الطعن رقم 1692 لسنة 6 ق – جلسة 17 /03 /1962
مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ
القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ
445
جلسة 17 من مارس سنة 1962
برياسة السيد/ الإمام الإمام الخريبي وكيل المجلس وعضوية السادة مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي المستشارين.
القضية رقم 1692 لسنة 6 القضائية
( أ ) دعوى الإلغاء – قبولها – التظلم الوجوبي قبل رفعها – قصره
على القرارات القابلة للسحب – عدم جدواه إذا امتنع على الإدارة إعادة النظر في القرار
لاستنفاد ولايتها أو لعدم وجود سلطة رئيسية تملك التعقيب على مصدره.
(ب) لجنة العمد والمشايخ – اختصاصها في شأن تأديبهم وفقاً لأحكام القانون رقم 106 لسنة
1957 – سلطتها بإصدار قرار الفصل وامتناع إلغائه أو تعديله عليها – امتناع ذلك أيضاً
على وزير الداخلية بعد اعتماده هذا القرار صراحة أو ضمناً – عدم جدوى التظلم منه بعد
ذلك إلى اللجنة أو إلى الوزير في قطع ميعاد الإلغاء – أساس ذلك.
1 – إن التظلم الوجوبي السابق سواء إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار إن كانت
هي التي تملك سحبه أو الرجوع فيه، أو إلى الهيئات الرئيسية إن كان المرجع إليها في
هذا السحب وهو الذي جعله المشرع شرطاً لقبول طلب إلغاء القرارات الخاصة بالموظفين العموميين
التي عينها، وقرنه بوجوب انتظار المواعيد المقررة للبت فيه، لا يصدق إلا بالنسبة إلى
ما كان قابلاً للسحب من هذه القرارات للحكمة التي قام عليها استلزام هذا التظلم، وهي
الرغبة في تقليل المنازعات بإنهائها في مراحلها الأولى بطريق أيسر للناس، وذلك بالعدول
عن القرار المتظلم منه إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه، فإذا امتنع على
الإدارة إعادة النظر في القرار لاستنفاد ولايتها بإصداره أو لعدم وجود سلطة رئيسية
تملك التعقيب على الجهة الإدارية التي أصدرته، فإن التظلم في هذه الحالة يصبح غير مجدٍ
ولا منتج. وبذلك تنتفي حكمته وتزول الغاية من التربص طوال المدة المقررة حتى تفيء الإدارة
إلى الحق أو ترفض التظلم أو تسكت عن البت فيه.
2 – يبين من نص المادتين 29، 32 من القانون رقم 106 لسنة 1957 في شأن العمد والمشايخ
أن لجنة العمد والمشايخ هي جهة أولاها هذا القانون اختصاصات عديدة، من بينها اختصاص
تأديبي عندما تنعقد بهيئة تأديبية وتقوم بتوقيع إحدى العقوبات التي خولها إياها القانون
ومنها عقوبة الفصل من العمدية أو الشياخة. وهذه اللجنة طبقاً للمادة 16 من القانون
المشار إليه تشكل من أعضاء معينين بحكم وظائفهم وآخرين منتخبين وتصدر قراراتها بأغلبية
الأصوات، وهي تسمع أقوال العمدة أو الشيخ المتهم أمامها وتحقق دفاعه وتصدر قرارها بالبراءة
أو بالإدانة بناءً على ذلك. وهي لذلك متى أصدرت قرارها استنفدت به سلطتها. وامتنع عليها
إعادة النظر فيه لإلغائه أو تعديله بالتشديد أو التخفيف، وإنما هي تبلغ قرارها إلى
وزارة الداخلية للنظر في اعتماده. ولوزير الداخلية حق إلغاء العقوبة أو خفضها إذا كانت
صادرة بالفصل أو بغرامة تجاوز عشرة جنيهات وله في جميع الأحوال حق استئناف أي قرار
تأديبي بشرط أن يتم ذلك في ظرف ستين يوماً من تاريخ صدور ذلك القرار وإلا اعتبر نهائياً.
ومؤدى هذه النهاية أن الوزير متى اعتمد قرار اللجنة اعتماداً ضمنياً، أي بمضي ستين
يوماً من تاريخ صدوره دون أن يستأنفه – ومن باب أولى متى اعتمده اعتماداً صريحاً استنفد
بذلك سلطته وامتنع عليه إعادة النظر في القرار لإلغائه أو تعديله أو استئنافه.
ومتى كان الأمر كما تقدم وكان من الممتنع على لجنة العمد والمشايخ إلغاء أو تعديل القرار
الذي تصدره بالفصل باعتبارها تباشر اختصاصاً تأديبياً لمجلس تأديب، وكان من الممتنع
كذلك على وزير الداخلية بنص القانون إلغاء القرار أو تعديله بعد اعتماده إياه اعتماداً
صريحاً أو ضمنياً، فإن التظلم إلى اللجنة المذكورة في أي وقت أو إلى وزير الداخلية
بعد اعتماد القرار منه اعتماداً صريحاً أو ضمنياً يكون غير مجدٍ. ومن ثم فلا وجه للالتزام
بالالتجاء إلى هذا التظلم قبل رفع دعوى الإلغاء كشرط لقبولها.
إجراءات الطعن
في 11 من يونيه سنة 1960 أودع الأستاذ أحمد مختار قطب المحامي بصفته وكيلاً عن الشيخ شحات أبو العلا أحمد سكرتيرية المحكمة عريضة طعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم 1692 لسنة 6 القضائية في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بجلسة 12 من إبريل سنة 1960 في الدعوى رقم 208 لسنة 6 القضائية المقامة من الشيخ شحات أبو العلا أحمد ضد وزارة الداخلية القاضي "بعدم قبول الدعوى شكلاً وألزمت المدعي بالمصروفات" وطلب الطاعن للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً وفي الموضوع بقبوله وإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بقبول الدعوى شكلاً وفي موضوعها بإلغاء القرار الصادر من السيد وزير الداخلية بالتصديق على قرار مجلس تأديب العمد والمشايخ في الدعوى التأديبية رقم 110 لسنة 1958 أخميم، وإلغاء كل ما يترتب عليه من آثار مع إعادة الطاعن إلى عمله، وإلزام المطعون ضده بالمصاريف والأتعاب عن الدرجتين". وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة الداخلية في 21 من يونيه سنة 1960. وبعد أن انقضت المواعيد القانونية المقررة دون أن تقدم الوزارة مذكرة بملاحظاتها عين لنظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة جلسة 14 من يناير سنة 1962 التي أبلغ بها الطرفان في 28 من ديسمبر سنة 1961. وفيها قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة العليا لنظره بجلسة 17 من فبراير سنة 1962. وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم، وقد أودعت هيئة مفوضي الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه إلى أنها ترى "الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه، والحكم بقبول الدعوى شكلاً وإلغاء القرار المطعون فيه وإلزام المدعى عليها المصروفات عن الدرجتين" كما قدمت وزارة الداخلية مذكرة بدفاعها خلصت فيها إلى طلب "الحكم برفض الطعن وإلزام الطاعن المصروفات ومقابل أتعاب المحاماة".
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن، تتحصل في أن المدعي أقام
الدعوى رقم 208 لسنة 6 القضائية ضد وزارة الداخلية أمام المحكمة الإدارية لرئاسة الجمهورية
ووزارات الداخلية والخارجية والعدل بعريضة أودعها سكرتيرية المحكمة في 24 من يونيه
سنة 1959 ذكر فيها أنه في يوم 21 من أغسطس سنة 1958 انتقلت قوة من الشرطة إلى بلدة
نيدة مركز أخميم لتفتيش منازل الأشخاص المشتبه في اتجارهم في المخدرات، وقد وقع بين
هذه القوة وبين الأهالي صدام انتهى بإصابة اثنين من العساكر، وعلى الرغم من أن انتقال
القوة إلى البلدة كان مفاجئاً لم يسبقه إخطار العمدة أو المدعي – بوصفه شيخاً للبلد،
ومن أن الصدام حدث بعيداً عن منزل هذين الأخيرين، ودون أن يحاول رئيس القوة الاتصال
بهما، على الرغم من هذا فقد فوجئ المدعي بتقديمه للمحاكمة التأديبية في القضية رقم
110 أخميم أمام لجنة العمد والمشايخ بتهمة أنه: 1 – لم يرشد عن تجار المخدرات بالبلدة
2 – لم يبلغ عن السلاح المستعمل في الحادث 3 – لم يتعاون مع رجال الشرطة عند ذهابهم
للناحية 4 – لم يقم بمنع تجمهر الأهالي وتعديهم على القوة وترك شيخ الخفراء ووكيله
يطلقان النار على القوة. وقد قضي في هذه التهمة بفصله وأعلن في 6 من يونيه سنة 1959
بتصديق وزارة الداخلية على هذا القرار الذي جاء مخالفاً للقانون ومشوباً بعيب إساءة
استعمال السلطة، ذلك أن النيابة أجرت تحقيقاً في واقعة الاعتداء على رجال الشرطة في
الجناية رقم 1556 سنة 1958 ورقم 1451 سنة 1958 كلي، ولم ينسب أحد إلى المدعي أي تقصير،
بل لم يقل أحد أنه أحيط علماً بالانتقال حتى يمكن أن يقال أنه قصر في تقديم المعونة
اللازمة، والواقع أن قوة الشرطة انتقلت فجأة ولم تشأ أن تخطر أحداً بمقدمها بل إنها
توخت كتمان الخبر عن المدعي بالذات وإبعاده عن مسرح الواقعة، لاشتباهها في أن يكون
أخوه من بين تجار المخدرات المراد ضبطهم، ولو أن هذا الأخ لم يقدم للمحاكمة ضمن من
قدمتهم النيابة في قضية الجناية رقم 1451 سنة 1958 كلي سوهاج. وخلص المدعي من هذا إلى
طلب "الحكم بإلغاء القرار الصادر في القضية التأديبية رقم 110 أخميم سنة 1958 بفصله
من العمل، المصدق عليه من سيادة وزير الداخلية في 14 من مايو سنة 1959، والمعلن إلى
الطالب في 6 من يونيه سنة 1959 وإلغاء كل ما ترتب عليه من آثار وإعادة الطالب إلى عمله
وإلزام المعلن إليه بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة". وقد ردت وزارة الداخلية على
هذه الدعوى بمذكرة دفعت فيها بعدم قبول الدعوى استناداً إلى أن المدعي لم يتظلم من
قرار التصديق على فصله الصادر في 11 من مايو سنة 1959 على الرغم من إعلانه بهذا القرار
كتابة في 6 من يونيه سنة 1959. وذكرت في الموضوع أنه في 21 من أغسطس سنة 1958 قامت
حملة تفتيشية من رجال الشرطة برئاسة السيد رئيس مكتب مكافحة المخدرات بسوهاج لناحية
نيدة مركز أخميم لتفتيش منازل بعض الأشخاص الذين اشتهر عنهم الاتجار في المخدرات، فتجمهر
بعض الأهالي واعتدوا على القوة مما أدى إلى إصابة اثنين من العساكر بأعيرة نارية توفى
أحدهما في اليوم التالي، وقد تبين أن عمدة البلدة وكذا شيخها، وهو المدعي لم يرشدا
عن تجار المخدرات بها ولم يبلغا عن الأشخاص الذين يحرزون أسلحة غير مرخص بها مما استعمل
في الحادث، ولم يقدما المساعدة اللازمة لرجال القوة عند تواجدهم بالبلدة، ولم يعملا
على منع تجمهر الأهالي واعتدائهم على القوة بل تركا شيخ الخفراء ووكيله يطلقان النار
على القوة حتى أصيب اثنان من العساكر – توفى أحدهما في اليوم التالي، كما تبين أن المدعي
تعمد ذلك لصلة القربى بينه وبين المتهمين، ولأن أخاه كان مقبوضاً عليه، وقد تقرر وقف
العمدة والشيخ اعتباراً من 23 من أغسطس سنة 1958. وقد دافع المدعي عن نفسه بأن الجميع
يعرفون القائمين بتجارة المخدرات، وأنه سبق أن اتصل بمباحث المركز أكثر من مرة وأبدى
استعداده للإرشاد عنهم ولم يكن يعلم بأن المتهمين يحرزون أسلحة غير مرخصة، ولم يعلم
بالقبض على أخيه إلا بعد انسحاب القوة، وأن منزله يبعد عن الطريق الزراعي بحوالي نصف
كيلو متر، وقد قيد الحادث برقم 1556 جنايات سنة 1958 أخميم.
وفي 25 من نوفمبر سنة 1958 عرض الموضوع على لجنة العمد والمشايخ فقررت التأجيل لجلسة
أخرى لحين تصرف النيابة في الجناية المذكورة مع استمرار وقف العمدة والشيخ. وقد اتضح
أن القضية أرسلت لنيابة أمن الدولة للاختصاص في 27 من أكتوبر سنة 1959 وأن عمدة نيدة
وشيخها المحرر ضدهما المحضر التأديبي ليسا من بين المقيدة ضدهم القضية. وفي 3 من مارس
سنة 1959 عرض الموضوع على لجنة العمد والمشايخ فقررت فصل كل من العمدة والشيخ من وظيفتهما
لما نسب إليهما. وقد صدقت الوزارة على هذا الحكم في 11 من مايو سنة 1959، وأعلن المدعي
كتابة بقرار فصله في 6 من يونيه سنة 1959 ولم يستدل على ورود تظلم منه بخصوص قرار فصله.
وقد أودع السيد مفوض الدولة تقريراً بالرأي القانوني مسبباً انتهى فيه لما أبداه من
أسباب إلى أنه يرى "الحكم بعدم قبول الدعوى شكلاً وإلزام المدعي بالمصروفات" وقد عقب
المدعي على تقرير السيد مفوض الدولة بمذكرة قال فيها أن رأي السيد المفوض بنى ما ذهب
إليه من عدم قبول الدعوى على أن المدعي لم يتظلم من القرار الصادر من السيد وزير الداخلية
بالتصديق على قرار لجنة الشياخات القاضي بفصله بعد إذ وسع القانون رقم 106 لسنة 1957
في اختصاص الوزير بالنسبة إلى قرارات لجان الشياخات بتخويله سلطة إلغاء العقوبة أو
خفضها إذا كانت صادرة بالفصل أو بغرامة تجاوز عشرة جنيهات. في حين أن كل سلطاته طبقاً
للقانون السابق رقم 141 لسنة 1947 كانت تنحصر في تخفيض العقوبة إلا ما كان منها صادراً
بغرامة لا تجاوز خمسة جنيهات، بمعنى أن التظلم أصبح في ظل القانون الجديد أمراً مجدياً
بحكم ما للوزير من حق الإلغاء وما له من حق سحب قراره هو. وردَّ المدعي على هذا بأن
العلة الحقيقية في استثناء قرارات لجان الشياخات من التظلم هي أن هذه اللجان تعتبر
مجالس تأديبية ترفع طعون الإلغاء في قراراتها مباشرة، إذ جعلت المادة 12 من قانون مجلس
الدولة مناط التظلم أو عدمه بالجهة التي يصدر فيها قرار الجزاء، فإن كانت مجلساً تأديبياً
أصبح التظلم غير لازم وإن كانت سلطة رئاسية للموظف أصبح التظلم لازماً. على أن ثمت
تظلماً قد وقع فعلاً ووصل إلى السيد وزير الداخلية قبل التصديق على قرار لجنة الشياخات،
وظل تحت بصره حتى وقت التصديق – الأمر الذي لا يجعل لمتابعة التظلم جدوى. وبجلسة 12
من إبريل سنة 1960 قضت المحكمة الإدارية "بعدم قبول الدعوى شكلاً وألزمت المدعي بالمصروفات"
وأقامت قضائها على أن التظلم الوجوبي الذي استحدثته المادة 12 من القانون رقم 165 لسنة
1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة إنما يكون بالنسبة إلى القرارات القابلة للسحب للحكمة
التشريعية التي قام عليها استلزام هذا التظلم، فلا ضرورة للتظلم من القرارات الصادرة
من مجالس التأديب قبل طلب إلغائها، لأن تلك المجالس تكون قد استنفدت ولايتها بالنسبة
إليها بإصدارها إياها بما لا تملك من العودة إلى نظرها من جديد. ولما كانت قرارات التأديب
الصادرة من لجان العمد والمشايخ لا تصبح نهائية ونافذة في حق العمدة أو الشيخ طبقاً
لنص المادة 32 من القانون رقم 106 لسنة 1957 في شأن العمد والمشايخ إلا بقرار وزير
الداخلية الصادر بالتصديق عليها وكان للوزير حق اعتمادها أو خفضها، أو إلغائها، فإن
قرار الوزير يكون هو القرار الإداري النهائي، ويكون لمصدره العدول عنه أو سحبه بعد
التظلم إليه منه في الميعاد المقرر قانوناً، ومن ثم يكون التظلم من هذا القرار مجدياً
ومنتجاً في إنهاء المنازعة إدارياً إذا ما اقتنع الوزير بأوجه التظلم، ولما كان الثابت
أن المدعي لم يستنفد طريق التظلم الإداري قبل رفع دعواه الحالية، فإن طلبه يكون غير
مقبول. ولا يجديه في هذا قوله بأن ثمت تظلماً رفع فعلاً ووصل إلى السيد الوزير وظل
ماثلاً تحت بصره حتى وقت التصديق، إذ أن مثل هذا التظلم لو صح حصوله يكون عن قرار لجنة
العمد والمشايخ وهو سابق على قرار السيد وزير الداخلية الصادر بالتصديق على قرار الفصل
والذي أحدث الأثر القانوني في مركز المدعي بوصف أنه القرار الإداري النهائي النافذ
في حقه والذي كان يجب أن يرد عليه التظلم الإداري. ولا وجه لاعتبار القرار المختصم
صادراً من مجلس تأديبي، لأنه ولئن كان للجنة العمد والمشايخ صفة التأديب في مثل هذه
الحالة، إلا أن قراراتها طبقاً لقانون العمد والمشايخ رقم 106 لسنة 1957 لا تكون نهائية
ونافذة إلا بعد اعتمادها من وزير الداخلية الذي له أن يعدلها بالتخفيض أو يلغيها كلية،
وبذلك تختلف عن قرارات مجالس التأديب التي تعتبر بذاتها نهائية ونافذة في حق من صدرت
ضدهم دون حاجة إلى اعتماد من سلطة أخرى، والتي تستنفذ المجالس ولايتها بإصدارها بحيث
لا يجوز لها إعادة النظر فيها، ومن ثم يكون الدفع بعدم قبول الدعوى في محله. وقد طعن
المدعي في هذا الحكم بعريضة أودعها سكرتيرية هذه المحكمة في 11 من يونيه سنة 1960 طلب
فيها "الحكم بقبول هذا الطعن شكلاً، وفي الموضوع بقبوله وإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء
بقبول الدعوى شكلاً وفي موضوعها بإلغاء القرار الصادر من السيد وزير الداخلية بالتصديق
على قرار مجلس تأديب العمد والمشايخ في الدعوى التأديبية رقم 110 سنة 1958 أخميم وإلغاء
كل ما يترتب عليه من آثار مع إعادة الطاعن إلى عمله وإلزام المطعون ضده بالمصاريف والأتعاب
عن الدرجتين" واستند في أسباب طعنه إلى أن الحكم المطعون فيه قد أخطأ في تأويل القانون
وتطبيقه إذ اعتبر أن التظلم من قرار وزير الداخلية الصادر بالتصديق على قرار لجنة العمد
والمشايخ قد أصبح أمراً مجدياً في ظل القانون الجديد بحكم ما زاده هذا القانون في اختصاص
الوزير بتخويله حق إلغاء قرار اللجنة، وما هو ثابت للوزير من حقه في سحب قراره هو،
مع أن هذه العلة غير متوفرة بالنسبة إلى كل القرارات التي تصدرها طبقاً للقانون رقم
106 لسنة 1957، إذ أن المادة 32 من هذا القانون لا تخول الوزير حق التعديل أو التبديل
في الغرامة التي لا تجاوز عشرة جنيهات، ولا يقبل القول بأن هذه الحالة لا يجوز فيها
التظلم في حين أن بقية القرارات يلزم التظلم منها بحيث يكون على صاحب الشأن أن يغير
ويبدل موقفه على حسب سلطان الوزير إزاء قرار لجنة العمد والمشايخ وقد يخطئ السبيل فتعتبر
دعواه غير مقبولة لرفعها دون تظلم أو لرفعها بعد الميعاد. والواقع أن اللجنة المذكورة
وهي تقضي في شئون العمد والمشايخ إنما تعتبر مجلساً تأديبياً لا مجرد سلطة تأديبية
إذ أنها تتبع ذات الإجراءات التي نص عليها قانون نظام موظفي الدولة رقم 210 لسنة 1951
بالنسبة لكل محاكمة تأديبية. ومعيار التفرقة بين ما يجب التظلم منه من إجراءات قبل
رفع الدعوى وما لا يجب هو في كون الجزاء صادراً بعد محاكمة تأديبية أو بغيرها ذلك أن
المادة 12 من قانون مجلس الدولة جعلت المناط متعلقاً بالجهة التي يصدر منها الجزاء
لا بسلطان هذه الجهة. ومن ثم يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ في القانون إذ اعتبر الدعوى
غير مقبولة شكلاً. هذا إلى أن ثمت تظلماً قدم بالفعل وظل تحت بصر السيد وزير الداخلية
حتى تاريخ التصديق على قرار اللجنة، وليس من المتصور أن يتابع المدعي تظلمه في حين
أنه موجود فعلاً أمام السيد الوزير. وقد عقبت هيئة مفوضي الدولة على هذا الطعن بتقرير
بالرأي القانوني مسبباً انتهت فيه إلى أنها ترى "الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع
بإلغاء الحكم المطعون فيه، وإلزام المدعى عليها المصروفات عن الدرجتين". وأسست رأيها
فيما يتعلق بقبول الدعوى على أن لجنة الشياخات هي من قبيل مجالس التأديب التي تصدر
قرارات لا يجوز لها الرجوع فيها أو سحبها، ولا يجدي الفرد التظلم منها لما لها من حجية
خاصة تمنع العودة للتعرض لها، ولا يغير من هذا خضوعها لمراجعة وزير الداخلية وتصديقه
عليها، إذ أن الوزير لا يباشر في هذا الصدد اختصاصاً رئاسياً أو وصائياً وإنما يباشر
اختصاصاً ولائياً يشترك به في إصدار القرار على اعتبار أن هذا ضمان قصد القانون إضافته
إلى أعمال اللجنة ليدخل في شكل القرار الذي تصدره بحيث يكون بعد ذلك غير قابل للتظلم
منه أو لسحبه أو إلغائه، ومن ثم فإن المدعي يكون على حق في أنه لم يجد جدوى من التظلم
من قرار الوزير ولا سيما أنه كان قد تظلم إليه قبل ذلك من قرار اللجنة ويكون الحكم
المطعون فيه قد جانب الصواب إذ استلزم التظلم من القرار بعد تصديق الوزير عليه. وقالت
الهيئة في الموضوع أن القرار المطعون فيه قد استند إلى مذكرة رفعها مأمور أخميم إلى
المدير فور وقوع حادث الاعتداء على قوة الشرطة التي انتقلت يوم 22 من أغسطس سنة 1958
إلى بلدة نيده لتفتيش منازل الأشخاص المشتبه في اتجارهم في المخدرات، وكذا إلى التحقيقات
التي أجريت بهذه المناسبة ولم يقم على تحريات سابقة. وقد جاء رأي المأمور خطيراً إذ
بني على ظاهر ما نمى إليه وقت الحادث وما استخلصه من شدة الهياج الذي صاحب دخول القوة
في البلدة من أن زمامها أفلت من يد عمدتها وشيخها اللذين هما غير أهل لوظيفتهما، ومن
ثم فإن تقريره لا يعتبر من التحريات ذات الحجية الكاملة في الإثبات التي يضعها رجال
الشرطة بوسائلهم الخاصة في البحث الجنائي، إذ أنه لا يستمد أصوله من معلومات سابقة
مؤكدة لدى رجال الشرطة أو من أوراق تبلغ حد الدليل الحاسم. كما أن التحقيق الذي أجري
بعد ذلك كان تحقيقاً ناقصاً، وقد نفى المدعي ما نسب إليه من اتهامات، وبذلك يكون القرار
المطعون فيه غير مستخلص من الأوراق استخلاصاً سائغاً مما يتعين معه إلغاؤه.
عن قبول الدعوى:
ومن حيث إن مبنى عدم قبول الدعوى الذي انتهى الحكم المطعون فيه إلى القضاء به هو على
ما سلف إيضاحه عدم تظلم المدعي من قرار وزير الداخلية الصادر في 11 من مايو سنة 1959
باعتماد قرار لجنة العمد والمشايخ بمديرية سوهاج الصادر بجلسة 3 من مارس سنة 1959 في
القضية التأديبية رقم 110 أخميم سنة 1958 ضد المدعي الذي كان شيخاً لناحية نيده مركز
أخميم، حضورياً بإجماع الآراء بفصل المذكور من وظيفته لما أسند إليه من اتهامات والمعلن
إليه في 6 من يونيه سنة 1959، قبل رفع الدعوى بطلب إلغاء هذا القرار بوصف أنه هو القرار
الإداري النهائي النافذ في حقه، دون قرار اللجنة الذي هو معلق على تصديق الوزير والذي
يملك الوزير قانوناً العدول عنه وسحبه إذا ما اقتنع بأوجه التظلم الإداري الذي يقدم
إليه من صاحب الشأن في الميعاد، وهو التظلم الوجوبي الذي كان يتعين على المدعي استنفاد
طريقه قبل رفع دعواه الحالية، والذي كان مجدياً ومنتجاً في احتمال إنهاء المنازعة إدارياً
لو أنه قدم بالفعل، ولكنه لم يقدمه، وإن كان قد قدم قبل ذلك تظلماً سابقاً من قرار
لجنة العمد والمشايخ ظل تحت بصر السيد الوزير حتى تاريخ التصديق على قرار اللجنة.
ومن حيث إنه ثابت من الأوراق أنه على أثر صدور قرار لجنة العمد والمشايخ بفصل كل من
المدعي وعمدة الناحية من وظيفتيهما تلقت وزارة الداخلية زهاء مائة شكوى ومظلمة وبرقية
من الأهالي تعقيباً على هذا القرار، كما تلقى كل من مكتب السيد الوزير ومكتب السيد
وكيل الوزارة في 19 من مارس سنة 1959 عريضة تظلم مفصل من القرار المذكور مؤرخة 16 من
مارس سنة 1959 ومحررة من المدعي طعناً على هذا القرار يطلب عدم اعتماده وإلغائه هو
وقرار الوقف الممهد له. وقد أحيلت هاتان الشكويان مع أوراق المحاكمة إلى مصلحة الإدارة
العامة وقسم الشياخات ثم إلى مصلحة التفتيش لفحصها. وفي 23 من إبريل سنة 1959 ورد كتاب
التفتيش ومعه تقرير السيد مفتش الداخلية الذي أحيل إليه الموضوع بنتيجة بحثه إياه،
وهو التقرير الذي انتهى فيه إلى رفض التظلم والموافقة على قرار لجنة العمد والمشايخ
والذي وافق عليه السيد مدير عام مصلحة التفتيش، وأيده قلم الشياخات في 25 من إبريل
سنة 1959، وقد عرضت الأوراق بعد ذلك مشفوعة بالتظلمات المشار إليها وبمذكرة مسهبة عن
ظروف الموضوع وتفصيلاته ونتيجة فحص وآراء المختصين فيه على السيد وزير الداخلية الذي
وافق في 11 من مايو سنة 1959 على اعتماد قرار اللجنة المذكورة الصادر بفصل المدعي.
ومن حيث إن التظلم الوجوبي السابق سواء إلى الهيئة الإدارية التي أصدرت القرار إن كانت
هي التي تملك سحبه أو الرجوع فيه، أو إلى الهيئات الرئيسية إن كان المرجع إليها في
هذا السحب وهو الذي جعله المشرع شرطاً لقبول طلب إلغاء القرارات الخاصة بالموظفين العموميين
التي عينها وقرنه بوجوب انتظار المواعيد المقررة للبت فيه، لا يصدق إلا بالنسبة إلى
ما كان قابلاً للسحب من هذه القرارات للحكمة التي قام عليها استلزام هذا التظلم، وهي
الرغبة في تقليل المنازعات بإنهائها في مراحلها الأولى بطريق أيسر للناس، وذلك بالعدول
عن القرار المتظلم منه إن رأت الإدارة أن المتظلم على حق في تظلمه، فإذا امتنع على
الإدارة إعادة النظر في القرار لاستنفاد ولايتها بإصداره أو لعدم وجود سلطة رئيسية
تملك التعقيب على الجهة الإدارية التي أصدرته، فإن التظلم في هذه الحالة يصبح غير مجدٍ
ولا منتج. وبذلك تنتفي حكمته وتزول الغاية من التربص طوال المدة المقررة حتى تفيء الإدارة
إلى الحق أو ترفض التظلم أو تسكت عن البت فيه.
ومن حيث إن المادة 29 من القانون رقم 106 لسنة 1957 في شأن العمد والمشايخ نصت على
أنه "إذا فقد العمدة أو الشيخ شرطاً من الشروط المنصوص عليها في القانون، أو تبين أنه
كان فاقداً لإحداها، أو أصبح ظاهر العجز عن أداء واجباته، أو قرر قومسيون طبي المديرية
عدم لياقته، أصدر المدير قراراً بإحالته إلى لجنة العمد والمشايخ للنظر في فصله. وإذا
قصر العمدة أو الشيخ أو أهمل في القيام بواجباته أو أتى أمراً يخل بكرامته، جاز للمدير
بعد سماع أقواله أن يوقع عليه جزاء بالإنذار أو بغرامة لا تتجاوز جنيهين. وللمدير أن
يحيل العمدة أو الشيخ إلى لجنة العمد والمشايخ إذا رأى أن ما وقع من أيهما يستوجب جزاءاً
أشد. وللجنة أن توقع جزاء بالإنذار أو بغرامة لا تجاوز خمسين جنيهاً أو بالفصل من العمدية
أو الشياخة. ويجوز الجمع بين الفصل والغرامة ولكن لا يجوز بأية حال أن يزيد مجموع الغرامات
عن الحد الأقصى مهما تعددت التهم المنسوبة إليه. وتحصل الغرامة بالطرق الإدارية". كما
نصت المادة 32 من القانون المذكور على أن "جميع القرارات التي تصدرها لجنة العمد والمشايخ
يجب إبلاغها إلى وزير الداخلية خلال خمسة عشر يوماً من تاريخ صدورها للنظر في اعتمادها.
وللوزير بالنسبة للقرارات التأديبية حق إلغاء التسوية أو خفضها إذا كانت صادرة بالفعل
أو بغرامة تجاوز عشرة جنيهات. وله في جميع الأحوال حق استئناف أي قرار تأديبي أمام
اللجنة المنصوص عليها في المادة 31 بشرط أن يتم ذلك في ظرف ستين يوماً من تاريخ صدور
ذلك القرار وإلا اعتبر نهائياً".
ومن حيث إنه يبين من هذين النصين أن لجنة العمد والمشايخ هي جهة أولاها القانون رقم
106 لسنة 1957 فيما يتعلق بالعمد والمشايخ اختصاصات عديدة من بينها اختصاص تأديبي عندما
تنعقد بهيئة تأديبية وتقوم بتوقيع إحدى العقوبات التي خولها إياها القانون ومنها عقوبة
الفصل من العمدية أو الشياخة. وهذه اللجنة طبقاً للمادة 16 من القانون المشار إليه
تشكل من أعضاء معينين بحكم وظائفهم وآخرين منتخبين وتصدر قراراتها بأغلبية الأصوات،
وهي تسمع أقوال العمدة أو الشيخ المتهم أمامها وتحقق دفاعه وتصدر قرارها بالبراءة أو
بالإدانة بناءً على ذلك. وهي لذلك متى أصدرت قرارها استنفدت به سلطتها وامتنع عليها
إعادة النظر فيه لإلغائه أو تعديله بالتشديد أو التخفيف. وإنما هي تبلغ قرارها إلى
وزارة الداخلية للنظر في اعتماده. ولوزير الداخلية حق إلغاء العقوبة أو خفضها إذا كانت
صادرة بالفصل أو بغرامة تجاوز عشرة جنيهات. وله في جميع الأحوال حق استئناف أي قرار
تأديبي بشرط أن يتم ذلك في ظرف ستين يوماً من تاريخ صدور ذلك القرار وإلا اعتبر نهائياً.
ومؤدى هذه النهائية أن الوزير متى اعتمد قرار اللجنة اعتماداً ضمنياً أي بمضي ستين
يوماً من تاريخ صدوره دون أن يستأنفه، ومن باب أولى متى اعتمده اعتماداً صريحاً – استنفذ
بذلك سلطته وامتنع عليه إعادة النظر في القرار لإلغائه أو تعديله أو استئنافه.
ومن حيث إنه متى كان الأمر كما تقدم وكان من الممتنع على لجنة العمد والمشايخ إلغاء
أو تعديل القرار الذي تصدره بالفصل باعتبارها تباشر اختصاصاً تأديبياً لمجلس تأديب،
وكان من الممتنع كذلك على وزير الداخلية بنص القانون إلغاء القرار أو تعديله بعد اعتماده
إياه اعتماداً صريحاً أو ضمنياً، فإن التظلم إلى اللجنة المذكورة في أي وقت أو إلى
وزير الداخلية بعد اعتماد القرار منه اعتماداً صريحاً أو ضمنياً يكون غير مجدٍ. ومن
ثم فلا وجه للإلزام بالالتجاء إلى هذا التظلم قبل رفع دعوى الإلغاء كشرط لقبولها.
وإذ قضى حكم المحكمة الإدارية المطعون فيه بعدم قبول الدعوى شكلاً على خلاف هذا النظر،
فإنه يكون قد جانب الصواب ويتعين القضاء بإلغائه وبقبول الدعوى إذ أنها رفعت في الميعاد
القانوني بإيداع صحيفتها سكرتيرية المحكمة في 24 من يونيه سنة 1959 طعناً في القرار
المعلن إلى المدعي في 6 من يونيه سنة 1959.
عن الموضوع: –
من حيث إن الدعوى صالحة للفصل في موضوعها.
ومن حيث إن المدعي يطلب الحكم بإلغاء القرار الصادر من لجنة العمد والمشايخ في 3 من
مارس سنة 1959 في القضية التأديبية رقم 110 أخميم سنة 1958 بفصله من وظيفته كشيخ لناحية
نيده مركز أخميم وهو القرار المصدق عليه من وزير الداخلية في 11 من مايو سنة 1959 والمعلن
إليه في 6 من يونيه سنة 1959، وما يترتب عليه من آثار مع إعادته إلى عمله.
ومن حيث إنه يبين من الأوراق أن المدعي قدم للمحاكمة التأديبية أمام لجنة العمد والمشايخ
بمديرية سوهاج في القضية التأديبية رقم 110 لسنة 1958 أخميم بتهمة إهماله في الحادث
رقم 1556 جنايات مركز أخميم سنة 1958 الخاص بتجمهر أهالي البلدة واعتدائهم على قوة
الشرطة التي توجهت لناحية نيدة مركز أخميم يوم 21 من أغسطس سنة 1958 لتفتيش منازل تجار
المخدرات، وهو الاعتداء الذي نتج عنه إصابة اثنين من العساكر توفى أحدهما في اليوم
التالي. وقد نسب إلى المدعي: عدم الإرشاد عن تجار المخدرات بالبلدة. عدم الإبلاغ
عن السلاح المستعمل في الحادث. عدم التعاون مع رجال الشرطة عند ذهابهم للناحية.
عدم القيام بمنع تجمهر الأهالي وتعديهم على القوة. وترك شيخ الخفراء ووكيله يطلقان
النار على القوة المذكورة، مع تعمد المدعي ذلك لصلة القربى التي تربط بينه وبين المتهمين
ولأن أخاه فاو أبو العلا كان مقبوضاً عليه مما نجم عنه وقوع الحادث. وقد سمعت اللجنة
دفاع المدعي وبعد أن استعرضت سوابقه البالغ عددها عشراً، قررت حضورياً بإجماع الآراء
فصله من وظيفته لما هو منسوب إليه وذكرت في أسباب قرارها أنه ثبت لها أن المذكور لم
يقم بالإرشاد عن تجار المخدرات في البلدة ولم يبلغ عن الأسلحة التي استعملت في الحادث
وأنه أهمل التعاون مع رجال تلك الشرطة عند ذهابها للناحية ولم يقم بمنع تجمهر الأهالي
أو تعديهم على هذه القوة بل ترك شيخ الخفراء ووكيله يطلقان النار على القوة، الأمر
الذي يعتبر إهمالاً جسيماً منه في الواجبات التي تفرضها عليه الوظيفة والذي يتعارض
مع بقائه في وظيفته على الرغم من أنه غير متهم في قضية الجناية رقم 1556 مركز أخميم
سنة 1958.
ومن حيث إن دفاع المدعي أمام لجنة العمد والمشايخ قام على أن الجميع يعرفون القائمين
بتجارة المخدرات، وأنه سبق أن اتصل بمباحث المركز أكثر من مرة وأبدى استعداده للإرشاد
عنهم، ولم يكن يعلم بأن المتهمين يحرزون أسلحة غير مرخصة، وأنه دائماً ضدهم حتى وإن
كانوا أقاربه، وأنه لم يعلم بالقبض على أخيه إلا بعد انسحاب القوة وأن منزله يبعد عن
الطريق الزراعي بحوالي نصف كيلو متر، وتقد تلقت وزارة الداخلية عقب صدور قرار اللجنة
بفصله من وظيفته عديداً من التظلمات والشكاوى المقدمة منه ومن الأهالي، وقد أحيلت جميعها
إلى مصلحة التفتيش العام لبحثها. وقد ورد كتاب المصلحة رقم 3/ هـ/ 12/ 91 في 23 من
إبريل سنة 1959 ومعه تقرير السيد مفتش الداخلية الذي انتهى فيه من فحص شكاوى العمدة
والشيخ (المدعي) إلى أن كل ما جاء بها لا يطابق الواقع، إذ ثبت أنهما أهملا إهمالاً
جسيماً في أهم واجبات وظيفتهما وهي المحافظة على الأمن العام، فضلاً عن استهتارهما
الشديد بعدم إسراعهما إلى مكان الحادث وقت وقوعه وعملهما على مساعدة القوة ومنع اعتداء
الأهالي عليها، وأنه لولا يقظة السادة رؤساء القوة وحسن فطنتهم لساءت العاقبة وكثر
عدد الضحايا من الفريقين، فضلاً عن أن تصرف العمدة والشيخ المعيب كان بقصد حماية أشخاص
من المعروفين بسوء النية أو السمعة، وهم من تجار المخدرات الذين يكثرون في ناحية نيده
ومنهم الكثير من عائلة الشيخ المفصول.
ومن حيث إن النتيجة التي خلصت إليها مصلحة التفتيش في غير تحيز ولا افتئات تتفق وما
هو ثابت بأوراق التحريات والتحقيق والمحاكمة وأخصها تقرير السيد مأمور مركز أخميم المؤرخ
23 من أغسطس سنة 1958 الذي استعرض وقائع حادث الجناية رقم 1556 أخميم سنة 1958 تفصيلاً
وأبرز وجه التقصير والإهمال المأخوذ على المدعي بصدد هذا الحادث، وعلة موقفه السلبي
منه بعدم تقديمه المعونة لرجال قوة الشرطة المتنقلة لتمكينها من ضبط المتهمين والأسلحة
المستعملة فيه وتقاعسه عن الإرشاد عن باقي المتجمهرين وعن المتجرين بالمخدرات ممن كان
يعلم بأمرهم. وإذ كان مرجع هذه المؤاخذة أساساً إلى مسلك المدعي بمناسبة الحادث المذكور،
فلا وجه للنعي على تقرير السيد المأمور بأنه لا يستمد أصوله وجذوره من تحريات فنية
سابقة استجمعتها الإدارة بوسائلها البوليسية وطرقها في البحث الجنائي، ولا لتجريد هذا
التقرير من حجيته في الإثبات بمقولة أنه انطوى على رأي خطير بني على الظاهر من الأمر،
لا وجه لذلك ما دامت إدانة المدعي مستندة إلى تصرف بدر منه في الحاضر لا في الماضي
إزاء واقعة معينة بذاتها هي التي تناولها التقرير، وما دام التقرير مبنياً على حاصل
الواقع في هذا الحادث ومحرراً إثباتاً وتسجيلاً لما جرى فيه ممن يملك سلطة التحقيق
والتحري فضلاً عن أن التقرير المذكور ليس هو الدليل الوحيد بل تكمله وتسانده الأدلة
والقرائن الأخرى المستمدة من الأوراق والتحقيقات. ومن ثم فإن القرار المطعون فيه الصادر
بفصل المدعي من وظيفة شيخ بلد التي كان يشغلها يكون قائماً على سببه المبرر له قانوناً،
وهو سبب له أصل ثابت في الأوراق يؤيد النتيجة التي انتهى إليها القرار والتي استخلصها
استخلاصاً سائغاً من عناصر ثابتة ووقائع صحيحة تنتجها مادياً وقانوناً بما لا سبيل
معه إلى تدخل القضاء الإداري بالموازنة والترجيح فيما قام لدى الجهة الإدارية وهي لجنة
العمد والمشايخ ومن بعدها السيد وزير الداخلية الذي اعتمد قرار اللجنة من قرائن وشواهد
ودلائل كونت منها عقيدتها واقتناعها بإدانة سلوك المدعي لإخلاله بواجبات وظيفته وإهماله
فيها وخروجه على مقتضياتها، وقدرت على أساسها ملاءمة الجزاء الذي أنزلته به تبعاً لما
ارتأته من خطورة فعله، ما دام قرارها قد برئ من عيب مخالفة القانون وخلا من شائبة إساءة
استعمال السلطة. ومن ثم فإن القرار المطعون فيه يكون صحيحاً سليماً مطابقاً للقانون،
ويكون المدعي على غير حق في دعواه التي يتعين القضاء برفضها مع إلزامه بمصروفاتها.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وبقبول الدعوى وبرفضها موضوعاً وألزمت المدعي بالمصروفات.
