الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 28 سنة 5 ق – جلسة 05 /01 /1936 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 1020

جلسة 5 يناير سنة 1936

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمد لبيب عطية بك ومراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك المستشارين.


القضية رقم 28 سنة 5 القضائية

وقف:
( أ ) كتاب الوقف. وجوب احترامه وتنفيذه. متى تعطل أحكامه؟
(ب) مرتبات الوقف. ماهيتها. أداؤها. مناطه وكيفيته.
(حـ) مسئولية ناظر الوقف قبل المستحقين. مداها.
(د) الاستحقاق فى الوقف. مناطه.
(هـ) إثبات. تقدير قيمة السند. حق محكمة الموضوع فى ذلك. مداه.
(و) خبير. طلب تحقيق بواسطته. رفضه. متى لا يجوز؟
1 – عملا بقاعدة "إن من الوجوب تمكين ذى السند على الفور من حقه" "provision est due au titre" فان كتاب الوقف – وهو سند رسمى – يجب احترامه وتنفيذه بما فى الإمكان ووفق المقرّر شرعا وعقلا طالما أن من يعارض فى نص من نصوصه لم يستحضر فعلا حكما شرعيا نهائيا مؤيدا لمعارضته. فاذا رفع مستحق منصوص بكتاب الوقف على استحقاقه أصلا ومقدارا دعوى على الناظر بطلب هذا الاستحقاق أو بطلب مبلغ منصوص على ولايته هو دون الناظر فى إنفاقه فادّعى الناظر أن هذه الولاية سقط أو أن الاستحقاق سقط كله أو بعضه وأنه رفع لدى المحكمة الشرعية المختصة دعوى لتقرير هذا السقوط وطلب من المحكمة الأهلية إيقاف دعوى المستحق حتى يفصل فى هذا الشأن من المحكمة الشرعية، فان هذه المحكمة ليست مجبرة على إجابة طلب الإيقاف ما دام الناظر ليس بيده حكم شرعى نهائى قاض بسقوط الاستحقاق أو الولاية يعطل مفعول نص كتاب الوقف، بل لها أن ترفض الطلب متى رأته غير واضح الجدّية، وحكمها بهذا لا غبار عليه.
2 – المرتبات التى تتقرر بكتب الوقف ليست ديونا مرصدة على جهة الوقف مما لا تسقط بالإعسار ومما تتجمد ويتربص بها إلى وقت اليسار فتؤدّى كاملة، وإنما هى تبرعات تستحق كاملة فى كل سنة يسعها جميعا صافى الريع، وتسقط برمتها إلى غير عودة فى كل سنة لا يفيض فيها من الريع شىء بعد المصاريف الضرورية. وفى كل سنة يضيق الفائض، بعد المصاريف الضرورية وبعد أداء ما يأمر الشرع أو الواقف بتقديمه من المرتبات على غيره، عن أن يسع باقيها جميعا، فأرباب هذا الباقى يشتركون جميعا فى هذا الفائض كل بنسبة أصل مرتبه المعين بكتاب الوقف. وهذه قواعد شرعية مؤسسة على البداهة العقلية وواجب اعتبارها قانونا، ومن حق كل ناظر وقف بل من واجبه أن يطبقها بنفسه غير محتاج لاستصدار أى حكم شرعى للعمل بها، اللهم إلا فى بعض الأحوال التى يرى فيها الناظر لتطمين نفسه أن يلجأ إلى القاضى الشرعى ليرسم له خط سير واضحا. إنما الذى يحتاج حقيقة لاستصدار الحكم الشرعى هو من يزعم من أرباب الاستحقاق أن الناظر أساء أو يريد أن يسىء تطبيق تلك القواعد بحرمانه أو بتخفيض مرتبه نسبيا مع أن الشارع أو الواقف يأمر بتقديمه على غيره.
3 – إن مسئولية ناظر الوقف قبل المستحقين تنحصر فى تقديم الحساب لهم مؤيدا بمستنداته، وفى توزيع فائض الريع عليهم وفق القواعد المتقدّمة، قل ما يصيب أحدهم منه أو أكثر. فإذا ضاق الفائض عن دفع مرتباتهم كاملة فعلى من يدعى عدم صدق الناظر فى حسابه أن يقيم هو الدليل على دعواه. ومن قلب الأوضاع القانونية فى الإثبات أن يكلف الناظر فى هذه الحالة بإقامة الدليل على أن الريع هو بالضيق الذى يقول به قولا مؤسسا على حسابه المؤيد بالمستندات.
4 – الاستحقاق فى غلة الوقف منوط بطلوعها وبمعرفة صافيها بعد المصاريف الضرورية. ولا يجوز ألبتة الحكم سلفا عن ناظر الوقف بأن يدفع فى المستقبل مرتبا معين المقدار لاحتمال أن الحساب قد لا ينتج شيئا يمكن دفع هذا المرتب منه أو قد لا ينتج إلا صافيا ضئيلا لا يمكن معه إلا دفع جزء ضئيل من المرتب. فإذا قضى حكم بإلزام ناظر وقف بإيداع كامل مرتب مقرر بكتاب الوقف إلى أن تنتهى دعوى مرفوعة منه لدى المحكمة الشرعية فقضاؤه بذلك فيه مخالفة للقانون تستوجب نقضه.
5 – إن القانون إذا كان يجعل من حق محكمة الموضوع تقدير قيمة المستندات فإنه لا يسمح لها بمناقضة نصوصها الصريحة.
6 – إذا كان طلب التحقيق بواسطة أرباب الخبرة جائزا قانونا وكان هذا التحقيق هو الوسيلة الوحيدة للخصم فى إثبات مدعاه، فلا يجوز للمحكمة رفضه بلا سبب مقبول. فاذا ادّعى الناظر أن الريع فى السنين التى يطلب المستحق حقه فيها يضيق عن أن يسع دفع هذا الاستحقاق كاملا وقدّم للمحكمة حساب تلك السنين – وهو حساب معتمد من لجنة معينة بكتاب الوقف – وطلب إلى المحكمة تعيين خبير لفحصه للتثبت من صحة ادعائه فلم تعبأ المحكمة بطلبه هذا، بل قضت ضمنا برفضه بلا سبب ظاهر مقبول كان هذا الرفض مصادرة للناظر فى وسيلته الوحيدة فى الإثبات التى هى حق له لا يسوغ قانونا حرمانه منه وصح طعنه من هذه الجهة فى الحكم.


الوقائع

تتلخص وقائع الدعوى – على ما جاء بالحكم المطعون فيه والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة وكانت مقدّمة لدى محكمة استئناف مصر – فى أن السيدة بدر حمودة الأعصر رفعت على أخيها راغب أفندى الأعصر بصفته ناظرا على وقف المرحوم السيد بك عبد العال زوجها دعوى لدى محكمة طنطا الابتدائية قيدت بجدولها برقم 138 سنة 1929 قالت فيها "إنه بموجب حجتى وقف مؤرّختين فى 19 أبريل سنة 1914 و26 أكتوبر سنة 1920 وقف المرحوم السيد بك عبد العال نحو تسعمائة فدان وكسر وعقارات بسمنود بما فيها السراى المعدّة لسكناه وحرمه وخدمهما بجميع مشتملاتها من أثاث ومتاع وفراش وغير ذلك على الجهات الواردة به. ومما شرطه فيه أن يصرف للسراى المذكورة فى كل شهر مائة وعشرون جنيها مصريا فى ثمن قمح وأرز وسمن الخ من مأكول ومشروب حرم الواقف الست بدر كريمة المرحوم حمودة بك الأعصر والعائلة التى معها والفقهاء المرتبين بالسراى من قبل المرحوم والده وماهية الطاهى ومساعده ومرتبات القهوجى والفرّاش والسقاء والبوّاب والخفير، ويكون الصرف على ذلك بمعرفة الست بدر حرمه مدّة حياتها، وأن يصرف لها فى كل شهر عشرون جنيها مصريا بخلاف مأكولها ومشروبها هى وخدمها من المرتب للسراى مدّة حياتها سواء أكانت عزبة أو متزوّجة. واشترط الواقف كذلك إقامة معهد دينى بسمنود فان لم ينشئه هو فى حياته لو لم يتمه، فعلى الناظر إقامته أو إكماله ولو أدّى ذلك إلى عدم الصرف على المستحقين". قالت السيدة بدر ولما توفى الواقف فى يونيه سنة 1927 امتنع ناظر الوقف عن القيام بصرف مرتبها الشخصى ومرتب السراى. ولذلك طلبت الحكم بالزامه بصفته هذه بأن يدفع لها: (أوّلا) مبلغ 2160 جنيها مرتب السراى من وفاة الواقف لغاية نوفمبر سنة 1928 (ثانيا) مبلغ 360 جنيها مرتبها الشخصى عن هذه المدّة كذلك (ثالثا) مبلغ 20 جنيها شهريا ابتداء من أوّل ديسمبر سنة 1928 (رابعا) 120 جنيها شهريا مرتب السراى من أوّل ديسمبر سنة 1928 مع إلزامه بالمصاريف. ومحكمة طنطا الابتدائية حكمت بتاريخ 8 مارس سنة 1930: (أوّلا) بالزام المدّعى عليه راغب أفندى الأعصر بصفته بأن يدفع للست بدر 380 جنيها متجمد مرتبها الشخصى من يوليه سنة 1927 لغاية يناير سنة 1929 و20 جنيها شهريا من أوّل سبتمبر سنة 1929 (وذلك لأنه فى أثناء الخصومة كان الناظر قد دفع سبعة شهور من مرتب السراى وسبعة شهور من مرتبها الشخصى فى 10 فبراير سنة 1929) وشملت الحكم بالنفاذ المعجل وبلا كفالة. (وثانيا) فيما يختص بمرتب السراى باحالة الدعوى على التحقيق لتثبت السيدة بدر المدّعية بكافة طرق الإثبات بما فيها البينة أن السراى استمرّت مفتوحة بعد وفاة الواقف وأنها تولت الصرف عليها طبقا لشروط الوقف عن المدّة التى تطالب بها وللمدّعى عليه راغب أفندى النفى، وأبقت الفصل فى المصاريف.
فاستأنف الطرفان هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر. استأنفه راغب أفندى طالبا الحكم: (أوّلا) بالغاء وصف الحكم المستأنف بالنسبة للنفاذ (وثانيا) بالغاء الحكم فى الموضوع وعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر هذه الدعوى واحتياطيا الحكم برفضها وإلزام المدّعية بالمصاريف ومقابل أتعاب المحاماة عن الدرجتين. وقيد هذا الاستئناف برقم 711 سنة 47 قضائية. واستأنفته الست بدر استئنافا فرعيا طالبة الحكم بالغاء الحكم التمهيدى الصادر بالتحقيق والحكم لها بطلباتها الابتدائية. وقيد هذا الاستئناف برقم 1012 سنة 47 قضائية.
وفى جلسة 20 مايو سنة 1931 طلب وكيل راغب أفندى الأعصر من محكمة الاستئناف تأجيل القضية إلى ما بعد 13 يونيه سنة 1931 أو إيقافها لأن للست بدر قضية شرعية رفعتها لدى محكمة طنطا الابتدائية الشرعية طلبت بها تحديد ما ينبغى صرفه على إحياء ليالى شهر رمضان والمواسم من أصل مرتب السراى، وأن هذه المحكمة الشرعية بحكمها الصادر فى 8 مارس سنة 1931 قدّرت للصرف فى ذلك 260 جنيها سنويا، وأن السيدة بدر استأنفت هذا الحكم امام المحكمة العليا الشرعية ومحدّد لنظر استئنافها هذا جلسة 13 يونيه سنة 1931 كما استأنفه راغب أفندى أيضا.
ومحكمة استئناف مصر حكمت بتاريخ 4 يونيه سنة 1931 بالغاء الحكم التمهيدى الصادر بالتحقيق وإيقاف الفصل فى الدعوى حتى يفصل فى النزاع القائم أمام المحكمة الشرعية وألزمت الست بدر حمودة بمصاريف الاستئنافين.
ولكون المحكمة العليا الشرعية قضت بتاريخ 13 يونيه سنة 1931 فى الاستئنافين المرفوعين عن حكم محكمة طنطا الشرعية الصادر فى 8 مارس سنة 1931 بتعديل القرار المستأنف بالنسبة لما يصرف لإِحياء ليالى شهر رمضان والعيدين بجعل ما يصرف لإحياء ليالى شهر رمضان مائة جنيه وإحياء ليالى العيدين والمواسم ثمانين جنيها وتأييد القرار المستأنف بالنسبة لما عدا ذلك، فالست بدر عجلت نظر استئنافها واستئناف خصمها لدى محكمة استئناف مصر لجلسة 29 نوفمبر سنة 1931 فطلب راغب أفندى الأعصر إيقاف الدعوى مرة ثانية بناء على أنه رفع بتاريخ 7 يناير سنة 1932 على الست بدر دعوى أمام محكمة طنطا الشرعية طلب فيها التقرير بحرمانها من استحقاقها لشىء من ريع الوقف عن المدّة من وفاة الواقف لغاية شهر يناير سنة 1929 وعدم استحقاقها كذلك لشىء من مرتب سراى الواقف للأسباب التى بينها بصحيفة افتتاح تلك الدعوى. ومحصلها أن لا حق لمستحق فى شىء من الريع لغاية يناير سنة 1931 لأن الريع كله كان محجوزا لبناء المعهد الدينى المشترط على الناظر تقديم إنشائه على جميع مصارف الوقف وأن استحقاق الست بدر للنفقة وللصرف من مرتب السراى مقيد باستحقاقها للسكنى فى السراى وهى لم تعد مستحقة للسكنى لأنها تزوّجت من جهة ولأنها خرجت من السراى وأقامت مع زوجها الجديد من جهة أخرى ولم تنفق شيئا يصح المطالبة به. فعارضت الست بدر فى هذا الطلب ومحكمة الاستئناف حكمت بالإيقاف بتاريخ 16 مارس سنة 1932 حتى يفصل فى هذا النزاع من المحكمة الشرعية. فلما قضت فيه المحكمة العليا الشرعية بحكم الالتماس المؤرّخ فى 23 يناير سنة 1934 بتأييد حكم محكمة طنطا الشرعية الصادر فى 24 أكتوبر سنة 1932 والقاضى بعدم استحقاق الست بدر لشىء من ريع الوقف فى المدّة من 6 يونيه سنة 1927 تاريخ وفاة الواقف لغاية يناير سنة 1929 (لتخصيص ريع هذه المدة لإنشاء معهد علمى شرط الواقف إقامته) وبرفض دعوى راغب أفندى فيما عدا ذلك – لما قضت المحكمة الشرعية بهذا عجلت الست بدر نظر الدعوى أمام محكمة استئناف مصر وطلبت بمذكرتها الختامية الحكم لها: (أوّلا) بتأييد الحكم المستأنف بالنسبة لمرتب العشرين جنيها (ثانيا) بالزام راغب أفندى بصفته بأن يدفع لها مبلغ 6840 جنيها قيمة مرتب السراى بواقع 120 جنيها فى الشهر من أوّل فبراير سنة 1929 لغاية نوفمبر سنة 1934 بعد خصم مبلغ 840 جنيها المدفوع بايصال 10 فبراير سنة 1929 ومبلغ 720 جنيها نفقات المواسم باعتبار السنة 180 جنيها. (ثالثا) بالزام راغب أفندى بصفته بأن يدفع لها شهريا 120 جنيها مرتب السراى بعد أن يخصم فى السنة 180 جنيها نفقات إحياء الليالى من أوّل ديسمبر سنة 1934 إلى أن يسقط هذا الحق أو ينتهى باحدى الوسائل القانونية. وطلب راغب أفندى الأعصر إيقاف الدعوى لأنه: (أوّلا) رفع دعوى أمام هيئة التصرفات بمحكمة طنطا الابتدائية الشرعية طلب فيها عزل الست بدر حمودة من ولايتها على ما هو مشروط صرفه على سراى الواقف للأسباب التى بينها بصحيفة دعواه التى قدّم صورة منها، وهذه القضية لما يفصل فيها بعد. (وثانيا) لأن حكم محكمة طنطا الشرعية المؤرّخ 24 أكتوبر سنة 1932 الذى أيدته محكمة الالتماس قد قضى بأنه عند ضيق الريع عن وفاء كل ما شرطه الواقف لجهات الاستحقاق، فان للناظر أن يوزع الريع على المستحقين بنسبة الاستحقاق المشروط لهم فى كتاب الوقف. ولما كان ريع الوقف أصبح لا يفى باعطاء أصحاب المرتبات مرتباتهم كاملة فالواجب أن يصدر حكم من المحكمة الشرعية بتقرير ما يجب صرفه لمرتب السراى بنسبة الريع. و(ثالثا) أنه فى المدّة التى تطالب الست بدر باستحقاق مرتب السراى فيها لم تكن مقيمة فى السراى إلا إقامة متقطعة وكانت تكتفى بالصرف على نفسها وعلى خدمها الخصوصيين ولم تكن تؤدّى ما شرطه الواقف فى كتاب وقفه. وطلب فى المذكرة الختامية احتياطيا الحكم فى موضوع الدعوى برفضها، ومن باب الاحتياط الكلى تعيين خبير للاطلاع على حسابات الوقف وتقارير لجان الحساب للتحقق من مقدار ما يستحقه مرتب السراى من صافى الريع طبقا للحكم الشرعى. وذلك بعد أن قرّر فى مذكرته الختامية المذكورة (التى قدّمها بمحكمة الاستئناف لجلسة 11 ديسمبر سنة 1934، وقدّم صورة رسمية منها لمحكمة النقض تحت رقم 20 بحافظته الأولى) بأن ريع الوقف كان يسمح فى سنة 1929 بدفع مرتب السراى كاملا، أما فى سنى 1930 و1931 و1932 و1933 فقد انخفض انخفاضا لا يسمح بأن يعطى لأى جهة من جهات الاستحقاق إلا ما يوازى 19.4 فى الماية من أصل استحقاقها فى السنين الأربع المذكورة، وأنه بعمل حساب مرتب السراى المذكور على هذا الاعتبار لا يكون المستحق منه لديه لغاية ديسمبر سنة 1933 بعد خصم ما بدا له أن يخصمه من سوى مبلغ 645 جنيها و700 مليم. وهذا بالإجمال بيان هذه الحسبة أخذا من المذكرة المشار إليها:

    مليم جنيه  
    210 مرتب السراى شهرى نوفمبر وديسمبر سنة 1929 باعتبار الشهر 105 جنيهات بعد خصم مقرّر إحياء الليالى وقدره 15 جنيها شهريا.
    760 977 مرتب السراى أربع سنوات من يناير سنة 1930 لديسمبر سنة 1933 باعتبار 20 جنيها و370 مليما شهريا.
    760 1187 يخصم منه ما يأتى:
    135 يقول الطاعن إنه هو استحقاق السراى عن تسعة أشهر (وقد ذكر الطاعن مرة أنها من فبراير سنة 1929 إلى غاية أكتوبر سنة 1929 ومرة أخرى عند عمل هذه الحسبة ذكر أنها من فبراير سنة 1932 لغاية أكتوبر 1933. وظاهر أن الصحيح هو سنة 1929 لا سنة 1933).
مليم جنيه مليم جنيه  
    380 مرتب شخصى عن تسعة عشر شهرا من يوليه سنة 1927 لغاية يناير سنة 1929 يقول الطاعن إنها قبضته بغير حق تنفيذا للحكم الابتدائى وقد قضى نهائيا من المحكمة الشرعية بعدم استحقاقها شيئا من ريع هذه الفترة.
    60 27 رسوم هذا المبلغ ورسوم التنفيذ به. ويقول الطاعن إنه دفعها للست بدر.
60 542      
700 645 الباقى.

ومحكمة الاستئناف قضت فى الدعوى بتاريخ 29 يناير سنة 1935: (أوّلا) برفض الاستئناف المرفوع من راغب أفندى الأعصر (ثانيا) فى استئناف الست بدر حمودة الأعصر بتأييد الحكم المستأنف بالنسبة لما قضى به من إلزام راغب أفندى الأعصر بصفته ناظر وقف المرحوم السيد بك عبد العال بأن يدفع لها مرتبها الشخصى البالغ قدره عشرون جنيها شهريا على أن يكون بدء استحقاقها له أوّل فبراير سنة 1929 وبالنسبة لمرتب السراى بالزام راغب أفندى الأعصر بصفته المذكورة بأن يدفع للست بدر حمودة الأعصر مبلغ 5650 جنيها قيمة باقى المرتب عن المدّة من أكتوبر سنة 1929 لغاية مايو سنة 1934 وبتوجيه اليمين الحاسمة للست بدر حمودة الأعصر بالصيغة المبينة بالأسباب عن مبلغ 240 جنيها كمالة مرتب السراى عن المدّة نفسها، وحدّدت لحلف اليمين جلسة 26 فبراير سنة 1935 وعلى المستأنف إعلانها بهذا الحكم (ثالثا) بالزام راغب أفندى بصفته المذكورة بأن يودع بخزينة محكمة مصر الأهلية مبلغ 630 جنيها قيمة مرتب السراى عن المدّة من يونيه سنة 1934 لغاية نوفمبر سنة 1934 مع ما يستجد من هذا المرتب بواقع الشهر الواحد 105 جنيهات إلى أن يفصل نهائيا فى الدعوى الشرعية المرفوعة بطلب عزل الست بدره حمودة الأعصر من ولايتها على مرتب السراى مع إلزامه بالمصاريف المناسبة لما حكم به عليه عن الدرجتين ومبلغ 1500 قرش مقابل أتعاب المحاماة عنهما، ورفضت المحكمة ما عدا ذلك من الطلبات وأبقت الآن الفصل فى المصاريف المناسبة لمبلغ 240 جنيها موضوع اليمين.
وقد أعلن هذا الحكم إلى راغب أفندى الأعصر بصفته فى 16 فبراير سنة 1935 فطعن فيه بطريق النقض بقلم كتاب المحكمة فى 12 مارس سنة 1935 بتقريرين أعلنا للمطعون ضدّها فى 13 من الشهر المذكور، وقدّم طرفا الخصومة مذكراتهما الكتابية فى الميعاد القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 24 يونيه سنة 1935.
وبجلسة يوم الخميس 31 أكتوبر سنة 1935 المحدّدة لنظر هذا الطعن قرّرت المحكمة تأجيل نظر الدعوى لجلسة 12 ديسمبر سنة 1935 باتفاق وكلاء الخصوم لضيق الوقت.
وبالجلسة المذكورة سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ثم تأجل النطق بالحكم لجلسة 19 ديسمبر سنة 1935، ومنها لجلسة 9 يناير سنة 1936 لعدم إتمام المداولة ثم عجلت فنطقت به بجلسة اليوم.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
ومن حيث إن وجوه الطعن التى فصلها الطاعن فى تقريريه وشرحها فى مذكرتيه على ما فيها من التداخل والتكرار تجتمع فى أربعة وجوه رئيسية منها اثنان خاصان بنقد الحكم فى رفضه طلب الإيقاف ويتلخصان:
(أوّلا) فى أن محكمة الاستئناف بقضائها برفض طلب إيقاف الدعوى حتى تفصل المحكمة الشرعية فيما قام أمامها من أوجه النزاع الشرعية التى استوجبت من قبل وتستوجب الآن هذا الإيقاف قد خالفت من جهةٍ حكميها النهائيين الصادرين بالإيقاف فى 4 يونيه سنة 1931 و16 مارس سنة 1932 ولم تبن قضاءها من جهة أخرى على الأسباب الكافية التى تحقق غرض الشارع من تسبيب الأحكام.
(ثانيا) فى أن الطاعن كان قد بنى طلب الإيقاف على سببين آخرين: (أوّلهما) خاص بضيق ريع الوقف عن دفع كل المرتبات المبينة بكتاب الوقف مما يقتضى تخفيضها نسبيا عملا بما ورد بحكم محكمة طنطا الشرعية الصادر فى 24 أكتوبر سنة 1932 الذى أيده حكم محكمة الالتماس الصادر فى 23 يناير سنة 1934 ومما يستلزم أيضا استصدار حكم شرعى يعين مقدار ما انخفض إليه مرتب السراى بسبب هذا الضيق. (وثانيهما) خاص بعدم إقامة الست بدر بسراى الوقف وصرفها مرتب السراى على نفسها وعلى خدمها الخصوصيين الأمر الذى يستوجب عزلها عن الولاية فى هذا الصرف. ويقول الطاعن إن محكمة الاستئناف بقضائها برفض طلب الإيقاف قد خالفت حكم محكمة طنطا الشرعية المتقدّم الذكر كما خالفت قواعد الاختصاص، وهذا يوجب نقض الحكم.
أما الوجهان الآخران فخاصان بنقد الحكم من جهة ما قضى به فى الموضوع ويتحصلان:
(أوّلا) فى أن الطاعن قرّر لدى محكمة الاستئناف أن الريع فى سنوات 1930 و1931 و1932 و1933 المطلوب ريعها قد انخفض لدرجة لا تسمح باعطاء أى مستحق سوى 19.4 فى الماية من أصل استحقاقه. وقد استند فى هذا على حسابات السنوات الأربع المذكورة التى نظرتها اللجنة المعينة من قبل الواقف وصدّق عليها رئيس محكمة طنطا الشرعية، ثم طلب خبيرا عند الاقتضاء لمراجعة هذه الحسابات وللتحقق من ضيق الريع وأنه لا ينتج إلا ما يقول به. ولكن محكمة الاستئناف إذ قرّرت أن الطاعن لم يقدّم لها دليلا على ضيق الريع وإذ حكمت للست بدر بمرتب السراى فى تلك المدّة كاملا وإذ رفضت ضمنا طلبه تعيين الخبير قد تناسلت أن القول فى ضيق الريع هو للناظر، وأن على من يدّعى اتساعه أن يقيم هو الدليل على دعواه، وأن مذهبها هو قلب لقواعد الإثبات. وهذه المخالفة تجعل الحكم باطلا.
(ثانيا) فى أن الحكم المطعون فيه بقضائه على الطاعن بالزامه بأن يدفع للست بدر مرتبها الشخصى من أوّل فبراير سنة 1929 مع ثبوت دفعه بعض المستحق لها من هذا المرتب بالإيصالات المقدّمة فى الدعوى يكون قد خالف الثابت بهذه الإيصالات. ولذلك يكون من هذه الجهة باطلا أيضا.
( أ ) عن وجود الطعن المتعلقة بالحكم الضمنى الصادر برفض طلب الإيقاف.
حيث إن محكمة الاستئناف قد فصّلت فى صدر حكمها وقائع الدعوى وما قام بين الخصمين من النزاع لدى المحاكم الشرعية مما أوقفت من أجله نظر الدعوى أمامها على مقتضى حكميها الصادرين فى 4 يونيه سنة 1931 و16 مارس سنة 1932 ثم استعرضت ما تم أمام المحاكم الشرعية فى وجوه هذا النزاع المطروح عليها، واستخلصت من الأحكام الشرعية التى قدّمت لها أن ما قضت هى من أجله من قبل بالإيقاف قد فصل فيه نهائيا: (أوّلا) بحكم محكمة مصر العليا الشرعية الصادر فى 13 يونيه سنة 1931 بتقدير ما ينبغى أن يأخذه الناظر من مرتب السراى لصرفه فى إحياء ليالى شهر رمضان والعيدين ويبلغ مجموع ذلك 180 جنيها سنويا (وثانيا) بحكم الالتماس الصادر من المحكمة العليا الشرعية فى 23 يناير سنة 1934 بتأييد حكم محكمة طنطا الشرعية الصادر فى 24 أكتوبر سنة 1932 القاضى برفض طلب راغب أفندى الخاص بعدم استحقاق الست بدر لمرتب السراى عن المدّة من فبراير سنة 1929 المبنى على زواجها من غير الواقف وعلى إقامتها خارج السراى. وانتهت من ذلك محكمة الاستئناف بالتقرير بأن قد فصل نهائيا فيما ادّعاه راغب أفندى ناظر الوقف من عدم استحقاق الست بدر لمرتبها الشخصى ولمرتب السراى بسبب زواجها بعد وفاة الواقف وقرّرت المحكمة العليا أن استحقاقها فى المرتبين يبدأ من أوّل فبراير سنة 1929 من ذلك عشرين جنيها مرتبها الشخصى و105 جنيهات مرتب السراى (لأنه قد أنقص من هذا المرتب 180 جنيها سنويا، كما سبق الذكر).
وهذا الذى رأته محكمة الاستئناف لا مخالفة فيه لحكمى الإيقاف الصادرين من قبل المتقدّمى الذكر. فما ادّعاه الطاعن من مخالفة الحكم المطعون فيه لهذين الحكمين هو إذن ادعاء غير صحيح، لأن الإيقاف الذى رفضه الحكم المطعون فيه هو كما سيرى غير الإيقاف الذى قضى به الحكمان المذكوران.
وحيث إن محكمة الاستئناف بعد أن فرغت من تقرير ما تقدّم شرعت فى بحث ما جدّ فى الدعوى أمامها فقالت إن الست بدر عجلت نظر الاستئنافين الموقوفين بعد صدور حكم الالتماس المتقدّم الذكر، وطلبت الحكم لها بطلباتها المبينة بمذكرتها الختامية (على ما سبق تلخيصه بصدر هذا الحكم) وإن راغب أفندى طلب إيقاف الدعوى ثانية لأنه: (أوّلا) رفع دعوى أمام هيئة التصرفات بمحكمة طنطا الابتدائية الشرعية طلب فيها عزل الست بدر حمودة من ولايتها على ما هو مشروط صرفه على سراى الواقف للأسباب المبينة بصحيفة دعواه هذه التى قدّم صورة منها. (وثانيا) لأن حكم محكمة طنطا الشرعية الذى أيدته محكمة الالتماس قضى بأنه عند ضيق الريع عن وفاء كل ما شرطه الواقف يكون للناظر الحق فى أن يوزع الريع على المستحقين بنسبة الاستحقاق المشروط لهم بكتاب الوقف، فالواجب أن يصدر حكم من المحكمة الشرعية بتقدير ما يجب صرفه لمرتب السراى بنسبة الريع. (وثالثا) لأنه فى المدّة التى تطالب الست بدر باستحقاق مرتب السراى فيها لم تكن هى مقيمة بالسراى إلا إقامة متقطعة وكانت تكتفى بالصرف على نفسها وعلى خدمها الخصوصيين ولم تكن تؤدّى ما شرطه الواقف فى وقفه. قالت محكمة الاستئناف هذا، ثم أخذت تناقش أسباب طلب هذا الإيقاف الجديد سببا فسببا. فقالت عن السبب الأوّل الخاص بدعوى عزل الست بدر من ولايتها على صرف مرتب السراى: "إن هذه الدعوى لا يصح أن تكون سببا للإيقاف.. وإن أسبابها هى أسباب يدّعيها الناظر ولا يصح للمحاكم الأهلية أن توقف الدعوى لكل ادعاء يقوله الناظر ويطرحه على القضاء الشرعى وإلا لما وصل مستحق إلى استحقاقه لأن مثل هذه الادعاءات لا حدّ لها…." وهذا القول سليم قانونا.
ثم انتقلت المحكمة إلى السبب الثانى الخاص بعدم وفاء ريع الوقف لدفع كل المرتبات فقالت: إن صح هذا الادعاء فما دام أنه لغاية الآن لم يصدر حكم من المحكمة الشرعية بتخفيض المرتبات بنسبة الريع فالواجب يقضى على الناظر باحترام ما شرطه الواقف حتى يصدر ذلك الحكم. وما يزعمه الناظر من أن محكمة طنطا الشرعية قضت بتوزيع المرتبات طبقا لصافى الريع فغير صحيح إذ أن منطوق ذلك الحكم لم يتعرض لشىء من ذلك. ومهما تكن محكمة الاستئناف مخطئة فى قولها هذا، فان الادعاء بضيق الريع لا يقتضى الإيقاف حتما بل هو فى صورة الدعوى الحالية يكون دفعا فى الموضوع، وسيأتى الكلام عليه فيما بعد عند الكلام على الطعن الخاص بالموضوع.
ثم قالت عن السبب الثالث الخاص بعدم إقامة الست بدر بسراى الوقف إلا إقامة متقطعة وأنها كانت تكتفى بالصرف على نفسها وعلى خدمها الخاصين بها: إن أمر إقامتها قد فصلت فيه المحكمة الشرعية بما يفيد عدم أحقية الناظر فى حرمانها لما ثبت من أنها كانت تغادر السراى كما يغادر كل شخص منزله لمختلف المناسبات، وأما عدم صرفها فى الوجوه التى عينها الواقف فما دام لم يصدر حكم يفيد صحة هذه الدعوى فلا يترتب على هذا القول إيقاف الدعوى.
وحيث إن هذه المحكمة لا ترى قصورا مّا فى الأسباب التى بنت عليها محكمة الاستئناف رفض طلب الإيقاف، بل لو أن تلك المحكمة كانت عبرت عن المعنى الذى حصّلته من ظروف الدعوى بأقل مما ذكرته فى حكمها لكان حكمها مسببا لا قصور فيه. كما أنها لا ترى أن محكمة الموضوع جاوزت فى ذلك اختصاصها ولا أنها فى تقديراتها خالفت القانون ولا أحكاما سابقة صادرة منها ولا من المحكمة الشرعية. على أنه ما دام مرتب السراى منصوصا عليه بكتاب الوقف وأن الذى يتولى صرفه هو الست بدر ولم يخرج منه إلا مبلغ 180 جنيها سنويا قيمة ما قضت المحكمة الشرعية ببقائه بيد الناظر على ذمة صرفه فى إحياء ليالى رمضان والعيدين، فبحسب محكمة النقض أن تقول عملا بقاعدة "وجوب تمكين ذى السند على الفور من حقه (provision est due au titre)" إن كتاب الوقف ذلك السند الرسمى يجب احترامه وتنفيذه بما فى الإمكان ووفق المقرّر شرعا وعقلا طالما أن من يعارض فيه لم يستحضر فعلا حكما شرعيا نهائيا يقضى بسقوط ذلك الاستحقاق أو بسقوط ولاية من يتولى إنفاقه. وإذن فالحكم برفض طلب الإيقاف حتى تفصل المحكمة الشرعية فيما الإيقاف مطلوب من أجله هو حكم لا غبار عليه قانونا.
(ب) عن وجوه الطعن المتعلقة بالحكم الصادر فى الموضوع:
حيث إن مما يلاحظ مبدئيا أن وجه الطعن الأوّل الخاص بضيق الريع لا يجوز أن يتعلق بالمرتب الشخصى للست بدر إذ الطاعن لم ينازعها أمام محكمة الاستئناف فى وجوب أخذها لهذا المرتب الشخصى كاملا غير منقوص. وقد أثبتت تلك المحكمة ذلك فى حكمها المطعون فيه نقلا عن مذكرته الختامية التى قدّمها لها. وفى الواقع فانه بعد أن أشار فى تلك المذكرة إلى ضيق الريع قد عاد فى آخرها فصب نزاعه فى هذا الصدد على ما يختص بمرتب السراى الذى أصبح الباقى من أصله 105 جنيهات شهريا بعد استبعاد 15 جنيها التى استبعدتها المحكمة الشرعية باعتبار أنها مخصص رمضان والعيدين. ثم قال: إن هذا المرتب الباقى قد آل شهريا إلى 20 جنيها و370 مليما بسبب انخفاض الريع وعدم كفايته إلا لما يوازى 19.4 فى الماية من أصل المرتبات المبينة بكتاب الوقف. ومن أجل هذا يبق الحكم المطعون فيه قائما فيما يتعلق بالمرتب الشخصى المذكور.
وحيث إنه فيما يتعلق بمرتب السراى فان الطاعن قد أبدى لمحكمة الاستئناف فى تلك المذكرة الختامية التى قدّمها لجلسة 11 ديسمبر سنة 1934 أن الواقف عند ما رأى ارتفاع ثمن القطن فى سنة 1920 إذ بلغ سعر القنطار الواحد أربعين جنيها مصريا قد زاد فى قيمة المرتبات التى كانت مقرّرة فى كتاب الوقف السابق، وأنه إذا كان ريع الوقف فى سنة 1929 كفى لدفع مرتب السراى كاملا فإنه فى سنى 1930 و1931 و1932 و1933 قد نقص نقصا مبينا بسبب الأزمة المالية المعروفة بحيث أصبح لا يفى إلا بمقدار 19.4 فى الماية من أصل المرتبات المقرّرة. أبدى الطاعن هذا واعتمد على كشوف استخرجها من حسابات هذه السنين الأربع التى راجعتها لجنة الحساب المعينة بكتاب الوقف، ثم طلب من باب الاحتياط تعيين خبير لفحص حسابات الوقف وتقارير لجان الحساب للتحقق من مقدار ما يستحقه مرتب السراى بنسبة صافى الريع.
وحيث إن الحكم المطعون فيه ردّ على كلام الطاعن فى هذا الصدد فى موضوعين: الأوّل عند الكلام على الإيقاف إذ قال كما تقدّم إن هذا الادعاء إن صح فما دام أنه لغاية الآن لم يصدر حكم من المحكمة الشرعية بتخفيض المرتبات بنسبة الريع فالواجب يقضى على الناظر باحترام ما شرطه الواقف حتى يصدر ذلك الحكم. وما يزعمه الناظر من أن محكمة طنطا الشرعية قضت بتوزيع المرتبات طبقا لصافى الريع غير صحيح، إذ أن منطوق ذلك الحكم لم يتعرّض لشىء من ذلك. (والثانى) عند الكلام على الموضوع إذ قال ومن حيث إن نقص إيرادات الوقف إلى النسبة التى ادّعاها الناظر لم يقم عليه دليل فلم يقدّم حسابا من الجهة المختصة بعد فحصه ومراجعة مستنداته كما أنه لم يستصدر حكما شرعيا بتنقيص المرتبات بنسبة الريع كما قال هو فى السبب الثانى الذى ساقه لطلب إيقاف الدعوى، وما دام الأمر لم يخرج عن أنه دعوى يدّعيها الناظر لذلك يجب الحكم بإلزامه بمرتب السراى كاملا ابتداء من فبراير سنة 1929 بواقع مرتب الشهر 105 جنيهات. وعلى هذا الأساس قضت المحكمة على الناظر بدفع المرتب كاملا من فبراير سنة 1929 لغاية سنة 1933 وإيداعه كاملا بخزينة المحكمة من ابتداء سنة 1934 لغاية الفصل فى دعوى سلب الولاية المرفوعة لدى المحكمة الشرعية.
وحيث إن ذلك الأساس الذى اعتمدت عليه محكمة الاستئناف فى حكمها غير سديد قانونا وذلك:
(أوّلا) لأن المرتبات التى تتقرّر بكتب الوقف ليست ديونا مرصدة على جهة الوقف مما لا تسقط بالإعسار ومما تتجمد ويتربص بها إلى وقت اليسار فتؤدّى كاملة – ليست كذلك وإنما هى تبرعات تستحق كاملة فى كل سنة يسعها جميعا صافى الريع وتسقط برمّتها إلى غير عودة فى كل سنة لا يفيض فيها من الريع شىء بعد المصاريف الضرورية. وفى كل سنة يضيق الفائض، بعد المصاريف الضرورية وبعد أداء ما يأمر الشرع أو الواقف بتقديمه من المرتبات على غيره، عن أن يسع باقيها جميعا، فأرباب هذا الباقى يشتركون جميعا فى هذا الفائض كل بنسبة أصل مرتبه المعين بكتاب الوقف. وهذه قواعد شرعية مؤسسة على البداهة العقلية وواجب اعتبارها قانونا. ومن حق كل ناظر وقف، بل من واجبه أن يطبقها بنفسه غير محتاج لاستصدار أى حكم شرعى للعمل بها، على خلاف ما يقوله الحكم المطعون فيه، اللهم إلا فى بعض الأحوال التى يرى فيها الناظر لتطمين نفسه أن يلجأ إلى القاضى الشرعى ليرسم له خط سير واضحا. إنما الذى يحتاج حقيقة لاستصدار الحكم الشرعى هو من يزعم من أرباب الاستحقاق أن الناظر أساء أو يريد أن يسىء تطبيق تلك القواعد بحرمانه أو بتخفيض مرتبه نسبيا مع أن الشرع أو الواقف يأمر بتقديمه على غيره.
(ثانيا) إن مسئولية ناظر الوقف قبل المستحقين تنحصر فى تقديم الحساب لهم مؤيدا بمستنداته وفى توزيع فائض الريع عليهم وفق القواعد المتقدّمة قل ما يصيب أحدهم منه أو كثر. فاذا ضاق الفائض عن دفع مرتباتهم كاملة فعلى من يدعى عدم صدق الناظر فى حسابه أن يقيم هو الدليل على دعواه. ومن غير المفهوم بل ومن قلب الأوضاع القانونية فى الإثبات أن يكلف الناظر فى هذه الحالة باقامة الدليل على أن الريع هو بالضيق الذى يقول به قولا مؤسسا على حسابه المؤيد بالمستندات.
(ثالثا) إن الواقف فى الدعوى الحالية – كما يفهم من كتابة المقدّم لهذه المحكمة وكان مقدّما لمحكمة الاستئناف – قد بيّن طريقة محاسبة الناظر فنص على أن تتولى هذه المحاسبة سنويا لجنة من العلماء والأعيان تحت رياسة قاضى محكمة المحلة الشرعية، وبعد فحصها للحساب وظهور صحته ترفع تقريرا بذلك لرئيس محكمة طنطا الشرعية للتصديق عليه، وأن يرصد تقريرها فى سجل يعدّ لذلك بدائرة الوقف ويمضى عليه الناظر واللجنة. والثابت من السجل المذكور (الذى كان مقدّما لمحكمة الاستئناف أيضا) أن تلك اللجنة قد فحصت حسابات الناظر من إيراد ومنصرف فى كل سنة من سنى 1930 و1931 و1932 و1933 وراجعت دفاترها ومستنداتها ووضعت لكل سنة منها تقريرا وقع عليه رئيسها وأعضاؤها هم والناظر وصدّق عليه رئيس محكمة طنطا الشرعية. وقد أشارت فى كل منها إلى أن تلك الحسابات مضبوطة وموافقة للمستندات. وأهم الملاحظات التى رأتها فى عمل الناظر يرجع إلى قلة الإيرادات وإلى بعض تقصيرات رأت أنها لا تستوجب عدم الثقة به. ومع إبدائها هذه الملاحظات فانها أشارت أيضا إلى ما يفيد أن السبب فى هذا راجع إلى الأزمة المالية الحالية بالبلاد فى تلك السنين. ومتى كان هذا هو الثابت فى ذلك السجل وكانت اللجنة فحصت حسابات السنين المذكورة وراجعت مستنداتها فما لا يقبل قول محكمة الاستئناف إن الناظر لم يقدّم دليلا على نقص الإيرادات بالنسبة التى يدّعيها ولم يقدّم حسابا من الجهة المختصة بعد فحصه ومراجعة مستنداته بل هذا القول مناقض للثابت بالسجل الذى كان مقدّما لها. والقانون إذا كان يجعل من حق محكمة الموضوع تقدير قيمة المستندات فلا يسمح لها بمناقضة نصوصها الصريحة.
(رابعا) إن الطاعن مع تقديمه ذلك السجل لمحكمة الاستئناف قد قدّم لها أيضا كشوف مستخرجة منه يبين بها أن مجموع صافى الريع فى السنين الأربع المذكورة لا يسمح إلا بدفع 19.4 فى الماية من أصل المرتبات المقررة فيها. وخشية من أن تتغيهب المحكمة فى قوله قد لجأ إلى الوسيلة الوحيدة الباقية له وهى أن يطلب إليها تعيين خبير لمراجعة حسابات السنين المذكورة وتقارير اللجنة عنها للتحقق مما يستحقه مرتب السراى بنسبة صافى الريع، ولكن المحكمة رفضت هذا الطلب ضمنيا معتمدة بالبداهة على ما ذكرته مما تقدّم نقلا عن حكمها. وواضح أن فى هذا الرفض الضمنى مصادرة للطاعن فى وسيلته الوحيدة فى الإثبات التى هى حق له لا يسوغ قانونا حرمانه منه.
وحيث إنه يبين من ذلك جميعا أن قضاء محكمة الاستئناف بدفع مرتب السراى كاملا لغاية سنة 1933 مبنى على تقديرات مخالفة للقانون فيتعين نقضه فيما زاد عن مبلغ 645 جنيها و700 مليم الذى أقرّ به ناظر الوقف، وأن تعاد الدعوى لمحكمة الاستئناف للقضاء ثانية فيما زاد عن هذا المبلغ من المطلوب عن هذا المرتب لغاية سنة 1933 المذكورة.
وحيث إن قضاء تلك المحكمة بإبداع ذلك المرتب كاملا بالخزينة ابتداءً من سنة 1934 إلى أن تنتهى دعوى سلب الولاية المرفوعة لدى المحكمة الشرعية هو أيضا قضاء مخالف للقانون، إذ الاستحقاق فى غلة الوقف منوط بطلوعها وبمعرفة صافيها بعد المصاريف الضرورية، ولا يجوز ألبتة الحكم سلفا على ناظر الوقف بأن يدفع فى المستقبل مرتبا معين المقدار لاحتمال أن الحساب قد لا ينتج شيئا يمكن دفع هذا المرتب منه أو قد لا ينتج إلا صافيا ضئيلا لا يمكن معه إلا دفع جزء ضئيل من المرتب. وهذه المخالفة تستدعى أيضا نقض الحكم فيما يتعلق بالإيداع.
وحيث إنه فيما يتعلق بالوجه الثانى الخاص بحساب المرتب الشخصى فالواقع فيه ان الحكم الابتدائى قد قضى بالزام الطاعن بأن يدفع بصفته للست بدر 380 جنيها قيمة مرتبها الشخصى من يونيه سنة 1927 لغاية يناير سنة 1929 وعشرين جنيها شهريا من أوّل سبتمبر سنة 1929 (وذلك لأنه فى أثناء الخصومة كان الناظر قد دفع سبعة شهور من هذا المرتب) وشملت هذا الحكم بالنفاذ بغير كفالة. فلما استأنف راغب أفندى هذا الحكم وقضت محكمة الاستئناف بايقاف النظر فى الدعوى على ما سبق الذكر ثم قضت محكمة الالتماس الشرعية فى 23 يناير سنة 1934 بتأييد حكم محكمة طنطا الشرعية القاضى فى 24 أكتوبر سنة 1932 بعدم استحقاق الست بدر لشىء من ريع الوقف فى المدّة من 6 يونيه سنة 1927 تاريخ وفاة الواقف لغاية يناير سنة 1929 (لتخصيص ريع هذا الوقف لإنشاء معهد دينى اشترط الواقف إقامته ابتداء) – لما قضى بذلك وانحسم النزاع على هذا المرتب رأت محكمة الاستئناف أن تعدّل على هذا الأساس نص الحكم المستأنف المتقدّم الذكر، فقضت بتأييده بالنسبة لما قضى به من إلزام راغب أفندى الأعصر بصفته بأن يدفع لها مرتبها الشخصى البالغ قدره عشرون جنيها شهريا على أن يكون بدء استحقاقها أوّل فبراير سنة 1929 فلا يصح بعد ذلك الطعن فى هذا الحكم بأنه قضى بهذا المرتب مخالفا فى ذلك ما قدّمه الطاعن من الإيصالات المثبتة لقيامه بدفع هذا المرتب عن بعض الشهور لأن هذا الحكم غير مانع من إجراء خصم المدفوع عند التنفيذ والست بدر نفسها تقرّر فى مذكرتها أن الحكم المطعون فيه غير معيب إذ وقف عند حدّ تأييد الحكم الابتدائى مع تعديل الوقت الذى يبدأ فيه استحقاق الست بدر لمرتبها الشخصى. وسواء بعد ذلك دفع راغب أفندى قليلا أو كثيرا من هذا المرتب فان الحكم لم يضع عليه شيئا مما دفع، وإن احتساب هذه الإيصالات مرهون بوقت التنفيذ.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات