الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1006 لسنة 6 ق – جلسة 25 /03 /1962 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ 495


جلسة 25 من مارس سنة 1962

برياسة السيد/ عبد العزيز الببلاوي نائب رئيس المجلس وعضوية السادة عبد الفتاح نصار ومحمد عبد العزيز البرادعي وعزت عبد المحسن وأبو الوفا زهدي المستشارين.

القضية رقم 1006 لسنة 6 القضائية

( أ ) دعوى الإلغاء – قبولها – تصدي المحكمة لموضوعها يكون بعد ثبوت توافر شروطها – الحكم بعدم قبول الدعوى في حالة عدم توافرها دون التغلغل في الموضوع.
(ب) دعوى الإلغاء – التظلم الوجوبي قبل رفع الدعوى – الحكمة منه – الطلب المقدم من الموظف إلى الجهة المختصة ملتمساً فيه ترقيته إلى الدرجة الخالية قبل صدور القرار المطعون فيه بترقية غيره عليها – لا يغني عن هذا التظلم – أسباب ذلك – عدم قبول الدعوى إذا لم يقدم التظلم بعد صدور القرار المطعون فيه.
1 – إن لدعوى الإلغاء طبقاً لما جرى عليه القضاء الإداري شروطاً لا بد من توافرها حتى تكون هذه الدعوى مقبولة أمام القضاء وعليه أن يتصدى لها بالفحص قبل أن يتصدى لموضوع المخالفة المدعاة إذ لا يمكنه بحث الموضوع إلا بعد أن يتأكد له توافر هذه الشروط وإذا لم تتوافر تحتم عليه الحكم بعدم قبولها دون التغلغل في الموضوع.
2 – إن القانون رقم 165 لسنة 1955 جعل التظلم من القرار أمراً واجباً وانتظاراً للبت فيه لقبول طلب الإلغاء عند الطعن في بعض القرارات الإدارية، ومنها القرارات المشار إليها في البند "ثالثاً" من المادة 8 من ذلك القانون، وهي القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو الترقية أو بمنح علاوة، وأشار المشرع إلى حكمة هذا الإجراء في المذكرة الإيضاحية لذلك القانون، وتتلخص في أن الغرض من ذلك هو تقليل الوارد من القضايا بقدر المستطاع، وتحقيق العدالة الإدارية بطريق اليسر للناس، بإنهاء تلك المنازعات في مراحلها الأولى إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه، فلا يستقيم بعد تلك الإشارة الصريحة القول بأنه لم يكن هناك لزوم لتقديم تظلم عن القرار المطعون فيه اكتفاءً بالطلب الذي سبق أن تقدم به المدعي إلى الجهة المختصة يلتمس فيه ترقيته إلى الدرجة الخالية قبل صدور القرار بترقية غيره عليها، لا غناء في هذا القول لسببين: (الأول) صراحة النص، فالقاعدة الأصولية تقضي بأنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص الصريح. وقد نصت المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 بعدم قبول طلبات الإلغاء في مثل هذه القرارات قبل التظلم منها، وانتظار مواعيد البت في التظلم (والثاني) حكمة النص، وبياناً لذلك تجب الإشارة إلى أن الطلبات التي لا تقبل رأساً بل يتعين التظلم منها أولاً وانتظار مواعيد البت في التظلم إنما هي القرارات المنصوص عليها في البنود "ثالثاً" و"رابعاً" و"خامساً" من المادة 8 من ذلك القانون وهي طلبات كلها متعلقة بشئون الموظفين تعييناً وترقية وفصلاً فرأى المشرع وجوب البدء بالتظلم منها قبل التقاضي بشأنها بحسبان أن التظلم يعتبر في هذه الحالة مرحلة أولى في افتتاح الخصومة بين الموظف والجهة الإدارية التي أصدرت القرار المشكو منه فأوجب القانون على المدعي الالتجاء إلى ذلك الطريق في بادئ الأمر لافتتاح الخصومة بين الموظف والجهة الإدارية بدلاً من الخوض رأساً في لدد الخصومة أمام القضاء، ومتى كان الأمر كذلك فإن أي إجراء يتخذه الموظف قبل صدور القرار المشكو منه لا يمكن أن يعتبر تظلماً لأنه لا يمكن افتتاح خصومة بشأن قرار لم يصدر بعد.
وتأييداً لهذا النظر فإن قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في 6 من إبريل سنة 1955 والذي أشارت إليه المادة 12 آنفة الذكر يقضي بأن يقدم التظلم من القرار الإداري إلى الوزير المختص وذلك بطلب يقدم إليه مقابل إيصال وأن يكون الطلب مشتملاً على بيانات منها اسم المتظلم وتاريخ صدور القرار المتظلم منه وتاريخ نشره وموضوع القرار والأسباب التي بني عليها، فالعبرة بالتظلم الذي يقدمه صاحب الشأن بعد صدور قرار المتظلم منه وليس بالطلب السابق على القرار، ولا يقدح في ذلك القول بأن الجهة الإدارية عند إصدارها القرار كان أمامها طلب صاحب الشأن قبل إصداره فلا حاجة به إلى أن يقدم إليها تظلماً بعد إصدار القرار إذ قد يكون لدى الجهة الإدارية من الأسباب التي يقوم عليها القرار ما ليس عنده.
ويبين مما سبق ذكره أن التظلم بالنسبة للموظفين إجباري ومتعين عليهم سلوكه قبل الالتجاء إلى القضاء وإلا كان الطلب غير مقبول.
وقد سار القانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة في هذا الشأن على نفس النمط الذي سار عليه القانون رقم 165 لسنة 1955.
ومتى كان الثابت أن المدعي لم يتقدم إلى الهيئة الإدارية بتظلم بعد صدور القرار المطعون فيه فتكون دعواه غير مقبولة.


إجراءات الطعن

في 14 من شهر مارس سنة 1960 أودع السيد رئيس إدارة قضايا الحكومة بصفته نائباً عن السيد وزير الصحة بوصفه رئيس المجلس المشترك لمركز التدريب بقليوب والسيد وزير الدولة لشئون رياسة الجمهورية بصفته، سكرتيرية هذه المحكمة صحيفة طعن عن الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري "هيئة الترقيات والتعيينات" بتاريخ 14 من يناير سنة 1960 في القضية رقم 1048 لسنة 12 القضائية الذي قضى بإلغاء القرار رقم 171 بتاريخ 22 من مايو سنة 1958 فيما تضمنه من إلغاء القرار رقم 110 الصادر في 30 من مارس سنة 1958 ومنح المهندس محمد سليم الكفراوي الدرجة الرابعة التي خلت بنقل الصيدلي عبد المنعم قطب ورفض ما عدا ذلك من الطلبات وإلزام الطاعنة المصروفات، وطلب السيد الطاعن – الأسباب التي ركن إليها في صحيفة الطعن – الحكم بقبوله شكلاً وإلغاء الحكم المطعون فيه وبعدم قبول دعوى المطعون ضده ورفضها موضوعاً مع إلزامه بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين.
وفي 23 من شهر مايو سنة 1960 أعلن الطعن للمطعون ضده وتعين لنظره جلسة 14 من مايو سنة 1961 أمام دائرة فحص الطعون وأخطر ذوو الشأن بتلك الجلسة في أول مايو سنة 1961 وقد نظرته تلك الدائرة في أكثر من جلسة ثم قررت إحالته إلى هذه المحكمة فسمعت ما رأت ضرورة سماعه من ملاحظات الطرفين ثم أرجأت الحكم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن حاصل واقعات هذه المنازعة – كما يبين من الأوراق وملاحظات ذوي الشأن – يجمل في أن المطعون ضده أقام دعواه أمام محكمة القضاء الإداري في 21 من يوليه سنة 1958 طالباً بصفة أصلية إلغاء القرار رقم 171 الصادر في 22 من مايو سنة 1958 المتضمن سحب القرار رقم 110 الصادر بتاريخ 30 من مارس سنة 1958 بمنح السيد المهندس محمد سليم الكفراوي الدرجة الرابعة التي خلت بنقل الصيدلي عبد المنعم قطب ومنحها له بحسب الأقدمية المطلقة وبصفة احتياطية إلغاء القرار رقم 171 الصادر بتاريخ 22 من مايو سنة 1958 فيما تضمنه من ترقية المهندس محمد محمد الشرقاوي إلى الدرجة الرابعة لأحقيته "المطعون ضده" فيها بالأقدمية المطلقة مع ما يترتب على ذلك من آثار في الحالتين وإلزام الجهة الإدارية المصروفات فيهما، ومقابل أتعاب المحاماة. وذكر تبياناً لدعواه أنه بتاريخ 5 من يونيه سنة 1955 أصدر مركز التدريب المهني القرار رقم 79 لسنة 1955 بترقية المهندس محمد محمد الشرقاوي إلى الدرجة الرابعة فأقام المهندس محمد سليم الكفراوي الدعوى رقم 801 لسنة 10 القضائية فصدر لصالحه الحكم بتاريخ 9 من ديسمبر سنة 1957 بإلغاء ذلك القرار وأحقيته في الدرجة، ثم صدر تنفيذاً له القرار رقم 110 في 30 من مارس سنة 1958 بإلغاء ترقية محمد محمد الشرقاوي وإعادته للدرجة الخامسة. وبتاريخ 22 من مايو سنة 1958 صدر القرار رقم 171 بسحب القرار الأخير فيما تضمنه من إلغاء ترقية المهندس محمد محمد الشرقاوي وإبقائه في الدرجة الرابعة التي رقي إليها بالقرار الأول ومنح المهندس محمد سليم الكفراوي الدرجة الرابعة التي خلت بنقل الصيدلي عبد المنعم قطب إلى جهة أخرى خارج مركز التدريب، ثم استطرد المطعون ضده قائلاً أن القرار الساحب الأخير ليس له ما يبرره بل إنه يجافي ما قضى به في الدعوى رقم 801 لسنة 10 القضائية وأضاف أن الدرجة الرابعة التي خلت بنقل الصيدلي عبد المنعم قطب حق لمن يليه في الأقدمية وهي بهذا الوضع تكون خالصة له دون غيره إذ منح الدرجة الخامسة في أول أكتوبر سنة 1951 قبل غيره وأنه الأول في الأقدمية، ثم استطرد أن القرار شابته مخالفة قانونية إذ لا تمنح الدرجة التي خلت لمهندس وإنما تمنح لصيدلي فإن لم يوجد فتمنح لطبيب، وهذا الذي يقوله قرره الحكم الصادر في الدعوى رقم 801 لسنة 10 القضائية آنفة الذكر حينما ذكر في أسبابه أن درجات مركز التدريب المهني وضعت بناءً على مجموعات مشتركة على أساس ما تتطلبه كل منها وأن مجموعة وظائف المهندسين مستقلة عن مجموعة الأطباء وأن الأخيرة تشمل الأطباء والأطباء البيطريين والصيادلة. ثم عقد مقارنة بينه وبين المهندس محمد محمد الشرقاوي فقال أن الأخير حصل على الدرجة الخامسة في 27 من فبراير سنة 1952 في حين أنه حصل عليها في تاريخ سابق (أول أكتوبر سنة 1951) كما سبق البيان وأنه كان حريصاً على حقه فبمجرد أن خلت درجة الصيدلي قام بإخطار الوزارة بموجب كتاب في 4 من مايو سنة 1958 مطالباً إياها بها ولكنها لم تستجب إليه ومنحتها للمهندس محمد محمد الشرقاوي، ومن ثم كان قرارها بالمنح إذ أنها أفصحت عن إرادتها بعدم الاستجابة إلى طلبه، فأجاب مركز التدريب المهني على هذه الدعوى بأن قال أن المطعون ضده يطلب ترقيته إلى الدرجة الرابعة الخاصة بصيدلي، وهذا مطلب يخالف قانون التوظف إذ أنه طبيب وليس صيدلياً وأنه حتى لو قيل أنه والصيدلي في مجموعة واحدة فإن الدرجة الرابعة كانت مشغولة بالصيدلي في تاريخ إجراء الحركة في 31 من ديسمبر سنة 1957 ثم أصبحت من بعده مصرفاً مالياً فقط لتنفيذ الحكم الصادر لصالح محمد سليم الكفراوي ثم تحولت إلى وظيفة مهندس زراعي اجتماعي بميزانية 1958/ 1959 ونقلت نهائياً إلى وزارة الشئون الاجتماعية.
ومن حيث إن محكمة القضاء الإداري أصدرت حكمها بتاريخ 14 من يناير سنة 1960 على النحو الذي سبق ذكره مشيدة قضاءها من حيث الشكل على أساس أن الدعوى دعوى تسوية لا تتقيد بالمواعيد التي نظمها القانون لدعوى الإلغاء وضرورة التظلم السابق قبل رفعها، ومن جهة الموضوع على أساس القول بأن التنفيذ السديد للحكم الصادر لصالح المهندس محمد سليم الكفراوي كان يقتضي إلغاء ترقية محمد محمد الشرقاوي وترقية محمد سليم الكفراوي وأن ما ذهبت إليه الجهة الإدارية من الإبقاء على ترقية محمد محمد الشرقاوي على الدرجة التي كان مرقى عليها أولاً بالقرار رقم 79 لسنة 1955 وترقية محمد سليم الكفراوي على درجة خاصة بالأطباء والصيادلة مع أنه مهندس إجراء غير سليم ومخالف للقانون وأن خلو الدرجة لا يجعل للمطعون ضده الحق في الترقية بقوة القانون، لأنه بخلو الدرجة تستعيد الجهة الإدارية سلطتها في الترقية التي تتم في حدود القانون وفي الوقت الذي تراه ملائماً لإجراء الترقية ثم انتهت إلى القول بأن القرار المطعون فيه (رقم 171 الصادر بتاريخ 22/ 5/ 1958) هو في حقيقة قرار تنفيذي، لأنه صدر تنفيذاً للحكم في الدعوى رقم 801 لسنة 10 القضائية. والحكم بإلغائه ينطوي على إلغاء لإجراءات تنفيذية خاطئة قد تؤثر على المراكز القانونية للمطعون ضده وغيره ومن ثم قضت بإلغائه فيما تضمنه من إجراءات تنفيذية خاطئة وبرفض ما عدا ذلك من الطلبات.
ومن حيث إن الطعن يقوم على القول بأن حقيقة الدعوى المطروحة هي أنها دعوى إلغاء وليست تسوية، إذ لا سبيل إلى إزالة المخالفة المقول بها إلا عن طريق الإلغاء وقد ورد في طلبات المدعي طلب الإلغاء صراحة كما شمل منطوق الحكم الإلغاء لهذا القرار، وما دام الأمر كذلك فكان حتماً ولزاماً على المطعون ضده أن يسلك سبيل التظلم الذي رسمه القانون لدعوى الإلغاء وفي المواعيد التي عينها وإذ لم يفعل فتكون دعواه فقدت شرطاً من شروط قبولها وتعين الحكم بعدم قبولها شكلاً، كما أن هذه الدعوى فقدت شرطاً من شروط القبول أيضاً وهو شرط المصلحة في الدعوى إذ لا مصلحة له فيها بوصفه طبيباً إذ ميزانية مركز التدريب جرت على قاعدة التمييز بين الوظائف تمييزاً نوعياً حتى الوظائف التي وردت ضمن مجموعات متميزة بطبيعتها، ولما كانت الدرجة الرابعة موضوع المنازعة مخصصة لصيدلي فليس له أن يطلبها وهو طبيب وإلا كان في ذلك القضاء لأوضاع الميزانية حتى ولو كانت هذه الوظيفة واردة ضمن مجموعة الوظائف الطبية وهذا ما جرى به قضاء هذه المحكمة في الطعن رقم 878 لسنة 3 القضائية والقضية 968 لسنة 4 القضائية، ومن حيث الموضوع فإن للجهة الإدارية وهي في سبيل تنفيذ قرار ألغي إلغاءً جزئياً الخيرة في الأمر إن شاءت أبقت على القرار المطعون فيه وصححت الوضع بالنسبة للمقضى لصالحه طالما لا توجد مصلحة تبرر إلغاءه إلغاءً كلياً أو تلغي ترقية المطعون في ترقيته وترقي المحكوم لصالحه وأن ما فعلته ليس إلا إيجاداً لمصرف مالي لتنفيذ الحكم ولا تثريب عليها فيما فعلت ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد خالف القانون وتعين إلغاؤه.
ومن حيث إن هيئة مفوضي الدولة قدمت تقريراً برأيها في هذه المنازعة جنحت فيه إلى تكييف الدعوى كما وصفها الطعن ولكنها قالت بقبولها على أساس أن المطعون ضده وإن لم يتظلم من القرار رقم 171 الصادر في 22 من مايو سنة 1958 بعد صدوره فإن مرد ذلك أنه اكتفى بالطلب الذي قدمه إلى الوزارة في 4 من مايو سنة 1958 عقب خلو الدرجة المتنازع عليها مبيناً استحقاقه لها وأن هذا الطلب يعتبر بمثابة تظلم سابق على القرار المطعون فيه يقوم مقام التظلم اللاحق له وبه تنتفي حاجته إلى تظلم جديد سابق على رفع الدعوى وإذ تبين أنه أمامها في خلال ستين يوماً من صدور القرار المطعون فيكون قد استوفى الإجراءات الشكلية المطلوبة لدعوى الإلغاء. وأما عن الموضوع فإنه ليس من الجائز ترقية مهندس على وظيفة صيدلي إذ كل من الوظيفتين تنتمي إلى مجموعة مستقلة عن الأخرى كما يبين من ميزانية مركز التدريب لسنة 1957/ 1958 وأن الترقية وإن كانت تنفيذاً لحكم صادر لصالح المرقى يتعين أن تتم في حدود القواعد العامة التي وضعها القانون للترقيات عموماً فيما عدا ما تقتضيه حجية الحكم وليس منها في هذه الدعوى إجازة الترقية على أية درجة كانت باعتبارها مصرفاً مالياً لأن في القول بذلك حرمان أصحاب الحق في الدرجة المرقى عليها إذا كانت تنتمي إلى قسم آخر من أقسام الميزانية وفيه الخروج على مقتضى الحكم والخلاص من تنفيذه تنفيذاً صحيحاً إذ هذا التنفيذ يترتب عليه إبقاء الوضع الخاطئ الذي ألغاه الحكم وأوجب تصحيحه وأن المطعون ضده وهو في داخل مجموعة الوظائف الصحية وأقدم من غيره فيها فيكون أحق بالترقية من المهندس محمد سليم الكفراوي، ومن ثم يكون الطلب الأصلي من طلبات المطعون ضده متفقاً مع أحكام القانون وكذلك طلبه الاحتياطي إذ بخلو الدرجة وصدور قرار في 22 من مايو سنة 1958 بإشغالها بالترقية تكون الجهة الإدارية قد أفصحت عن رغبتها في الترقية وليس باعتبارها مصرفاً مالياً لترقية المهندس محمد سليم الكفراوي، ومن ثم يستحقها لظروفه السابق بيانها من ذلك التاريخ. وانتهت إلى طلب الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه رقم 171 الصادر بتاريخ 22 من مايو سنة 1958 فيما تضمنه من إلغاء القرار رقم 110 المؤرخ 30 من مارس سنة 1958 ومنح المهندس محمد سليم الكفراوي الدرجة الرابعة وباستحقاق المطعون ضده الترقية إلى هذه الدرجة اعتباراً من 22 من مايو سنة 1958 – وما يترتب على ذلك من آثار مع إلزام الحكومة بالمصروفات.
ومن حيث إن الحكومة قدمت مذكرة تعقيباً على ما جاء في تقرير هيئة المفوضين رددت فيها ما تضمنه الطعن وأضافت إليه أن القول بتقديم المطعون ضده طلباً سابقاً على القرار المطعون عليه وأن في ذلك غناء عن التظلم بعد صدوره فيه ما يجافي حكم القانون الصريح الذي أوجب التظلم من القرار قبل رفع الدعوى وينأى عما استقر عليه الفقه والقضاء من ضرورة تقديم التظلم بعد صدور القرار المطعون فيه كما يغاير ما استقرت عليه أحكام المحكمة العليا التي قررت أن المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 استوجبت التظلم قبل مراجعة القضاء وذلك للحكمة التي أشارت إليها المذكرة الإيضاحية لهذا القانون ثم تمسكت بالدفع بعدم وجود مصلحة للمطعون ضده في دعواه على الأساس الذي ذكرته في الطعن ثم أبدت وجهة نظر جديدة فحواها أن القرار المطعون فيه يشمل على أكثر من قرار ولكل منها سببه الذي يقوم عليه، أما الأول فهو القرار الساحب للقرار الصادر في 30 من مارس سنة 1958 واعتبار الأخير كأن لم يكن وقد تضمنه طعن المطعون ضده في طلباته الأصلية وطعنه هذا على غير أساس لأنه لو نظر إليه على استقلال لما كانت له فيه مصلحة إذ لم يمسه شخصياً وكل ما فعله إفصاحه عن نية الإدارة في العدول عن تنفيذ الحكم الصادر لصالح المهندس محمد الكفراوي، أما القرار الثاني فهو قرار ترقية المهندس محمد الكفراوي إلى الدرجة الرابعة اعتباراً من 30 إبريل سنة 1955 وذلك بالخصم على الدرجة الرابعة الخالية بالمركز تنفيذاً للحكم الصادر لصالحه، ولما كان هذا الحكم قد قضى بالإلغاء الجزئي فتكون الجهة الإدارية حرة إن شاءت رقته وأبقت المطعون على ترقيته ما دام ذلك ممكناً لها ووجدت أن درجته خالية عند تنفيذ الحكم وما دامت أرجعت ترقيته إلى التاريخ الذي حدده الحكم الصادر لصالحه وقدرت أن في ذلك المصلحة العامة أو أنها تلغي ترقية من ألغى الحكم ترقيته وترقيه على درجته وهذا ما جرى به قضاء المحكمة الإدارية العليا في الحكم الصادر منها في 28 من نوفمبر سنة 1959 (المنشور في السنة الخامسة من مجموعة مبادئ المحكمة العليا ص 68) وإذ جرى مركز التدريب بما جرى به قضاء المحكمة العليا فلا تثريب عليه في هذا القرار ويكون نعي الحكم المطعون فيه على غير أساس سليم، ويضاف إلى ذلك أن الترقية موضوع القرار لا تتعارض مع قاعدة تخصيص الوظائف في ميزانية مركز التدريب لأن الدرجة التي شغلها المهندس محمد سليم الكفراوي لم يشغلها بصفة فعلية وإنما استخدمت كمصرف مالي فقط، وأما القرار الأخير منه فقد تضمنته طلبات المطعون ضده الاحتياطية وهو الخاص بالإبقاء على ترقية المهندس محمد محمد الشرقاوي المرقى بالقرار الصادر في 5 من يونيه سنة 1955 وطعن المطعون ضده عليه غير سديد كما سلف القول كما طعن على القرار الأول الصادر في 5 من يونيه سنة 1955 بعد فوات الميعاد، وبعد أن فندت المذكرة دفاع المطعون ضده على النحو السالف انتهت إلى طلب الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والحكم أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها مع إلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين.
ومن حيث إن المطعون ضده قدم مذكرة أخيرة للرد على ما جاء في الطعن ومذكرة الحكومة ذكر فيها عن شكل الدعوى أنها مقبولة ولو وصفت بأنها دعوى إلغاء، ومع التسليم بأنه لم يتظلم قبل رفع دعواه لأن الحكمة من التظلم قبل رفع الدعوى هي مراجعة الجهة الإدارية، وإذ قدم إليها طلبه في 4 من مايو سنة 1958 مبيناً أحقيته في الدرجة المتنازع عليها فإن ذلك الطلب يمكن اعتباره بمثابة تظلم سابق على القرار المطعون فيه الصادر في 22 من مايو سنة 1958، وما دامت الجهة الإدارية قد أفصحت عن إرادتها في الترقية بعد طلبه فلا وجه لإلزامه بأن يطرح عليها تظلماً آخر، وأما عن موضوع الدعوى فذكر أنه ينتمي إلى المجموعة التي خلت فيها الدرجة وإذا لم يوجد صيدلي أو طبيب يستحقها فهو أولى بها من أي موظف آخر ينتمي إلى مجموعة أخرى حسب البيان الوارد في الميزانية، وذلك لأن ترتيب الوظائف الدائمة بالمركز جرى على أساس قاعدتين رئيسيتين أولاهما انفراد كل إدارة من إدارات المركز بتدرج خاص لنوع معين من الوظائف، وهي بهذه المثابة تعتبر مستقلة عن أي قسم آخر، والثانية أنه في كل إدارة واحدة تدخل مختلف الوظائف رغم تغاير تسمياتها في تدرج واحد لا يميز إحداها عن الأخرى أي تأهيل أو تخصيص يخرج بها عن التدرج الهرمي للسلم الإداري، وتطبيقاً للقاعدتين السابقتين لا يسوغ ترقية مهندس على درجة صيدلي لأن كل منهما ينتمي إلى مجموعة تختلف عن الأخرى إذ تنتمي وظيفة المهندس إلى مجموعة الوظائف الهندسية المرتبة على اختلاف تسمياتها (مهندس – مهندس زراعي – أخصائي اجتماعي – مفتش تعاوني) بينما تنتمي وظيفة صيدلي إلى مجموعة الوظائف الطبية، ولما كان هو أقدم من في هذه المجموعة فهو وحده دون غيره أحق بها، ومن ثم يكون طلبه الأصلي متفقاً مع حكم القانون وكذلك الاحتياطي إذ أظهرت الجهة الإدارية رغبتها في الترقية كما قالت هيئة المفوضين بحق، ومن ثم تصبح له هذه الدرجة ولكن من تاريخ خلوها في أول يناير سنة 1958. وختم هذه المذكرة بطلب رفض الطعن وإلغاء القرار رقم 171 الصادر بتاريخ 22 من مايو سنة 1958 – فيما تضمنه من إلغاء قرار 30 من مارس سنة 1958 ومنح المهندس محمد الكفراوي الدرجة الرابعة وباستحقاقه هو الترقية إلى هذه الدرجة الخاصة بالصيدلي من تاريخ خلوها اعتباراً من أول يناير سنة 1958 وما يترتب على ذلك من آثار ومقابل أتعاب المحاماة.
ومن حيث إنه يبين مما سبق ذكره أن دعوى المطعون ضده دعوى إلغاء وقد كشف عن طبيعة هذه الدعوى بطلب إلغاء القرار المطعون فيه، وأنه لا يمكن إجابته إلى مطلبه إلا بإلغاء هذا القرار الذي منح الدرجة المطلوبة إلى غيره ومن ثم تكون الدعوى دعوى إلغاء وليست دعوى تسوية كما ذهب الحكم المطعون فيه خطأ.
ومن حيث إن لدعوى الإلغاء طبقاً لما جرى عليه القضاء الإداري شروطاً لا بد من توافرها حتى تكون هذه الدعوى مقبولة أمام القضاء وعليه أن يتصدى لها بالفحص قبل أن يتصدى لموضوع المخالفة المدعاة، إذ لا يمكنه بحث الموضوع إلا بعد أن يتأكد له توافر هذه الشروط وإذا لم تتوافر تحتم عليه الحكم بعدم قبولها دون التغلغل في الموضوع.
ومن حيث إنه من بين الأسباب التي يقوم عليها الطعن أن الدعوى غير مقبولة لأنها رفعت قبل أن يلجأ المدعي بالتظلم إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية، فيتعين على هذه المحكمة أن تفحص هذا السبب قبل أن تمضي في فحص أسباب الطعن المتعلقة بموضوع الدعوى.
ومن حيث إنه من الثابت أن التظلم من بعض القرارات الإدارية إلى الهيئات الإدارية لم يكن أمراً واجباً وإنما كان رخصة منحها المشرع لذوي الشأن إن شاءوا استعملوها، فقد نصت المادة 12 من القانون رقم 9 لسنة 1949 الخاص بمجلس الدولة على أن ميعاد رفع الدعوى إلى المحكمة فيما يتعلق بطلب الإلغاء ستون يوماً تسري من تاريخ نشر القرار الإداري المطعون فيه أو إعلان صاحب الشأن، كما نصت تلك المادة بأن هذا الميعاد يقطع سريانه في حالة التظلم إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية، وقضت بأن يعتبر في حكم قرار بالرفض فوات وقت يزيد على أربعة أشهر دون أن تجيب السلطات الإدارية على الطلب المقدم إليها – فيبين بوضوح من هذا النص أن تقديم التظلم وانتظار البت فيه فعلاً أو حكماً لم يكن شرطاً أوجبه القانون لرفع دعوى الإلغاء، ثم جاء القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن مجلس الدولة وقضى في المادة 12 منه على عدم قبول الطلبات المقدمة رأساً بإلغاء القرارات الإدارية المنصوص عليها في البندين "ثالثاً" و"رابعاً" عدا ما كان منها صادراً من مجالس تأديبية والبند "خامساً" من المادة وذلك قبل التظلم منها إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار أو إلى الهيئات الرئيسية وانتظار المواعيد المقررة للبت في هذا التظلم، وتبين إجراءات التظلم وطريقة الفصل فيه بقرار من مجلس الوزراء.
ومن حيث إنه يبين من ذلك أن القانون رقم 165 لسنة 1955 جعل التظلم من القرار أمراً واجباً وانتظار البت فيه لقبول طلب الإلغاء عند الطعن في بعض القرارات الإدارية، ومنها القرارات المشار إليها في البند "ثالثاً" من المادة 8 من ذلك القانون، وهي القرارات الإدارية النهائية الصادرة بالتعيين في الوظائف العامة أو الترقية أو بمنح علاوة، وأشار المشرع إلى حكمة هذا الإجراء في المذكرة الإيضاحية لذلك القانون وتتلخص في أن الغرض من ذلك هو تقليل الوارد من القضايا بقدر المستطاع وتحقيق العدالة الإدارية بطريق أيسر للناس بإنهاء تلك المنازعات في مراحلها الأولى إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه، فلا يستقيم بعد تلك الإشارة الصريحة القول بأنه لم يكن هناك لزوم لتقديم تظلم عن القرار المطعون فيه اكتفاءً بالطلب الذي سبق أن تقدم به المدعي إلى الجهة المختصة يلتمس فيه ترقيته إلى الدرجة الخالية قبل صدور القرار بترقية غيره عليها. لا غناء في هذا القول لسببين (الأول) صراحة النص فالقاعدة الأصولية تقضي بأنه لا مساغ للاجتهاد في مورد النص الصريح وقد نصت المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة 1955 بعدم قبول طلبات الإلغاء في مثل هذه القرارات قبل التظلم منها وانتظار مواعيد البت في التظلم، (والثاني) حكمة النص، وبياناً لذلك تجب الإشارة إلى أن الطلبات التي لا تقبل رأساً بل يتعين التظلم منها أولاً وانتظار مواعيد البت في التظلم إنما هي القرارات المنصوص عليها في البنود "ثالثاً" و"رابعاً" و"خامساً" من المادة 8 من ذلك القانون وهي طلبات كلها متعلقة بشئون الموظفين تعييناً وترقية وفصلاً فرأى المشرع وجوب البدء بالتظلم منها قبل التقاضي بشأنها بحسبان أن التظلم يعتبر في هذه الحالة مرحلة أولى في افتتاح الخصومة بين الموظف والجهة الإدارية التي أصدرت القرار المشكو منه فأوجب القانون على المدعي الالتجاء إلى ذلك الطريق في بادئ الأمر لافتتاح الخصومة نظراً لما يتسم به من يسر ولين بدلاً من الخوض رأساً في لدد الخصومة أمام القضاء، ومتى كان الأمر كذلك فإن أي إجراء يتخذه الموظف قبل صدور القرار المشكو منه لا يمكن أن يعتبر تظلماً لأنه لا يمكن افتتاح خصومة بشأن قرار لم يصدر بعد.
ومن حيث إنه تأييداً لهذا النظر، فإن قرار رئيس مجلس الوزراء الصادر في 6 من إبريل سنة 1955 والذي أشارت إليه المادة 12 آنفة الذكر يقضي أن يقدم التظلم من القرار الإداري إلى الوزير المختص وذلك بطلب يقدم إليه مقابل إيصال وأن يكون الطلب مشتملاً على بيانات منها اسم المتظلم وتاريخ صدور القرار المتظلم منه وتاريخ نشره وموضوع القرار والأسباب التي بني عليها، فالعبرة بالتظلم الذي يقدمه صاحب الشأن بعد صدور القرار المتظلم منه وليس بالطلب السابق على القرار ولا يقدح في ذلك القول بأن الجهة الإدارية عند إصدارها القرار كان أمامها طلب صاحب الشأن قبل إصداره فلا حاجة به إلى أن يقدم إليها تظلماً بعد إصدار القرار إذ قد يكون لدى الجهة الإدارية من الأسباب التي يقوم عليها القرار ما ليس عنده.
ومن حيث إنه يبين مما سبق ذكره أن التظلم بالنسبة للموظفين إجباري ويتعين عليهم سلوكه قبل الالتجاء إلى القضاء وإلا كان الطلب غير مقبول.
ومن حيث إن القانون رقم 55 لسنة 1959 في شأن تنظيم مجلس الدولة قد سار في هذا الشأن على نفس النمط الذي سار عليه القانون رقم 165 لسنة 1955.
ومن حيث إنه من الثابت أن المدعي لم يتقدم إلى الهيئة الإدارية بتظلم بعد صدور القرار المطعون فيه فتكون دعواه غير مقبولة، ويكون الحكم المطعون فيه إذ قضى بقبول هذه الدعوى قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه وتأويله ومن ثم يتعين إلغاؤه.
ومن حيث إن المطعون ضده قد أصابه الخسر في الدعوى فيتحمل مصروفاتها وذلك إعمالاً لنص المادة 357 من قانون المرافعات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه وبعدم قبول الدعوى، وألزمت المدعي بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات