الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1159 لسنة 6 ق – جلسة 17 /02 /1962 

مجلس الدولة – المكتب الفني – مجموعة المبادئ القانونية التي قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة السابعة – العدد الثاني (من أول فبراير سنة 1962 إلى آخر إبريل سنة 1962) – صـ 340


جلسة 17 من فبراير سنة 1962

برياسة السيد – سيد إبراهيم الديواني نائب رئيس المجلس وعضوية السادة الدكتور محمود سعد الدين الشريف وحسن السيد أيوب ومحمد مختار العزبي وأبو الوفا زهدي المستشارين.

القضية رقم 1159 لسنة 6 القضائية

إثبات – تقرير المباحث العامة – حجيته – هو محضر تحريات أو جمع استدلالات – خضوع ما جاء فيه لتقدير المحكمة.
إن تقرير المباحث لا يزيد في قيمته على محضر تحريات أو جمع استدلالات ويخضع تقدير ما جاء فيه لرقابة المحكمة فلها أن تناقشه وتأخذ به إذا ما اطمأنت إليه واقتنعت به كما أن لها أن تطرحه من أدلة الثبوت إذا ما استبان لها عدم صحة ما جاء فيه أو عدم ارتكازه على وقائع محددة أو غير مجهلة.


إجراءات الطعن

في 2 من إبريل سنة 1960 أودع السيد رئيس إدارة قضايا الحكومة سكرتيرية هذه المحكمة صحيفة طعن في الحكم الصادر من المحكمة الإدارية لوزارة الداخلية في 2 من فبراير سنة 1960 في الدعوى رقم 115 لسنة 5 القضائية المرفوعة من السيد/ محمد سالم حمادة ضد وزارة الداخلية والقاضي "بإلغاء القرار الصادر بالموافقة على حرمان المدعي من إدراج اسمه في كشوف المرشحين للعمودية وما يترتب على ذلك من آثار وبإلزام الحكومة المصروفات وبمبلغ مائتي قرش أتعاب المحاماة" وطلب السيد/ رئيس إدارة قضايا الحكومة للأسباب التي استند إليها في عريضة الطعن "قبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء أصلياً بعدم قبول الدعوى واحتياطياً برفضها مع إلزام المطعون ضده بالمصروفات ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين". وقد أعلن الطعن للمطعون ضده في 10 من مايو سنة 1960 وعين لنظره أمام دائرة فحص الطعون جلسة 22 من أكتوبر سنة 1961 وفيها قررت الدائرة إحالة الدعوى إلى المحكمة الإدارية العليا بجلسة 9 من ديسمبر سنة 1961 وبعد أن سمعت المحكمة ما رأت سماعه من إيضاحات ذوي الشأن على الوجه المبين بمحضر الجلسة قررت إرجاء النطق بالحكم في الطعن إلى جلسة اليوم.


المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن قد استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر هذه المنازعة، حسبما يبين من أوراق الطعن تتحصل في أن المطعون ضده أقام الدعوى رقم 115 لسنة 5 القضائية ضد وزارة الداخلية أمام المحكمة الإدارية طالباً الحكم "بإلغاء قرار لجنة الطعون بمديرية الدقهلية في 18/ 12/ 1957 بحرمانه من إدراج اسمه في كشوف المرشحين لعمدية ناحية الصلاحات واعتباره كأن لم يكن مع إيقاف تنفيذ هذا القرار مؤقتاً حتى يفصل في الموضوع مع إلزام المدعى عليه المصروفات والأتعاب" وقال بياناً لدعواه أنه يقوم بوظيفة شيخ ناحية الصلاحات مركز دكرنس منذ عام 1928 حتى الآن ويسكن في عزبة تبع الناحية المذكورة وتبعد عنها بحوالي 6 كم وقد تقدم هو وعدد كبير من الأهالي والملاك بطلب فصل هذه المنطقة عن بلدة الصلاحات وتعيين المدعي عمدة لها ويجعل مقر العمودية عزبة مصبح فأثار هذا الطلب غضب عمدة الصلاحات ومن بعده شقيقه نائب العمدة. وبتاريخ 5/ 5/ 1957 صدر القانون رقم 106 لسنة 1957 في شأن العمد والمشايخ وقام نائب العمدة والصراف بتكليف من مأمور المركز بتحضير كشف بأسماء من لهم حق الترشيح للعمودية أدرج به إخوة نائب العمدة وأقاربه وقد كان المدعي أحق من هؤلاء جميعاً بإدراج اسمه في الكشف المذكور إلا أنه أغفل قصداً من نائب العمدة ليفسح المجال للمرغوب فيهم من أقاربه فتظلم من هذا الإغفال وحدد لنظر الطعن المقدم منه 11/ 12/ 1957 وفي 18/ 12/ 1957 صدر القرار بالموافقة على عدم إدراج اسم المدعي في كشف المرشحين.. تظلم من هذا القرار إلى السيد/ وزير الداخلية الذي أفاد في 10/ 2/ 1958 بأن القرار المذكور أصبح نهائياً طبقاً للمادة من القانون المشار إليه ولا يجوز الطعن فيه إلا أمام محكمة القضاء الإداري، ويعيب المدعي على القرار بعدم إدراج اسمه في كشف المرشحين مخالفة القانون، لأنه تأسس على أن المدعي يملك عشرة أفدنة منها أربعة بعقد عرفي مع أنه يملك القدر كله بعقود مسجلة، وعلى أنه ضعيف الشخصية تطغى شخصية ابنه على شخصيته وهذا القول أيضاً فيه مجافاة للحقيقة كما بني على أسباب أخرى هي أنه يتقاضى جعلاً نظير قيامه بالصلح بين الناس، وأنه سبق أن اتهم في قضيتين تبديد وهو مدين لبنك التسليف بمبلغ أربعمائة جنيه، وسبق أن اتهم أيضاً بالاعتداء على فتاة خرساء بلهاء، وحفظت الدعوى لعدم كفاية الأدلة، ويقول المدعي أن هذه الأسباب غير صحيحة فقد صدر الحكم ببراءته من التبديد وأنه لم يكن مديناً للبنك وكان توقيعه بصفة ضامن، وأما عن الاعتداء المزعوم فهو أمر مدبر له من خصومه ويكفي أن نائب العمدة شهد لصالحه في هذه القضية بالذات، ويكفى للتدليل على بطلان ذلك القرار أن القانون رقم 106 لسنة 1957 قد سوى في المادة منه في الشروط الواجب توافرها فيمن يعين عمدة أو شيخ فإذا كان المدعي صالحاً لأن يشغل وظيفة شيخ بلد منذ ثلاثين عاماً فهو بالتالي يصلح لأن يعين عمدة، أجابت جهة الإدارة على الدعوى بأنه نسب إلى المدعي أمور بعضها خطير يتعلق بالقانون ذاته وبعضها مما يتنافى مع الواجبات المفروضة على رجل الإدارة، فقد اتهم المدعي في جناية هتك عرض كانت ظروفها جميعاً توحي بإدانته لو أن المجني عليها كانت تنطق ذلك أنها كانت خرساء وضعها أبوها قبل وفاته في رعايته فحملت واتجهت التهمة إليه لإقامة الفتاة معه ورعايته لها وإذا كان قد رؤي حفظ القضية فإن ذلك لا يعني قطعاً براءة المدعي من التهمة إذ قد يتعذر إثبات الاتهام لأن المجني عليها بكماء أو لأن سلطته عليها أتاحت له فرصة حملها على إنكار اتهامه، على أن الأمر ترك سمعة المدعي مشوبة بأشنع التهم فقد خان أمانة المتوفى واعتدى بنفسه على عرضها وبذلك فقدَ شرطاً من الشروط المنصوص عليها في القانون، كما نسبت إلى المدعي أنه ممن يماطلون في سداد الأموال المطلوبة للبنك والأموال الأميرية وهو ما عين إلا لمعاونة الدولة في الحصول على مستحقاتها في أقل تقدير. وبتاريخ 6/ 4/ 1958 قضت المحكمة بوقف تنفيذ القرار المطعون فيه ثم وفي 2/ 2/ 1960 حكمت المحكمة "بقبول الدعوى شكلاً وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه وما يترتب على ذلك من آثار وألزمت الحكومة المصروفات وبأن تدفع للمدعي مائتي قرش صاغ مقابل أتعاب المحاماة". وهذا الحكم هو موضوع الطعن الحالي. وأقامت المحكمة قضاءها على أن السبب الحقيقي في حرمان المدعي من إدراج اسمه بكشوف المرشحين إنما قام على فقدانه شرط حسن السمعة ومبناه اتهام المدعي بالاعتداء على فتاة خرساء من حوالي سنتين. وقد ثبت من تحقيق هذه الواقعة بأن أحداً ممن سئلوا لم يوجه اتهاماً للمدعي وانتهى التحقيق بحفظ القضية وقيدها بدفتر الشكاوى الإدارية، وكذلك اتهامه في جنحتين تبديد حكم فيهما بالبراءة تأسيساً على أن إسناد التهمة إليه في كليهما على غير أساس وأيضاً ما نسب إليه من تقاضي مبالغ نظير القيام بالتوفيق بين المتخاصمين ومن مديونيته لبنك التسليف – فعن الأمر الأول لا دليل عليه وعن الثاني فالمديونية على فرض قيامها لا تمس سمعة المدعي لأنها متعلقة بشخص ابنه وهو شاب بالغ يحمل مؤهلاً عالياً مما يجعله مسئولاً وحده عن تصرفاته ثم خلصت المحكمة بعد تبيان ما تقدم، إلى أنه لا محل للقول بسوء سيرة المدعي بعد إذ انهارت العناصر التي استمدت منها اللجنة قرارها في هذا الشأن وبذلك يكون القرار المطعون فيه غير قائم على سببه وينتفي عنه أحد أركانه، يؤيد ذلك أن المدعي يعمل في وظيفة شيخ بالناحية التي خلت فيها وظيفة العمودية منذ سنة 1928 حتى الآن لم توجه إليه خلالها اتهامات جنائية أو إدارية، ولما كان الثابت من كشف المرشحين أنه أدرج به تحت رقم اسم علي هارون السيد ويدفع ضريبة قدرها 25.193 جنيه بينما الضريبة المستحقة على المدعي عن سنة 1956 وسددها فعلاً هي 37.648 جنيه فإن المدعي والحالة هذه يكون أولى من الشخص المذكور بإدراج اسمه في الكشف ما دام قد توافرت فيه الشروط الأخرى.
ومن حيث إن الطعن يقوم أولاً على أن الدعوى غير مقبولة لأنه لم يسبقها تظلم إداري من القرار المطعون فيه كما تقضي بذلك المادة من القانون رقم 165 لسنة 1955 بشأن تنظيم مجلس الدولة، وثانياً وفي الموضوع فإن الثابت من أوراق الدعوى أن المدعي قد تخلف في شأنه شرط النصاب المالي فقد اشترط القانون رقم 106 لسنة 1957 في المادة 3/ 4 فيمن يعين عمدة أن يكون ممن يدفعون ضرائب عن أرض زراعية يملكها مبلغاً لا يقل عن أربعين جنيهاً سنوياً، وهذا الشرط غير متوافر في حالة المدعي ولا يجديه في هذا الشأن القول بأن أحد المدرجين بالكشف يدفع ضريبة أقل من النصاب فيكون هو أولى منه ذلك أن المخالفة إن وجدت لا تبرر ارتكاب مخالفة أخرى ولأن القانون قد أباح لذوي الشأن الاعتراض على من يدرج اسمه في الكشف على خلاف أحكام القانون ومن الثابت أيضاً في حق المدعي أنه اتهم في قضايا تبديد وفي قضية اعتدائه على فتاة وإن كانت هذه القضايا لم تنته إلى الحكم بإدانته لعدم كفاية الأدلة فإنه مما لا شك فيه أنها تثير حوله الشبهات والظنون وتجعله بغير منأى عن الريبة في سلوكه وسيرته. ولما كان العمدة هو القائم بشئون الحكم في القرية وجب التدقيق في شخصية المرشح لهذه الوظيفة وأن توزن سمعته بميزان حساس حتى يبرز الشخص الأفضل ولا يكتفي بالعادي من بين المرشحين فيطمئن الناس إلى حكمه وعدله.
ومن حيث إنه عن الوجه الأول من أوجه الطعن المتعلق بالدفع بعدم القبول مردود عليه بأن القانون رقم 165 لسنة 1955 في شأن تنظيم مجلس الدولة قد ذكر على سبيل الحصر القرارات الإدارية التي يجب التظلم منها إدارياً قبل التقدم إلى المحكمة بطلب إلغائها وهي المنصوص عليها في البنود 3 و4 و5 من المادة من هذا القانون، وليس من بينها القرار المطعون فيه ومن ثم يكون الدفع بعدم القبول في غير محله متعين الرفض.
ومن حيث إنه عن موضوع الطعن فالثابت من الأوراق أن المدعي قد أغفل إدراج اسمه في كشف المرشحين للعمدية وهو وإن لم يكن حائزاً للنصاب القانوني المقرر أصلاً للترشيح إلا أنه بالتطبيق للمادة من القانون رقم 106 لسنة 1957 والتي تنص على أنه "إذا كان عدد المقيدين بكشف من يجوز ترشيحهم أقل من عشرة في حالة الترشيح لوظيفة العمدة.. أكمل عددهم إلى القدر المطلوب من الذين يلونهم ممن يدفعون ضرائب أو يتقاضون معاشاً أو دخلاً دائماً مدى الحياة مع قيد أسماء من يتساوون مع أولهم نصاباً.." فإن المدعي من هذه الناحية كان أحق بالإدراج في الكشف من بعض من أدرجوا فيه لحيازته على نصاب أكبر.
ومن حيث إن المدعي قد تظلم من عدم إدراج اسمه في الكشف بالتطبيق للمادة من هذا القانون. وعرض تظلمه على اللجنة المنصوص عليها في المادة من القانون المذكور فأصدرت قرارها بتاريخ 18/ 12/ 1957 بإجماع الآراء برفض الطعن بانية قرارها على أن "الطاعن لا يدفع النصاب القانوني وهو أربعون جنيهاً أصلاً وقيده ضمن المدرجين هو بتفضيل أحسنهم ممن يدفعون ضرائب مع استيفائهم باقي الشروط الأخرى. وقد أجمعت اللجنة على سوء سيرته كما دلَّت على ذلك تحريات المباحث بتقريرها المرفق".
ومن حيث إنه بالرجوع إلى كافة الأوراق المودعة ملف الطعن يبين أنه فيما يتعلق بالاتهام الذي وجه إلى المدعي خاصاً باعتدائه على فتاة خرساء بكماء كانت تعمل عنده خادمة فقد ثبت من محضر البوليس المؤرخ 9/ 2 سنة 1954 أن بلاغاً قدم بالبريد يحمل توقيع شخص يدعى عبده وهبة من عزبة حسن عزام التابعة إلى بلدة الصلاحات مركز دكرنس متضمناً أن عطيات عبد الكريم التي تعمل خادمة طرف المدعي حملت سفاحاً من مخدومها وبسؤال هذا الشخص أنكر معرفته بمضمون البلاغ أو أنه مقدمه وقال بأنه أمي لا يعرف القراءة والكتابة – وبسؤال المدعي وعمره 60 سنة ويشغل وظيفة شيخ العزبة المذكورة من حوالي ثلاثين سنة – عما جاء بهذا البلاغ قرر بأن تلك الفتاة خرساء ويتيمة وقد أخذها بعد وفاة والدها لتربيتها ابتغاء مرضاة الله ومن حوالي أسبوعين سمع بأنها حامل فسلمها إلى زوجة أبيها لتحقيق الأمر بنفسها وقد أكدت له هذه المرأة بأن الخبر صحيح وأنها علمت من الفتاة أن الذي واقعها هو شخص يدعى محمود وكان ذلك في الحقل الذي يعمل فيه وهو المجاور لحقل مخدومها المدعي، وذكر المدعي أنه من جانبه ستراً للفضيحة أخذ يبحث عن شخص يزوجها له ونفى نفياً قاطعاً أنه أو ابنه قد اعتدى على هذه الفتاة وهما متزوجان ولهما أولاد ويقيمون جميعاً في معيشة واحدة. وبسؤال زوجة والد الفتاة قررت بأن البنت أخبرتها أن الذي اعتدى عليها شخص يدعى محمود وواقعها ثلاث مرات في يوم واحد، ونفت أن للمدعي أو ابنه صلة ما بهذا الاعتداء وهما اللذان تكفلاها صغيرة لوجه الله خالصاً – وبسؤال خفير النوبة النظامي قرر بأنه سمع إشاعة بأن عطيات حامل ومن الجائز أن تكون قد اتصلت بشخص أثناء ذهابها إلى حقل مخدومها المدعي لقضاء بعض المصالح ونفى وجود أي إشاعة بأن المدعي أو ابنه اعتدى على هذه الفتاة. جاء المحقق بشخص يدعى محمود شحاته ووضعه بين أشخاص آخرين وطلب من المجني عليها التعرف عليه فلم تتعرف على أحد. وبسؤال محمود هذا وعمره 17 سنة نفى أي صلة له بالفتاة أو علمه بأن شخصاً معيناً اعتدى عليها وكل ما وصل إلى سمعه أن المدعي زوَّجها من شخص يدعى هلال بعقد عرفي تولاه فقيه في القرية يدعى السيد المرسي السيد وأن ابن المدعي تعهد بدفع عشرة جنيهات للزوج ثم عاد وقرر بأنه سمع بالإشاعة أن الذي اعتدى على الفتاة هما المدعي وابنه – وبسؤال السيد المرسي نفى أنه قام بتزويج الفتاة لأي شخص كان.. وبسؤال نائب العمدة قرر بأنه لا يعلم شيئاً عن هذا الموضوع كما استبعد حصول مثل هذا العمل من المدعي أو من ابنه وعلى كيفية حصوله باتصال الفتاة بشخص ما أثناء ذهابها إلى الحقل أو العودة منه.. وبإعادة تحقيق الحادث بمعرفة النيابة لم يجد جديد يتعلق بالمدعي أو بابنه ولم تجب المجني عليها بشيء ما لا في تحقيق البوليس أو النيابة وقد انتهى هذا التحقيق بقيد الأوراق في دفتر الشكاوى الإدارية ذلك لأنه ثبت منه أن المجني عليها تبلغ من العمر أكثر من 28 سنة وأنها ثيب من مدة لا يمكن تقديرها ولم يثبت بدليل قاطع أنه قد هتك عرضها بالقوة أو التهديد ومن ثم يصبح الأمر ليس فيه ثمة جريمة، والحادث وإن كان قد انتهى بعدم وجود جريمة فيه على النحو السالف ذكره إلا أنه من جهة أخرى لم يتضمن أية مسئولية يصح توجيهها للمدعي، أو لابنه مما يخدش مجرد الاعتبار وكان تصرفهما حيال هذا الأمر مشبع بروح طيبة وحدب بالغ على المجني عليها، ومن ثم فهذه الواقعة التي اتخذت كسبب من أسباب عدم إدراج اسم المدعي في كشف المرشحين كان يجب أن تكون له لا عليه.. وأما ما أخذ على المدعي من ناحية اتهامه في جنحتي تبديد فقد ثبت من الحكمين الصادرين بتاريخ 5/ 12/ 1957 و31/ 1/ 1958 – أنه قضي في هاتين الجنحتين بالبراءة لأن التهمة فيهما لا تقوم على أساس صحيح وبذلك فقد انتهى الجدل حول هذا الاتهام ولا مفر إذن من استبعاده كسبب من أسباب عدم الترشيح لأن الأحكام عنوان الحقيقة… وبخصوص تغريم المدعي مائة قرش لأنه خالف التعليمات الإدارية التي تقضي بعدم السماح بإخراج أقطان من محلها قبل تقديم شهادة تفيد أداء مطلوبات الحكومة وبنك التسليف فإن الأمر في ذلك لا يخرج من كون المدعي وهو موظف عمومي قد خالف التعليمات فحق عليه العقاب وعوقب فعلاً ولم ترَ جهة الإدارة أن هذا الذنب ماس بحسن السمعة وإلا لما توانت في اتخاذ إجراءات فصله من الوظيفة لأن حسن السمعة كما هو شرط لازم للتعيين في وظيفة الشيخ فهو أيضاً لازم للاستمرار في الوظيفة المذكورة وليس كل خطأ إداري يعتبر ماساً بحسن السمعة ما دام لا يتعلق بالذمة أو الآداب العامة خصوصاً وليس في الأوراق ما يفيد أن المدعي قد تكرر منه وقوع مثل هذا الفعل أو غيره من الأفعال طوال مدة خدمته البالغة حوالي ثلاثين عاماً.. وبذلك وجب استبعاد هذا السبب أيضاً من أسباب عدم الترشيح.. وأما عن الادعاء بأن المدعي يحرض غيره على عدم الوفاء بديون البنك فهو ادعاء فضلاً عن أنه غير مستساغ لم يقم دليل ما في الأوراق على صحته.. والذي يدعو بحق إلى الاستفهام بل وإلى التعجب هو القول بأن المديونية ماسة بحسن السمعة وعلى حد هذا القول اعتبر المدعي غير متمتع بحسن السمعة مما أدى إلى عدم إدراج اسمه في الكشف لأنه مدين لبنك التسليف، ولا جدال في أن ذلك القول تحميل لمعنى حسن السمعة في معناها اللفظي والقانوني أكثر من المألوف أو المتعارف عليه، وغني عن البيان أن بنك التسليف قد أنشئ بقصد إقراض الفلاحين ومدهم بكافة السلف عينية ونقدية، فإذا تقدم المدعي إلى البنك واقترض فإنما قد استعمل حقاً مقرراً له بالقانون فلا غضاضة إذن عليه أن يكون مديناً لبنك وبالتالي لا يعيب ذلك حسن سمعته وإذا كان قد تأخر في الوفاء بهذا الدين لظروفه الخاصة فإن هذا التأخير لا يقدح في ذمته أو يؤثر على سمعته ما دام هو جاد في أداء ديونه بدليل أنه قام بالوفاء بمعظم الدين فضلاً عن أنه يملك أطياناً فيها الضمان الكافي لما عليه من التزامات.
وأما عن الادعاء الذي وجه إلى المدعي بأنه يتقاضى جعلاً مقابل قيامه بالصلح بين الناس اعتماداً على سلطة وظيفته فليس له من صدى في الأوراق ولم يقل به أحد على الإطلاق وذكر لأول مرة في تقرير مباحث المديرية المؤرخ 14/ 12/ 1957 على أنه إشاعة، ونائب العمدة نفسه خصم المدعي عندما سئل عن عدم إدراج اسم المدعي بكشف المرشحين لم يجرأ أن يتجنى على الحقيقة بذكر مثل هذه الإشاعة التي يكون أساسها حاقد أو حاسد وليست أقدار الناس، وخصوصاً بالنسبة لموظف عمومي مثل المدعي، بهذا الهوان من الذلة لتصدق عليها مجرد الإشاعات دون معرفة لمصدرها أو ارتكازها على واقعة معينة، وما كان يجوز لجهة الإدارة أن ترمي أحد موظفيها بمثل هذه التهمة وتبقيه في وظيفته وإلا كان ذلك منها تصرفاً غير سديد، وعلى ذلك يكون هذا السبب غير كاف على الأقل للانتقاص من حق رتبه القانون.. وأخيراً فإن ما قيل حول شخصية المدعي وتسلط ابنه عليه وعلى ماله، يبدو أنه مجرد تتمة لحلقات مفرغة يسند بعضها البعض إذ أنه ليس في قيام الابن بالإشراف على مال أبيه والتصرف فيه ما يمس شخصية الأب كما وأن المدعي وإن لم يكن حائزاً لثقة أهل العزبة واحترامهم لما بقى في وظيفته هذه ما يزيد على الثلاثين عاماً… ومن ثم ولكل ما تقدم من تفصيل للأسباب التي أجملتها اللجنة في كلمات معدودات وأخرجت منها شر ما يرمى به الإنسان وهو سوء السيرة فإن الأمر يختلف اختلافاً كبيراً عما ذهبت إليه اللجنة وبَنت عليه قرارها المطعون فيه فليس في أية واقعة مما ذكر ما يمس سمعة المدعي أو يخدش حسن السلوك الواجب توافره فيمن يرشح لوظيفة العمدة وبالتالي ترى هذه المحكمة أنه لم يقم بالمدعى سبب كان يمنع من إدراج اسمه بالكشف من ناحية حسن السمعة أو السيرة. وغني عن البيان أنه كما سبق قد توضح بأن المدعي من حقه القانوني أن يدرج اسمه في الكشف بالأفضلية على غيره ممن أدرج فيه ويملك نصاباً أقل وليس للإدارة سلطة تقديرية في شرط النصاب المالي إلا في حالة عدم توافره في كافة المرشحين أو في العدد المطلوب إدراجه في الكشف للترشيح لوظيفة العمدة على الوجه المبين في المادة المشار إليها.
ومن حيث إن القرار المطعون فيه بني على نقطتين: الأولى أن المدعي لا يدفع النصاب المقرر أصلاً وهو 40 جنيهاً وقيده ضمن المدرجين يكون بتفضيل أحسنهم ممن يدفعون ضرائب. والنقطة الثانية: أن المدعي سيئ السيرة كما دلَّت على ذلك تحريات المباحث بتقريرها المرفق، فأما عن النقطة الأولى فالثابت من الأوراق أن المدعي يملك نصاباً مالياً يزيد على ما يملكه البعض عند إدراج اسمه في الكشف وبالتطبيق للمادة من القانون 106 لسنة 1957 كان يتعين إدراجه إذ أن الحالة الوحيدة التي يكون للإدارة فيها حق التقدير والاختيار هي عند عدم وجود نصاب مالي على الإطلاق. وأما عن النقطة الثانية: فالثابت أن اللجنة استخلصت مما ورد في تقرير المباحث المشار إليه أن المدعي سيئ السيرة وبذلك يكون قد فقدَ شرطاً من شروط الترشيح لوظيفة العمدة.
وقد سبق أن توضح في هذه الأسباب أن التقرير المذكور جاء بوقائع معينة كما أورد بعض الشائعات عن المدعي وتناولت الأسباب المذكورة الرد على ذلك بالتفصيل مما لا يدعو بعده أي شك في حسن سيرة المدعي وبالتالي، وباستبعاد هذين الوجهين، يكون القرار المطعون فيه قد قام على غير سببه مما يجعله باطلاً ومخالفاً للقانون ولا يقدح في ذلك القول بأن تقرير المباحث له حجية فلا وجه لهذا القول، لأن التقرير المذكور لا يزيد في قيمته على محضر تحريات أو جمع استدلالات ويخضع تقدير ما جاء فيه لرقابة المحكمة فلها أن تناقشه وتأخذ به إذا ما اطمأنت إليه واقتنعت به كما أن لها أن تطرحه من أدلة الثبوت إذا ما استبان لها عدم صحة ما جاء فيه أو عدم ارتكازه على وقائع محددة أو غير مجهلة.
ومن حيث إنه لما سلف من أسباب وللأسباب الأخرى التي بني عليها الحكم المطعون فيه يكون الطعن غير قائم على أساس سليم ويتعين لذلك الحكم بقبوله شكلاً وبرفضه موضوعاً مع إلزام الحكومة المصروفات.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلاً، وبرفضه موضوعاً وألزمت الحكومة بالمصروفات [(1)].


[(1)] صدر هذا الحكم وتلي علناً بجلسة يوم السبت 17 من فبراير سنة 1962 الموافق 12 من رمضان سنة 1381 هـ برياسة السيد الأستاذ/ الإمام الإمام الخريبي وعضوية السادة المستشارين مصطفى كامل إسماعيل وحسن السيد أيوب والدكتور ضياء الدين صالح ومحمد مختار العزبي أما السادة سيد إبراهيم الديواني والدكتور محمود سعد الدين الشريف وأبو الوفا زهدي الذين سمعوا المرافعة وحضروا المداولة فقد وقَّعوا مسودة الحكم.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات