لا تنفذ هذه القرارات إلا بعد انقضاء الميعاد السابق الذكر – فإذا اعترض الوزير على قرار فلا يجوز تنفيذه إلا بعد تأييده بقرار جديد من المجلس صادر بأغلبية ثلاثة أرباع الأصوات" وقد أطلق المشرع في المادة الثامنة لإدارة الصندوق الحق في إجراء كافة التصرفات التي يراها لازمة لتحقيق أغراضه – بقيد واحد هو عدم الإخلال بالحقوق الممنوحة للحكومة بمقتضى ذات أحكام القانون – ومفهوم ذلك لزاماً أن تتقيد الحكومة بحقوقها المقررة في أحكام هذا القانون رقم لسنة 1944 دون سواه وهي لا تعدو اعتراض وزير العدل في الأجل المقرر له للاعتراض على القرارات التي يصدرها مجلس الإدارة. يؤكد ذلك النظر أن مجلس إدارة الصندوق بحسب نص المادة السابعة – يملك إلزام وزير العدل باحترام القرار الذي يراه حتى ولو اعترض عليه وزير العدل. ولو كان لوزير العدل الحق في سحب أي قرار يصدر عن مجلس إدارة الصندوق بعد ذلك لكانت الفقرة الثانية من المادة السابعة لغواً لا مبرر له، والمشرع منزه عن أن يصدر عنه مثله. وثابت أن وزير العدل لم يعترض على القرار الصادر بفرض معاش للطاعن في الميعاد المقرر له فإن القرار أياً كان الرأي في مخالفته أو مطابقته للقانون، لا ترد عليه الأحكام العامة بسحب القرارات. ولا يرد على هذا السبب الأخير بأنه لم يبين أمام محكمة الموضوع لأنه سبب قانوني صرف لا يداخله أي عنصر واقعي جديد. ولأن السبب لا يكون جديداً متى أمكن إدخاله في عموم ما أبداه الطاعن من أوجه دفاع ولأن تأييد وجه الدفاع بنص من نصوص القانون لا يقتضي بذاته نشاطاً إلى تحصيل جديد في فهم الواقع في النزاع. وانتهى تقرير طعن المدعي أن طلب عرض هذا الطعن على دائرة فحص الطعون لتأمر بعرضه على هذه المحكمة الإدارية العليا لتقضي فيه بقبوله شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء للمدعي بإلغاء القرار المطعون فيه مع إلزام الحكومة بالمصاريف ومقابل الأتعاب وبجلسة 29 من يناير سنة 1961 قررت دائرة فحص الطعون ضم كل من الطعنين رقم لسنة 5 القضائية، لسنة 5 القضائية إلى الآخر وإحالتها إلى هذه المحكمة للفصل فيهما.
ومن حيث إن مثار هذه المنازعة ينحصر – على ضوء ما تقدم – فيما إذا كان للمدعي الحق في أن يتقاضى، وعلى سبيل الاستمرار، المعاش الذي قرره له في 3 من ديسمبر سنة 1952 مجلس إدارة صندوق معاشات محامي القضاء المختلط السابق، وقدره شهرياً (533 م و15 ج) بناءً على الطلب المقدم عن المدعي، وفيما إذا كان المبلغ الذي قام الصندوق بصرفه في 27 من ديسمبر سنة 1952 وقدره (665 م و77 ج) إلى المدعي على أساس أن هذا المبلغ يمثل جملة معاشه المستحق له عن الخمسة شهور الأولى اعتباراً من 12 من سبتمبر سنة 1951 يعتبر حقاً للمدعي يحميه القانون ولا يجوز مطالبته برده كما لا يجوز توقف الإدارة عن الاستمرار في صرف المعاش المقرر له، وهذا هو حاصل ما ذهبت إليه صحيفة الدعوى وما تضمنه تقرير هذا الطعن المقدم من المدعي، أم أنه ليس لهذا الأخير أي حق في معاش وأن القرار الصادر في 3 من ديسمبر سنة 1952 من مجلس إدارة الصندوق لا يقوم على سند من القانون بل صدر بالمخالفة لأحكامه مما يبرر العدول عنه وإبطال آثاره وتكون دعوى المدعي خليقة بالرفض، وهذا هو ما نادت به جهة الإدارة وأقرها عليه المحكوم المطعون فيه. وترتيباً على ذلك أيضاً يكون المبلغ الذي صرفه الصندوق وأقرَّ بقبضه المدعي قد صرف وقبض بغير وجه حق ويكون للجهة الإدارية المبادرة إلى طلب رده.
ومن حيث إنه في الثامن من مايو سنة 1937 عقدت الحكومة الاتفاق الخاص بإلغاء الامتيازات الأجنبية في مصر وأعلنت الدول المتعاقدة في مونترو كل فيما يخصها قبول إلغائها إلغاءً تاماً من جميع الوجوه. فكل الأحكام الاستثنائية التي كانت مفروضة على البلاد بمقتضى معاهدات الامتياز أو بمقتضى العادات قد استؤصلت تماماً بمجرد انقضاء فترة الانتقال، وصارت المحاكم الوطنية هي الوارثة الطبيعية للمحاكم المختلطة في جميع اختصاصها وخضع الأجانب للتشريع المصري في المواد الجنائية والمدنية والتجارية والإدارية والمالية وغيرها. ونصت الفقرة الأخيرة من المادة الثالثة من اتفاقية مونترو على فترة انتقال تقع ما بين 15 من أكتوبر سنة 1937، 14 من أكتوبر سنة 1949. وجرت هذه المادة الثالثة بما يأتي: "يستمر بقاء محكمة الاستئناف المختلطة والمحاكم المختلطة الموجودة الآن لغاية 14 من أكتوبر سنة 1949 وابتداءً من 15 أكتوبر سنة 1937 يكون تنظيم هذه المحاكم بمقتضى قانون مصري يصدر بلائحة التنظيم القضائي الملحق نصها بهذا الاتفاق". وجاء في البند السابع من الفقرة (د) تصريح من الحكومة المصرية مرفق بلائحة التنظيم القضائي التي تكون جزءاً من هذه الاتفاقية: "وستنظر الحكومة المصرية بعين العطف أمر أولئك الموظفين والمستخدمين فيما يتعلق بالدرجات وشروط العلاوات والترقية بمناسبة وضع الكادر الجديد الجاري تحضيره الآن. وستكون حالات من يستغنى عنه من أولئك الموظفين والمستخدمين في نهاية فترة الانتقال محل بحث خاص تراعى فيه ظروف كل حالة على حدتها فإذا كانت تلك الظروف تسوغ منح بعض المزايا فيما يتعلق بالمعاش أو المكافأة جاز منحها. وتنوي الحكومة فيما يتعلق بالمحامين المقيدين أمام المحاكم المختلطة أن تتخذ التدابير اللازمة لتمكينهم بعد فترة الانتقال من قيد أسمائهم بلا شرط، وترتيب أقدميتهم في جدول المحامين أمام المحاكم الأهلية. وكان الأصل طبقاً لنظام نقابة المحامين لدى المحاكم المختلطة الملغاة أن يكون للمحامي الحق في الحصول على ثلاثة أرباع المعاش عند بلوغه سن الخامسة والخمسين بشرط أن يكون قد زاول المهنة ثلاثين عاماً بغير انقطاع، فإذا بلغ سن الستين وكان قد زاول المهنة المدة المذكورة استحق معاشاً كاملاً. وتمهيداً لإلغاء تلك المحاكم صدر القانون رقم في 24 من يونيه سنة 1944 بإنشاء صندوق المعاشات والمرتبات للمحاماة المختلطة ونص في مادته الأولى على أن ينشأ في وزارة العدل صندوق يسمى (صندوق المعاشات والمرتبات للمحاماة المختلطة). وتخصص أموال الصندوق لتقرير معاشات أو مرتبات مؤقتة أو إعانات للمحامين المقيدة أسماؤهم بجدول المحاماة أمام المحاكم المختلطة أو للذين ثبت لهم معاشات قبل صدور هذا القانون. ويتكون رأس مال هذا الصندوق من أموال الصندوق القديم منذ قيام تلك المحاكم ومن حصة من رسوم القيد بجدول المحامين وحصة من اشتراكات المحامين السنوية ومما يحصله مجلس النقابة من المحامين ثمناً لورق الدمغة ومن الهبات والوصايا وغيرها من الموارد ومن الأرباح الناتجة عن توظيف أموال الصندوق ومما يكون لنقابة المحامين المختلطة من مال عند حلها، ومما تقدمه الحكومة إلى الصندوق ومساهمة منها في تكاليف يراعى في تحديدها أنها تكفي مع الموارد الأخرى لتأدية المعاشات والمرتبات والإعانات المقررة عن السنة المالية المحددة وفقاً لأحكام هذا القانون الذي خول لهذا الصندوق الشخصية المعنوية. ونصت المادة الخامسة على أن يكون للصندوق مجلس إدارة يؤلف من رئيس يعين بمرسوم لمدة أربع سنوات ومن وكيل وزارة العدل ووكيل وزارة المالية وستة أعضاء يعينون بقرار من مجلس الوزراء، لمدة سنتين بناءً على اقتراح من وزير العدل وبشرط أن يكون منهم أربعة على الأقل من بين النقباء أو وكلائهم فإذا تعذر فمن بين نقباء المحامين الوطنيين أو وكلاء النقابة الوطنية. وجرت المادة السابعة من هذا القانون بما يأتي: –
"تعرض قرارات المجلس على وزير العدل في خلال ثلاثة أيام من صدورها، وله أن يعترض عليها في ميعاد ثمانية أيام من تاريخ إبلاغها إليه.. فإذا اعترض الوزير على قرار فلا يجوز تنفيذه إلا بعد تأييده بقرار جديد من المجلس صادر بأغلبية ثلاثة أرباع الأصوات".
ولما كان أغلب المحامين المقيدين أمام المحاكم المختلطة لا يجيد معرفة اللغة الأصلية لهذه البلاد ومنهم ممن لا يعرفها كان مجال نشاطهم أمام المحاكم الوطنية محدوداً. وحرصاً من جانب المشرع على تفادي مزاحمة قد تؤدي إلى الهبوط بمستوى مهنة المحاماة لدى القضاء الوطني فقد نصت المادة من القانون رقم لسنة 1944 على ما يأتي:
"للمشتركين في الصندوق من المحامين لدى المحاكم المختلطة الذين يتنازلون في خلال سنة من تاريخ حل نقابتهم عن قيد اسمهم بجدول المحاماة الوطنية الاحتفاظ بحقهم في المعاش المنصوص عليه في هذا القانون بشرط أن يطلبوا ذلك كتابة من مجلس إدارة الصندوق في الميعاد المذكور وأن يدفعوا كل سنة للصندوق مبلغاً معادلاً للاشتراك السنوي الذي يؤديه المحامون المقيدة أسماؤهم بجدول المحاماة الوطنية، وذلك حتى يبلغوا سن الستين أو الخامسة والخمسين أو الخمسين حسب الأحوال".
وفي 21 من إبريل سنة 1949 صدر القانون رقم بقيد أسماء المحامين المقبولين أمام المحاكم المختلطة في جدول نقابة المحامين لدى المحاكم الوطنية ونص في المادة الأولى منه على أن ينقل بحكم هذا القانون إلى جدول المحامين أمام المحاكم الوطنية وترتب أقدمية جميع المحامين المقيدين لغاية آخر ديسمبر سنة 1948 بجدول المحامين أمام المحاكم المختلطة. ويتم هذا النقل وترتب الأقدمية بقرار من لجنة قبول المحامين أمام المحاكم الوطنية قبل يوم 15 من أكتوبر سنة 1949. وجرت المادة الثانية منه على أن ينقل المحامون الذين ستنقل أسماؤهم بحكم هذا القانون إلى جدول المحامين أمام المحاكم الوطنية، والذين ستعدل أقدميتهم فيه خاضعين فيما يتعلق بالمعاشات والمرتبات والإعانات لأحكام القانون رقم لسنة 1944 ثم صدرت في 9 من مايو سنة 1949 اللائحة التنفيذية للقانون رقم لسنة 1949. ولقد راعى المشرع أن يعفي طائفة المحامين الأجانب من شروط مزاولة المهنة بأن جعل استحقاقهم للمعاش منوطاً فقط ببلوغ السن ودفع الاشتراك وشرط في مقابل ذلك أن يتنازلوا عن قيد اسمهم في الجدول. ثم تعاقبت بعد عام 1944 عدة قوانين وطنية تلزم الشركات بأن تشغل وظائفهم بمصريين بنسبة (75%) من مجموع الوظائف التي لديها على الأقل وبذلك ضاق مجال عمل المحامين المختلط وأصبح لزاماً على أي منهم أن يبقى لسن الخامسة والخمسين أو الستين حتى يستحق المعاش المقرر وهو أمر عسير عالجه الشارع من جديد، بصدر رحب، فأصدر القانون رقم لسنة 1951 ثم عدله بالمرسوم رقم لسنة 1952 مضيفاً بذلك فقرة جديدة إلى المادة من القانون رقم لسنة 1944. فجرت تلك الفقرة بعد إعادة تعديلها بما يأتي:
"استثناءً من حكم الفقرة السابعة، ومع عدم الإخلال بباقي أحكامها يكون للمشترك في الصندوق من المحامين الذين كانوا مقبولين لدى المحاكم المختلطة الذي تنازل عن قيد اسمه بجدول المحاماة الوطنية خلال السنة المنصوص عليها في الفقرة سالفة الذكر الحق في معاش عن عدد السنين التي اشتغلها في المحاماة بنسبة واحد من ثلاثين جزء عن كل سنة، ويشترط أن يكون قد زاول بالفعل مهنة المحاماة لدى المحاكم المختلطة مدة خمس سنوات ميلادية بما فيها مدة التمرين".
ومن حيث إنه يبين من الاطلاع على ملف المادة وعلى المستندات المقدمة من الإدارة العامة للمعاشات ومن أصول وصور المكاتبات الرسمية التي لم يجحدها صندوق المحامين المختلط أن المدعي وهو أجنبي الجنسية محام سابق أمام المحاكم المختلطة كان مقيداً في جدول المحامين المختلط وعضواً في صندوق المعاشات بها، قد حرر في يوم الجمعة 13 من أكتوبر سنة 1950 كتاباً إلى رئيس مجلس صندوق المعاشات والمرتبات للمحاماة المختلطة يقول فيه: –
أتشرف بأن أحيطكم علماً بأنِّي عملاً بنص المادة من القانون رقم لسنة 1944 قررت عدم مواصلة مهنة المحاماة ابتداءً من 15 من أكتوبر سنة 1950. ويعن لي أن أنوه بأنِّي باتخاذي هذا القرار، إنما احتفظ لنفسي بكافة ما قد يستجد لي من حقوق، من إجراء قبول كل أو بعض مطالب كتلة المحامين الأجانب التي انتمي إليها والتي أرسلتها هذه الفئة إلى رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل وهي المطالب الجاري درسها حالياً. كما حرر المدعي خطابين آخرين في نفس التاريخ إلى كل من الأستاذ نقيب المحامين في القاهرة ورئيس محكمة استئناف مصر. وثابت من إيصالات تسجيل هذه الخطابات الثلاثة أنها أودعت مسجلة في مكتب بريد الإسكندرية في 15 من أكتوبر سنة 1950 بأرقام تسجيل ، على التوالي. وبالملف أصل الخطاب المرسل من السيد نقيب المحامين أمام المحاكم الوطنية في 12 من فبراير سنة 1951 إلى المدعي يقول فيه "نعيد إلى حضرتكم مع هذا الشيك رقم كذا بمبلغ خمسة جنيهات على بنك التجارة السابق إرساله مع خطابكم ونرجوكم تسديد الاشتراك إلى لجنة صندوق معاشات وإعانات المحامين المختلط حيث إن لجنة قبول المحامين قررت بجلستها المنعقدة في 13 من ديسمبر سنة 1950 إثبات تنازلكم عن قيد اسمكم بجدول المحامين". وبجلسة 30 من مايو سنة 1951 قرر مجلس إدارة خزينة معاشات ومساعدات نقابة المحامين المختلطة بعد المداولة في شأن الطلبات المقدمة إلى الصندوق في 15 من أكتوبر سنة 1950 أنه "لا شك في أن الطلبات المقدمة بتاريخ 15 من أكتوبر سنة 1950 من المحامين المنوه عنهم بالمادة مقبولة قانوناً" ولم تجر معارضة ما في هذا القرار مع أن حق الاعتراض عليه أمام السيد/ وزير العدل مقرر بحكم المادة السابقة من القانون رقم لسنة 1944 وفي الأوراق المقدمة نص الكتاب رقم الموجه في 20 من ديسمبر سنة 1952 من السيد/ وكيل وزارة العدل (قطب فهمي فرحات) بوصفه نائب رئيس صندوق معاشات في مدة القضاء المختلط السابق إلى المدعي بصفته المحامي السابق لدى محكمة الاستئناف بالإسكندرية جاء فيه: (بناءً على طلبكم قرر مجلس الإدارة المنعقد في 3 من ديسمبر سنة 1952 انتفاعكم ابتداءً من 23 من سبتمبر سنة 1951 بمعاش نسبي قدره شهرياً (533 م و15 ج) وذلك على أساس اشتغالكم في المحاماة مدة تسعة عشر سنة وخمس شهور). وفي 12 من يناير سنة 1953 رد المدعي على هذا الكتاب يقول (أعزز لحضرتكم استلامي خطابكم الذي أفدتموني بمقتضاه بتقرير معاش لي. وأشكركم عليه. بيد أنه لا يسعني إلا أن أنهي لعلمكم عدم موافقتي على بدء سريان المعاش، وفقاً لما قرره مجلس إدارة الصندوق اعتباراً من 23 من سبتمبر سنة 1951 بدلاً من 15 من أكتوبر سنة 1950 وهو تاريخ استقالتي من المهنة وأبدي أشد تحفظاتي في هذا الصدد). وفي 10 من ديسمبر سنة 1953 كتب المدعي إلى السيد/ رئيس خزينة معاشات نقابة المحامين المختلطة السابق يقول (إنِّي مندهش لعدم استلامي المعاش المتأخر المستحق لي، والمعاش المستجد الذي يدفع بواسطة بنك مصر للمحامين بالمختلط المستقيلين والمنتفعين بالتعديل الذي أدخله القانون رقم لسنة 1951. كما أنِّي لا أفهم سبب السهو في عدم إدراج اسمي في قائمة المنتفعين بالمعاش لا سيما وأنِّي قد استلمت سند استحقاقي لهذا المعاش في 20 من ديسمبر سنة 1952 وأن صندوق المحامين بالمختلط سبق أن صرف لي من ذلك الحين – 27 من ديسمبر سنة 1952 معاش خمسة أشهر (665 م و77 ج) وأنِّي أرجو بإلحاح إعطاء التعليمات اللازمة لصرف معاشي بدون أي تأخير، وفي حالة وجود أسباب مبررة لهذا التأخير أكون شاكراً لو تفضلتم بإخطاري بها فوراً).. وفي 3 من إبريل سنة 1954 صدر القانون رقم لسنة 1954 بحل صندوق المعاشات والمرتبات للمحاماة المختلط المنشأ بالقانون رقم لسنة 1944 ونصت المادة الثانية منه على أن تقوم وزارة المالية والاقتصاد مقام الصندوق المتقدم ذكره فيما له من حقوق وما عليه من التزامات. وتتولى مباشرة الاختصاصات الموكولة إليه وذلك وفقاً لأحكام القانون رقم لسنة 1944 ويضاف الفائض من تصفية الصندوق إلى إيرادات الدولة وتدرج الحكومة سنوياً في ميزانيتها الاعتماد اللازم لأداء المعاشات والمرتبات والإعانات المقررة أو التي تقرر بمقتضى القانون السالف الذكر. وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون (وبما أنه قد نص في المادة من قانون إنشاء صندوق المعاشات المشار إليه، على أن حل الصندوق يكون بقانون يحدد شروط التصفية فقد رؤي استصدار القانون المرافق بحل الصندوق وبتصفية أمواله على أن تقوم وزارة المالية والاقتصاد مقام الصندوق المنحل وتتولى مباشرة اختصاصه وصرف المعاشات للمحامين من فائض التصفية ومن الاعتمادات التي تقررها لهذا الغرض). ومن بين الأوراق المقدمة بحافظته: العدد رقم من الوقائع المصرية وفيه نص قرار مجلس الوزراء (بأنه نظراً إلى أن عيد رأس السنة الهجرية (غرة محرم سنة 1370) يقع هذا العام في يوم الجمعة، فقد قرر مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 8 من أكتوبر سنة 1950 أن يكون يوم السبت 14 من أكتوبر سنة 1950 يوم عطلة عامة إشعاراً للجميع بهذا العيد).
ومن حيث إن دفاع الحكومة يقوم على: أن طلب اعتزال المدعي مهنة المحاماة لم يقع في خلال السنة المنصوص عليها في المادة من القانون رقم لسنة 1944 بدعوى أن تلك السنة قد انتهت في يوم 14 من أكتوبر سنة 1950 وبذلك يكون طلب المدعي قد أرسل بعد الميعاد ما دام الثابت من إيصال تسجيل الخطاب بمكتب بريد الإسكندرية أنه لم يرسل إلا في 15 من أكتوبر سنة 1950.
2) أن مجلس إدارة الصندوق قد أخطأ في حساب المعاش وفي تحديد تاريخ استحقاقه بأن جعله ابتداءً من 23 من سبتمبر سنة 1951 في حين أنه لا يستحق إلا اعتباراً من أول يوليه سنة 1952. وقد أقام الحكم المطعون فيه قضاءه برفض دعوى المدعي على سببين:
1) أنه لما كان آخر ميعاد لتقديم الطلب المنصوص عنه في المادة من القانون رقم لسنة 1944 هو يوم 14 من أكتوبر سنة 1950 والمدعي تقدم بطلبه إلى مكتب البريد في 15 من أكتوبر سنة 1950 فإن طلبه يكون قد قدم بعد الميعاد، ومن ثم فلا يجوز له الإفادة من نص المادة وأنه لا يؤثر في ذلك أن يوم 14 من أكتوبر سنة 1950 كان يوم عطلة رسمية لأن مكاتب البريد تعمل في أيام العطلات ولأن الميعاد المنصوص عنه في المادة هو ميعاد سقوط وبالتالي فهو لا يمتد بغير نص خاص.
2) إن قرار مجلس إدارة الصندوق بتقرير معاش للمدعي يكون ترتيباً على السبب الأول قد وقع باطلاً ولا ينشأ عنه حق وأنه يجوز للإدارة العدول عنه في أي وقت دون أن تتقيد بميعاد السحب.
ومن حيث إن ذلك الذي انتهى إليه الحكم المطعون فيه قد أنبنى على فهم خاطئ للقانون. فقد سلف القول بالتفصيل في مقام بسط وقائع الدعوى أن المدعي لم يتمكن من تسجيل خطاب تنازله عن قيد اسمه بجدول المحاماة الوطنية في يوم السبت 14 من أكتوبر سنة 1950 لأن هذا اليوم كان بالتأكيد يوم عطلة رسمية إشعاراً للجميع بعيد رأس السنة الهجرية (غرة المحرم سنة 1370) الذي صادف في ذلك العام يوم الجمعة 13 من أكتوبر سنة 1950، فقرر مجلس الوزراء أن يكون يوم السبت أيضاً عطلة رسمية. ولكن الحكم المطعون فيه لم يعتد بهذا الطلب تحت تأثير ما تصوره الحكم خطأ من أن مصلحة البريد لا ينقطع عملها في أيام العطلة. ذلك أنه وإن يكن حقاً أن صناديق البريد معدة بطبيعتها دواماً لتلقي ما يودع فيها من خطابات ورسائل حتى أيام العطلات الرسمية والأعياد القومية، فإنه ليس في أوراق الدعوى ما يفيد أن مكاتب البريد حيث يجرى حتماً تسجيل الرسائل الموصى عليها، كانت تعمل في يوم السبت 14 من أكتوبر سنة 1950 على خلاف ما قرره مجلس الوزراء بجلسته المنعقدة في 8 من أكتوبر سنة 1950 وما نشرته الوقائع المصرية بالعدد رقم الصادر في 9 من أكتوبر سنة 1950. وليس في الأوامر العالية المنظمة لإنشاء مصلحة البريد والقوانين اللاحقة المعدلة لها اعتباراًَ من الأمر العالي الصادر في سنة 1886 حتى 14 من أكتوبر سنة 1950 ما يوجب فتح مكاتب تسجيل البريد في أيام العطلات والأعياد.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون إذ جرت أسبابه على أنه لا علاقة بين مواعيد المرافعات وبين ما قد يرد في القانون المدني أو التجاري أو القوانين الأخرى من مواعيد يترتب على انقضائها أو بدئها قيام حق أو سقوط حق. والصحيح هو أن العبرة هي في النظر إلى كنه الميعاد فإن جاء في صدد مسألة إجرائية أياً كان القانون المنظم لها، حتى ولو كان قانوناً موضوعياً كالقانون المدني، فإن قواعد المواعيد في قانون المرافعات تحكمه بغير نص على أساس أنه القانون الأصيل العام في كل ما يتصل بالإجراءات، شاهد ذلك أن المواعيد الإجرائية البحتة في القانون المدني مثلاً كقواعد الشفعة – شأن ميعاد إعلان الرغبة المنصوص عنه في المادة وميعاد رفع الدعوى المنصوص عنه في المادة مدني تمتد بغير جدال إذا تصادف أن كان آخر يوم فيها يوم عطلة، وذلك إعمالاً للقاعدة المقررة في قانون المرافعات وذلك دون أن يتقرر هذا الامتداد بنص خاص.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في قوله أن مواعيد السقوط لا تمتد ولا تقطع لأي سبب من الأسباب، ولو وافق آخر يوم فيها يوم عطلة رسمية إلا بنص صريح في القانون، والصحيح أن الأصل العام هو المقرر في المادة 20 من قانون المرافعات. وقد نصت على أنه لا يحسب من الميعاد يوم التكليف أو التنبيه أو الأمر الذي يعتبره القانون مجرياً للميعاد. وفرقت بين أن يكون الميعاد ظرفاً يجب أن يحصل الإجراء في خلاله وغضونه كمواعيد الطعون في الأحكام أو فترة يجب انقضاؤها قبل الإجراء ولا يصح الإجراء إلا بعد انقضائها مثل مواعيد الحضور والمواعيد الواجب انقضاؤها مثل إيداع قائمة شروط البيع. ففي الحالة الأولى ينقضي الميعاد بانقضاء اليوم الأخير، وفي الحالة الثانية لا يجوز حصول الإجراء إلا بعد انقضاء اليوم الأخير في الميعاد. والأصل أيضاً في مواعيد المرافعات هو ما نصت عليه المادتان الثامنة والثالثة والعشرين من قانون المرافعات. فلا يجوز إجراء أي إعلان في أيام العطلة الرسمية. وإذا صادف آخر الميعاد عطلة رسمية امتد إلى أول يوم عمل بعدها. إنما لا يمتد ميعاد المرافعات إذا وقعت العطلة خلاله ما دام اليوم الأخير ليس عطلة رسمية. والأصل العام في المطعون أيضاً نصت عليه المادة من قانون المرافعات "يترتب على عدم مراعاة مواعيد الطعن في الأحكام سقوط الحق في الطعن. وتقضي المحكمة بالسقوط من تلقاء نفسها). ولم يرد في خصوص المعارضة أو الاستئناف أيما نص خاص بامتداد المواعيد المقررة لإقامة أيهما. ومع ذلك فميعاد المعارضة وميعاد الاستئناف يمتد كل منهما عملاً بالأصل العام دون نص خاص مع أنهما ميعادا سقوط.
ومن حيث إنه في صدد ما جاء بدفاع الحكومة من أن قرار مجلس إدارة الصندوق بتقرير معاش للمدعي قد أخطأ في تحديد مبدأ الاستحقاق في المعاش مخالفاً في ذلك أحكام القانون، فقد تبين لهذه المحكمة من استقراء نصوص المواد (18، 22) من القانون رقم لسنة 1944 والمادة من القانون رقم لسنة 1944 الخاص بالمحاماة أمام المحاكم الوطنية، وهي التي أقامت عليها الحكومة هذا الشق من دفاعها، أنه لم يرد فيها ما ينقض ما انتهى إليه قرار مجلس إدارة الصندوق في 3 من ديسمبر سنة 1952 من استحقاق المدعي للمعاش الذي تقرر له اعتباراً من يوم 23 من سبتمبر سنة 1951 وهو تاريخ نفاذ القانون رقم لسنة 1951 بتعديل المادة من القانون رقم لسنة 1944، ومن ثم يكون ما انتهى إليه ذلك القرار في هذا الصدد مطابقاً للقانون ولا مطعن عليه.
ومن حيث إنه يبين من كل ما تقدم أن دعوى المدعي قد قامت على سند سليم من القانون، وأنه صاحب حق في المعاش النسبي الذي قرره له مجلس إدارة صندوق المعاشات للمحاماة المختلطة بجلسته المنعقدة في 3 من ديسمبر سنة 1952 وقدره خمسة عشر جنيهاً وخمسمائة وثلاثة وثلاثون مليماً في الشهر وذلك اعتباراً من 23 سبتمبر سنة 1951 ومن ثم يكون القرار المطعون فيه إذ أوقف صرف هذا المعاش وألغاه فإنه قد خالف القانون ويتعين القضاء بإلغائه ويترتب على ذلك ثبوت حق المدعي في المعاش المقرر له واستحقاقه لصرفه من يوم امتناع الإدارة عن الاستمرار في صرفه ويكون الطلب العارض من جانب الحكومة لا سند له من القانون متعيناً رفضه. ولا ترى هذه المحكمة، بعد الذي تقدم، حاجة إلى التعرض لأوجه الطعن الأخرى ما دام فيما تقدم من الأسباب ما أدى إلى إرساء حكم القانون على الوجه الصحيح.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعنين شكلاً، وفي موضوعهما بإلغاء الحكم المطعون فيه وبإلغاء القرار الصادر بعدم الاستمرار في صرف معاش المدعي، وباستحقاقه لهذا المعاش بالتطبيق لأحكام القانون رقم لسنة 1944 والقوانين المعدلة له، وألزمت الحكومة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات