الطعن رقم 11 سنة 6 ق – جلسة 04 /06 /1936
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 1145
جلسة 4 يونيه سنة 1936
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعلى حيدر حجازى بك المستشارين.
القضية رقم 11 سنة 6 القضائية
( أ ) دعوى. سببها. تغيير السبب. لا يجوز. مثال.
(ب) دعوى إثراء على حساب الغير. عجز محكمة النقض عن استخلاص عناصرها الواقعية من بيانات
الحكم المطعون فيه. وجوب إعادتها إلى محكمة الموضوع.
1 – إن محكمة الموضوع لا تملك تغيير سبب الدعوى فى المواد المدنية. فاذا كانت الدعوى
المرفوعة مبنية على أن المدّعى قد جهد جهودا استفاد منها المدعى عليه فهو يطالبه بمقابل
ما أفاد من جهوده فحكمت فيها المحكمة على اعتبار أنها دعوى مطالبة وكيل لموكله بأجر
وكالة فهذا الحكم خاطئ يتعين نقضه.
2 – إذا تمحضت الدعوى إلى أنها دعوى إثراء بغير سبب وعجزت محكمة النقض عن استخلاص عناصرها
الواقعية من بيانات الحكم المطعون فيه فانها تعيد القضية إلى المحكمة التى أصدرت هذا
الحكم لتحكم فيها من جديد.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن
سائر المستندات المقدّمة لهذه المحكمة وكانت من قبل مقدّمة لمحكمة الاستئناف – فى أن
وزارة الأوقاف بصفتها ناظرة على وقف السيدة فاطمة كل البيضاء قدّمت فى 14 يوليه سنة
1932 طلبا إلى هيئة التصرفات بمحكمة مصر الابتدائية الشرعية تطلب فيه توقيع صيغة شراء
96 فدانا و15 قيراطا و19 سهما يملكها حامد العلايلى بك بناحية برمبال الجديدة بمركز
دكرنس دقهلية، وهذا الشراء لجهة وقف السيدة فاطمة كل البيضاء الأهلى بمبلغ 8699 جنيها
و218 مليما أى بواقع 90 جنيها للفدان، وذلك من مال بدله المتجمد بخزينة الوزارة. وفى
أثناء نظر هذه المادة أمام هيئة التصرفات تقدّم أبو النور إبراهيم محتسبا ومعارضا فى
إتمام الصفقة لأنه يعلم أن الأطيان المراد استبدالها ليست ملكا لحامد العلايلى بك راغب
الاستبدال، بل هى موقوفة ولا يصح التصرف فيها فقبلت هيئة التصرفات من أبى النور إبراهيم
طلبه فعهد إلى الشيخ شبانة أحمد المحامى الشرعى مباشرة تلك المادة التى فصل فيها بتاريخ
3 ديسمبر سنة 1932 برفض طلب الاستبدال.
وفى 29 نوفمبر سنة 1933 رفع الشيخ شبانة أحمد على وزارة الأوقاف الدعوى الحالية المقيدة
بمحكمة مصر الابتدائية تحت رقم 397 كلى سنة 1934 وذكر فى صحيفتها أن أبا النور إبراهيم
بعد أن قدّم لهيئة التصرفات بمحكمة مصر الابتدائية الشرعية عريضة أظهر فيها أن الأطيان
المراد استبدالها موقوفة من قبل قد عهد إليه أمر الدفاع عنه أمام هيئة التصرفات وتأييد
وجهة نظره، فحضر عنه عند نظر مادة الاستبدال وقدّم فيها أوجه دفاعه، وقد ترتب على ذلك
أن رفضت المحكمة الشرعية طلب الاستبدال. ولما كان هذا الرفض فى مصلحة وقف السيدة فاطمة
كل البيضاء المتنظرة عليه وزارة الأوقاف فانه يطلب الحكم على تلك الوزارة بأن تدفع
له 800 جنيه مقابل جهوده التى عادت بفائدة كبيرة على الوقف مع القضاء بمصاريف الدعوى
وشمول الحكم بالنفاذ بلا كفالة.
وبعد تحضير الدعوى أحيلت لجلسة أول أكتوبر سنة 1934 للمرافعة. وفى تلك الجلسة سمعت
أقوال الطرفين وأصر الشيخ شبانة أحمد على طلباته. ودفعت وزارة الأوقاف دعواه بأن الذى
تقدّم لهيئة التصرفات بالمحكمة الشرعية هو أبو النور إبراهيم، وكان تقدّمه حسبة لوجه
الله. أما المدّعى فانه مجرّد وكيل وعلاقته مقصورة على موكله. فأجلت المحكمة القضية
للحكم لجلسة 3 ديسمبر سنة 1934 حيث صدر حضوريا برفض دعوى الشيخ شبانة أحمد وإلزامه
بمصاريفها.
فاستأنفه المذكور أمام محكمة استئناف مصر بعريضة أعلنها لوزارة الأوقاف فى 25 مارس
سنة 1935 وقيدها تحت رقم 510 سنة 52 قضائية طالبا للأسباب التى أوردها بها قبول الاستئناف
شكلا وفى الموضوع إلغاء الحكم المستأنف وإلزام وزارة الأوقاف بصفتها بأن تدفع له ما
طلبه من محكمة أوّل درجة مع المصاريف وأتعاب المحاماة عن الدرجتين.
وفى جلسة المرافعة صمم الشيخ شبانة على طلباته، وطلبت وزارة الأوقاف تأييد الحكم المستأنف،
والمحكمة بعد تأجيل القضية للحكم مع الترخيص بتقديم مذكرات حكمت فى 14 نوفمبر سنة 1935
بقبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستأنف وبالزام وزارة الأوقاف بصفتها
بأن تدفع للشيخ شبانة أحمد المستأنف خمسين جنيها مصريا ومصاريف الدعوى عن الدرجتين
وخمسمائة قرش مقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين أيضا ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات.
أعلن هذا الحكم لوزارة الأوقاف فى 19 ديسمبر سنة 1935 فطعن فيه محاميها بطريق النقض
فى 14 يناير سنة 1936 بتقرير أعلنه للشيخ شبانة أحمد فى 18 منه، وقدّم لقلم الكتاب
فى 25 من ذلك الشهر مذكرة بشرح الأسباب وحافظة مستندات وقدّم المدّعى عليه فى الطعن
مذكرة بالرد فى 16 فبراير سنة 1936، وقدّمت النيابة العمومية مذكرة برأيها فى 20 مايو
سنة 1936.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر الطعن سمعت الدعوى على ما هو مبين بمحضر الجلسة وبعد المداولة
صدر الحكم الآتى:
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة الشفوية والمداولة قانونا.
بما أن الطعن قد قدّم فى الميعاد عن حكم قابل له واستوفيت الإجراءات القانونية فهو
مقبول شكلا.
وبما أن الطعن قد بنى على أن الحكم المطعون فيه قد خالف القانون فى أمرين: (الأوّل)
أن محكمة الاستئناف اعتمدت فى قضائها على صدور إذن بخصومة ناظر الوقف تلقاه أبو النور
إبراهيم فأصبح بذلك صاحب ولاية خاصة استمدها من صاحب الولاية العامة. وتقول الطاعنة
إن هذا الذى أسست عليه محكمة الاستئناف حكمها يخالف الواقع فانه لم يصدر قط لأبى النور
إبراهيم إذن بالخصومة، وإنما هو قدم عريضة محتسبا وحضر معه أمام هيئة التصرفات الشيخ
شبانة أحمد فسمعته تلك الهيئة لا على أنه خصم بل فى سبيل استجماع البيانات والمعلومات
التى تطلبها أو يقدّمها أى شخص من تلقاء نفسه. والأمر الثانى الذى خالف فيه الحكم القانون
أن أبا النور إبراهيم قدّم عريضة لهيئة التصرفات محتسبا لوجه الله فلا حق له فى المطالبة
بأى أجر. ولما كان الشيخ شبانة حضر فى المادة الشرعية عن أبى النور وكانت وكالته سابقة
أو على الأكثر معاصرة للحضور فى المادة الشرعية فلا حق له فى مطالبة الوقف بأجر، وإنما
إن كان له وجه حق فعلى موكله أبى النور الذى تعاقد معه.
وبما أن يتركز فيه الطعن أن جهود الشيخ شبانة عند نظر المادة الشرعية كانت حسبة لوجه
الله تعالى تأسيسا على أنه إنما كان يمثل أبا النور إبراهيم الذى تقدّم بعريضته وبمعلوماته
لهيئة التصرفات حسبة لوجه الله أيضا لا ابتغاء أجر، وما دام هذا هو شأن الموكل فان
الوكيل يجرى عليه حكمه.
وبما أن الحكم المطعون فيه بعد أن استعرض وقائع الدعوى على ما سبق بيانه فى صدر هذا
الحكم قد ذكر ما يأتى:
ومن حيث إنه ظاهر من الاطلاع على محضر جلسة هيئة التصرفات المؤرّخ فى 30 يوليه سنة
1932 فى المادة رقم 596 سنة 1931 – 1932 أن أبا النور إبراهيم حضر بالجلسة وحضر معه
المستأنف وقال إنه وكله فى هذه المادة، وإنه قدّم العريضة محتسبا فأخذت المحكمة فى
سؤال المستأنف فى موضوع المادة بما هو مدوّن فى محضر الجلسة المذكورة الأمر الذى تستخلص
منه هذه المحكمة أن هيئة التصرفات قبلت أبا النور إبراهيم خصما فى تلك المادة لمخاصمة
ناظر الوقف فيها واعتبرت المستأنف وكيلا عنه.
ومن حيث إن الإذن بخصومة الناظر هو جزء من الولاية على الوقف استمدّها المأذون بها
من صاحب الولاية العامة عليه فأصبح بذلك صاحب ولاية خاصة تلقاها من صاحب الولاية العامة
فى نطاق التفويض الصادر له بذلك.
"ومن حيث إنه متى تقرّر تكون وكالة المحامى عن المأذون بالخصومة هى وكالة عن جهة الوقف
ويكون له أجره عليها".
"ومن حيث إنه لا يجوز القول إن أبا النور إبراهيم تقدّم محتسبا أى متبرعا بعمله، وإن
هذا التبرع يسرى على من قام عنه بذلك العمل، لأن الاحتساب فى ذاته قاصر على الخصومة.
ولئن حق قول وزارة الأوقاف إن دخول أبى النور إبراهيم محتسبا فى مادة التصرفات الشرعية
فيه معنى التبرع من جانبه، فان ذلك التفسير لا يستقيم بالنسبة للمستأنف، ولا يمكن أن
ينسحب هذا المعنى عليه. ولا يعتبر توكيله فى هذه الحالة من غير مقابل، إذ أنه من المفهوم
بداهة أن المحامى لا يعمل بلا أجر لوجود شرط ضمنى بذلك مستخلص من طبيعة التوكيل عملا
بما تقضى به المادة 513 من القانون المدنى".
"ومن حيث إنه ثابت من ملف مادة التصرفات أن المستأنف حضر عدّة جلسات وترافع فى موضوع
المادة وقدّم مذكرة بدفاعه واستمرّ يباشر عمله إلى أن قضى لمصلحة الوقف برفض طلب الوزارة
فهو بذلك مستحق لأجر عمله الذى تقدّره المحكمة بمبلغ خمسين جنيها مصريا".
"ومن حيث إنه لهذه الأسباب يتعين إلغاء الحكم المستأنف".
وبما أن هذا الذى سارت عليه محكمة الاستئناف فى تكييف دعوى الشيخ شبانة واعتبار أنه
يطالب وزارة الأوقاف بما طالبها به كوكيل فى الخصومة إنما هو تبديل وتغيير فى منحى
الدعوى، إذ المفهوم من الوقائع التى رواها الحكمان الابتدائى والاستئنافى أن الشيخ
شبانة إنما يبنى دعواه قبل وزارة الأوقاف على أنه جهد لها أمام هيئة التصرفات وأثمر
جهده فائدة كبرى لوقف السيدة فاطمة كل البيضاء، إذ قد وقى ذلك الوقف ضياع آلاف من الجنيهات
كانت على وشك الضياع لو تم الاستبدال الذى عمل على منعه.
وبما أن الحكم المطعون فيه – بتبديله سبب دعوى الشيخ شبانة والسير فيها على اعتبارها
مطالبة وكيل لموكله بأجر وكالته لا مطالبة ممن أفاد لمنتفع بما استفاد – قد صدر مخالفا
للقانون ويجب نقضه إذ أن محكمة الموضوع فى المواد المدنية لا تملك بحال تغيير الدعوى.
وبما أن الدعوى بوصفها الحقيقى الذى أراده مدعيها أى دعوى الإثراء بغير سبب ليست صالحة
تتحكم فيها لأن عناصرها الواقعية لا يمكن استخلاصها من بيانات الحكم المطعون فيه، فوجب
إذن إعادتها لمحكمة الاستئناف للحكم فيها من جديد.
