الطعن رقم 80 سنة 5 ق – جلسة 14 /05 /1936
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 1103
جلسة 14 مايو سنة 1936
برياسة سعادة محمد لبيب عطية باشا وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعلى حيدر حجازى بك المستشارين.
القضية رقم 80 سنة 5 القضائية
اختصاص. الأوامر الإدارية المحظور على المحاكم التعرّض لها. ماهيتها.
إجراءات الحجز الإدارى. الدعوى بابطالها. من اختصاص المحاكم الأهلية. (المادة 15 من
لائحة ترتيب المحاكم الأهلية)
الأوامر الإدارية المحظور على المحاكم وقفها أو إلغاؤها أو تأويلها هى الأوامر التى
تصدرها الحكومة فى سبيل المصلحة العامة وفى حدود القانون بصفتها صاحبة السلطة العامة
أو السيادة العليا. أما إجراءات البيع الإدارى فليست من هذا النوع، بل هى نظام خاص
وضعه المشرع ليسهل على الحكومة تحصيل ما يتأخر لدى الأفراد من الأموال الحكومية. وهو
نظام أكثر اختصارا وأقل نفقة من نظام قانون المرافعات. وقد أحاطه المشرع بسياج من الضمانات
شبيهة بالضمانات التى أحيطت بها إجراءات نزع الملكية القضائية بالنسبة لجميع ذوى الشأن
ومنهم المدين. فالدعوى التى يرفعها المدين، الذى يبيع ملكه جبرا بالطرق الإدارية، على
وزارة المالية الدائنة له بالأموال وعلى الراسى عليه المزاد ويقصد منها إبطال إجراءات
هذا البيع لوقوع بعض مخالفات فيها هى من اختصاص المحاكم الأهلية، حكمها فى ذلك حكم
دعاوى إبطال إجراءات البيوع الجبرية القضائية.
الوقائع
تتلخص وقائع هذه الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه – فيما
يأتى:
رفع محمد أفندى على عزت بصفته ناظرا على وقف المرحوم محمد عبد اللطيف بك هذه الدعوى
أمام محكمة الموسكى الجزئية حيث قيدت بجدولها برقم 3255 لسنة 1934 ضدّ مديرية بنى سويف
نيابة عن وزارة المالية وعبد المجيد محمد عفيفى قال فى عريضتها إن مديرية بنى سويف
نزعت ملكية 5 أفدنة وقيراط و6 أسهم من أرض الوقف نظارته وباعتها إلى عبد المجيد محمد
عفيفى، وإن الإجراءات التى اتخذتها المديرية فى نزع ملكية هذا العقار باطلة لأنها غير
مستوفاة للشرائط القانونية المبينة بقانون الحجز الإدارى. ومن أجل هذا طلب الحكم: (أوّلا)
وبصفة مستعجلة، بتعيين شيخ العرب سليمان محمد حمد شيخ قبيلة الضعفاء حارسا قضائيا على
القدر المذكور وإيداع صافى إيراده بخزينة المحكمة لحين الفصل فى الدعوى، وأن يكون ذلك
بنسخة الحكم الأصلية (ثانيا) بالغاء جميع الإجراءات التى وقعت على القدر المذكور كطلب
الحكومة إلى عبد المجيد محمد عفيفى واعتبارها كأن لم تكن مع محو كل تسجيل وقع عليه
وتسليمه له مع إلزام من يحكم عليه بالمصاريف والأتعاب.
دفعت مديرية بنى سويف بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى طبقا للمادة 15 من لائحة ترتيب
المحاكم الأهلية. وقد أجابتها محكمة الموسكى الجزئية إلى طلبها، وقضت بتاريخ 6 سبتمبر
سنة 1934 بقبول الدفع وعدم اختصاصها بنظر الدعوى، وألزمت محمد أفندى على عزت بصفته
بالمصاريف و100 قرش مقابل أتعاب المحاماة.
استأنف محمد أفندى على عزت هذا الحكم أمام محكمة مصر الابتدائية الأهلية بالاستئناف
رقم 174 لسنة 1935 طالبا إلغاءه وإعادة القضية لمحكمة أوّل درجة لنظرها، ثم عدل عن
هذا الطلب الأخير وطلب من المحكمة أن تفصل فى طلباته الموضوعية السابق ذكرها.
نظرت محكمة مصر فى هذا الاستئناف وقضت فيه بتاريخ 15 مايو سنة 1935 بالغاء الحكم المستأنف
وباختصاص المحكمة بنظر الدعوى.
وقبل إعلان هذا الحكم طعنت فيه مديرية بنى سويف بطريق النقض فى 29 يوليه سنة 1935 بتقرير
أعلن إلى المطعون ضدّه فى 30 من الشهر المذكور، وقدّمت الطاعنة مذكرتها ومستنداتها
فى 7 أغسطس سنة 1935 ولم يقدّم المدعى عليه فى الطعن شيئا، وقدّمت النيابة مذكرتها
فى 29 يناير سنة 1936.
وبجلسة يوم الخميس 20 فبراير سنة 1936 التى حدّدت لنظر هذا الطعن كلفت المحكمة الطاعنة
بتقديم مذكرة تكميلية وأجلت الدعوى لجلسة 2 أبريل سنة 1936 وقد قدّمت المذكرة. وبالجلسة
المذكورة سمعت الدعوى على ما هو مبين بمحضر الجلسة، وأجل النطق بالحكم لجلسة 16 أبريل
سنة 1936 ثم أخيرا لجلسة اليوم.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع المرافعة الشفوية والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن مخالفة الحكم المطعون فيه للمادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية
لأن إجراءات الحجز الإدارى هى من الأعمال الإدارية التى أشارت إليها المادة المذكورة
وحظرت على القضاء أن يتعرّض لها بايقاف أو إلغاء أو تأويل.
وحيث إن ما يجدر بحثه قبل الفصل فى نقطة النزاع القانونية هو استظهار الوضع الحقيقى
للدعوى.
وحيث إن الدعوى هى دعوى مدين نزعت ملكيته بمقتضى حكم مرسى مزاد أصدره مدير بنى سويف
بما له من سلطة إيقاع مثل هذا البيع بعد استيفائه إجراءاته الشكلية – رفعها هذا المدين
ضدّ وزارة المالية باعتبارها دائنة لمال متأخر على المدين المذكور لا نزاع فى أصل ربطه
ولا فى تقديره وضدّ عبد المجيد محمد عفيفى الراسى عليه المزاد. ومقصوده من هذه الدعوى
إبطال إجراءات هذا البيع لوقوع بعض مخالفات فيها. فالدعوى بهذا الوضع ظاهر منها أن
الحكومة لم تكن قط مختصمة فيها بصفتها جهة سلطة إدارية عامة، فهى من اختصاص المحاكم
الأهلية بغير شك.
وحيث إن القول بأن مثل هذه الدعوى من المحظور على المحاكم نظرها لتضمنها طلب إبطال
عمل إدارى أجرته الحكومة بصفتها سلطة إدارية غير صحيح، لأن الأوامر الإدارية المحظور
على المحكمة التصدّى لها بايقاف أو إلغاء أو تأويل هى الأوامر التى تصدرها الحكومة
فى سبيل المصلحة العامّة وفى حدود القانون بصفتها صاحبة السلطة العامّة أو السيادة
العليا. وإجراءات البيع الإدارى ليست من هذا النوع لأنها عبارة عن نظام خاص وضعه المشرع
ليسهل على الحكومة تحصيل ما يتأخر لدى الأفراد من الأموال الحكومية وهو نظام أكثر اختصارا
وأقل نفقة من نظام قانون المرافعات. وقد أحاطه المشرع بسياج من الضمانات تشبه فى دقتها
الضمانات التى أحيطت بها إجراءات نزع الملكية القضائية بالنسبة لجميع ذوى الشأن ومن
ضمنهم المدين. فكما يحق لهذا المدين أن يطعن فى إجراءات البيع القضائى إذا وقعت فيها
مخالفة للقانون، كذلك يجب أن يكون للمدين المنزوعة ملكيته إداريا الحق فى الطعن فى
إجراءات البيع الإدارى الباطلة وتوجيه طعنه ضدّ الدائن (نازع الملكية) والراسى على
المزاد.
وحيث إنه مهما يبدو قول الطاعنة لأوّل وهلة وجيها وعاما ينطبق على جميع الأحوال من
أن مناط تطبيق المادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية أن يكون الأمر الإدارى صادرا
من جهة إدارية وفى حدود السلطة التى تخوّلها صفة الموظف أو الهيئة الإدارية لهما فى
دائرة اختصاصهما طبقا للقوانين واللوائح، فهو لا يشمل كل عمل من الأعمال التى تقوم
بها الحكومة. فقد يصدق هذا القول على سلطة الحكومة فى فرض المال على الأطيان الزراعية
لأن فى فرض المال تقوم الحكومة بعمل من أعمال السيادة، أما فى حالة التأخير فى سداد
هذا المال واضطرار الحكومة للالتجاء إلى النظام الإدارى الذى وضعه المشرع لتحصيل هذا
المال المتأخر فهى خاضعة فى هذا العمل لرقابة المحاكم كما هو الواقع فى جميع الأحوال
التى تتخذ فيها إجراءات التنفيذ الإدارى كحالة تحصيل نفقة محكوم بها من الجهة المختصة
مثلا. فان وجدت المحاكم أية مخالفة فى هذا الإجراء للقواعد الموضوعة ألغته وإلا أقرّته
لأن هذه القواعد وضعت لحماية المدين، وليس من العدل ولا من المنطق إقرار هذا الإجراء
مع ثبوت الإخلال بهذه القواعد والاكتفاء بالحكم بالتضمينات الناشئة عن هذا الإخلال
بدعوى أن العمل على خلاف ذلك فيه تهديد لمصالح الدولة وهدم لما يجب أن يكون لموظفى
الحكومة من هيبة ولأعمالها من حرمة. على أنه لا تهديد لمصالح الدولة فى الأمر ولا هدم
لهيبة موظفيها وحرمة أعمالها ما دام المال المتأخر لا يسقط الحق فيه بالغاء الإجراءات
المترتبة على هذا التأخير وما دام فى الإمكان إعادة الإجراءات الملغاة على الوجه الصحيح.
وحيث إنه ينتج من ذلك أن إجراءات البيع الإدارى لا تعتبر من الأوامر أو الإجراءات الإدارية
المشار إليها فى المادة 15 فالدعوى بابطالها لمخالفتها للقواعد الموضوعة لهذا البيع
هى من اختصاص المحاكم الأهلية حكمها كحكم دعاوى إبطال إجراءات البيوع الجبرية القضائية.
