الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1177 لسنة 5 ق – جلسة 24 /02 /1962 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ 355


جلسة 24 من فبراير سنة 1962

برياسة السيد/ سيد إبراهيم الديواني نائب رئيس المجلس وعضوية السادة الإمام الإمام الخريبي وعلي إبراهيم بغدادي والدكتور ضياء الدين صالح وأبو الوفا زهدي المستشارين.

القضية رقم 1177 لسنة 5 القضائية

( أ ) قضاء شرعي – تطور القضاء الشرعي في مصر – النظم القانونية المتعاقبة بشأن تنظيم هذا القضاء – شروط تعيين القضاة الشرعيين طبقاً لهذه النظم والتطور الذي طرأ عليها خلال المراحل المختلفة – ليس من بين هذه الشروط أن يكون المرشح حنفي المذهب – بيان ذلك وأسانيده.
(ب) عرف إداري – شروط توافره – مرتبته كمصدر رسمي للقانون – العرف الناشئ عن خطأ في فهم القانون – لا يعول عليه.
1 – إن تخصيص القضاء الشرعي بمذهب أبي حنيفة لا يستتبع ألا يولى القضاء الشرعي إلا الأحناف وحدهم، فاشتراط مذهب معين للقضاء به لا يستلزم أن يكون القاضي من أرباب هذا المذهب، ومرد ذلك إلى تقصي أصل السلطة القضائية في الإسلام، فإنها لم تكن مستقلة عن السلطة التنفيذية، إذ كان الخليفة يجمع بينهما وهو الذي يولي القضاة ويعزلهم ويجوز أن يلي القضاء بنفسه. فلما اتسعت شئون الملك وكثر عمال الخليفة صار الخلفاء يولون القضاة في الأمصار والأقاليم، وصار القضاء يستقل شيئاً فشيئاً حتى كسب له وجوداً متميزاً عن نطاق السلطة التنفيذية، ولما اندمجت مصر في الدولة الإسلامية بالفتح العربي حلت الشريعة الإسلامية فيه محل الشريعة الرومانية فازداد عدد الفقهاء وتضاعف المجتهدون. وكان القضاء على المذهب السائد في الإقليم، ففي مصر ساد المذهب الشافعي بادئ الأمر وذلك إلى أن تملك الفاطميون الأمر، فساد مذهب الشيعة، وعاد المذهب الشافعي بزوال الدولة الفاطمية، ولما ولِّي الظاهر بيبرس عين أربعة قضاة من المذاهب الأربعة وأصبح لكل قاض منهم نواب في الأقاليم بمذهبه، فلما جاء العثمانيون حصروا القضاء الشرعي في مذهب أبي حنيفة وولوا قاضياً شرعياً منهم تنتدبه حكومة الأستانة في هذه الديار حتى أعلنت مصر من جانبها في 5 من نوفمبر سنة 1914 الانفصال عن تركيا وسلمت تركيا واعترفت بهذا الانفصال في 31 من أغسطس سنة 1924 تاريخ نفاذ معاهدة لوزان.
وعلى مقتضى ذلك الذي كان سائداً على النحو السالف عرضه، كان من المنطقي أن تنص المادة العاشرة من لائحة المحاكم الشرعية الصادرة في 17 من يونيه سنة 1880 على أنه "يجب أن تكون الأحكام مبنية على أرجح الأقوال في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه ولا يعدل عنه إلى غيره". وظاهر من النص المذكور أنه لم يتعرض لمذهب القاضي. أما طريقة اختيار القضاء الشرعي فقد أخذت أطواراً مختلفة باختلاف الأزمنة والظروف. فلم يكن بلائحة يونيه سنة 1880 ما يشير إلى ضرورة أن يكون القاضي الشرعي من الأحناف، وليس في قوانين الجامع الأزهر الشريف القديمة منذ أول فبراير سنة 1872 لغاية أول نوفمبر سنة 1896 ما يفيد ذلك إذ لم تتعرض هذه القوانين لشيء سوى بيان من يكون أهلاً للتدريس في الجامع الأزهر.
وفي 10 من ديسمبر سنة 1891 صدر أول نص تشريعي يوجب أن يكون القاضي الشرعي حنفياً، وذلك هو القرار الصادر من ناظر الحقانية – المنشور في ص 53 جزء ثالث من قاموس الإدارة والقضاء – ولكن هذا القرار قد ألغته اللائحة الصادرة في سنة 1910 والتي ألغت كذلك لائحة سنة 1880 لتحل محلها، وبذلك ما لبث أن اندثر أول نص تشريعي كان يقضي بأن يكون القاضي الشرعي حنفي المذهب.
وقد صدرت أول لائحة بترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها بمقتضى دكريتو 27 من مايو سنة 1897 وجاءت خالية من أي نص صريح أو ضمني يوصي بضرورة أن يكون القاضي الشرعي من الأحناف، على أنه في عام 1920 صدر القانون رقم فأدخل تعديلاً في نص المادة من هذه اللائحة القديمة فصارت على النحو الآتي: "يجب أن تكون الأحكام بأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة، وبما دون بهذه اللائحة وبمذهب أبي يوسف عند اختلاف الزوجين في مقدار المهر ومع ذلك فإن المسائل المنصوص عليها في القانون رقم لسنة 1920 الخاص بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية يكون الحكم فيها طبقاً لأحكام ذلك القانون". وعلى الرغم من أن المادة من لائحة سنة 1897 قد بينت المقومات اللازمة في القاضي الشرعي ومنها الدراية الكافية بالأحكام الشرعية، وأن يكون حائزاً لشهادة العالمية من الجامع الأزهر أو من إحدى الجهات المصرح بها من مشيخة الجامع الأزهر بإعطاء الشهادات المذكورة أو أن يكون حائزاً لشهادة اللياقة للقضاء أو الإفتاء من مدرسة دار العلوم ولم تشترط هذه المادة على الإطلاق أن يكون القاضي الشرعي حنفياً. ومع ذلك فقد نصت المادة من هذه اللائحة لسنة 1897 على وجوب مراعاة شروط مخصومة فيمن يرشح للدخول في وظيفة القضاء الشرعي يصدر بها دكريتو. وثابت أن هذا الدكريتو لم يصدر إلى الآن. وكان يتعين صدور مثل هذا الدكريتو لوضع ضابط يرد الأوضاع إلى سند من القانون سليم كما جرى عليه الحال في شأن قضاة المحاكم الأهلية المصرية وأعضاء النيابة فيها. ولما كان حكم المادة من لائحة 1897 لم ينفذ حتى صدرت لائحة سنة 1931 وألغت اللائحة القديمة بأسرها فقد ظل حكم المادة قائماً ساري المفعول في صفات ومقومات المرشحين للقضاء الشرعي إلى أن لحق هذه المادة أيضاً الإلغاء وذلك بصدور المرسوم بقانون رقم في12 من مايو سنة 1931 مشتملاً على اللائحة الجديدة بترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها. ونصت المادة الأولى منه على إلغاء لائحة 27 من مايو سنة 1897 والقوانين المعدلة لها. ومن عجب أن المادة من هذه اللائحة الجديدة لسنة 1931 قد نصت من جديد أيضاً على أن "شروط التعيين في وظيفة القضاء الشرعي تبين بقانون" ولم يصدر هذا القانون حتى الآن، بل لم يعد اليوم محل لإصداره بعد إلغاء المحاكم الشرعية والمحاكم الملية بالقانون رقم لسنة 1955.
وحاصل هذا التقصي الدقيق لتطور التشريع الخاص بالمحاكم الشرعية حتى يوم إلغائها سنة 1955 أنه لا يوجد تشريع ينص على اشتراطات خاصة في من يعين قاضياً بالمحاكم الشرعية. وما جرى عليه العمل منذ عام 1897 من تعيين الحاصلين على شهادة العالمية حتى يومنا هذا مرده القانوني إلى استمرار قيام المادة من لائحة سنة 1897 لغاية 12 من مايو سنة 1931 كما أن مرده كذلك إلى تقاعس المشرع عن تنفيذ ما أمرت به المادة من لائحتي المحاكم الشرعية القديمة والحديثة. وظل حكم المادة 13 ساري المفعول على الرغم من قيام قوانين الجامع الأزهر الصادرة سنة 1908 ثم سنة 1911 ثم سنة 1923 وفي ذلك دلالة كل الدلالة على أن ما ورد ذكره بقوانين الأزهر عن ما تؤهل له شهادة العالمية أو حتى شهادة العالمية مع التخصص أو الإجازة لم يكن المقصود منه قصر وظائف القضاء الشرعي على حامل شهادة العالمية مع التخصص أو الإجازة ولم يكن المقصود منه قصور هذا القضاء على أصحاب المذهب الحنفي، وإنما الحق هو أنه سيقت قوانين الأزهر ونصوصه التي تعرضت للقضاء الشرعي ومن يشغل وظائفه، سيقت لمجرد بيان ما تؤهل له تلك الشهادات.
2 – إن العرف إنما يعتد به إذا لم يكن ناشئاً عن خطأ في فهم القانون. والعرف الإداري تعبير اصطلح على إطلاقه على الأوضاع التي درجت الجهات الإدارية على اتباعها في مزاولة نشاط معين لها. وينشأ من استمرار الإدارة التزامها لهذه الأوضاع والسير على سنتها في مباشرة هذا النشاط، أن تصبح بمثابة القاعدة القانونية الواجبة الاتباع ما لم تعدل بقاعدة أخرى مماثلة. ويشترط لاعتبار العرف ملزماً للإدارة أن يتوافر شرطان أن يكون العرف عاماً وأن تطبقه الإدارة بصفة دائمة بصورة منتظمة. فإذا أغفل هذا الشرط فلا يرتفع العمل الذي جرت على مقتضاه الإدارة إلى مستوى العرف الملزم للإدارة ألا يكون العرف قد نشأ مخالفاً لنص قائم. وقد نص الشارع على العرف كمصدر رسمي للقانون غير أنه من حيث تدرج القاعدة القانونية يأتي في المرتبة الثانية بعد التشريع. ومن ثم فلا يجوز للعرف أن يخالف نصاً قائماً. ويندرج تحت ذلك أن العرف الناشئ من خطأ في فهم القانون لا يمكن التعويل عليه.


إجراءات الطعن

في 26 من يوليو سنة 1959 أودع الشيخ عبد الرحمن رضوان نجا رئيس القلم الكلي للأحوال الشخصية بمحكمة طنطا تقريراً بالطعن أمام هذه المحكمة قيد بجدولها تحت رقم لسنة 5 القضائية في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري – هيئة الترقيات والتعيينات – بجلسة 28 من مايو سنة 1959 في الدعوى رقم لسنة 9 القضائية المقامة من الشيخ عبد الرحمن رضوان نجا ضد وزارة العدل والذي قضى (بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه وألزمت المدعي المصروفات) وطلب السيد الطاعن للأسباب التي استند إليها في صحيفة طعنه: (قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء قرار اللجنة القضائية لرياسة مجلس الوزراء وديوان المحاسبة ووزارات الداخلية والعدل والقصر والخارجية الصادر في 17 من يناير سنة 1954 في التظلم رقم للسنة الثانية القضائية والحكم بإلغاء قرار وزارة العدل الصادر في 29 من أغسطس سنة 1953 بتعيين موظفين قضائيين بالمحاكم الشرعية بالنسبة لما تضمنه من إغفال تعيين الطالب في إحدى تلك الوظائف وتقرير أحقيته في تعيينه موظفاً قضائياً بالمحاكم الشرعية مع ما يترتب على ذلك من آثار وذلك مع إلزام المطعون عليها بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن درجات التقاضي). وقد أعلن هذا الطعن إلى وزارة العدل في 28 من يوليو سنة 1959 وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 11 من ديسمبر سنة 1960 وبعد جلسات متعاقبة قررت الدائرة إحالة الطعن إلى المحكمة الإدارية العليا بجلسة 25 من فبراير سنة 1961 ثم جرى تأجيل الطعن إلى عدة جلسات لضم بعض المستندات والأوراق وبجلسة 28 من أكتوبر سنة 1961 سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة وقدم الطاعن مذكرة صمم في ختامها على الطلبات الواردة بتقرير طعنه ثم قررت المحكمة إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة – حسبما يبين من أوراق الطعن – تتحصل في أن الطاعن أقام الدعوى رقم لسنة 9 القضائية ضد وزارة العدل بعريضة أودعت سكرتيرية محكمة القضاء الإداري في 26 من مارس سنة 1955 طعن بمقتضاها في قرار اللجنة القضائية لرئاسة مجلس الوزراء وديوان المحاسبة ووزارات الداخلية والعدل والخارجية، الصادر في التظلم رقم لسنة 2 القضائية في 17 من يناير سنة 1954 والمعلن إلى المدعي في 20 من يناير سنة 1955، ذلك التظلم المقدم منه ضد وزارة العدل عن قرارها الصادر في 29 من أغسطس سنة 1953 بتعيين موظفين قضائيين بالمحاكم الشرعية وانحصرت وقائع التظلم المقدم من المدعي في هذه الدعوى أمام اللجنة القضائية في أنه في 29 من أغسطس سنة 1953 أصدر السيد وزير العدل قراراً بتعيين بعض كتبة المحاكم الشرعية في وظائف (موظفين قضائيين) وقد أغفلت الوزارة في ذلك القرار تعيين المدعي في إحدى تلك الوظائف مع أن أقدميته بين الناجحين في الامتحان الذي عقدته الوزارة في 11 من يوليو سنة 1952 كانت تالية لأقدمية الشيخ (أحمد عمار) أول المعينين في تلك الحركة وانتهى التظلم إلى طلب إلغاء القرار الوزاري المطعون فيه، وذلك فيما تضمنه من تركه في التعيين وتقرر أحقيته في تعيينه (موظفاً قضائياً) على أن تكون أقدميته تالية لأقدمية الشيخ أحمد عمار.
وقد جاء في رد وزارة العدل على ذلك التظلم أن المتظلم حاصل على شهادة العالمية في الأزهر سنة 1938 وهو شافعي المذهب. وقد عين كاتباً بالمحاكم الشرعية في 6 من يناير سنة 1943 بالدرجة السادسة. ثم نجح في امتحان المسابقة الذي عقد في 11 من يوليو سنة 1952 لكتاب المحاكم الشرعية لاختيار الموظفين القضائيين من بينهم. وذهبت الوزارة إلى أنها جرت على عدم التعيين في الوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية إلا لمن كان حنفي المذهب وحاصلاً على شهادة العالمية من الأزهر أو من مدرسة القضاء الشرعي أو شهادة التخصص. وذلك بناءً على ما نص عليه قانون المحاكم الشرعية الصادر سنة 1891 وما نص عليه في القانون رقم لسنة 1907 الذي أنشئت بمقتضاه مدرسة القضاء الشرعي. وما نص عليه أيضاً في قوانين تنظيم الأزهر رقم لسنة 1911 ورقم لسنة 1923 وما اقتضته القوانين الخاصة بالمحاكم الشرعية الصادرة في سنة 1897 وسنة 1910 وسنة 1931 وهي قوانين مرتبطة ببعضها. وقد استمر العمل على ذلك إلى أن صدر قانون الأزهر رقم لسنة 1936 الذي أجاز لغير الأحناف الحصول على إجازة القضاء الشرعي وجعل لمن يحصلون عليها الحق في وظائف القضاء الشرعي مهما كان مذهبهم. وسارت الوزارة عقب صدور ذلك القانون على تعيين غير الأحناف في الوظائف القضائية إذا كانوا حاصلين على إجازة القضاء الشرعي المذكورة. أما من عداهم ممن يحملون شهادات أخرى فلا يعينون في هذه الوظائف إلا إذا كانوا أحنافاً. وخلصت الوزارة من ذلك إلى أنه ما دام المتظلم شافعي المذهب ولا يحمل إجازة القضاء الشرعي وإنما يحمل شهادة العالمية سنة 1938 فلا يكون له حق في التعيين في وظائف (الموظفين القضائيين) ويكون تظلمه مبنياً على غير أساس سليم.
وقد رد المتظلم على الوزارة باستعراض القوانين المنظمة للقضاء الشرعي وقوانين الأزهر التي ألغيت، وخلص منها إلى أن نصوصها لم يكن فيها ما يقضي بحرمان العالم غير الحنفي من القضاء الشرعي سوى المادة من القانون رقم 34 لسنة 1923 وقد ألغيت هذه المادة منذ سنة 1927 وأنه إذا استثنينا النص المشار إليه فإنه لم يوجد في نصوص القوانين الملغاة ولا في القوانين القائمة نص يقضي بحرمان الحاصل على شهادة العالمية من غير أقسام التخصص من تولي القضاء وأياً كان مذهبه.
وقد عقبت وزارة العدل على ذلك بأن المدعي وهو شافعي المذهب وحاصل على شهادة العالمية فلا يكون له الحق في التعيين واستطردت مع ذلك قائلة أنه إحقاقاً للحق تقرر الوزارة بأن تقارير المدعي من رؤساء المحاكم عن السنين 1949، 1959، 1951 تقطع بأنه كفء في عمله وأخلاقه حسنة، وسيره الشخصي حسن.
وفي 17 من يناير سنة 1954 أصدرت اللجنة القضائية قرارها برفض التظلم وألزمت المتظلم بالرسوم المستحقة قانوناً وأعلن هذا القرار إلى المتظلم في 30 من يناير سنة 1955.
وفي 26 من مارس سنة 1955 أودع المدعي عريضة طعنه في قرار اللجنة القضائية سكرتيرية محكمة القضاء الإداري قيدت بجدولها تحت رقم لسنة 9 القضائية وطلب في ختامها قبول طعنه شكلاً وفي موضوعه بإلغاء قرار اللجنة القضائية والحكم بإلغاء قرار وزارة العدل الصادر في 29 من أغسطس سنة 1953 بتعيين موظفين قضائيين بالمحاكم الشرعية وذلك فيما تضمنه من إغفال تعيينه في إحدى تلك الوظائف وتقرير أحقيته في تعيينه موظفاً قضائياً بالمحاكم الشرعية مع ما يترتب على ذلك من آثار. وينعى المدعي على قرار اللجنة القضائية أنه صدر مخالفاً للقانون. ذلك أنه على الرغم من نجاحه في امتحان المسابقة الذي عقدته الوزارة لهذا الغرض، كان ترتيبه الثاني بين الناجحين إلا أن الوزارة لم تعينه في وظيفة موظف قضائي بمقولة أنه شافعي المذهب وأن العمل قد جرى على ألا يعين في الوظائف القضائية في المحاكم الشرعية إلا من كان حنفي المذهب وحاملاً الشهادة العالمية من الأزهر أو من مدرسة القضاء الشرعي أو شهادة التخصص. أما غير الأحناف فيشترط لتعيينهم أن يكون الواحد منهم حاصلاً على إجازة القضاء الشرعي. أما وإن المدعي يحمل شهادة العالمية مع كونه شافعي المذهب فقد رفضت الوزارة تعيينه. وحصر المدعي أسباب الطعن على قرار اللجنة القضائية فيما يأتي: –
(أولاً) – أن القانون رقم لسنة 1936 قد جاء معيداً تنظيم الأزهر ولم يأتِ بوضع الشروط اللازم توافرها فيمن يولى وظائف القضاء الشرعي في البلاد. وأن محل بيان هذه الشروط هو لائحة ترتيب المحاكم الشرعية أو قانون خاص غيرها. وأن ما ورد في المادة من قانون سنة 1936 لم يكن إلا بياناً لما تؤهله شهادة الأزهر لحامليها من الوظائف، لا لما تتطلبه تلك الوظائف من مؤهلات. (ثانياً) أن القانون رقم لسنة 1931 الصادر بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية قد نص في المادة منه على أن شروط التعيين في وظائف القضاء الشرعي تبين بقانون. والواقع أن ذلك القانون لم يصدر إلى الآن. (ثالثاً) أن النص في المادة من قانون سنة 1936 على أن الحائزين لشهادة العالمية مع إجازة القضاء الشرعي يكونون أهلاً للوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية والإفتاء والمحاماة الشرعية. هذا النص لا يمنع من تعيين غير الأحناف في الوظائف القضائية، لأنه ليس نصاً جامعاً مانعاً إذ لو طبق بلفظه لوجب أن لا يعين في الوظائف القضائية إلا من كان حائزاً لإجازة القضاء الشرعي حتى ولو كان حنفياً. والذي جرى عليه العمل بوزارة العدل هو أن الأحناف من حملة الشهادة العالمية التي يحملها المدعي، يعينون في الوظائف القضائية ولو لم يكونوا حائزين لإجازة القضاء. (رابعاً) أنه لو طبقنا حكم المادة من قانون سنة 1936 على إطلاقه لوجب أن لا يشتغل بالمحاماة الشرعية إلا من كان حائزاً لإجازة القضاء الشرعي مع شهادة العالمية. في حين أن الحائزين لشهادة العالمية وحدها لهم حق الاشتغال بالمحاماة الشرعية. (خامساً) أنه لا يوجد في القوانين المعمول بها الآن أي نص يمنع غير الأحناف من حملة الشهادة العالمية من تولي الوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية. وقد أبدت إدارة المحاكم الشرعية بوزارة العدل في مذكرة قدمتها للوزارة رأيها في هذه المسألة، وهو يقول بجواز تولي غير الأحناف وظائف القضاء الشرعي. (سادساً) أن لائحة ترتيب المحاكم الشرعية لسنة 1897 التي بينت في المادة منها شروط تعيين القضاة الشرعيين لم تجعل من بين هذه الشروط أن يكون المرشح للتعيين حنفي المذهب. (سابعاً) أن النص في المادة من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة سنة 1931 على أن الحكم في القضايا الشرعية يكون بأرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة ليس معناه أن يكون القاضي حنفي المذهب فضلاً عن أن باقي هذا النص يوجب الحكم بالقوانين الصادرة على خلاف ما قضى به مذهب أبي حنيفة. (ثامناً) أن وزارة العدل قد أجرت مسابقة بين الراغبين في تولي الوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية من جميع المذاهب، وأدوا امتحاناً عسيراً في مذهب الإمام أبي حنيفة، وقد كان المدعي بين الناجحين في ذلك الامتحان. وهذا النجاح يجعله كالأحناف تماماً لأن ذلك الامتحان يعد بمثابة امتحان معادلة، وقد نجح فيه المدعي وجاء ترتيبه الثاني بين المتفوقين. (تاسعاً) أن المذاهب المختلفة في الإسلام ليست إلا اجتهاداً بين الفقهاء وهذه المذاهب المختلفة يدرسها كل طالب في الشريعة الإسلامية، ويلِم بها جميعاً إلماماً كافياً وإن كان يزيد ثقافته في المذهب الذي يرجحه. (عاشراً) أن الشارع المصري بعد أن انقطعت علاقة مصر بالدولة العثمانية قد نحا في الشريعة منحى جديداً باختياره كثيراً من الأحكام الشرعية من المذاهب الأخرى غير الحنفية وجعلها قوانين واجبة التطبيق في المحاكم الشرعية، من ذلك: القوانين رقم لسنة 1920 ورقم لسنة 1929 ورقم لسنة 1943 ورقم لسنة 1946 ورقم لسنة 1946. وانتهت صحيفة الطعن في قرار اللجنة القضائية إلى القول بأنه لما كان ترتيب نجاح الطاعن في تلك المسابقة هو الثاني وتالياً مباشراً للشيخ أحمد عمار أول المتسابقين، وقد عين في القرار المطعون فيه، فإنه يكون من حق الطاعن أن يطالب بإلغائه فيما تضمن من عدم تعيينه في إحدى تلك الوظائف التي عقدت المسابقة لشغلها من بين الناجحين، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
وقد ردت وزارة العدل على هذه الدعوى بقولها أن العمل قد جرى في المحاكم الشرعية في مصر أيام تبعيتها للدولة العثمانية وخلال حكم محمد علي ومن بعده، على تطبيق أحكام مذهب أبي حنيفة. وحين صدرت أول لائحة للمحاكم الشرعية في 17 من يونيو سنة 1880، نص في المادة العاشرة منها على أن الأحكام يجب أن تكون مبنية على أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة. وتتابعت اللوائح والقوانين الخاصة بهذه المحاكم وفيها النص على تخصيص القضاء فيها بمذهب أبي حنيفة. وكان آخرها المرسوم بقانون رقم لسنة 1931 الذي تضمنت المادة منه هذا المبدأ وهو الذي يجري عليه العمل الآن. وإن تخصيص القضاء الشرعي في مصر بمذهب أبي حنيفة يستتبع حتماً أن يكون القاضي قد درس الأحكام الواجبة التطبيق، دراسة عميقة واسعة متصلة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان القاضي حنفي المذهب. هذا وقد صدر قرار من ناظر الحقانية في 10 من ديسمبر سنة 1891 جاء في المادتين الأولى والثانية منه أن طالب الدخول في وظائف القضاء والنيابة ووظائف الأمناء بالمحافظات والمديريات يكون حنفي المذهب. وفي تشريعات الأزهر صدرت القوانين رقم لسنة 1908 ورقم لسنة 1911 ورقم لسنة 1923 وفيها النص على أن الحائزين لشهادة العالمية يكونون أهلاً لتولي وظائف القضاء بالمحاكم الشرعية إذا كانوا حنفيين وللمحاماة أمام هذه المحاكم. ثم صدر القانون رقم لسنة 1930 بإنشاء كليات ثلاث بالجامع الأزهر منها كلية الشريعة ويكون بها قسم للتخصص في القضاء الشرعي. وأخيراً صدر المرسوم بقانون رقم لسنة 1936 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر ونص في المادة منه على أن الحائزين لشهادة العالمية مع إجازة القضاء الشرعي يكونون أهلاً للوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية والإفتاء والمحاماة. وفي تشريعات مدرسة القضاء الشرعي صدر القانون رقم لسنة 1907 ونص في المادة منه على بيان العلوم التي تدرس فيها ومنها الفقه والأصول على مذهب أبي حنيفة. ثم صدر القانون رقم لسنة 1923 بإعادة تنظيم هذه المدرسة ونص في المادة الرابعة منه على الشروط الواجب توافرها فيمن يريد الالتحاق بها ومن بينها أن يكون الطالب حنفي المذهب. وهذا كله قاطع في الدلالة على أن المشرع يشترط فيمن يولى وظائف القضاء الشرعي أن يكون من الأحناف. وهذا المبدأ متفق عليه حتى إن مشروعات قانون استقلال القضاء الشرعي الذي لم يكتب له أن يتحقق بالفعل كان يتضمن نصاً على أن يكون القضاء الشرعي من الأحناف. وإذا كان القانون رقم لسنة 1936 قد ألغى ما سبقه من القوانين، إلا أنه جعل أهلية القضاء الشرعي مقصورة على حملة الشهادة العالمية مع إجازة القضاء الشرعي. وعلى ذلك بقى حملة شهادة العالمية من غير الأحناف مثل المدعي ممنوعين في ظل القانون من أن يولوا وظائف القضاء الشرعي وأن أداء الامتحان والنجاح فيه وحده غير كاف لخلق الصلاحية عند المرشح للتعيين في الوظائف إذ يشترط فضلاً عن ذلك أن تتوافر في المرشح الشروط القانونية للتعيين في الوظائف القضائية. وأضافت الوزارة إلى ذلك قولها بأن الأحناف وحدهم كانوا أهلاً لتولي القضاء بالمحاكم الشرعية بمقتضى القوانين السابقة على القانون رقم لسنة 1936، فجاء هذا القانون الأخير وأضاف طائفة أخرى من حملة شهادة أخرى إليهم من غير تفرقة بين مذهب وآخر. وكانت النتيجة أن الأحناف هم أهل لهذه الوظائف وأن غيرهم يكونون أهلاً لها إذا كانوا من حملة إجازة القضاء الشرعي. وخلصت الوزارة إلى طلب الحكم برفض الدعوى. هذا وقد بعث المدعي إلى سيادة رئيس الوزراء بمذكرة في 30 من نوفمبر سنة 1955 قال فيها أنه صدر في 21 من سبتمبر سنة 1955 القانون رقم لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية وبذلك ألغيت المادة من لائحة تلك المحاكم وهي المادة التي ثار الخلاف على تفسيرها في اللجنة القضائية، وبذلك أصبح قرارها الصادر برفض تظلمه الآن غير ذي موضوع. ومضى يقول أنه لو لم يكن ما ذهب إليه حقاً من عدم وجود أي شرط مذهبي فإنه ما كان من الممكن توحيد القضاء. ثم قدم المدعي مذكرات شارحة أوفى وانتهى إلى طلب الحكم له بإلغاء القرار المطعون فيه فيما تضمنه من إغفال تعيينه في وظيفة (موظف قضائي).
وبجلسة 28 من مايو سنة 1959 حكمت محكمة القضاء الإداري – هيئة الترقيات والتعيينات – في الدعوى "بقبول الطعن شكلاً وبرفضه موضوعاً وبتأييد قرار اللجنة القضائية المطعون فيه وألزمت المدعي المصروفات". وأقامت قضاءها على ما سبق أن ذهبت إليه اللجنة القضائية من أسباب لقرارها المطعون فيه. وحاصل هذه الأسباب أن قد بان للمحكمة من تقصي تطور التشريع الخاص بالمحاكم الشرعية أن ما ورد خاصاً باشتراط من يتولى القضاء أن يكون حنفي المذهب، قد ورد في قرار ناظر الحقانية الصادر في 10 من ديسمبر سنة 1891، وقد ألغي هذا القرار بإلغاء لائحة المحاكم الشرعية الصادرة سنة 1880 بالقانون الصادر سنة 1910 ولم يرد في هذا القانون أو في القوانين التي صدرت بعد ذلك لتنظيم المحاكم الشرعية أي نص مماثل. بل إن القانون الصادر سنة 1931 قد نص على أن شروط تعيين القضاة الشرعيين تبين بقانون، وهذا القانون لم يصدر إلى الآن. وإنما تضمنت هذه القوانين نصوصاً من شأنها أن تكون الأحكام بأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة فيما عدا الأحوال التي ينص فيها قانون المحاكم الشرعية على قواعد خاصة. والظاهر أن المشرع قد استغنى عن إصدار الشروط الخاصة فيمن يولى القضاء في هذه المحاكم اكتفاءً بما جاء في القوانين الخاصة بتنظيم الأزهر والمعاهد الدينية ومدرسة القضاء الشرعي. فنص في قانون الأزهر الصادر في سنة 1911 في المادة منه على أن شهادة العالمية لا تكون مؤهلاً للوظائف القضائية والإفتاء إلا إذا كان حاملها حنفي المذهب. وكذلك أورد المشرع نصاً مماثلاً في القانون رقم لسنة 1922 بتنظيم مدرسة القضاء الشرعي ومفاد النص هو أن الالتحاق بهذه المدرسة لا يكون إلا لمن كان حنفي المذهب. ثم جعل التعيين في وظائف القضاء الشرعي مقصوراً على حاملي شهادة التخصص من مدرسة القضاء الشرعي. ولكن هذه النصوص قد ألغيت بأكملها وحلَّ محلها القانون رقم لسنة 1936 بتنظيم الجامع الأزهر، ولم يرد به نصوص مماثلة بل نص في المادة منه على أن الحائزين على شهادة العالمية مع إجازة القضاء الشرعي يكونون أهلاً للوظائف القضائية بالمحاكم والإفتاء والمحاماة الشرعية. واستطرد الحكم المطعون فيه قائلاً تأسيساً على ما تقدم أن تولي القضاء من بين الأحناف لم يكن وليد عرف بل كان وليد إرادة صريحة للمشرع مما جعل التعيين في مثل هذه الوظائف مقصوراً على الأحناف دون غيرهم إلا من كان حائزاً من غير الأحناف على شهادة العالمية مع إجازة القضاء الشرعي. وحتى على فرض أن القوانين المعمول بها والسابقة الإشارة إليها لم تكن تتضمن نصاً يمنع من تعيين غير الأحناف في وظائف القضاء الشرعي. فإن القاعدة التي درجت عليها وزارة العدل وهي اختيار القضاة الشرعيين من بين الأحناف يعتبر بمثابة العرف الواجب الاتباع ويكون له ما للقانون من قوة ما دام هذا القول لا يخالف قاعدة قانونية موضوعة. وإذا كان المدعي حاصلاً على العالمية في المذهب الشافعي، ولم يحصل على إجازة القضاء الشرعي ووظائف الموظفين القضائيين هي المرحلة الخاصة بتدريب وإعداد القضاة الشرعيين الذين يختارون من بين هؤلاء الموظفين القضائيين فإن المدعي بوصفه هذا لم يكن جائزاً تعيينه في وظيفة موظف قضائي، ومن ثم يكون قرار التعيين المطعون فيه بمنأى عن البطلان وبالتالي تكون اللجنة القضائية إذ قضت برفض تظلم المدعي قد أصابت في قضائها وجه الحق ويتعين لذلك الحكم برفض الطعن وتأييد قرارها المطعون فيه.
ومن حيث إن الطعن يقوم على أن الحكم المطعون فيه وقد جرى مجرى قرار اللجنة القضائية برفض تظلم الطاعن وانتهى إلى تأييده لذات الأسباب التي قام عليها ذلك القرار قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله مما يتعين معه طلب القضاء بإلغائه وكذلك بإلغاء القرار الوزاري رقم الصادر من وزارة العدل في 29 من أغسطس سنة 1953 بتعيين موظفين قضائيين بالمحاكم الشرعية فيما تضمنه من إغفال للطاعن في ذلك. وينعى رافع هذا الطعن على القرار المطعون فيه مخالفته للقانون فضلاً عما أصابه من عيب إساءة استعمال السلطة. وقد بني تقرير الطعن على الأسباب الآتية: أنها لحجة داحضة تلك التي استند إليها الحكم المطعون فيه ومفادها أن تخصيص القضاء بمذهب الإمام أبي حنيفة استتبع لزاماً ألا يولى القضاء الشرعي إلا الأحناف وحدهم. فليس يعني نص المادة من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية لزوم أن يكون القاضي حنفياً. واشتراط مذهب معين للقضاء به لا يستلزم أن يكون القاضي من هذا المذهب. ومعظم ما تختص به المحاكم الشرعية الآن أساسه مستعار من المذاهب الأخرى غير الحنفية، وغير الحنفي قادر على تطبيقها والترجيح بينها. وقد أقرت وزارة العدل في دفاعها بأنها عينت قضاة شرعيين من غير الأحناف وقالت بجواز ذلك شريطة أن يكونوا حاصلين على إجازة القضاء، وفات المطعون عليها أن طلبة قسم إجازة القضاء لا يدرسون من الفقه شيئاً لا من مذهب الإمام أبي حنيفة ولا من غيره من المذاهب. فما جرت عليه وزارة العدل من تعيين غير الحنفي متى كان حاصلاً على إجازة القضاء الشرعي، لا سند له من القانون وفيه تأويل خاطئ لنص المادة من القانون رقم لسنة 1936 وليس بصحيح ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه ومن قبله قرار اللجنة القضائية في قوله إن الظاهر أن المشرع قد استغنى عن إصدار الشروط الخاصة بمن يولى القضاء في هذه المحاكم، اكتفاءً منه بما جاء في القوانين الخاصة بتنظيم الأزهر والمعاهد الدينية ثم بإنشاء وتنظيم مدرسة القضاء الشرعي ذلك قول غير سديد: لأن نصوص القوانين السابقة الملغاة والقائمة حتى الآن لم يكن فيها نص يقضي بحرمان العالم غير الحنفي من القضاء الشرعي سوى المادة من القانون رقم لسنة 1923 وهذه المادة لا وجود لها منذ عام 1937. ولأن نصوص القوانين السابقة الملغاة والقائمة حتى الآن ليس فيها نص يقضي بحرمان الحاصل على شهادة العالمية من غير أقسام التخصص من تولي القضاء الشرعي أياً كان مذهبه. ولا حرمان بغير نص. فنصوص الأزهر من قديمة وحديثة لم تسق لقصر القضاء الشرعي على الحنفية من العلماء ولا على الحاملين لشهادة العالمية مع تخصص في القضاء وإنما سيقت لمجرد بيان ما تؤهله شهادة (العالمية مع التخصص أو مع إجازة القضاء) من وظائف – فليس لتلك النصوص حكم في غير الحنفي ولا في غير الحاصل على العالمية المقترنة بالتخصص. ونصوص الأزهر لا شأن لها بشروط من يتولى القضاء. فتلك مهمة تشريعات القضاء. ليس في أحكام اللوائح القديمة للمحاكم الشرعية ولا في قوانينها المعاصرة ما يؤيد اتجاه وزارة العدل فيما ذهبت إليه في دفاعها عن القرار المطعون فيه. تلك اللوائح وهذه القوانين لم تشترط أن يكون القاضي الشرعي حنفياً. وحتى الآن لم يصدر القانون الذي يبين شروط تعيين القاضي الشرعي على النحو الذي وعد به القانون رقم لسنة 1909 الشامل لتعديل لائحة المحاكم الشرعية، وعلى النحو الذي وعد به المرسوم بقانون رقم لسنة 1931 بلائحة ترتيب المحاكم الشرعية في المادة التاسعة عشر في كل منهما، وكان من جراء هذا النقص التشريعي أن استمر حكم المادة من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية الصادرة سنة 1897 ساري المفعول حتى بعد صدور القانون رقم لسنة 1930 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر وإلى أن ألغي بمقتضى المرسوم بقانون رقم لسنة 1931 بإصدار اللائحة الجديدة لترتيب المحاكم الشرعية. بل جرى العمل تجاوزاً على إعمال حكم المادة القديمة حتى بعد قانون إعادة تنظيم الأزهر رقم لسنة 1936. وهذه المادة لم تشترط في المرشح للقضاء الشرعي أن يكون حنفياً ولا أن يكون من حملة شهادة التخصص أو إجازة القضاء الشرعي. ويقول تقرير الطعن في ذلك أن السيد وزير العدل صرح رسمياً سنة 1948 بأنه لا يوجد في الفقه الإسلامي ولا في قوانين الدولة ما يحتم أن يكون القاضي الشرعي حنفي المذهب. وقد أقرت وزارة العدل في دفاعها بأن شهادة العالمية وحدها مجردة من التخصص أو من إجازة القضاء تكفي لتعيين المرشح الحنفي المذهب في وظيفة القاضي الشرعي. أما غير الحنفي فلا سبيل إلى تعيينه إلا إذا اقترنت شهادات العالمية بالتخصص أو بإجازة القضاء. وينعى تقرير الطعن أخيراً على الحكم المطعون فيه ما جاء في أسبابه من أن القاعدة التي درجت وزارة العدل عليها وهي اختيار القضاة الشرعيين من بين الأحناف وحدهم تعتبر بمثابة العرف الواجب الاتباع ويكون لها ما للقانون من قوة. هذا قول مردود بما نصت عليه المادة من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية القديمة والحديثة، وفضلاً عن ذلك فإن العرف إنما يعتد به إذا لم يكن ناشئاً عن خطأ في فهم القانون. والقول بأن القاضي المقلد لا يصح أن يقضي بغير مذهب من يقلده قول غير صحيح وفيه فهم خاطئ للأصول ترتب عليه أن زعموا أنه عرف واجب الاتباع فحرموا على أساسه غير الحنفي من القضاء. والفهم الصحيح لهذا الأصل هو أن القاضي المقلد إذا أمره ولي الأمر بالقضاء على غير مذهب الإمام أبي حنيفة فيجب على هذا القاضي أن يقضي بما أمر به ثم أياً كان وجه الرأي في هذا الطعن فيلزم التفريق بين وظيفة الموظف القضائي وبين وظيفة القاضي. وإن جاز التعلل فرضاً بما تدعيه الحكومة من اعتراض على تعيين الطاعن فلا يكون ذلك إلا عند النظر في تعيينه قاضياً شرعياً، أما الوظيفة التي أغفل القرار المطعون فيه تعيين الطاعن فيها فليست هي بعد، بوظيفة (القاضي الشرعي) الذي يفصل بين الناس فيلزم كما تدعي الحكومة أن يكون من الأحناف ولا تندرج في عموم هذا التقليد العثماني. والطاعن إذ حصل على شهادة العالمية النظامية سنة 1938 واشتغل بالمحاماة الشرعية كما قضى زمناً طويلاً موظفاً بالمحاكم الشرعية فاكتملت له خبرة فنية عملية لا يمكن أن تدانيها دراسة مقتضبة في عامين دراسيين. وقد دعته وزارة العدل ليتقدم إلى امتحان المسابقة في 11 من يوليه سنة 1952 لاختيار موظفين قضائيين فأداه أحسن الأداء وكان ترتيبه الثاني بين الفائزين، يضاف إلى ذلك أن كافة تقاريره السنوية والسرية مرضية فليس ثمة ما يحول بينه وبين الحصول على حقه لا من الناحية القانونية ولا من الناحية الشخصية ولا من ناحية المصلحة العامة. وانتهى تقرير الطعن إلى طلب الحكم بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء قرار اللجنة القضائية لرئاسة مجلس الوزراء ووزارة العدل الصادر في 17 من يناير سنة 1954 في التظلم رقم لسنة 2 القضائية، والحكم بإلغاء قرار وزارة العدل الصادر في 29 من أغسطس سنة 1953 بتعيين موظفين قضائيين بالمحاكم الشرعية وذلك فيما تضمنه من إغفال تعيين الطاعن في إحدى تلك الوظائف، وتقرير أحقيته في تعيينه موظفاً قضائياً بالمحاكم الشرعية مع ما يترتب على ذلك من آثار وإلزام المطعون عليها بالمصروفات ومقابل الأتعاب عن درجات التقاضي.
وقد تقدمت هيئة مفوضي الدولة برأيها القانوني في هذا الطعن بتقرير انتهت فيه إلى عرض الرأي بقبول الطعن المقدم من المدعي في الحكم الصادر من محكمة القضاء الإداري – هيئة الترقيات والتعيينات – بجلسة 28 من مايو سنة 1959، بقبوله شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء بإلغاء قرار وزارة العدل فيما تضمن من إغفال تعيين المدعي في وظيفة (موظف قضائي) بالمحاكم الشرعية وما يترتب على ذلك من آثار، وأقامت هيئة مفوضي الدولة أمام المحكمة الإدارية العليا رأيها هذا على أن النصوص القانونية المعمول بها الآن لا تشفع لجهة الإدارة فيما ذهبت إليه من عدم تعيين الطاعن رغم نجاحه في المسابقة لوظيفة موظف قضائي وكان ترتيبه الثاني بين الناجحين، وما دام لا يوجد أي نص في قانون أو لائحة صريح في منع غير الأحناف من حملة العالمية المجردة من تولي القضاء، وما دام نص المادة من لائحة سنة 1897 قد خلا من شرط أن يكون المرشح حنفي المذهب، وما دامت المادة من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية لا يستفاد منها وجوب أن يكون القاضي الشرعي حنفياً. ومعلوم أن المذاهب الإسلامية لا تعدو أن تكون اجتهاداً بين الفقهاء وكلها تدرس لطلاب الأزهر قاطبة، وما دام الطاعن قد نجح بتفوق في مسابقة المرشحين لشغل وظيفة الموظف القضائي وكان عماد المسابقة مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة مما يقطع بإحاطته بأصول هذا المذهب، وما دام القانون رقم لسنة 1955 بإلغاء المحاكم الشرعية قد ألغى المادة من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية القديمة والحديثة، فإن القرار المطعون فيه يكون قد خالف القانون ويتعين القضاء بإلغائه فيما تضمنه من إغفال تعيين المدعي مع ما يترتب على ذلك من آثار.
ومن حيث إنه يتعين بادئ ذي بدء وقبل التصدي لبحث مثار المنازعة بين أسباب الحكم المطعون فيه وأوجه الطعن عليه لتزن هذه المحكمة العليا ذلك الحكم بميزان القانون ثم لتنزل حكمه في هذا الطعن على الوجه الصحيح ما دام المرد في ذلك إلى مبدأ المشروعية نزولاً على سيادة القانون، يتعين التحقق من وقائع الدعوى مستقاة من ملف خدمة الطاعن والأصول الثابتة بالمستندات المودعة ومن عيون الأوراق.
ومن حيث إنه يبين من عرض حالة الطاعن أنه يشغل وظيفة رئيس القلم الكلي للأحوال الشخصية بمحكمة طنطا وأنه حصل من القسم العالي بالجامع الأزهر على شهادة العالمية النظامية سنة 1938 وقررت لجنة قبول المحامين الشرعيين إدراج اسمه بجدول المحامين المقررين أمام المحاكم الكلية. وفي 6 من يناير سنة 1943 عين كاتباً بالمحاكم الشرعية، في الدرجة السادسة فأفاد خبرة فنية عملية شهدت بها وزارة العدل في تقريرها الذي جاء فيه عن الطاعن أنه "إحقاقاً للحق تقرر الوزارة أن تقاريره من رؤساء المحاكم عن السنين 1949، 1950، 1951 أنه كفء في عمله وأخلاقه حسنة. وسيره الشخصي حسن". وفي 24 من إبريل سنة 1952 أصدرت إدارة المحاكم الشرعية بوزارة العدل كتاباً دورياً إلى أصحاب الفضيلة رؤساء المحاكم الشرعية في مختلف أنحاء الجمهورية جاء فيه: "رأت وزارة العدل في سبيل اختيار الموظفين القضائيين بالمحاكم الشرعية إجراء امتحان تحريري للكتبة المبينة أسماؤهم بالكشف المرافق (واسم الطاعن قرين الرقم 37 بالكشف المذكور) – وسيكون اختبارهم في الفقه الجاري تطبيقه في المحاكم والقوانين المعمول بها أمامها وهي: القانون رقم 25 لسنة 1920 الخاص بأحكام الفقه وبعض مسائل الأحوال الشخصية القانون رقم لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية القانون رقم لسنة 1931 الخاص بترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها القانون رقم لسنة 1943 الخاص بأحكام المواريث القانون رقم لسنة 1946 الخاص بأحكام الوقف القانون رقم لسنة 1946 الخاص بأحكام الوصية. وفي التحريات القضائية ودراسة القضايا. واستطرد الكتاب الدوري ذاكراً. ولقد حددت الوزارة لأداء هذا الامتحان يوم الجمعة 21 من شعبان سنة 1371 الموافق 23 من مايو سنة 1952 في تمام الساعة الثامنة صباحاً بمبنى معهد القاهرة. وأوجبت على من يرغب دخوله أن يقدم طلباً برسم سيادة وكيل الوزارة يرفعه إلى المحكمة الكلية التابع لها في موعد لا يتجاوز 10 من مايو سنة 1952 يذكر فيه اسمه بالكامل، والشهادة التي يحملها، وتاريخ حصوله عليها، والمحكمة التي يؤدي عمله بها والمحكمة الكلية التابع لها. فنرجو إبلاغ ذلك جميعه لمن يكون بدائرة المحكمة من بين هؤلاء الكتبة والحصول على توقيع منه بالعلم ومن يرغب في الامتحان يؤخذ منه إقرار بذلك. وعقب انتهاء الميعاد المحدد لتقديم الطلبات يحرر قلم الكتاب كشفاً بما قدم منها ويدون فيه أسماء من رغب في الالتحاق ثم توافى الوزارة بجميع الطلبات وصور شمسية لمقدميها والكشف المشار إليه قبل يوم 15 من مايو سنة 1952 وتقبلوا وافر التحية، توقيع مدير عام المحاكم" ومرفق بهذا الكتاب كشفاً يتضمن أسماء شيخاً وعنوانه: (كشف بأسماء كتبة المحاكم الشرعية الذين اختارتهم الوزارة للامتحان تحريرياً يوم 23 من مايو سنة 1952). وكانت وزارة العدل قد أرسلت إلى فضيلة رئيس محكمة طنطا الشرعية في 5 من نوفمبر سنة 1951 كتاباً رقم جاء فيه (المرجو التنبيه على المذكورين بعاليه بالحضور لأداء الامتحان بوزارة العدل، وهم أربعة مشايخ من كتاب المحكمة وجميعهم من العلماء على المذهب الشافعي، وقالت الوزارة، مع ملاحظة أنهم إذا لم يحضروا فلا يلتفت إلى أقدميتهم في الترقية إلى وظيفة موظف قضائي في هذه الحركة. توقيع مدير عام المحاكم) وجدير بالملاحظة أن اسم الطاعن ليس بين أسماء الكتاب الأربعة وأن الامتحان الذي دعوا للتقدم إليه انعقد في 10 من نوفمبر سنة 1951 ولا رابطة بينه وبين مسابقة 23 من مايو سنة 1952 التي دعي إليها الطاعن وتقدم لها. إنما مفاد هذا الكتاب أن الوزارة دعت بعض الكتبة من العلماء الشافعيين للتقدم إلى امتحان وظيفة (موظف قضائي) ونبهت فيه إلى أنه لا يلتفت إلى أقدمية المرشحين في الترقية إلى وظيفة موظف قضائي إذا هم لم يحضروا الامتحان وينجحوا فيه.
والثابت من الأوراق ومن إقرار وزارة العدل أن الطاعن تقدم إلى امتحان المسابقة الذي دعته الوزارة إليه، وأنه اجتازه بتفوق وكان ترتيبه الثاني بين الفائزين في مسابقة جاء في كتاب الإعلان عنها، وفي مستهل شروطها، أنها ستكون في الفقه الجاري تطبيقه في المحاكم، يعني الفقه الحنفي وفي القوانين المعمول بها أمام المحاكم الشرعية. وقد تضمنت أسئلة الامتحان الفقه على مذهب الأحناف الإجراءات الشرعية التعيينات القضائية. ومنذ تعيين الطاعن كاتباً بالمحكمة الشرعية بطنطا سنة 1943 إلى أن فاز في امتحان وزارة العدل سنة 1952 فإنه كما هو ثابت في ملف خدمته كان يقوم فعلاً بالكثير من أعمال الموظف القضائي بتلك المحكمة سكرتيراً لجلسات المحاكم الشرعية الكلية فضلاً عن أن رؤساء المحاكم والدوائر كثيراً ما أذنوا له بالخصومة في مواد التصرفات في الأوقات وقضايا فسخ النكاح الفاسد وهو أمر يحتاج إلى أمانة وسعة اطلاع وإلمام بأصول المرافعة وتقديم المذكرات مما استحق التنويه به في تلك الأحكام. وبملف هذا الطعن رسالة علمية عملية في تيسير الإجراءات أمام المحاكم الشرعية وضعها الطاعن في رجب سنة 1371 وأهداها إلى رجال التشريع الإسلامي وقد نشرته مجلة المحاماة الشرعية في عددين متواليين في السنة الخامسة والعشرين في صفحات 157، 230 منها، وقد نوهت المجلة المذكورة بقيمة هذا البحث ومن المستندات الرسمية المقدمة في الدعوى شهادتان صادرتان من مدير إدارة الامتحانات بالجامع الأزهر الشريف، الأولى في أكتوبر سنة 1956 جاء بها: (أن الشيخ عبد الرحمن رضوان نجا قد نجح في امتحان شهادة العالمية النظامية عام (1937/ 1938). وهذه الشهادة من الشهادات العليا بمقتضى المادة من القانون رقم 26 لسنة 1936 وبمقتضى المادة المعدلة بالقانون رقم 290 سنة 1954 تمنح مشيخة الجامع الأزهر شهادات العالمية، والعالمية مع الإجازة، والعالمية من درجة أستاذ. ووقعها كل من رئيس مجلس الوزراء وشيخ الجامع الأزهر. وتعتبر شهادة العالمية من الشهادات العليا من حيث الحقوق التي تخولها لحامليها.) والثانية في أكتوبر سنة 1960 جاء بها (بمراجعة سجل الناجحين في امتحان شهادة العالمية النظامية تبين أن اسم الشيخ عبد الرحمن رضوان نجا من بين الناجحين في هذه الشهادة عام 1937/ 1938 الدراسي. وهذه الشهادة من الشهادات العليا مثل، العالمية مع الإجازة. وقد جعل مجلس الوزراء لحامليها الحق في التعيين في الدرجة السادسة الفنية، وذلك في 21 من أغسطس سنة 1944) والثابت من الأوراق أيضاً أنه على الرغم من تلبية الطاعن لدعوة الوزارة التي خصت الطاعن بذكر اسمه في الكشف المرفق بكتابها الدوري المؤرخ 24 من إبريل سنة 1952 والمنطوي على شروط المسابقة وما تهدف إليه، وليس بين شروطها استلزام مذهب معين في المرشحين لدخولها، بل على العكس من ذلك فإن في مقدمة شروطها أن الاختبار سيكون في الفقه الجاري تطبيقه في المحاكم الشرعية وفي القوانين المعمول بها أمامها. وعلى الرغم من أن الوزارة تعلم مذهب كل من الكتبة المرشحين لدخول الامتحان وذلك من ملف خدمة كل موظف بإدارة المحاكم الشرعية، وكذلك من بيانات الطلب المقدم لها من كل مرشح لدخول الامتحان، كما أن الوزارة تعلم من بيانات الطلب المقدم إليها اسم ونوع ودرجة ومصدر الشهادة التي يحملها كل متقدم للامتحان. وعلى الرغم من هذه الاعتبارات الواضحة جميعاً وعلى الرغم من أن الطاعن استجاب لدعوة الوزارة وتقدم لامتحان المسابقة وكان في مقدمة الفائزين فيها. فقد صدر القرار الوزاري المطعون فيه رقم في 29 من أغسطس سنة 1953 موقعاً عليه من السيد وزير العدل متضمناً تعيين شيخاً من كتبة المحاكم الشرعية موظفاً قضائياً بها وجميعهم ممن اجتازوا امتحان المسابقة، وأول المعينين بهذا القرار هو الشيخ أحمد محمد عمار الذي كان ترتيبه الأول في امتحان المسابقة، وكان الطاعن هو التالي له مباشرة في ترتيب النجاح ومع ذلك فقد أغفل عامداً قرار التعيين ذكر اسمه، لا لسبب إلا لأنه غير حنفي المذهب أو لأنه غير حائز لإجازة القضاء ما دام الثابت أنه شافعي المذهب. فبادر الطاعن إلى التظلم من هذا القرار أمام اللجنة القضائية ونعى عليه مخالفته للقانون فضلاً عن أنه مشوب بإساءة استعمال السلطة إذ أهدر مبدأ المساواة في المعاملة عند التعيين بين الناجحين وأخلَّ بقاعدة تكافؤ الفرص بين المواطنين. ولما أن صدر قرار اللجنة القضائية برفض تظلمه أقام الطاعن استئنافاً لذلك القرار أمام محكمة القضاء الإداري التي أخذت بذات أسباب قرار اللجنة وانتهت إلى رفض الطعن وتأييد القرار المطعون فيه.
ومن حيث إن إدارة المحاكم الشرعية بوزارة العدل دفعت الدعوى بأن القرار المطعون فيه رقم لسنة 1943 قد صدر صحيحاً مطابقاً لأحكام القانون واللوائح مبرأ من عيب الانحراف. وقد أفصحت الوزارة عن سبب ترك الطاعن في التعيين لوظيفة (موظف قضائي) لا لسبب آخر سوى أنه ليس من الأحناف. فلو كان حنفي المذهب لاستوفى بذلك كافة مقومات التعيين في إحدى تلك الوظائف، ولانطوى القرار المطعون فيه على اسمه. ولكن الثابت أن الطاعن، (بحق) شافعي المذهب ومع ذلك فإنه حاصل على شهادة العالمية النظامية وحدها سنة 1938 دون أن تكون مقرونة بإجازة القضاء الشرعي، ولو كان رغم أنه شافعي المذهب حاصلاً على شهادة العالمية مع إجازة القضاء لما أغفل كذلك القرار المطعون فيه ذكر اسمه بين من شملهم التعيين. وحاصل أسانيد الوزارة في ذلك وقد جرى مجراها قرار اللجنة القضائية ومن بعده الحكم المطعون فيه، أن الوزارة قد درجت على ألا يعين في الوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية إلا من كان حنفي المذهب وحاملاً لشهادة العالمية من الأزهر أو من مدرسة القضاء الشرعي أو شهادة التخصص. وذلك بالتطبيق لقوانين الجامع الأزهر والقضاء الشرعي والمحاكم الشرعية. وإذ خصصت تلك الأصول القضاء الشرعي في مصر بمذهب أبي حنيفة فإن ذلك يستتبع حتماً في نظر الوزارة أن يكون القاضي قد درس الأحكام الواجبة التطبيق دراسة عميقة مفصلة وهذا لا يتأتى إلا إذا كان القاضي حنفي المذهب. واستمر العمل على ذلك إلى أن صدر قانون الأزهر رقم لسنة 1936 وتقول الوزارة أن هذا القانون أجاز لغير الأحناف الحصول على إجازة القضاء الشرعي وجعل لمن يحصلون عليها الحق في وظائف القضاء الشرعي مهما كان مذهبهم. وتقر وزارة العدل أنها سارت أخيراً على تعيين غير الأحناف بشرط أن يكونوا من الحاصلين على إجازة القضاء الشرعي. أما من يحملون شهادات أخرى كالعالمية النظامية مثلاً فإنهم لا يعينون في هذه الوظائف إلا إذا كانوا من الأحناف، وهذا شرط لازم. ولما كان الطاعن من غير الأحناف وإنما هو شافعي المذهب ولا يحمل سوى شهادة العالمية النظامية سنة 1938 دون أن تكون معه إجازة القضاء الشرعي، تعين لهذا السبب وحده إغفال تعيينه في القرار المطعون فيه. ومن ثم لا يكون له الحق في التظلم منه، ولا في هذا الطعن.
ومن حيث إنه لا وجه لما أثارته وزارة العدل من أن تخصيص القضاء الشرعي بمذهب أبي حنيفة لا يستتبع ألا يولى القضاء الشرعي إلا الأحناف وحدهم، فاشتراط مذهب معين للقضاء به لا يستلزم أن يكون القاضي من أرباب هذا المذهب، ومرد ذلك إلى تقصي أصل السلطة القضائية في الإسلام، فإنها لم تكن مستقلة عن السلطة التنفيذية إذ كان الخليفة يجمع بينهما وهو الذي يولي القضاة ويعزلهم ويجوز أن يلي القضاء بنفسه، وكان النبي عليه الصلاة والسلام، ومن بعده الخلفاء الأربعة، يقضون بين الناس فلما اتسعت شئون الملك وكثر عمال الخليفة صار الخلفاء يولون القضاء في الأمصار والأقاليم، وصار القضاء يستقل شيئاً فشيئاً حتى كسب له وجوداً متميزاً عن نطاق السلطة التنفيذية، ولما اندمجت مصر في الدولة الإسلامية بالفتح العربي وصارت إقليماً إسلامياً حتى اليوم حلت الشريعة الإسلامية محل الشريعة اليونانية فازداد عدد الفقهاء وتضاعف المجتهدون.
ومن أعلامهم الإمام الشافعي رضي الله عنه وكان من النزلاء بمصر، قرب مذهبه بين المذهبين الكبيرين اللذين سبقاه، مذهب الإمام الأكبر أبي حنيفة النعمان، وهو مذهب أهل الرأي ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه وهو مذهب أهل الحديث، وما زال المجتهدون يتوالون في مصر حتى أنشئ الجامع الأزهر الشريف في عهد الدولة الفاطمية فضمن للعلوم الإسلامية مركزاً ثابتاً دائماً وجعل لمصر مكانة ممتازة بين البلاد العربية وأصبح الهيئة العلمية الإسلامية الكبرى التي تقوم على حفظ التراث الإسلامي ودراسته وتجليته ونشره وتحمل أمانة الرسالة الإسلامية إلى كل الشعوب وتعمل على إظهار حقيقة الإسلام وأثره في تقدم البشر ورقي الحضارة وكفالة الأمن والطمأنينة وراحة النفس لكل الناس في الدنيا والآخرة، وكان يلي القضاء في مصر قضاة ترسلهم حكومة الخلافة وكلما استقلت مصر بشئونها استقلت بقضائها حتى جاء محمد علي فأنشأ مجالس شرعية للمسائل الشرعية ومجالس أقاليم للشئون الإدارية والمالية وجعل على رأس هذه المجالس مجلس الأحكام ومقره القاهرة. أما القضاء الشرعي فقد كان على رأسه قاضي مصر يعينه السلطان العثماني حتى الخامس من نوفمبر سنة 1914 يوم انقطعت التبعية بين مصر وتركيا وكان في تطبيق دائرة القضاء الشرعي ما سهل بذل العناية في إصلاحه وصدرت عدة لوائح لترتيب المحاكم الشرعية وأهمها لائحة سنة 1880 ثم لائحة سنة 1897 ثم لائحة سنة 1909 فلائحة 1910 وكل لائحة تلي السابقة عليها تجري تعديلاً وتنقيحاً ظاهراً فيها وقد امتزجت في هذه اللوائح الشريعة الإسلامية بالقانون الحديث امتزاجاً كان له أثر في التطور التشريعي وخاصة في مسائل الأحوال الشخصية. والقضاء في الإسلام هو فصل الخصومات وقطع المنازعات ليخرج الصلح بين الخصمين، وتشترط في القاضي الشروط التي تشترط في الشاهد وقت الأداء، لأن القضاء من باب الولاية كالشهادة بل هو من أعظم الولايات وحينئذٍ يشترط في القاضي: العقل والبلوغ والحرية والبصر والنطق وعدم الحد في قذف، وألا يجر لنفسه مغنماً بهذا القضاء، والعدالة وعدم ارتكاب شيء يدل على قصر العقل أو يخل بالمروءة فضلاً عن أهلية الاجتهاد بشروطها المعروفة.
وكان القضاء على المذهب السائد في الإقليم، ففي مصر ساد المذهب الشافعي بادئ الأمر وذلك إلى أن تملك الفاطميون الأمر، فساد مذهب الشيعة، وعاد المذهب الشافعي بزوال الدولة الفاطمية، ولما ولِّي الظاهر بيبرس عين أربعة قضاة من المذاهب الأربعة وأصبح لكل قاض منهم نواب في الأقاليم بمذهبه، فلما جاء العثمانيون حصروا القضاء الشرعي في مذهب أبي حنيفة وولوا قاضياً شرعياً منهم تنتدبه حكومة الأستانة للقضاء في هذه الديار حتى أعلنت مصر من جانبها في 5 من نوفمبر سنة 1914 الانفصال عن تركيا وسلمت تركيا واعترفت بهذا الانفصال في 31 من أغسطس سنة 1924 تاريخ نفاذ معاهدة لوازن وانقضاء عهد العثمانيين في مصر وزوال الجنسية العثمانية من أراضيها. ومن حيث إنه على مقتضى ذلك الذي كان سائداً على النحو السالف عرضه كان من المنطقي أن تنص المادة العاشرة من لائحة المحاكم الشرعية الصادرة في 17 من يونيو سنة 1880 على أنه (يجب أن تكون الأحكام مبنية على أرجح الأقوال في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه ولا يعدل عنه إلى غيره). إلا أنه نظراً لدفع الفساد وكثرة الجرأة على إزهاق الأرواح المعصومة تحاكم القضاة والمأمورون بالقضاء في مواد القتل بمذهب الإمامين الجليلين صاحبي الإمام الأعظم والأئمة الثلاث في مسائل القتل العمد بحسب المنشورات الصادرة.
وظاهر من النص المذكور أنه لم يتعرض لمذهب القاضي. أما طريقة اختيار رجال القضاء الشرعي فقد أخذت أطواراً مختلفة باختلاف الأزمنة والظروف. فنص في المادة الرابعة من لائحة 1880 على أن "انتخاب وتعيين قاضي العاصمة المحروسة وهو القاضي التركي يكون منوطاً بذات الحضرة الخديوية حسب القواعد المرعية" ونصت المادة الخامسة منها على أن "باقي القضاة تكون توليتهم أيضاً بأمر الحضرة الخديوية بعد الانتخاب والتعيين بمعرفة قاضي مصر وشيخ الجامع الأزهر ومفتي السادة الحنفية بحضور ناظر الحقانية أو من ينوب عنه. ومن ينتخب ويعين بمعرفة هذه الجمعية، ولو بأغلبية الآراء يعرض عنه للحضرة الخديوية من طرف النظارة المذكورة، لصدور الأمر بذلك". وتنص في المادة السادسة منها على أنه "لا يقتصر في الانتخاب على مجرد العالمية بل لا بد من توفر شروط حسن السير والإدارة وكمال العفة والاستقامة ومراعاة الاستعداد والأهلية". فليس في لائحة يونيه سنة 1880 ما يشير إلى ضرورة أن يكون القاضي الشرعي من الأحناف، وليس في قوانين الجامع الأزهر الشريف القديمة منذ أول فبراير سنة 1872 لغاية أول نوفمبر سنة 1896 ما يفيد ذلك ولم تتعرض هذه القوانين لشيء سوى بيان من يكون أهلاً للتدريس في الجامع الأزهر. بل إنه في تلك الحقبة من الزمن لم يكن يشترط في تعيين القاضي الشرعي أن يكون حاصلاً على شهادة علمية خاصة بل كان الأمر في ذلك موكولاً لرأي لجنة الاختيار. وكثيراً ما كان يعين في الوظائف القضائية من يختارون لذلك من طلاب الأزهر الذين لم يحصلوا على شهادة العالمية بعد إجراء امتحان لهم في نظارة الحقانية. والسبب في اختيار طلاب القضاء في ذلك الزمن يرجع إلى إباء أكثر علماء الأزهر الشريف تولي القضاء آنئذٍ تأثماً وتفادياً من التبعات وخشية الوقوع في المظالم.
وفي 10 من ديسمبر سنة 1891 صدر أول نص تشريعي يوجب أن يكون القاضي الشرعي حنفياً وذلك هو القرار الصادر من ناظر الحقانية المنشور في ص 53 جزء ثالث من قاموس الإدارة والقضاء نص فيه على ما يأتي: (بعد الاطلاع على البندين الخامس والسادس من لائحة المحاكم الشرعية الصادر بها الأمر العالي بتاريخ 17 من يونيه سنة 1880 وبموافقة أغلبية الجمعية المنعقدة لدينا بنظارة الحقانية بحضور قاضي مصر وحضرات شيخ الجامع الأزهر ومفتي السادة الحنفية ومفتي نظارة الحقانية ومفتي بيت المال ومجلس حسبي مصر ومفتي ديوان الأوقاف ومفتش المحاكم الشرعية والشيخ حمزة فتح الله مفتش اللغة العربية بنظارة المعارف، تقرر ما هو آت: الانتخاب لوظائف القضاء والنيابة والإفتاء بالمديريات والمحافظات يكون بحسب القواعد الآتية كل طالب للدخول في الوظائف المذكورة يكون حنفي المذهب ومتلقياً للعلوم الآتي ذكرها… يحصل امتحان للطالبين أمام جمعية الانتخاب المنصوص عليها بالبند الخامس من لائحة المحاكم الشرعية ويكون الامتحان شفاهاً في كل من العلوم المذكورة بالمادة الثانية وتحريرياً في الفقه والتوثيقات وقسمة الشركات والحساب).
ولكن هذا القرار قد ألغته اللائحة الصادرة في سنة 1910 والتي ألغت كذلك لائحة سنة 1880 لتحل محلها، وبذلك ما لبث أن اندثر أول نص تشريعي كان يقضي بأن يكون القاضي الشرعي حنفي المذهب.
فلما أن صدرت لائحة ترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها في 27 من مايو سنة 1897 نصت المادة العاشرة منها على أن (انتخاب قاضي مصر يكون منوطاً بنا، وتعيينه يكون حسب القواعد المرعية. وانتخاب وتعيين مفتي الديار المصرية يكون منوطاً بنا وبأمرنا بالطرق المتبعة). ثم نصت المادة 11 من هذه اللائحة على أن تعيين الرؤساء والنواب وقضاة المحاكم الشرعية يكون بأمر من ولي الأمر بناءً على طلب وزير الحقانية وموافقة رأي مجلس الوزراء ولكن قبل التعيين تشكل لجنة لانتخاب القضاء ولجنة الانتخاب المشار إليها مقيدة في انتخابها بنص المادة 19 من اللائحة وهي تنص على وجوب مراعاة شروط مخصوصة فيمن يرشح للدخول في وظيفة القضاء الشرعي يصدر بها دكريتو بناءً على طلب وزير الحقانية وموافقة رأي مجلس الوزراء، ولم يصدر مثل هذا الدكريتو إلى الآن، ومن أجل هذا فقد جرى العمل بالرجوع في شروط تعيين القضاة الشرعيين إلى أحكام المادة من تلك اللائحة التي تشترط في القاضي الشروط الآتية أن يكون له دراية كافية بالأحكام الشرعية حسن السير عدم الحكم عليه بأحكام مخلة بالشرف ألا ينقص سنِّه عن 25 سنة ويشترط في من ينتخب قاضياً لمحاكم المراكز أن يكون حائزاً لشهادة العالمية من الجامع الأزهر أو من إحدى الجهات المصرح لها من مشيخة الجامع الأزهر بإعطاء الشهادة المذكورة، وأن يكون حائزاً لشهادة اللياقة للقضاء أو الإفتاء من مدرسة دار العلوم، وقضاة وأعضاء المجالس الشرعية ينتخبون من الحائزين لشهادة العالمية المذكورة أو من القضاة الموظفين مع مراعاة الأقدمية واللياقة" وقد جرت العادة على أن القضاة الشرعيين ينتخبون من بين حملة شهادة العالمية من الأزهر أو من مدرسة القضاء الشرعي، ففي 25 من فبراير سنة 1907 صدر القانون رقم لسنة 1907 بإنشاء أول مدرسة للقضاء الشرعي، وكان قانون الأزهر الساري المفعول في ذلك التاريخ هو قانون أول يوليو سنة 1896، ولم ينص في قانون سنة 1907 على أنه يشترط في الأهلية للقضاء بالمحاكم الشرعية الحصول على الشهادة النهائية من تلك المدرسة، ولكن نصت المادة منه على أن الحاصل على هذه الشهادة يصير أهلاً بموجبها للقضاء بالمحاكم الشرعية، ومعنى ذلك أنه حتى بعد إنشاء أول مدرسة للقضاء الشرعي سنة 1907 استمر التشريع الخاص بشروط التعيين في القضاء الشرعي حسب ما قضت به المادة من لائحة المحاكم الشرعية لسنة 1897. ثم لما صدر القانون رقم لسنة 1909 للمحاكم الشرعية بتعديل العشرين مادة الأولى من لائحة 27 مايو سنة 1897 نص فيه صراحة على استمرار العمل بالمادة السالف ذكرها وذلك إلى أن يصدر الأمر الحالي المشار إليه في المادة من القانون رقم لسنة 1909. وهذه المادة تنص على أن (شروط الدخول في وظيفة القضاء الشرعي تبين في أمر منَّا بناءً على طلب الحقانية وموافقة رأي مجلس النظار بعد أخذ رأي مجلس شورى القوانين). وحاصل هذه النصوص أنه حتى بعد تعديل قانون سنة 1909 استمر التشريع يجيز اختيار القضاة الشرعيين إما: من الحاصلين على شهادة العالمية من الأزهر، أو شهادة اللياقة عن دار العلوم أو من غير الحاصلين على أية شهادة حسب التفصيل الذي بينته المادة من لائحة سنة 1879. وفي 21 من ديسمبر سنة 1914 في أعقاب انفصال مصر عن تركيا صدر القانون رقم لسنة 1914 فألغى المادة العاشرة من القانون رقم لسنة 1909 وهي المادة الخاصة بتعيين قاضي مصر التركي. كما ألغى ما قضت به المادة الخاصة بتشكيل لجنة بنظارة الحقانية لانتخاب القضاة الشرعيين لأن تشكيلها كان يشمل وجود قاضي مصر التركي بها. وفي نفس التاريخ 21 من ديسمبر سنة 1914 أصدر وزير الحقانية قراراً وزارياً بتشكيل لجنة أخرى لاختيار القضاة الشرعيين تؤلف من الوزير رئيساً ومن شيخ الجامع الأزهر ومفتي الديار المصرية ورئيس المحكمة العليا الشرعية وأحد مفتشي المحاكم الشرعية. ويلاحظ عدم وجود مفتي السادة الحنفية في تشكيل هذه اللجنة وقد كان عضواً في اللجنة التي شاركت في إعداد قرار ناظر الحقانية في 10 من ديسمبر سنة 1891 الذي اشترط أن يكون طالب الدخول في وظائف القضاء الشرعي حنفي المذهب، ثم في 26 من أغسطس سنة 1923 صدر القانون رقم لسنة 1923 بوضع نظام جديد لمدرسة القضاء الشرعي وبإنشاء شهادة تخصص في الشريعة الإسلامية.
ونص في المادة الأولى منه على أن تكون مدرسة القضاء الشرعي قسماً من الجامعة الأزهرية الكبرى وبهذا الاعتبار تكون تحت إشراف شيخ الجامع الأزهر. وجاء في المادة الرابعة منه على أنه يشترط فيمن يدخل هذه المدرسة أن يكون حاصلاً على شهادة العالمية وأن يكون حنفي المذهب. ولكن هذه المادة ما لبثت أن عدلت بالمرسوم الصادر في 11 من مارس سنة 1925. ونصت المادة التاسعة من قانون سنة 1923 على أنه (لا يجوز أن يعين بالقضاء الشرعي علماء حاصلون على شهادة العالمية بعد سنة 1926 ما لم يكونوا قد نالوا البراءة الملكية المنصوص عليها في المادة الثامنة من هذا القانون.) ولم تلبث أن عدلت هذه المادة أيضاً بالمرسوم الصادر في 11 من مارس سنة 1925 ثم ما لبثت أن ألغيت بتاتاً بمقتضى المادة من القانون رقم لسنة 1927 بنظام مدرسة القضاء الشرعي – المنشور بالوقائع المصرية العدد 69 صفحة في 15/ 8/ 1927 – ونصت المادة منه على أن (تلغى القوانين واللوائح السابقة الخاصة بمدرسة القضاء الشرعي). وقد نصت المادة الثانية منه على أنه (يشترط فيمن يدخل هذه المدرسة أن يكون حاصلاً على الشهادة الثانوية للمدرسة التجهيزية لدار العلوم أن يكون صحيح الجسم سليماً من العاهات أن يكون حميد السيرة لم يسبق الحكم عليه بسبب أمر مخل بالشرف ولا يعرف بالتساهل في أمور دينية). وهذا القانون لم يشترط فيمن يدخل هذه المدرسة أن يكون حنفي المذهب كما كانت تقضي بذلك المادة الرابعة من قانون 34 لسنة 1923. وحصرت المادة الرابعة من قانون رقم لسنة 1927 المواد التي تدرس في هذه المدرسة بوضعها الجديد ومن بين هذه المواد: (التفسير والحديث والفقه على المذهب الحنفي مع المقارنة بين المذاهب ثم أصول الفقه وآداب البحث وتاريخ الإسلام.. إلخ). ومع هذا الاتجاه التشريعي الملحوظ نحو التحلل التدريجي من الطابع الحنفي بزوال العنصر العثماني من مجالات القضاء المصري فإن القانون رقم لسنة 1927 هو أيضاً قد ألغي بأكمله بمقتضى المادة فقرة ثالثة من المرسوم بقانون رقم لسنة 1930 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية. وجاء بهذه الفقرة (…. وكذلك يلغى القانون رقم لسنة 1927، الخاص بمدرسة القضاء الشرعي.) وقضى هذا القانون بإنشاء الكليات الثلاث (كلية الشريعة، وكلية أصول الدين، وكلية اللغة العربية. وجعلت مدة الدراسة في كل كلية سنوات ينال الطالب في ختامها شهادة تسمى (الشهادة العالية) يمنحها شيخ الجامع الأزهر ونص هذا القانون على إنشاء قسم للتخصص في القضاء الشرعي والمحاماة يكون تابعاً لكلية الشريعة وينال الطالب منه (شهادة العالمية ببراءة ملكية) وهي التي تعتبر من الشهادات العليا وتؤهل لوظائف القضاء بالمحاكم الشرعية والإفتاء والمحاماة دون الشهادة العالية التي يمنحها شيخ الجامع الأزهر. ثم صدر القانون رقم لسنة 1933 بشأن التخصص في القضاء الشرعي فنص على أن طلبة هذا التخصص يختارون من خريجي كلية الشريعة وأن مدته ثلاث سنوات وأن شهادته تؤهل للوظائف القضائية في المحاكم الشرعية. وفي 26 من مارس سنة 1936 صدر المرسوم بقانون رقم لسنة 1936 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر وعدل بالقانون رقم لسنة 1938 ونص في مادته الثانية على أن كلية الشريعة يتبعها قسمان: ( أ ) قسم إجازة القضاء الشرعي (ب) وقسم التخصص في الفقه والأصول. وحدد هذا القانون مدة الدراسة في كل قسم منهما بسنتين، وقرر أن المتخرج من قسم إجازة القضاء الشرعي يمنح شهادة العالمية مع إجازة القضاء الشرعي. ونصت المادة من هذا القانون على أن الحائزون لشهادة العالمية مع إجازة القضاء يكونون أهلاً للوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية والإفتاء والمحاماة أمام المحاكم الشرعية والمجالس الحسبية). ومثل هذا النص كان موجوداً في المادة من المرسوم بقانون رقم لسنة 1930. ويلاحظ أن المادة من المرسوم بقانون رقم لسنة 1936 قد نصت على إلغاء المرسوم بقانون رقم لسنة 1930 الخاص بإعادة تنظيم الجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية كما ألغت أيضاً هذه المادة القانون رقم لسنة 1933 الخاص بتنظيم التخصص في الجامع الأزهر وكذلك كل ما يخالف قانون سنة 1936 من أحكام. ومفاد هذه النصوص أن قوانين الأزهر التي صدرت بعد القانون رقم لسنة 1923 لم تنص على مثل ما نصت عليه المادتان الرابعة والتاسعة من قانون مدرسة القضاء الشرعي رقم لسنة 1923 ولا على اشتراط الحصول على أي شهادة علمية في التعيين في وظائف القضاء الشرعي وإنما اقتصرت على النص على أن الحاصلين على الشهادات المذكورة فيها يكونون أهلاً لوظائف القضاء بالمحاكم الشرعية.
ومن حيث إن أول لائحة بترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها وهي التي صدرت بدكريتو 27 من مايو سنة 1897 جاءت خالية من أي نص صريح أو ضمني يوصي بضرورة أن يكون القاضي الشرعي من الأحناف، على أنه في عام 1920 صدر القانون رقم فأدخل تعديلاً في نص المادة من هذه اللائحة القديمة فصارت على النحو الآتي: "يجب أن تكون الأحكام بأرجح الأقوال من مذهب أبي حنيفة، وبما دوِّن بهذه اللائحة وبمذهب أبي يوسف عند اختلاف الزوجين في مقدار المهر. ومع ذلك فإن المسائل المنصوص عليها في القانون رقم لسنة 1920 الخاص بأحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية يكون الحكم فيها طبقاً لأحكام ذلك القانون". وعلى الرغم من أن المادة من لائحة سنة 1897 قد بينت المقومات اللازمة في القاضي الشرعي ومنها الدراية الكافية بالأحكام الشرعية، وأن يكون حائزاً لشهادة العالمية من الجامع الأزهر أو من إحدى الجهات المصرح لها من مشيخة الجامع الأزهر بإعطاء الشهادة المذكورة أو أن يكون حائزاً لشهادة اللياقة أو الإفتاء من مدرسة دار العلوم، ولم تشترط هذه المادة على الإطلاق أن يكون القاضي الشرعي حنفياً. ومع ذلك فقد نصت المادة من هذه اللائحة لسنة 1897 على وجوب مراعاة شروط مخصوصة فيمن يرشح للدخول في وظيفة القضاء الشرعي يصدر بها دكريتو. وثابت أن هذا الدكريتو لم يصدر إلى الآن. وكان يتعين صدور مثل هذا الدكريتو لوضع ضابط يرد الأوضاع إلى سند من القانون سليم كما جرى عليه الحال في شأن قضاة المحاكم الأهلية المصرية وأعضاء النيابة فيها. فقد تظلم هذا المرفق الديكريتو الصادر في 4 من نوفمبر سنة 1893 وقال في مادته الأولى عن الشروط اللازمة للتوظف في المحاكم الأهلية بوظيفة قاضي أو عضو نيابة أو بوظيفة أخرى: (لا يجوز توظيف أحد بوظيفة قاضي في إحدى المحاكم الأهلية ولا بوظيفة عضو بالنيابة العمومية فيها إلا إذا كان بيده شهادة "دبلوما" من مدرسة الحقوق الخديوية بمصر أو من إحدى مدارس أوربا دالة على إتمامه الدروس في علم الحقوق…). ونصت المادة الثانية من هذا الديكريتو على الصفات اللازم توافرها في القاضي زيادة على الشروط المقررة في المادة الأولى وفي لائحة ترتيب المحاكم الأهلية. وفي ذلك يقول بعض شراح قانون المرافعات في تعليقهم على نظام ولوائح المحاكم الشرعية "أن التشريع الذي وعدت به المادة 19 من لائحة سنة 1897 ببيان شروط التعيين في وظيفة القضاء الشرعي لم يصدر حتى كتابة هذه السطور في سنة 1935 ولذلك لا يزال المعمول به في هذا الشأن هي أحكام لائحة 1897 فيشترط فيمن يعين قاضياً أن يكون حاصلاً على شهادة العالمية من الجامع الأزهر أو غيره من المعاهد المقررة كالقسم العالي من مدرسة القضاء الشرعي" وقال البعض الآخر في شرح لائحة ترتيب المحاكم الشرعية (صفحة 57).
(لذلك يرجع في شروط تعيين القضاة الشرعيين إلى أحكام المادة من لائحة سنة 1897 وليس من بينها أن يكون القاضي حنفي المذهب وإنما يجب أن يكون القاضي حائزاً لشهادة العالمية من الجامع الأزهر أو من إحدى الجهات المصرح لها من مشيخة الأزهر بإعطاء الشهادة المذكورة. وقد جرت العادة حتى الآن على أن القضاة ينتخبون من بين حملة شهادة العالمية من الأزهر أو من مدرسة القضاء الشرعي).
ولما كان حكم المادة من لائحة سنة 1897 لم ينفذ حتى صدرت لائحة سنة 1931 وألغت اللائحة القديمة بأسرها فقد ظل حكم المادة قائماً ساري المفعول في صفات ومقومات المرشحين للقضاء الشرعي إلى أن لحق هذه المادة أيضاً الإلغاء وذلك بصدور المرسوم بقانون رقم في 12 من مايو سنة 1931 مشتملاً على اللائحة الجديدة بترتيب المحاكم الشرعية والإجراءات المتعلقة بها ونصت المادة الأولى منه على إلغاء لائحة 27 مايو سنة 1897 والقوانين المعدلة له. ومن عجب أن المادة من هذه اللائحة الجديدة لسنة 1931 قد نصت من جديد أيضاً على أن (شروط التعيين في وظيفة القضاء الشرعي تبين بقانون) ولم يصدر هذا القانون حتى الآن. بل لم يعد اليوم محل لإصداره بعد إلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية بالقانون رقم لسنة 1955 وحاصل هذا التقصي الدقيق لتطور التشريع الخاص بالمحاكم الشرعية حتى يوم إلغائها سنة 1955 صار الوضع أنه لا يوجد تشريع ينص على اشتراطات خاصة في من يعين قاضياً بالمحاكم الشرعية. وما جرى عليه العمل منذ عام 1897 من تعيين الحاصلين على شهادة العالمية حتى يومنا هذا مرده القانوني إلى استمرار قيام المادة من لائحة سنة 1897 لغاية 12 مايو سنة 1931 كما أن مرده كذلك إلى تقاعس المشرع عن تنفيذ ما أمرت به المادة من لائحتي المحاكم الشرعية القديمة والحديثة. وظل حكم المادة ساري المفعول على الرغم من قيام قوانين الجامع الأزهر الصادرة سنة 1908 ثم سنة 1911 ثم سنة 1923 وفي ذلك دلالة كل الدلالة على أن ما ورد ذكره بقوانين الأزهر عن ما تؤهل له شهادة العالمية أو حتى شهادة العالمية مع التخصص أو الإجازة لم يكن المقصود منه قصر وظائف القضاء الشرعي على حامل شهادة العالمية مع التخصص أو الإجازة ولم يكن المقصود منه قصر هذا القضاء على أصحاب المذهب الحنفي وإنما الحق هو أنه سيقت قوانين الأزهر ونصوصه التي تعرضت للقضاء الشرعي ومن يشغل وظائفه، سيقت لمجرد بيان ما تؤهل له تلك الشهادات.
ومن حيث إنه بمراجعة تشريعات الأزهر نجد أن القوانين المنظمة له والصادرة في الفترة القديمة من أول فبراير سنة 1872 لغاية أول نوفمبر سنة 1896 لم تعرض لشيء سوى بيان من يكون أهلاً للتدريس في الأزهر. ثم صدر قانون سنة 1908 فنص في مادته – (على أن الحنفي الحائز لشهادة العالمية يكون أهلاً لوظائف القضاء والإفتاء) وواضح أن هذه المادة لم تعرض إلا لبيان أهلية الحنفي الحاصل على شهادة العالمية من الجامع الأزهر. ولكن هذا النص لم يتعرض لوضع العالم غير الحنفي. ومع ذلك فقد ألغي فعلاً هذا النص بإلغاء قانون الأزهر لسنة 1908 إلغاءً كاملاً بالمادة من القانون رقم لسنة 1911 بشأن قانون الجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية. وقد نصت المادة من قانون سنة 1911 على أن (الحائزين لشهادة العالمية يكونون أهلاً لوظائف التدريس في الجامع الأزهر والمعاهد الأخرى وفي المساجد والوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية والإفتاء إذا كانوا حنفيين، وللمحاماة أمام المحاكم الشرعية.) وواضح أن هذا النص لا يتعرض لغير أهلية الحنفي الحاصل على شهادة العالمية. ومع ذلك فقد ألغي هذا النص والقانون الشامل له بأسره بمقتضى المادة من المرسوم بقانون رقم لسنة 1930 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر والمعاهد الدينية العلمية الإسلامية وهو القانون الذي أنشأ لأول مرة كلية الشريعة وقسم التخصص في القضاء الشرعي والمحاماة بها. وقد نصت المادة 73 من هذا القانون على أن (الحائزين لشهادة العالمية من قسم التخصص في مهنة التدريس يكونون أهلاً للتدريس في المعاهد الدينية وفي مدارس الحكومة. والحائزين لشهادة العالمية من قسم التخصص في القضاء يكونون أهلاً للوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية والإفتاء والمحاماة أمام المحاكم الشرعية والمجالس الحسبية. والحائزين لشهادة العالمية من قسم التخصص في الوعظ والإرشاد يكونون أهلاً لوظائف الوعظ والإرشاد.) وهذا النص هو بعينه النص الوارد في المادة من المرسوم بقانون رقم لسنة 1936 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر. وغني عن القول أن هذين النصين لم يرد فيهما شيء أكثر من بيان ما تؤهل له شهادة التخصص في القضاء أو شهادة العالمية مع إجازة القضاء. فهذه المادة المكررة طبق الأصل في كل من قانون سنة 1930، وقانون سنة 1936 تبين ما تؤهل له هذه الشهادة لكل من يحصل عليها من الوظائف. ولكنها أبعد من أن تبين ما تستلزمه تلك الوظائف من مؤهلات ومسوغات. وفضلا ًعن ذلك فإن هذه المادة لم تتعرض للمذاهب ولا يمكن أن نستخلص منها أنها تحرم تعيين غير الأحناف في وظائف القضاء الشرعي ولا يجوز أن نستظهر منها أنها تنادي بتعيين الأحناف وحدهم. فليس لهذا النص الوارد في القانون لسنة 1936 والذي هو ترديد لنص المادة لسنة 1930 حكم في العالم غير الحنفي المذهب، ولا في العالم الحاصل على شهادة العالمية النظامية والتي يستحيل على حاملها أن يقرن بها إجازة القضاء أو تخصص القضاء لأنه قد حصل عليها في ظل النظام السابق لعهد إنشاء كليات الجامع الأزهر بالقانون رقم لسنة 1930 ويجدر التنبيه إلى أن ما أجاز التقدم إلى امتحان شهادة العالمية النظامية للحصول عليها رغم قيام نظام الكليات ونظام التخصص بالجامع الأزهر منذ سنة 1930 تم في ظل قانون سنة 1936 الذي أجاز تلك الفرصة هو نص المادة من القانون رقم 26 لسنة 1936 الذي يقرر (تلغى الدراسة في القسم العالي المقرر بمقتضى القانون رقم لسنة 1911 بانتهاء سنة 1935/ 1936 الدراسية ويلغى امتحان شهادة العالمية (النظامية) لذلك القسم بعد انتهاء سنة 1937/ 1938 الدراسية) وهذا هو النص الذي أفاد منه الطاعن وأمثاله ممن تشابهت ظروفهم. فشهادة العالمية النظامية من القسم العالي بالأزهر يمكن الحصول عليها لغاية سنة 1938 الدراسية وقد صدرت عدة تشريعات لاحقة تنظم وضعها وترتب المركز القانوني للحاصل عليها. من هذه التشريعات القانون رقم لسنة 1954 بتعديل بعض أحكام المرسوم بقانون رقم لسنة 1936 بإعادة تنظيم الجامع الأزهر فقد نص في المادة الأولى منه على أن "يستبدل بالمادة من المرسوم بقانون رقم 26 لسنة 1936 المشار إليه النص الآتي: – تمنح مشيخة الجامع الأزهر بناءً على طلب الكلية المختصة شهادات العالمية مع الإجازة وشهادات العالمية من درجة أستاذ. كما تمنح شهادات العالمية النظامية والعالمية المؤقتة ويوقعها كل من رئيس مجلس الوزراء وشيخ الجامع الأزهر وتعتبر من الشهادات العليا من حيث الحقوق التي تخولها لحامليها). وجاء في المذكرة الإيضاحية لهذا القانون (كما رئي إضافة شهادة العالمية النظامية والعالمية المؤقتة لنص هذه المادة).
ومن حيث إن هذه المحكمة العليا بعد الذي تقدم لا تستطيع أن تسلك مسلك محكمة القضاء الإداري في تأويل نصوص القوانين واللوائح التي تدور في فلك هذه المنازعة، على نحو ما جرت تلك عليه، ولا يقبل بعد ذلك منها القول "بأن الظاهر أن المشرع قد استغنى عن إصدار الشروط الخاصة بتعيين القاضي الشرعي وذلك بما جاء في قوانين الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي" ولقد قدمنا أنه لا يجوز الاحتجاج بقوانين الأزهر الشريف في مجال شروط تعيين رجال القضاء وإنما هي لوائح المحاكم الشرعية المختصة بوضع تلك الشروط كما فعل ذلك قانون استقلال القضاء رقم لسنة 1943 المادة الأولى منه. وكذلك فعلت المادة الأولى من المرسوم بقانون رقم لسنة 1952 في شأن استقلال القضاء. وفضلاً عن ذلك فإن اللائحة الجديدة لترتيب المحاكم الشرعية صدرت سنة 1931 ونص في المادة منها على أن شروط التعيين في القضاء الشرعي تبين بقانون. ونلاحظ أن قانون إعادة تنظيم الأزهر سنة 1930 كان صادراً قبل لائحة سنة 1931 وقد جاء في قانون الأزهر سنة 1930 نص المادة التي تقابل وتساوي تماماً نص المادة من قانون سنة 1936 (الحائزون لشهادة العالمية مع إجازة القضاء يكونون أهلاً للوظائف القضائية بالمحاكم الشرعية والإفتاء والمحاماة أمام المحاكم الشرعية.) فلو كانت المادة لسنة 1930 قد وضعت حقاً الشروط اللازمة لتعيين القاضي الشرعي لما كان هنالك مقتضى لما نصت عليه المادة من لائحة سنة 1931 (شروط التعيين في وظيفة القضاء الشرعي تبين بقانون.) ولأصبحت المادة هذه نافلة في التشريع كما لا يستساغ القول بأن الشروط المطلوبة هي ما جاءت به المادة لسنة 1936 ومن قبلها المادة لسنة 1930. ذلك لأن الشروط المطلوبة في تعيين القاضي لا يمكن أن تكون قاصرة على ذكر المؤهل وحده وهو ما لم تتعرض لغيره كل من المادتين ، في قانون سنة 1930 وسنة 1936. وقد رأينا أن ليس في مختلف التشريعات نص قام واستمر منذ سنة 1897 إلى سنة 1931 وتعلق بشروط تعيين القاضي الشرعي سوى المادة من لائحة 27 مايو سنة 1897 وعلى مقتضى أحكامها جرى تعيين أكبر رجال القضاء الشرعي وأساتذة الشريعة الإسلامية الغراء في مختلف الكليات الأزهرية والجامعات المدنية وفي مقدمتهم فضيلة الشيخ الأكبر شيخ الجامع الأزهر الشيخ شلتوت ومفتي الديار الشيخ عبد المجيد سليم وعميد كلية الشريعة الإسلامية بالأزهر الشيخ محمد المدني. وكل منهم حاصل على شهادة العالمية القديمة. وغني عن البيان أن القانون رقم لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها قد اتجه صراحة إلى إلغاء تخصص القضاء وجعل بعد الحصول على درجة الإجازة العالية (الليسانس أو البكالوريوس) دراسة عليا لا تفرق بين المذاهب كلها وهو اتجاه راسخ قديم للتخلص من التفرقة المذهبية في وظائف القضاء.
ومن حيث إن الحكم المطعون فيه قد جانبه التوفيق إذ أقام قضاءه على أن تولي وظائف القضاء الشرعي لم يكن وليد عرف وإنما كان وليد إرادة صريحة من جانب المشرع إذ يرد على ذلك بما نصت عليه المادة من لائحة ترتيب المحاكم الشرعية لسنة 1897 ثم لسنة 1931 وقد نصت على أن شروط التعيين في وظائف القضاء الشرعي تبين بقانون. وهذا القانون لم يصدر أبداً.
ومن حيث إن العرف إنما يعتد به إذا لم يكن ناشئاً عن خطأ في فهم القانون. والعرف الإداري تعبير اصطلح على إطلاقه على الأوضاع التي درجت الجهات الإدارية على اتباعها في مزاولة نشاط معين لها. وينشأ عن استمرار الإدارة التزامها لهذه الأوضاع والسير على سنتها في مباشرة هذا النشاط أن تصبح بمثابة القاعدة القانونية الواجبة الاتباع ما لم تعدل بقاعدة أخرى مماثلة ويشترط لاعتبار العرف ملزماً للإدارة أن يتوافر شرطان أن يكون العرف عاماً وأن تطبقه الإدارة بصفة دائمة بصورة منتظمة. فإذا أغفل هذا الشرط فلا يرتفع العمل الذي جرت على مقتضاه الإدارة إلى مستوى العرف الملزم للإدارة. ألا يكون العرف قد نشأ مخالفاً لنص قائم. وقد نص الشارع على العرف كمصدر رسمي للقانون غير أنه من حيث تدرج القاعدة القانونية يأتي في المرتبة الثانية بعد التشريع. ومن ثم فلا يجوز للعرف أن يخالف نصاً قائماً. ويندرج تحت ذلك أن العرف الناشئ عن خطأ في فهم القانون لا يمكن التعويل عليه.
وعلى مقتضى هذا الفهم الخاطئ أقصوا غير الحنفي المذهب من تولي مناصب القضاء الشرعي. والقاعدة الصحيحة هي أن القاضي المقلد إذا أمره ولي الأمر بالقضاء على غير مذهب أبي حنيفة يجب عليه أن يقضي بذلك وكيف يمكن القول بوجود عرف من هذا القبيل في حين أن إدارة المحاكم الشرعية بوزارة العدل تقدمت بمذكرة في 25 من نوفمبر سنة 1946 وموضوعها مذهب القاضي في الفقه الإسلامي وحاصلها أن أحكام الفقه الإسلامي المعمول بها، لا تشترط في القاضي أن يكون حنفياً وإن كان القضاء بمذهب أبي حنيفة أن القانون لم يشترط أن يكون القاضي حنفياً والقانون القائم حالياً ليس له أي شرط في القاضي الشرعي أن تقاليد غير منتظمة جرى عليها اختيار قضاة المحاكم الشرعية من الأحناف مراعاة للحاكم العثماني القديم أن قوانين المحاكم الشرعية مستقاة من المذاهب الإسلامية المختلفة. وما لم يصدر به قانون يكون القضاء فيه بالراجح من مذهب أبي حنيفة إلا ما استثني. بل من التشريعات الحديثة ما استمدت أصوله من غير المذاهب الأربعة كمذهب الشيعة مثلاً. وجرى التوسع في دراسة الفقه المقارن على جميع المذاهب وجدير بالذكر في هذا المقام أن المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق الشافعي المذهب كان شيخ الإسلام ورئيس لجنة تعديل الأحوال الشخصية. ومعلوم كما قدمنا أن القضاء الإسلامي لا يتقيد بمذهب معين وإنما يشترط أن يكون القاضي قد وصل إلى منزلة الاجتهاد في المذاهب جميعاً ويكفي بالترجيح بينها. ولم يكن القاضي مشرعاً في الإسلام يقضي بمذهب معين. وعلى ذلك أيضاً كان القاضي إياس. وقد تضمن تقرير فضيلة مفتي الديار المصرية الأستاذ الإمام (محمد عبده) في إصلاح المحاكم الشرعية في نوفمبر سنة 1899 – طبعته مطبعة المنار سنة 1317 هـ ص 15 (وإنِّي أحب أن أصرح بأمر ربما يغضب له بعض أهل الأثرة من أهل العلم الحنفية، وهو أننا مسلمون وهيهات أن يتيسر لنا بعد فشو ما فشا من البدع في الدين أن نحافظ على قوائم الإسلام من حيث هو. وليس الزمن زمن تعصب لمذهب دون مذهب ومن درس فقه الشافعية أو المالكية – وكان الإمام صاحب التقرير مالكياً – لا يعسر عليه فهم فقه أبي حنيفة. فإن الأصول متقاربة والاختلاف في الفروع مذكور في أغلب كتب الفريقين. وحصر التعيين في الحنفية يضيق دائرة الانتخاب ويلجئ إلى تعيين الضعفاء في العلم والعزيمة. فلم لا يطلق الانتخاب من هذا القيد فتتسع دائرته وينتفع من أهل الاستقامة والدراية عدد ليس بقليل ممن قضى في تحصيل فقه الشافعي أو مالك أو ابن حنبل اثنتي عشرة سنة فأكثر إلى عشرين أو ثلاثين. وجل ما حصله إنما هو في المعاملات. أرجو أن يصادف ما أتمناه قبولاً لدى العلماء والحكومة فنجد العدد الكافي من الأكفاء.) فإذا سجل ذلك في تقرير رسمي عام 1899 وكان يسود القضاء الشرعي نزعة عثمانية حادة، ثم صدرت بعد ذلك عشرات القوانين المستقاة من غير المذهب الحنفي وفي مقدمتها القانون رقم 25 لسنة1920، 25 لسنة 1929 عن النفقات والقانون رقم 77 لسنة 1943 عن الميراث الجديد والقانون رقم 48 لسنة 1946 عن الوقف ثم عن الوصية ثم القانون رقم 247 لسنة 1952 عن الأوقاف الخيرية ثم القانون رقم لسنة 1952 عن الوقف، كما أن وزارة العدل عينت منذ سنوات في القضاء الشرعي علماء من غير الأحناف ليقضوا بالمذهب الحنفي وبغير المذهب الحنفي، فلا محل والحالة هذه للقول بقيام عرف إداري أو التمسك بما يكون قد جرى العمل عليه.
ومن حيث إنه لا شبهة في أن الطاعن حاصل على شهادة العالمية النظامية سنة 1938 من القسم العالي بالأزهر واشتغل بالمحاماة الشرعية أمام المحاكم الجزئية والكلية ثم عين كاتباً بالمحاكم الشرعية سنة 1940 واشتغل طوال مدة خدمته بها سكرتيراً للجلسات الجزئية والكلية وأقرت وزارة العدل بأنه كفء في عمله وأخلاقه حسنة وسيره الشخصي حسن ثم أنه استجاب لدعوة وزارة العدل مع سبق علمها بمذهبه الشافعي وبالشهادة العليا التي يحملها وتقدم لمسابقة التعيين في وظائف الموظفين القضائيين بالمحاكم الشرعية واجتاز امتحان يوليو سنة 1952 وكان ترتيب نجاحه فيه الثاني ومع ذلك فقد أغفل القرار المطعون فيه تعيينه لا لسبب خلاف ما أفصحت عنه وزارة العدل من أنه غير حنفي المذهب. ومن أنه وهو شافعي المذهب فإنه لا يحمل سوى شهادة العالمية النظامية وليس معه إجازة القضاء، وتلك أسباب لا سند لها من القانون كما سلف إيضاحه، ومن ثم يكون القرار المطعون فيه قد صدر مخالفاً لأحكام القانون، وإذ ذهب كل من قرار اللجنة القضائية والحكم المطعون فيه مذهباً مخالفاً فإن كلاً منهما يكون قد أخطأ في تطبيق القانون وتأويله ويكون الطعن فيهما قد قام على سند سليم من القانون.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً وفي موضوعه بإلغاء الحكم المطعون فيه وقرار اللجنة القضائية وبإلغاء قرار وزارة العدل رقم 485 الصادر في 29 من أغسطس سنة 1953 فيما تضمنه من ترك المدعي في التعيين في وظيفة موظف قضائي بالمحاكم الشرعية وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الحكومة بالمصروفات.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات