الطعن رقم 1628 لسنة 7 ق – جلسة 24 /03 /1962
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ
483
جلسة 24 من مارس سنة 1962
برياسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي وكيل المجلس وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 1628 لسنة 7 القضائية
جزاء إداري – فصل بغير الطريق التأديبي – المادة 107 من القانون
رقم 210 لسنة 1951 – تقرير وزير المواصلات العدول عن الجزاء التأديبي الذي وقعه مدير
هيئة البريد بالخصم من الراتب إلى استصدار قرار جمهوري بالفصل بغير الطريق التأديبي
– صحيح – لا يخل بهذا الحق ما نصت عليه المادة 16 من القانون رقم 117 لسنة 1958 من
رخصة لمدير عام النيابة الإدارية في اقتراح هذا الفصل – أساس ذلك.
إذا كان الثابت أن قرار الجزاء الموقع من السيد المدير العام لهيئة البريد في 26 من
ديسمبر سنة 1959 بخصم ثلاثة أيام من راتب المدعي إعمالاً لأحكام القانون رقم 117 لسنة
1958 لاستيلائه على مبلغ في عهدته، قد عرض على السيد وزير المواصلات في 16 من يناير
سنة 1960، فاستعمل سلطته المخولة له بمقتضى المادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951
المعدلة بالقانون رقم 73 لسنة 1957 بوصفه الرئيس الأعلى لوزارته في عدم الموافقة عليه
وإلغائه، وذلك خلال ميعاد الشهر المنصوص عليه في هذه المادة من تاريخ إصداره مقرراً
العدول عن الطريق التأديبي إلى استصدار قرار جمهوري بفصل المدعي من الخدمة بغير الطريق
التأديبي، وهو حق ثابت له بالتطبيق لحكم الفقرة السادسة من المادة 107 من قانون نظام
موظفي الدولة، لا يخل به ما نصت عليه المادة 16 من القانون رقم 117 لسنة 1958 من رخصة
لمدير عام النيابة الإدارية في اقتراح فصل الموظف بغير الطريق التأديبي بشروط معينة
في مجال لا يتعارض مع حق الجهة الإدارية في هذا الضرب من الفصل الذي مرده إلى أصل طبعي
هو وجوب هيمنة الإدارة على تسيير المرافق العامة على وجه يحقق الصالح العام، وحريتها
في اختيار من ترى صلاحيته لهذا الغرض من الموظفين الذين هم عمال هذه المرافق، وإبقاء
من تراه صالحاً منهم وإقصاء من تراه أصبح غير صالح لذلك، وهذا من الملاءمات المتروكة
لتقديرها بلا معقب عليه ما دام قرارها قد خلا من إساءة استعمال السلطة، فلم تستهدف
به سوى المصلحة العامة في غير تحيف أو هوى. وعلى هذا صدر القرار الجمهوري المطعون فيه
رقم 509 لسنة 1960 في 18 من مارس سنة 1960 بفصل المدعي من الخدمة، استناداً إلى ما
جاء بمذكرة وزارة المواصلات المرافقة له من أن ما ارتكبه هو مما يتنافى مع الأمانة
الواجب توافرها في الموظفين، الأمر الذي يجعله غير جدير بالبقاء في خدمة الحكومة، مما
يتعين معه فصله من الخدمة للصالح العام تطبيقاً للمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة
1951 بشأن نظام موظفي الدولة، ومن ثم فإن هذا القرار يكون مطابقاً للقانون.
إجراءات الطعن
في 15 من أغسطس سنة 1961 أودع الأستاذ رمسيس جبراوي المحامي نيابة
عن الدكتور محمد عصفور المحامي المنتدب بقرار الإعفاء رقم 315 لسنة 7 القضائية عن السيد/
محمد شلبي عثمان سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم
1628 لسنة 7 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والهيئة
العامة لشئون السكك الحديدية بجلسة 18 من إبريل سنة 1961 في الدعوى رقم 548 لسنة 7
القضائية المقامة من السيد/ محمد شلبي عثمان ضد كل من 1 – وزارة المواصلات و2 – الهيئة
العامة للبريد، القاضي "بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع برفضها وألزمت المدعي بالمصروفات"
وطلب الطاعن للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً،
وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء قرار فصل الطاعن من الخدمة الصادر بتاريخ
18 من مارس سنة 1960 مع ما يترتب على ذلك من آثار، ومع إلزام المطعون ضدهما بالمصروفات
والأتعاب عن الدرجتين، ومع حفظ كافة الحقوق الأخرى. وقد أعلن هذا الطعن إلى الهيئة
العامة للبريد في 22 من أغسطس سنة 1961 وإلى وزارة المواصلات في 31 منه. واتبعه الطاعن
بمذكرة بدفاعه ختمها بالتصميم على طلباته، كما قدمت هيئة مفوضي الدولة مذكرة بالرأي
القانوني مسبباً انتهت فيها لما أبدته بها من أسباب إلى أنها ترى "قبول الطعن شكلاً
ورفضه موضوعاً". وبعد أن انتهت المواعيد القانونية المقررة دون أن تقدم الجهة الإدارية
مذكرة ما بملاحظاتها عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 26 من
نوفمبر سنة 1961 التي أبلغ بها الطرفان في 6 منه.
وبجلسة 28 من يناير سنة 1962 قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة العليا لنظره بجلسة
24 من فبراير سنة 1962 أمام الدائرة الأولى. وقد أبلغ الطرفان بميعاد هذه الجلسة في
3 من فبراير سنة 1962. وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على
الوجه المبين بمحضر الجلسة، قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية، بمراعاة أن الحكم المطعون فيه قد صدر بجلسة
18 من إبريل سنة 1961، وأن الطاعن تقدم في 3 من مايو سنة 1961 إلى لجنة المساعدة القضائية
بالمحكمة الإدارية العليا بطلب إعفائه من رسوم الطعن أمام هذه المحكمة، فصدر قرار اللجنة
بجلسة 17 من يونيه سنة 1961 في طلب الإعفاء رقم 315 لسنة 7 القضائية بقبول هذا الطلب،
وقد قام الطاعن برفع طعنه بإيداع صحيفته سكرتيرية هذه المحكمة في 15 من أغسطس سنة 1961
أي في الميعاد القانوني وفقاً لما جرى عليه قضاء هذه المحكمة.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن المدعي أقام
الدعوى رقم 548 لسنة 7 القضائية ضد كل من وزارة المواصلات والهيئة العامة للبريد أمام
المحكمة الإدارية لوزارة المواصلات والهيئة العامة لشئون السكك الحديدية بعريضة أودعها
سكرتيرية المحكمة في 26 من إبريل سنة 1960 ذكر فيها أنه عين في 30 من ديسمبر سنة 1945
طوافاً بهيئة البريد على الدرجة التاسعة، إلى أن نقل إلى الأعمال المكتبية ورقي إلى
الدرجة الثامنة في سنة 1956. ولما كان حديث العهد بالأعمال المكتبية فقد أخطأ في بعض
هذه الأعمال خطأ ترتب عليه عجز في عهدته قدر بمبلغ 27 جنيهاً وذلك في 26 من نوفمبر
سنة 1952، وقد عوقب على ذلك بخصم ثلاثة أيام من راتبه مع إبعاده عن الأعمال ذات الصبغة
المالية. ومع أنه كان قائماً بعمله على الوجه الأكمل فقد صدر قرار السيد المدير العام
لهيئة البريد في 2 من فبراير سنة 1960 بفصله من الخدمة. ولما كان هذا القرار باطلاً
فقد تظلم منه بالتظلم رقم 68 لسنة 1960 في 10 من فبراير سنة 1960، لأن الفصل جاء جزاءً
مكرراً لفعل سبق أن عوقب عليه بخصم ثلاثة أيام من راتبه، كما شابه عيب إساءة استعمال
السلطة. ولذا فإنه يطلب "الحكم بإلغاء قرار فصله من الخدمة الصادر بتاريخ 2 من فبراير
سنة 1960 مع ما يترتب على ذلك من آثار مع إلزام المدعى عليها المصروفات ومقابل أتعاب
المحاماة" وقد ردت الهيئة العامة للبريد على هذه الدعوى بأن المدعي كان يشغل وظيفة
وكيل بريد من الدرجة الثامنة الكتابية ببريد جزيرة شندويل، وأثناء التفتيش على أعماله
بالمكتب المشار إليه، تبين وجود عجز بعهدته قدره 27 جنيهاً، وقد قرر في التحقيق الإداري
الذي أجري معه أنه استولى على هذا المبلغ منذ عشرة أيام سابقة على اكتشاف حدوث العجز
نظراً لبعض أعبائه وديونه العائلية، وقام بسداد العجز فور اكتشافه.
ولما كان ما ارتكبه مما يتنافى مع الأمانة الواجب توافرها في الموظفين، فقد ووفق على
فصله من الخدمة، وصدر بذلك القرار الجمهوري رقم 509 لسنة 1960 متضمناً فصله للأمور
المنسوبة إليه والتي ثبتت إدانته فيها "وقد صدر هذا القرار ممن يملكه في حدود سلطته
واختصاصه المخولين له بمقتضى الفقرة السادسة من المادة 107 من قانون نظام موظفي الدولة
رقم 210 لسنة 1951، وبعد تحقيق سمعت فيه أقواله وأوجه دفاعه، وبني على أسباب مستخلصة
استخلاصاً سائغاً صحيحاً من أصول ثابتة، ومن ثم فإن الدعوى تكون حقيقة بالرفض" وقد
أودع السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهى فيه لما أبداه به من
أسباب إلى أنه يرى "رفض دعوى المدعي مع إلزامه بالمصروفات" وقد عقب المدعي على هذا
التقرير بمذكرة طلب فيها "الحكم بإلغاء القرار الجمهوري رقم 509 لسنة 1960 والصادر
في 18 من مارس سنة 1960، والمبلغ إلى هيئة البريد في 2 إبريل سنة 1960 مع ما يترتب
على ذلك من آثار، مع إلزام الهيئة بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة"، وأضاف أنه قد
صدرت ضده في جريمة تأديبية واحدة ثلاثة قرارات اثنان منها من مدير عام الهيئة كل بخصم
ثلاثة أيام من راتبه وقد تحصنا بمرور ستين يوماً دون سحبهما أو الرجوع فيهما، والثالث
قرار جمهوري صدر كجزاء على ذات الفعل السابق معاقبته عليه، وبذلك وقع مخالفاً للقانون،
فضلاً عن اتسامه بعيب التعسف في استعمال السلطة، مما يترتب عليه بطلانه، لأن الواقعة
المؤثمة فيه لا تعدو أن تكون خطأ حسابياً بسبب الارتباك والجهل بالتعليمات المالية
على النحو الذي انتهت إليه النيابة العامة.
وبجلسة 18 من إبريل سنة 1961 قضت المحكمة الإدارية "بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع
برفضها وألزمت المدعي المصروفات" وأقامت قضاءها على أن فصل المدعي إنما تم بغير الطريق
التأديبي إعمالاً للمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة
التي عددت أسباب انتهاء خدمة الموظف ومنها الفصل بمرسوم أو أمر جمهوري أو بقرار خاص
من مجلس الوزراء، وذلك واضح من المذكرة التي صدر بناءً عليها قرار الفصل. وقد كان سبب
الفصل هو ما نسب إلى المدعي من وجود عجز لديه قدره 27 جنيهاً، وهو أمر ثابت من التحقيقات
التي أقرَّ فيها باستيلائه على هذا المبلغ من العهدة التي كانت لديه لشدة حاجته إليه.
وبذا يكون قرار فصله والحالة هذه قد قام على سبب يبرره. ولا محل للقول بأن هذا الجزاء
لا يتناسب مع الذنب الذي ارتكبه المدعي لأن تقدير العقوبة هو من الملاءمات المتروكة
للجهة الإدارية بلا معقب عليها ما دام قرارها قد خلا من عيب إساءة استعمال السلطة،
ولأن للإدارة الحق في تقدير مدى صلاحية الموظف للنهوض بأعباء الوظيفة العامة والاستمرار
في تولي مهامها. كما لا وجه للمحاجة بأن قرار الفصل المطعون فيه إن هو إلا تكرار للعقوبة
عن ذات الفعل الذي سبق أن جوزي عليه المدعي بالخصم من مرتبه، ذلك أن المرسوم بقانون
رقم 132 لسنة 1952 بإنشاء المجلس التأديبي للمخالفات المالية قد ناط بديوان المحاسبة
اختصاص النظر في المخالفات المالية سواء بالنسبة للتحقيق فيها أو للمساءلة عنها، ولما
كان جزاء الخصم من الراتب قد وقع على المدعي من أجل مخالفة مالية، فإن مدير عام الهيئة
ما كان يملك إصدار قرار به، وإذ صدر هذا القرار من المدير المذكور فإنه يكون معيباً
بعيب اغتصاب السلطة الأمر الذي ينحدر به إلى مستوى الفعل المادي الذي هو عديم الأثر
قانوناً، والذي لا يعتد به، ومن ثم يكون القرار المشار إليه معدوماً فلا تلحقه حصانة
بفوات مواعيد الطعن فيه. وقد وافق المدير في 26 من ديسمبر سنة 1959 على إلغائه وإعادة
توقيع ذات الجزاء على المدعي، إلا أنه بعرض الأمر على السيد وزير المواصلات رأى في
16 من يناير سنة 1960 اتخاذ اللازم لاستصدار قرار جمهوري بفصل المذكور من الخدمة، وقد
صدر هذا القرار فعلاً رقم 509 لسنة 1960 بفصله بغير الطريق التأديبي، بعد إذ استعمل
السيد الوزير حقه المخول له بمقتضى المادة 85 من قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة
1951 في إلغاء قرار مدير الهيئة الصادر في 26 من ديسمبر سنة 1959 في الميعاد القانوني
المقرر في هذه المادة بما أزال كيان هذا القرار. وقد طعن المدعي في هذا الحكم بعريضة
أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 15 من أغسطس سنة 1961 طلب فيها "الحكم بقبول هذا الطعن
شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلغاء قرار فصل الطاعن من الخدمة الصادر
بتاريخ 18 من مارس سنة 1960 مع ما يترتب على ذلك من آثار، مع إلزام المطعون ضدهما بالمصروفات
والأتعاب عن الدرجتين ومع حفظ كافة الحقوق الأخرى". وأسس طعنه على أسباب أربعة: (أولاً)
أنه قد وقع عليه الجزاء عن واقعة العجز بعهدته بخصم ثلاثة أيام من راتبه وكان ذلك في
سنة 1953، ونفذت العقوبة بالفعل في شهر أكتوبر من تلك السنة، أي منذ سبع سنوات قبل
أن يتذكر ديوان المحاسبة أن القرار صدر خطأ أو مخالفاً للقوانين واللوائح، وبذلك لا
يجوز للهيئة أو للوزير إعادة النظر في هذا الموضوع بعد تلك المدة ولا سيما أن الجزاء
أثمر معه فلم تقع منه بعد توقيعه أية مخالفة مالية أو إدارية، بل إنه رقي إلى الدرجة
الثامنة في سنة 1956، أي بعد العقوبة بثلاث سنوات، ولم يلحظ عليه أي تقصير أو إهمال
فيما أسند إليه من أعمال، ومنها الأعمال المالية التي كان قد أبعد عنها ثم أعيد إليها.
و(الثاني) أن استناد السيد الوزير إلى نص المادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951 التي
تخوله حق إلغاء قرار مدير المصلحة بتوقيع الجزاء خلال شهر من تاريخ إصدار القرار غير
منطبق على حالة المدعي، إذ أن قرار العقوبة نفذ في سنة 1953، أما القرار الثاني الصادر
من السيد مدير عام الهيئة في 26 من ديسمبر سنة 1959 بإلغاء القرار الأول وتوقيع ذات
الجزاء على المذكور، وهو الذي استبدل به السيد الوزير قرار الفصل، فقد وقع باطلاً،
وبذا يكون قرار السيد الوزير قد استند إلى قرار باطل وما بني على باطل فهو باطل. و(الثالث)
أن قول ديوان المحاسبة بأنه لم يكن قد تصرف في موضوع العقوبة حتى تاريخ صدور القانون
رقم 117 لسنة 1958 على الرغم من إبلاغه ما تم في هذا الشأن في أكتوبر سنة 1954 لا يغير
من الواقع شيئاً، ولا يجعل لهذا القانون سلطاناً على الحالة المعروضة، إذ أن الخطأ
والعقوبة تما في ظل قانون سابق. على أن المادة 13 من القانون المذكور قد قصرت حق اعتراض
الديوان على خمسة عشر يوماً من تاريخ إبلاغه بالقرار، وقد أبلغ إليه في سنة 1954 ولم
يعترض عليه إلا في آخر سنة 1959. و(الرابع) أن حق الفصل بغير الطريق التأديبي مقيد
قانوناً بثلاثة شروط، هي أن توجد شبهات قوية ضد الموظف، وأن تمس هذه الشبهات كرامة
الوظيفة أو الشرف، أو حسن السمعة، وأن يقترح الفصل مدير عام النيابة الإدارية، وهذه
القيود الثلاثة غير متوافرة في حالة الطاعن عند إصدار القرار بفصله. ومن ثم يكون الحكم
المطعون فيه قد خالف القانون. وقد أردف المدعي هذا الطعن بمذكرة ضمنها ترديداً لدفاعه،
وتصدى فيها لمناقشة الأسباب التي أقام عليها الحكم المطعون فيه قضاءه بما لا يخرج عن
أسانيد هذا الدفاع. وخلص من ذلك إلى التصميم على طلباته. وقد أودعت هيئة مفوضي الدولة
مذكرة بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيها إلى أنها ترى "قبول الطعن شكلاً ورفضه موضوعاً"
واستندت في رأيها إلى أن المخالفة المنسوبة إلى المدعي هي مخالفة مالية، وأن سلطة التأديب
فيها سواء في ظل القانون رقم 132 لسنة 1953 أو القانون رقم 73 لسنة 1957 المعدل له
إنما تنعقد لرئيس ديوان المحاسبة في جميع الأحوال، فلا يجوز للرئيس الإداري توقيع العقاب
ما لم يرَ رئيس الديوان أن المخالفة لا تستأهل الإحالة إلى مجلس التأديب فيحيلها إلى
الجهة الإدارية، وعندئذٍ لا قبل ذلك، تنعقد للرئيس الإداري سلطة التأديب، وإلا كان
قرار الجزاء صادراً من غير مختص مما يصمه بعيب جوهري ينحدر به إلى درجة العدم بحيث
يجوز سحبه في أي وقت، وهذا يصدق على قرار مدير الهيئة الصادر في 28 من سبتمبر سنة 1954
قبل تصرف ديوان المحاسبة والذي هو قرار باطل يقوم على غصب السلطة ولا يتعلق به حق مكتسب
لأحد ويمكن إزالة آثاره مهما طال الزمن، بحيث لا يعتبر رئيس ديوان المحاسبة قد تصرف
في هذه المخالفة حتى صدور القانون رقم 117 لسنة 1958. ولما كانت الأوراق قد أحيلت إلى
المدير المذكور من ديوان المحاسبة، وكان قد وافق في 26 من ديسمبر سنة 1959 على سحب
القرار الأول وإعادة توقيع ذات الجزاء، فإن تصرفه على هذا النحو لا يعدو أن يكون مباشرة
لاختصاص مبتدأ في ظل أحكام القانون رقم 73 لسنة 1957 الذي عقد له اختصاص التأديب في
شأن المخالفات المالية. وقد عرض قرار الجزاء الموقع في 26 من ديسمبر سنة 1959 على السيد
الوزير في 16 من يناير سنة 1960 وفقاً لنص المادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951،
فرأى خلال الأجل المرسوم وبوصفه الرئيس الأعلى لوزارته عدم الموافقة عليه والعدول عنه
إلى استصدار قرار بفصل المدعي بغير الطريق التأديبي. وهذا حق ثابت له بحكم هيمنته على
تسيير المرافق العامة في وزارته وحريته في اختيار من يراه صالحاً لهذا الغرض، وإقصاء
من يراه أصبح غير صالح لهذا الغرض. ولما كان الثابت من الأوراق أن المدعي معترف صراحة
باختلاس المبلغ موضوع الاتهام من الأموال الأميرية التي كانت في عهدته، فإن هذا التصرف
من جانبه ينطوي على إخلال بالأمانة الواجبة، ويكون قرار فصله قائماً على سبب يبرره.
وقد قدرت جهة الإدارة خطورة هذا الفعل ولم يقم دليل من الأوراق على انحرافها بالسلطة
في ذلك. ولا يغير من هذا كون النيابة العامة قد انتهت إلى أن سبب المخالفة هو الخطأ
في الحساب لارتباك المدعي وجهله بالتعليمات المالية، إذ أن هذه النتيجة تتعارض تماماً
مع الاعتراف الصريح الذي أدلى به المذكور في التحقيق الإداري، كما أن النيابة لم تبين
الأساس الذي استندت إليه في تكوين رأيها، وبطلب أوراق التحقيق الذي أجرته قررت أنها
دشتت بمضي المدة. ومن ثم تكون الإدارة قد استخلصت النتيجة التي انتهت إليها في القرار
المطعون فيه استخلاصاً سائغاً من أصول تنتجها وتؤدي إليها. أما ما أثاره المدعي من
أن المادة 16 من القانون رقم 117 لسنة 1958 قد اشترطت عدة شروط للفصل بغير الطريق التأديبي
فإنه يرد عليه بأن مجال إعمال هذا النص هو حيث ترى جهة الإدارة إحالة الأمر إلى النيابة
الإدارية، وحيث ينكشف لهذه الأخيرة وجود شبهات قوية تمس كرامة الوظيفة أو النزاهة أو
الشرف أو حسن السمعة، إذ يجوز عندئذٍ لمدير النيابة الإدارية اقتراح فصل الموظف بغير
الطريق التأديبي، بيد أن هذا لا يخل بحق الجهة الإدارية في إجراء التحقيق بنفسها، ولا
بحق الوزير في اقتراح الفصل بمقتضى المادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951. ومتى
كان الأمر كذلك فإن الحكم المطعون فيه يكون مطابقاً لحكم القانون ويكون الطعن عليه
واجب الرفض.
ومن حيث إن الوقائع – حسبما تستخلص من الأوراق والملفات المقدمة في الدعوى – تتحصل
في أن المدعي كان معيناً بخدمة هيئة البريد في وظيفة من الدرجة التاسعة المؤقتة اعتباراً
من أول يناير سنة 1946، ورقي إلى الدرجة الثامنة الكتابية في 13 من أكتوبر سنة 1956،
وكان يشغل وظيفة وكيل بريد بالمنطقة الجنوبية، وفي 26 من نوفمبر سنة 1952 لدى التفتيش
على أعماله – وقد كان منتدباً وكيلاً لمكتب بريد جزيرة شندويل – بمناسبة ما لاحظته
مراقبة حسابات الهيئة من استمرار المكتب المذكور في حجز زيادة رصيد عن المقرر له، اكتشف
عجز بعهدته قدره سبعة وعشرون جنيهاً قام بسداده فور اكتشافه. وقد أجري معه تحقيق في
26 من نوفمبر سنة 1952 بوساطة رئيس قسم بريد سوهاج الذي اكتشف هذا العجز لدى جرده النقدية
الباقية بخزانة المكتب، وهو عبارة عن عشرين جنيهاً من حساب النقود وسبعة جنيهات من
حساب الطوابع. وقد قرر المدعي رداً على السؤال الذي وجه إليه عن أسباب هذا العجز "لأعذار
عائلية قهرية اضطريت أن آخذ هذا المبلغ على أن أقوم بسداده للخزينة". ثم شرح هذه الأعذار
بقوله "كان عندي قضية ضدي عن زواجي ببنت عمي حيث أثبتت أن عمرها راشدة وهي في الواقع
قاصرة لا يجوز زواجها فرفعت ضدي قضية من أولاد عمي وبلغوا النيابة فوكلت محامين عني،
وتسبب عن ذلك إرهاقي في مصاريف القضية، فاضطريت خوفاً من السجن أخذ هذا المبلغ لتسديده
في الديون من أتعاب محاماة وخلافه وسأقوم بسدادها للخزينة" وزاد على ذلك "هذا المبلغ
كان باق عليَّ من أتعاب محاماة، وأيضاً كنت مديون للبعض للصرف على القضية لأنها كانت
معتبرة تزوير في أوراق رسمية وخشيت من السجن، فأمام هذا الظرف أخذت المبلغ" وعندما
سئل عن تاريخ استيلائه عليه أجاب: "من نحو عشرة أيام" ثم حدد التاريخ بقوله "أخذت المبلغ
من الخزينة يوم 15 الشهر الجاري" وأضاف أنه أخذه من الخزانة دفعة واحدة. ثم استأذن
المحقق وغاب بضع دقائق عاد بعدها ومعه المبلغ الذي ورده للخزانة. وقد شكلت بعد ذلك
لجنة إدارية قامت بفحص أعمال مكتب بريد جزيرة شندويل، وأثبتت مقدار العجز في النقود
والطوابع، وقيام المدعي بسداده ونسبت حصوله إلى بعض أعبائه وديونه العائلية، واستيلاءه
عليه منذ عشرة أيام سابقة على اكتشافه، وعدم قيامه بتصدير زوائد الرصيد ستراً لموقفه
وسابقة مجازاته بوساطة مراقبة الحسابات بغرامتين في 16 من أغسطس سنة 1952 و17 من سبتمبر
سنة 1952 لحجزه زيادة رصيد بدون مبرر مع إنذاره بمضاعفة الجزاء في حالة التكرار. وانتهت
اللجنة في تقريرها المؤرخ أول مارس سنة 1953 إلى اقتراح "مجازاته بالجزاء الرادع مع
درج اسمه بالقائمة السوداء وحرمانه من أشغال التواكيل مع مراقبته لمدة سنتين، وتقديم
تقرير عنه كل ثلاثة شهور" وقد أبلغت النيابة العامة بسوهاج بالحادث فأجرت تحقيقاً قيدته
بدفتر الشكاوى الإدارية برقم 1154 لسنة 1954 إداري المنشأة، وخلصت منه إلى أن حقيقة
الأمر في الموضوع، هي أن ما وقع من المذكور كان خطأ في الحساب نظراً لارتباكه وجهله
بالتعليمات المالية. وعلى هذا قررت حفظ الأوراق لسداد المبلغ فور اكتشافه اكتفاءً بالجزاء
الإداري، إلا أن هذا التحقيق قد دشت بسبب مضي ثلاث سنوات عليه، كذلك قامت الهيئة بإبلاغ
الأمر إلى ديوان المحاسبة لانطوائه على مخالفة مالية، وبعرض الأمر على السيد مدير عام
الهيئة قرر في 28 من سبتمبر سنة 1954 مجازاة المدعي إدارياً بخصم ثلاثة أيام من راتبه.
وقد نفذ هذا الخصم من مرتب شهر أكتوبر سنة 1954. وفي 7 من أكتوبر سنة 1959 أعاد ديوان
المحاسبة الأوراق إلى الهيئة حيث لم يكن قد تصرف في الموضوع حتى تاريخ العمل بالقانون
رقم 117 لسنة 1958، وطلب إليها البت في هذه المخالفة المالية التي أصبحت من اختصاصها
في ظل هذا القانون. وبإعادة عرض الموضوع على السيد المدير العام على اعتبار أن قرار
الجزاء السابق صدر منه وقت أن كان غير مختص بتوقيعه، وأن الأمر يقتضي سحبه وإعادة توقيع
جزاء جديد تصحيحاً للوضع، مع إبلاغ ديوان المحاسبة بالنتيجة وفقاً لأحكام القانون آنف
الذكر، قرر سيادته إلغاء القرار المذكور، وأصدر في 26 من ديسمبر سنة 1959 قراراً بمجازاة
المدعي بخصم ثلاثة أيام من ماهيته، وبإخطار السيد وزير المواصلات بما انتهت إليه الهيئة
من تصرف في هذا الموضوع، قرر سيادته في 26 من يناير سنة 1960 استصدار قرار جمهوري بفصله
من الخدمة، وعلى هذا صدر القرار الجمهوري المطعون فيه رقم 509 لسنة 1960 في 18 من مارس
سنة 1960 بفصله من الخدمة. وقد ورد في مذكرة وزارة المواصلات التي صدر على أساسها هذا
القرار، "ولما كان ما ارتكبه المذكور مما يتنافى مع الأمانة الواجب توافرها في الموظفين،
ومن ثم يكون غير جدير بالبقاء في خدمة الحكومة، مما يتعين معه فصله من الخدمة للصالح
العام تطبيقاً للمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 الخاص بموظفي الدولة".
ومن حيث إنه يؤخذ مما تقدم أن الفعل المنسوب إلى المدعي ارتكابه في 26 من نوفمبر سنة
1952 والذي كان السبب في صدور القرار المطعون فيه بفصله من خدمة هيئة البريد، هو من
قبيل المخالفات المالية لانطوائه على إضاعة حق من الحقوق المالية للدولة أو لأحد الأشخاص
المعنوية العامة الأخرى أو الهيئات الخاضعة لرقابة ديوان المحاسبة، وماسة بمصلحة من
مصالحها المالية، وقد سبق لهذه المحكمة أن قضت بأن سلطة [(1)] التأديب
سواء تحت ظل المرسوم بقانون رقم 132 لسنة 1952 (المادتان 8 و9) أو القانون رقم 73 لسنة
1957 (المادتان 9 و8) الذي ألغاه، إنما تنعقد لرئيس ديوان المحاسبة في جميع الأحوال
ولا تكون للرئيس الإداري مهما علا قدره على مرءوسيه، إلا إذا ارتأى رئيس ديوان المحاسبة
أن المخالفة لا تستأهل إحالة المسئول عنها إلى مجلس تأديب وأحال إليه الأوراق فعلاً.
وبعد هذه الإحالة لا قبلها، تنعقد للأخير سلطة التأديب. وقد كان المرسوم بقانون آنف
الذكر يحتم أن يكون تحقيق المخالفات المالية بوساطة أشخاص معينين بالذات، بحيث تكون
التحقيقات التي يجريها سواهم باطلة ولا يعول عليها. ومن ثم فإن القرار الصادر من السيد
مدير هيئة البريد في 28 من سبتمبر سنة 1954 بمجازاة المدعي إدارياً بخصم ثلاثة أيام
من راتبه في هذه المخالفة المالية، قبل أن يبدي رئيس ديوان المحاسبة وهو الذي ناطه
القانون بهذا الاختصاص رأيه في التصرف فيها، يكون صادراً من غير مختص ومشوباً بعيب
إجرائي جوهري من شأنه أن يجعله من قبيل الفعل المادي واغتصاب السلطة الذي يهوى به إلى
درجة العدم، بحيث يضحى خليقاً بالإلغاء ولا عاصم له منه مهما طال عليه الزمن، إذ العدم
لا يولد إلا عدماً مثله، ولا يمنع إلغاء هذا القرار الجهة الإدارية من أن تتخذ الإجراءات
التي فرضها القانون لمجازاة المدعي عما نسب إليه.
ومن حيث إن ديوان المحاسبة وإن كان قد أخطر بهذه المخالفة في 14 من إبريل سنة 1953،
إلا أنه لم يكن قد تصرف فيها حتى تاريخ العمل بالقانون رقم 117 لسنة 1958 الصادر بإعادة
تنظيم النيابة الإدارية والمحاكمات التأديبية في الإقليم المصري، وقد أحال الأوراق
إلى هيئة البريد في 7 من أكتوبر سنة 1959 للبت فيما هو منسوب إلى المدعي في ضوء القانون
الجديد الذي أصبح للجهة الإدارية هذا الاختصاص بمقتضاه. ولا يؤثر في صحة هذه الإحالة
ما نصت عليه المادة 13 من هذا القانون من حق لرئيس ديوان المحاسبة في الاعتراض على
القرار الصادر من الجهة الإدارية في شأن المخالفات المالية بالحفظ أو بتوقيع الجزاء،
وفي طلب تقديم الموظف إلى المحاكمة التأديبية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ إخطاره
بهذا القرار، ما دام ليس ثمة قرار من هذا القبيل صادر من الجهة الإدارية بعد إذ اعتبر
قرارها منعدماً على نحو ما سلف بيانه. هذا إلى أن رئيس الديوان كان يملك هذه الإحالة
بالتطبيق للمادة 89 مكرراً (أولاً) من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة
المضافة بالقانون رقم 73 لسنة 1957 لكي تقوم الجهة الإدارية المختصة بمجازاة المدعي
وفقاً للمادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951.
ومن حيث إن السيد المدير العام لهيئة البريد عندما عرضت عليه الأوراق بعد إعادتها إلى
الهيئة من ديوان المحاسبة، وافق في 26 من ديسمبر سنة 1959 على سحب قرار الجزاء الأول
السابق صدوره منه في 28 من سبتمبر سنة 1954، وإعادة توقيع ذات الجزاء على المدعي بخصم
ثلاثة أيام من راتبه إعمالاً لأحكام القانون رقم 117 لسنة 1958، وبذلك يكون قد باشر
اختصاصاً تأديبياً مبتدئاً أسنده إليه القانون في خصوص المخالفات المالية. وما كان
بحاجة إلى سحب قراره السابق الذي اعتبر منعدماً، كما أن سحبه مجازاً ليس من شأنه تصحيح
القرار المنعدم أو افتراض صحته أو إكسابه حصانة تقيد الرجوع فيه بميعاد معين.
ومن حيث إن قرار الجزاء الموقع من السيد المدير العام لهيئة البريد في 26 من ديسمبر
سنة 1959 قد عرض على السيد وزير المواصلات في 16 من يناير سنة 1960 فاستعمل سلطته المخولة
له بمقتضى المادة 85 من القانون رقم 210 لسنة 1951 المعدلة بالقانون رقم 73 لسنة 1957
بوصفه الرئيس الأعلى لوزارته في عدم الموافقة عليه وإلغائه، وذلك خلال ميعاد الشهر
المنصوص عليه في هذه المادة من تاريخ إصداره، مقرراً العدول عن الطريق التأديبي إلى
استصدار قرار جمهوري بفصل المدعي من الخدمة بغير الطريق التأديبي، وهو حق ثابت له بالتطبيق
لحكم الفقرة السادسة من المادة 107 من قانون نظام موظفي الدولة، لا يخل به ما نصت عليه
المادة 16 من القانون رقم 117 لسنة 1958 من رخصة لمدير عام النيابة في اقتراح فصل الموظف
بغير الطريق التأديبي بشروط معينة في مجال لا يتعارض مع حق الجهة الإدارية في هذا الضرب
من الفعل الذي مرده إلى أصل طبعي، هو وجوب هيمنة الإدارة على تسيير المرافق العامة
على وجه يحقق الصالح العام، وحريتها في اختيار من ترى صلاحيته لهذا الغرض من الموظفين
الذين هم عمال هذه المرافق، وإبقاء من تراه صالحاً منهم، وإقصاء من تراه أصبح غير صالح
لذلك، وهذا من الملاءمات المتروكة لتقديرها بلا معقب عليها ما دام قرارها قد خلا من
إساءة استعمال السلطة، فلم تستهدف به سوى المصلحة العامة في غير تحيف أو هوى. وعلى
هذا صدر القرار الجمهوري المطعون فيه رقم 509 لسنة 1960 في 18 من مارس سنة 1960 بفصل
المدعي من الخدمة استناداً إلى ما جاء بمذكرة وزارة المواصلات المرافقة له من أن ما
ارتكبه هو مما يتنافى مع الأمانة الواجب توافرها في الموظفين، الأمر الذي يجعله غير
جدير بالبقاء في خدمة الحكومة، مما يتعين معه فصله من الخدمة للصالح العام تطبيقاً
للمادة 107 من القانون رقم 210 لسنة 1951 بشأن نظام موظفي الدولة، ولا عبرة بما انتهى
إليه تحقيق النيابة العامة – الذي دشت – في شأن التهمة المنسوبة إلى المذكور من حفظ
الأوراق إدارياً، بمقولة أن ما وقع منه كان في حقيقة الأمر خطأ في الحساب نظراً لارتباكه
وجهله بالتعليمات المالية، لا عبرة بذلك إزاء ما هو ثابت في التحقيق الإداري المودع
بالأوراق من اعترافه الصريح الذي لم ينكره ولم يطعن عليه، على النحو الذي سبق تفصيله،
باستيلائه على المبلغ الناقص من عهدته، وإيضاحه الأسباب التي دعته إلى اختلاسه، الأمر
الذي يبرر النتيجة التي انتهت إليها الإدارة في حقه، والتي استخلصتها استخلاصاً سائغاً
سليماً من أصول ثابتة في الأوراق تؤدي إليها مادياً وقانوناً. ومن ثم فإن القرار المطعون
فيه يكون مطابقاً للقانون. وإذ قضى حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه برفض الدعوى بطلب
إلغاء هذا القرار، فإنه يكون قد صادف الصواب، ويكون الطعن عليه بطلب إلغائه على غير
أساس سليم من القانون متعيناً رفضه مع إلزام المدعي المصروفات.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً وألزمت الطاعن المصروفات.
[(1)] راجع الحكم الصادر من هذه المحكمة في القضية رقم 597 لسنة 50 ق بجلسة 10 – 12 – 1960 المنشور بمجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا في السنة 6 العدد 1 ص 258.
