الطعن رقم 33 سنة 5 ق – جلسة 19 /12 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 1007
جلسة 19 ديسمبر سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: محمد لبيب عطية بك ومراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك المستشارين.
القضية رقم 33 سنة 5 القضائية
( أ ) مستندات. تحريفها. تشويه معناها. السهو عنها. موجب لبطلان
الحكم.
(ب) توكيل. تعدّد الوكلاء أو الأوصياء. اشتراط تصرفهم مجتمعين. تصرف أحدهم. صدور أعمال
من صاحبه دالة على رضائه بالتصرف. نفاذ هذا التصرف.
(حـ) نقض وإبرام. نقض الحكم. أثر النقض. رفع دعوى على شخص. رفعه دعوى فرعية للإجابة
بها على الدعوى المرفوعة عليه. نقض الحكم فى الدعوى الأصلية. يترتب عليه نقض الحكم
فى الدعوى الفرعية.
1 – إذا حرفت محكمة الموضوع الثابت مادّيا ببعض المستندات وسهت عن البعض الآخر، فان
ذينك التشويه والسهو اللذين أثرا فى حكمها يستوجبان نقضه.
2 – من المقرّر شرعا وقانونا أن أحد الوكيلين أو أحد الوصيين المشروط لهما فى التصرف
مجتمعين، إذا تصرف بإذن صاحبه أو بإجازته نفذ تصرفه صريحةً كانت الإجازة أو ضمنية.
فاذا أجرى أحد هذين الوصيين تصرفا مّا صح تصرفه متى صدرت من شريكه فى الوصاية أعمال
وتصرفات دالة على رضائه بهذا التصرف.
3 – إذا رفعت دعوى ضدّ شخص فرفع هو دعوى فرعية ليجيب بها بصفة احتياطية على الدعوى
المرفوعة عليه، وظهر من تقريراته أنه لا يتمسك بطلباته فيها إلا إذا قضى عليه فى الدعوى
الأصلية، فنقض الحكم الصادر ضدّه فى الدعوى الأصلية المرفوعة عليه يترتب عليه نقض الحكم
الصادر فى الدعوى الفرعية المرفوعة منه.
الوقائع
تتلخص وقائع المادة – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والحكم
الابتدائى وأوراق الإجراءات الملحقة بهما والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة وكانت مقدّمة
من قبل لمحكمة الاستئناف – فى أنه فى أوّل مايو سنة 1905 أسست بين كل من المرحوم الخواجة
إلياس زيات وأخيه الخواجة حبيب زيات كشريكين متضامنين وبين آخرين كشركاء موصين شركة
تجارية عرفت باسم "حبيب وإلياس وشركائهما" برأس مال قدره أربعة آلاف جنيه ولمدّة خمس
سنوات نهايتها 30 أبريل سنة 1910 ثم امتدّت لمدّة أخرى، ثم صدّق على امتدادها من أوّل
مايو سنة 1913 لغاية 30 أبريل سنة 1918 بعقد مسجل فى 30 ديسمبر سنة 1912. وقد توفى
الخواجة إلياس فى 19 أغسطس سنة 1916 فأثبت بطريكية الروم الأرثوذكس وفاته وحصرت ورثته
فى والدته وزوجته الست أوجينى وأولادها منه الثلاثة القاصرين نقولا وأوديت وإلياس،
وأقامت الخواجة حبيب عمّ القصر والست أوجينى والدتهم وصيين عليهم ليعملا معا، وذلك
بقرار أصدرته فى 15 نوفمبر سنة 1916. وقد جاء فى هذا القرار: حيث إنه من ضمن متروكات
المرحوم إلياس حصة فى المحل التجارى بالإسكندرية المعروف بمحل (حبيب وإلياس زيات وشركائهما)
فتقرّر: (أوّلا) تكليف السيدة أوجينى والخواجة حبيب الوصيين عمل جرد إجمالى عن حالة
المحل من واقع الدفاتر وقد تعين حضرة الأرشمندريت إثناسيوس أفندى وكيل البطريكخانة
لمراجعة الجرد على الدفاتر المذكورة إلى أن ينتهى عمل ميزانية نهائية تقدّم إلى البطريكخانة
(ثانيا) تقرّر بخصوص الأموال النقدية حصة القصر أن يشترى بها أوراق مالية كالموحد أو
القرض الفرنسى الأهلى (L’Emprunt National Français) باسم القصر وأن تودع تلك الأوراق
باسم القصر فى بنك شهير كالبنك الأهلى أو بنك فرنسا وتقرّر عمل جرد على باقى المتروكات
وأثاث البيت وغيره. وقد ذكر فى نفس قرار 15 نوفمبر سنة 1916 أنه تقرّر أن يسلم للوصيين
من لدن البطريكخانة إعلام شرعى مبين به ما للوصيين من الحقوق وما عليهما من الواجبات.
وفعلا أصدرت البطركخانة فى اليوم التالى وهو يوم 16 نوفمبر سنة 1916 ذلك الإعلام الشرعى
للوصيين. وقد أوجبت فيه عليهما: (أوّلا) أن يعملا معالا منفردين (وثانيا) أن يعملا
عن التركة جردا قانونيا بعد الجرد المؤقت للمحل التجارى بحضور مندوب من البطركخانة
(وثالثا) أنه عند نهاية تصفية نصيب المتوفى فى المحل التجارى أن يقدّما عنه ميزانية
مستوفاة للبطركخانة (ورابعا) أن يشتريا بالأموال النقدية أوراقا مالية مأمونة كالموحد
المصرى أو القرض الأهلى الفرنساوى باسم القصر، وأن يودعاها فى بنك شهير كالبنك الأهلى
المصرى أو بنك فرنسا (وخامسا) أن لا يودعا الأموال النقدية فى غير ما ذكر… الخ.
وفى 18 نوفمبر سنة 1916 راجع وكيل البطركخانة كشفا إجماليا بحواصل دفاتر المحل التجارى
قدّمه له الخواجة حبيب من الميزانية الأخيرة الحاصلة فى 19 أغسطس سنة 1916 على أصل
هذه الميزانية المبصوم عليه بختم المحكمة المختلطة وعلى دفتر الجورنال. وأشر الوكيل
المذكور على هذا الكشف بما يفيد المراجعة والمطابقة، وبصم بختم البطركخانة على هذين
الدفترين كذلك إثباتا لهذه المراجعة. ومما هو ثابت بهذا الكشف أن حاصل النقدية بلغ
329 جنيها و23 مليما.
ثم صفى الخواجة حبيب محل التجارية ببيع بضائعه بالتدريج فبلغت أرباحه 13589 جنيها و820
مليما. ثم أرصد بالدفاتر النتيجة العامة لتصفية حساب أخيه فى الشركة وأن نصيب أولاده
بلغ 3094 جنيها و965 مليما.
ولما أعلنت الحكومة الفرنسية عن الاكتتاب فى قرضها الأهلى لسنة 1918 وفتحت الاكتتاب
فيه من 20 أكتوبر إلى 24 نوفمبر سنة 1918 وقعت الست أوجينى بامضائها على طلب من الطلبات
المطبوعة التى أعدّها بنك الخصم الوطنى بباريس (Comptoir National d’Escompte de Paris).
ويقول الخواجة حبيب فى مذكرته المطبوعة التى قدّمها لمحكمة الاستئناف وقدّم صورة منها
لهذه المحكمة إنه لما وجد ثمن الفرنكات التى عرض بنك الكنتوار المتقدّم الذكر المشترى
بها غاليا اشترى من بنك الكريدى ليونيه 85000 فرنك من فرنكات الذهب بثمن قدره 3158
جنيها و500 مليم وذلك بفاتورة مؤرّخة فى 23 نوفمبر سنة 1918 ثم اشترى بهذه الفرنكات
من البوستة الفرنسية أوراقا من القرض المذكور، وإنه أثبت بصحيفة 111 من دفتر يومية
المحل التجارى بتاريخ 25 نوفمبر سنة 1918 أنه اشترى لحساب أولاد أخيه القصر سندات من
سندات القرض الفرنسى لسنة 1918 المتقدّم الذكر بقيمة 3156 جنيها و995 مليما مبينا حصة
كل واحد منهم وذاكرا أنه دفع من ماله الخاص 62 جنيها و300 مليم تكملة الثمن هذه السندات
أى زيادة عما ظهرلهم من نتيجة التصفية المتقدّمة الذكر.
وفى 8 سبتمبر سنة 1923 قدّم الخواجة حبيب حساب أولاد أخيه القصر للمجلس الملى فنظره
المجلس بجلسة 14 سبتمبر سنة 1923 وأثبت بمحضر هذه الجلسة ما يأتى: تقدّم حساب من الخواجة
حبيب زيات الوصى على قصر المرحوم إلياس زيات فهم واتضح منه أن الوصى قد صرف على القصر
من ماله الخاص لغاية هذا الحساب مبلغا وافرا قدره 29764 قرشا و8 فضة وذلك من سنة 1919
إلى سنة 1921 فوافقت الهيئة مبدئيا على هذا الحساب المقدّم ورجت سيادة الرئيس أن يقابل
الوصى أو من ينوب عنه للاستفهام منه عن المبلغ الذى اشترى به الأوراق المالية لحساب
القصر وعما إذا كان ما صرفه من ماله الخاص هو على سبيل التبرع أو تحت حفظ الحق بمطالبة
القصر به حتى إذا كان المبلغ الزائد عن الإيراد مقدّما تحت الحساب يكلف الأوصياء بالصرف
على قدر الإيراد أو ينظر فى المسألة فيما بعد.
ولما أتم الرئيس الاستعلام عما طلب منه الاستعلام عنه صرح لدى المجلس بجلسة 2 أكتوبر
سنة 1923 بأنه استعلم من الخواجة حبيب زيات وعلم منه أن رأس مال الأوراق المالية هو
85000 فرنك وأن المبالغ المقصرة كما هو وارد بكشف الحساب قيدها الخواجة حبيب على حسابه
الخاص متبرعا بها لأولاد أخيه المشمولين بوصايته وعلى ذلك حرر حضرة الأب الخورى ميخائيل
على الكشف المذكور ما يدل على ذلك.
هذا ما كان من الخواجة حبيب زيات. أما ما كان من الوصية الثانية فانها صارت تقبض من
الخواجة حبيب قيمة كوبونات السندات المذكورة التى يستحقها أولادها كما تدل على ذلك
الإيصالات المقدّمة الموقع عليها بامضائها وكشف سبتمبر سنة 1923 المتقدّم الذكر. واستمرّ
الحال على هذا المنوال إلى سنة 1932.
ولما استدعت حال القصر بيع ما كان لهم من نصيب فى قطعة أرض تركها مورّثهم بالسيوف برمل
إسكندرية، وكان قد صدر من قبل ذلك قانون 13 أكتوبر سنة 1925 رقم 35 الذى نقل الاختصاص
فى مسائل الوصاية وغيرها إلى المجالس الحسبية دون غيرها قدّمت الوصية المذكورة إلى
مجلس حسبى الإسكندرية بتاريخ 17 يوليه سنة 1932 طلبا التمست به التصريح بهذا البيع.
فنظره المجلس بجلسة 26 يوليه سنة 1932 ويومئذ قرّرت هذه الوصية فى غيبة الخواجة حبيب
زيات أن زوجها توفى فى سنة 1916 وترك محلا تجاريا شركة مع أخيه الخواجة حبيب زيات وكان
يقدّر رأس ماله وقت الوفاة بمبلغ 4000 جنيه وأنه لم تحصل محاسبة من وقت الوفاة لحين
عرض الأمر على المجلس، وأن الخواجة حبيب المذكور طلب منها حل الشركة فرفضت، وأن الشركة
ما زالت قائمة. فرأى المجلس المذكور ندب أحد أعضائه لمعاينة قطعة الأرض المراد بيعها
وندب خبير لجرد التركة من وقت الوفاة وبيان التصرفات التى حصلت فيها مع فحص حساب الشركة
وبيان رأس مالها وقت الوفاة والآن ونصيب القصر فيها، وأصدر قراره بذلك فى التاريخ المذكور.
ولما أتم الخبير مأموريته وقدّم تقريرا محصله أنه اعتمد على دفاتر الشركة فى تصفية
حساباتها لما رآه فيها من الضبط والاعتناء، وأن تصفية بضائع المحل التجارى ببيعها بالتدريج
لغاية أبريل سنة 1918 قد عاد على الورثة بربح جزيل، وأنه لو كانت قدّرت قيمة البضائع
وقت الوفاة واحتسبها باقى الشركاء لأنفسهم لكانت النتيجة أقل من ذلك، وأنه فى حالة
اعتماد شراء الأوراق المالية التى اشتراها الخواجة حبيب زيات وأثبتها لورثة أخيه تكون
حساباته صحيحة ولا يكون لهؤلاء الورثة إلا قيمة هذه الأوراق. ذلك بأنه قد أثبت فى تقريره
أن هذا الشراء كان بمبلغ 3156 جنيها و995 مليما وهو قيمة صافى حصصهم فى الشركة زائدا
على قيمتها 62 جنيها و30 مليما كما دوّنه الخواجة حبيب فى دفاتر الشركة. أما فى حالة
عدم اعتماد شراء هذه الأوراق فقد رأى الخبير اعتبار صافى ما أظهره الخواجة حبيب لورثة
أخيه فى التصفية قبل هذا الشراء وديعة لهم عنده بالحساب الجارى بسعر المائة سبعة، ثم
عمل الخبير حسابا على هذا الأساس بينه فى تقريره. وقد نظر المجلس الحسبى هذا التقرير
بجلسة 14 فبراير سنة 1933 فقرّر عزل الخواجة حبيب إلياس من الوصاية وإفراد الست أوجينى
بها واعتماد تقرير الخبير عن جرد التركة وتكليف الوصية بالاتحاد مع الخبير بمقاضاة
الخواجة حبيب بشأن المبلغ المقول بأنه ظهر طرفه وقدره 3769 جنيها و464 مليما وبطلب
تعويض عن استعمال اسم المورّث فى المحل التجارى لغاية سنة 1925 بعد خروج الورثة من
التجارة. وقد اعتمد المجلس الحسبى فى ذلك على تقرير الخبير، كما اعتمد عليه فيما قرّره
هذا الخبير من أن الخواجة حبيب لم يقدّم للبطركخانة الميزانية الختامية عن الشركة ومن
أن الأوراق المالية التى اشتراها الخواجة حبيب المذكور لم تكن من جهة باسم القصر وكانت
من جهة أخرى من أوراق القرض الفرنسى لسنة 1918 الذى لم يكن قد رخص بالاكتتاب فيه عند
صدور قرار المجلس الملى فى سنة 1916 ومن أنه لذلك يجب اعتبار ما أظهرته التصفية حقا
للقصر وديعة لهم فى المحل التجارى بفائدة سنوية قدرها 7%. وقد نفذت الست أوجينى قرار
المجلس الحسبى المتقدّم الذكر فرفعت على الخواجة حبيب دعوى لدى محكمة إسكندرية الابتدائية
قيدت بجدولها برقم 311 سنة 1933 طلبت فيها الحكم بالزام المدعى عليه بأن يدفع لأولادها
3769 جنيها و464 مليما قيمة ما أظهره خبير المجلس الحسبى بذمة الوصى ومبلغ 2479 جنيها
و120 مليما قيمة ما يستحقونه من تعويض على استمرار استعمال الخواجة حبيب زيات لاسم
مورّثهم فى المحل التجارى بغير حق عن المدّة من أبريل سنة 1918 لغاية ديسمبر سنة 1925.
رفعت الست أوجينى هذه الدعوى فى 7 مارس سنة 1933 فأجابها عليها الخواجة حبيب برفعه
عليها دعوى لدى محكمة إسكندرية الابتدائية قيدت بجدولها برقم 751 سنة 1933 طلب فيها
الحكم بالزام الست أوجينى بصفتها وصية على أولادها القصر ونقولا أفندى زيات الذى بلغ
الرشد بأن يدفعوا له من تركة مورّثهم مبلغ 5750 جنيها و880 مليما مع فوائده من تاريخ
رفع الدعوى إلى آخر طلباته.
وبعد أن ضمت محكمة الإسكندرية الابتدائية الدعوى الثانية للأولى حكمت فيهما بتاريخ
4 يناير سنة 1934 برفضهما وإلزام رافعيهما بالمصاريف وإلزام الست أوجينى بصفتها ونقولا
زيات ولدها الذى بلغ الرشد بمبلغ عشرة جنيهات مقابل أتعاب المحاماة للخواجة حبيب.
ويرى فى هذا الحكم الابتدائى أن المحكمة الابتدائية بعد أن ذكرت فى أسباب حكمها أن
قرار المجلس الحسبى المتقدّم الذكر لا يحوز قوّة الشىء المحكوم فيه إلا فيما فصل فيه
من عزل الخواجة حبيب من الوصاية، وأما ما جاء فى القرار من ملزومية الخواجة حبيب بشىء
من فرق ثمن السندات أو تعويض عن استعمال اسم المورّث فانه يخرج عن اختصاصه القضائى.
بعد أن أثبتت المحكمة هذا حصرت وجوه النزاع الذى دار بين الخصوم أمامها فى نقطتين:
(أوّلا) فيما آدعته السيدة أوجينى من أن الخواجة حبيب اشترى بجميع النقدية المتخلفة
من التصفية أوراقا مالية مع أن قرار المجلس الملى الصادر فى نوفمبر سنة 1916 كان يقضى
بأن يكون الشراء بالأموال النقدية التى كانت موجودة بالمحل وقت صدور هذا القرار. (ثانيا)
فيما ادعته الست أوجينى من أن الخواجة حبيب قد انفرد بشراء الأوراق المالية التى اشتراها
مخالفا فى ذلك قرار المجلس الملى المتقدّم ذكره، وأن هذا الانفراد يبطل الشراء ويلزمه
بالتعويض. ثم بحثت هاتين المسألتين فقالت إنه فيما يختص بالنقطة الأولى فانها ترى من
عبارة قرار المجلس الملى أن المقصود هو تصفية ما خص المرحوم إلياس زيات فى المحل التجارى
وأن يشترى بماله كله سندات مالية لاستغلالها لهم وتحويل مالهم من عمل تجارى محفوف بمخاطر
التجارة إلى عمل مدنى يدرّ عليهم ريعا، وأن صرف عبارة المجلس إلى المال الموجود فعلا
دون ما يتحصل من التصفية غير مطابق للمعقول…. إلى آخر ما استندت إليه فى ذلك.
ثم بحثت ما ادعته الست أوجينى من أن الخواجة حبيب اشترى هذه الأوراق المالية لنفسه
خاصة ولم يودعها بأسماء أولاد أخيه فى بنك شهير فلما نزلت قيمتها فى أسواق الأوراق
المالية ألصقها بأولادها غشا منه ليخلص من نتائج خسارتها فقالت: إن الخواجة حبيب قدّم
للمحكمة أصل الطلب الذى أمضته السيدة أوجينى لبنك الكنتوار لمشترى السندات كما اطلع
الخبير فى صحيفة 111 من دفتر الصندوق الخاص بالمحل التجارى يوم 25 نوفمبر سنة 1918
على ما يفيد إثبات عملية المشترى بتفصيلاتها لحساب ورثة أخيه إلياس من القرض الفرنسى
لسنة 1918 بواقع 4% وما يفيد أن الخواجة المذكورة دفع من ماله الخاص 62 جنيها و300
مليم تكملة لثمن هذه الأوراق التى اشتراها للورثة. ومن هذا ثبت للمحكمة أن الشراء كان
باسم الورثة ولحسابهم وعقب عملية التصفية التى انتهت سنة 1918". ثم قال الحكم الابتدائى
بعد ذلك: "إن أصل الطلب الذى أمضته السيدة أوجينى لبنك الكنتوار لمشترى الأوراق المالية
المتقدّمة الذكر يفيد علمها بنية مشترى هذه السندات لحساب الورثة واشتراكها فعلا فى
هذه العملية إلى الحدّ الذى تسمح به معلوماتها الشخصية وحالتها النسائية وتفويضها الخواجة
حبيب فى إتمام العملية. كما لا نزاع فى أن السيدة أوجينى كانت تقبض كوبونات ريع هذه
السندات كل شهر منذ شرائها، وهذا يؤكد اشتراكها فى الشراء…..". لكن الست أوجينى لم
تقبل هذا الحكم فاستأنفته بتاريخ 20 فبراير سنة 1934 لدى محكمة استئناف مصر طالبة إلغاءه
فيما قضى به من رفض دعواها وأن يحكم بالزام خصمها بدفع ما طلبت الحكم بالزامه به أمام
المحكمة الابتدائية مع إلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة عن الدرجتين. وقد قيد استئنافها
هذا برقم 473 سنة 51 قضائية. وكذلك استأنفه الخواجة حبيب فى 8 مارس سنة 1934 لدى محكمة
استئناف مصر طالبا الحكم بالزام خصومه بأن يدفعوا له ما سبق أن طلب الحكم بالزام خصومه
به لدى المحكمة الابتدائية. وقد عنى فى صحيفة استئنافه بذكر مفردات المبلغ الذى طلب
الحكم بالزام خصومه به وأصل كل قلم منها ودليله عليه.
وقد نظرت محكمة استئناف مصر هذين الاستئنافين. وبعد أن ضمت ثانيهما إلى الأوّل حكمت
فيهما بتاريخ 29 يناير سنة 1935 بقبول الاستئنافين شكلا وفى الموضوع: (أوّلا) فى دعوى
الست أوجينى ومن معها بالغاء الحكم المستأنف وإلزام الخواجة حبيب زيات بأن يدفع للست
أوجينى بصفتها وصية على إلياس وأوديت قاصرى المرحوم إلياس زيات ونقولا أفندى زيات مبلغ
984 جنيها و773 مليما وفوائد بواقع المائة خمس سنويا من 26 ديسمبر سنة 1933 تاريخ طلب
هذه الفوائد أمام محكمة الدرجة الأولى إلى السداد والمصاريف المناسبة لذلك عن الدرجتين
وألف قرش مقابل أتعاب المحاماة ورفضت باقى الطلبات. (ثانيا) فى دعوى الخواجة حبيب زيات
برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف وإلزام المستأنف بالمصاريف الاستئنافية. (ثالثا)
برفض ما خالف ذلك من الطلبات.
وقبل إعلان هذا الحكم طعن فيه الطاعنون فى 24 مارس سنة 1935 وأوّل أبريل سنة 1935 بطريق
النقض بتقريرين أعلن كل منهما إلى الخصوم، وقدّم طرفا الخصومة فى الطعنين المذكرات
الكتابية اللازمة، كما قدّمت النيابة مذكرتها فى 17 أكتوبر سنة 1935.
وقد حدّد لنظر هذين الطعنين جلسة يوم الخميس الموافق 21 نوفمبر سنة 1935 وأجلا أخيرا
لجلسة اليوم، وفيها قررت المحكمة ضمهما لكونهما موجهين على حكم واحد وأن تقضى فيهما
بحكم واحد، وقد سمعت المرافعة على الوجه المبين بمحضر الجلسة ثم صدر الحكم الآتى:
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
من حيث إن الطعنين قد رفعا صحيحين فى الميعاد عن حكم قابل للطعن فهما مقبولان شكلا.
عن طعن الخواجة حبيب زيات:
من حيث إن الوجهين الثانى والثالث الخاصين بدعوى الست أوجينى بصفتها يتخلصان فى أن
محكمة الاستئناف حين قضت بالغاء الحكم المستأنف وألزمت الخواجة حبيب بأن يدفع لخصومه
ما ألزمته بدفعه لهم قد خالفت الثابت بأوراق الدعوى وأخطأت فى تطبيق القانون. ووجه
مخالفتها للثابت بالأوراق أنها قررت أن الخواجة حبيب من جهة لم يشرك الست أوجينى فى
عملية شراء السندات المالية بل انفرد بها وأنه من جهة أخرى خالف فى شرائها قرار المجلس
الملى فاشترى نوعا من الأوراق غير الذى أذنه فى شرائه باسم القصر ثم أودعها فى غير
المصرفين المحدّدين له وهما البنك الأهلى وبنك فرنسا، مع أن الثابت بالأوراق والمستندات
والدفاتر التى استخرج منها الخبير حسابه يدل على غير ذلك. أما وجه خطأ الحكم فى تطبيق
القانون فحاصله أن المحكمة قد أثبتت فى حكها أنها لا تعتدّ بعمل الوصية من جهة صرف
واستلام أرباح السندات، معتمدة فى ذلك على أن أحد الوصيين المشروط لهما العمل معا ليس
له أن يجيز عمل زميله الذى انفرد به، وكذلك على أنه لا محل للقول بأن المجلس الملى
أجاز هذه العملية (عملية شراء السندات المالية). ويقول الطاعن إن الحكم المطعون فيه
قد أخطأ فى تطبيق قواعد الإجازة على ما صدر من الوصية ومن المجلس الملى اللذين كانت
لهما ولاية الإجازة فى حينها.
وحيث إن محكمة الاستئناف بعد أن بحثت فى حجية قرار المجلس الحسبى فيما جاء به من عدم
اعتماده عمل الوصى فى استثماره مال القصر بشراء الأوراق المالية التى اشتراها وقررت
أنه "قرار لا يمنع من العودة للمناقشة فى أسبابه"، وبعد أن حصرت الأوجه التى ادعت الست
أوجينى أن الخواجة حبيب خالف فيها قرار المجلس الملى الصادر بتعيينهما وصيين بتاريخ
15 نوفمبر سنة 1916، وبعد أن قالت عن المخالفة الخاصة بتصرف الوصى فى ناتج عملية التصفية
إن قرار المجلس الملى يحتمل أن يكون المقصود منه شراء السندات بالمال النقد الموجود
عينا وقت الوفاة…. أو الشراء بما يظهر لهم من مال بعد تصفية المحل، وإن الوصى يكون
إذن معذورا فى تفهمه للقرار على النحو الذى رأته محكمة الدرجة الأولى بحكمها المستأنف
– إن محكمة الاستئناف بعد أن قالت هذا الذى سبق ذكره قالت: "لكنه قد تبين لها أنه (أى
الخواجة حبيب) قد انفرد بالعمل وحده فى عملية الشراء هذه ولم يشرك معه الوصية الثانية
مع أنه غير مأذون بالانفراد. وليس بصحيح أن الوصية اشتركت معه فى هذه العملية لأن التوقيع
الصادر على طلب الشراء فضلا عن أنه جاء على ورقة بيضاء فانه لم يجىء على السندات التى
حصل شراؤها ولا من المصرف الذى ابتاع منه الوصى هذه الأوراق. كذلك لا يعتد بعمل الوصية
بعد ذلك من جهة صرف واستلام أرباح هذه السندات لأنه مهما قيل فى تفسير هذا العمل وهل
هو بمثابة إجازة لعمل الوصى أو إنه استسلام وقبول للأمر الواقع الذى أوجده الخواجة
حبيب زيات بعمله فانه ليس للوصى أن يجيز عمل وصى آخر إذ هو لا يملك هذه الإجازة….."
إلى أن قال: "وحيث إنه لا محل للقول بأن المجلس الملى أجاز هذه العملية بجلسة 2 أكتوبر
سنة 1923 لأن محضر الجلسة المذكورة خال من مثل هذه الإجازة ولا تعتد المحكمة بغير هذا
المحضر الرسمى من الأوراق التى قدّمها الوصى الخ".
وحيث إن هذه المحكمة اطلعت على طلب الشراء الموقع عليه من الست أوجينى وعلى بعض الإيصالات
الموقع عليها منها أيضا بقبضها إيراد السندات وعلى تقرير الخبير الثابت به عملية الشراء
وكيفية قيدها بالدفاتر والموضح به مجموع ما قبضته الست أوجينى من أرباح سندات القرض
الفرنسى لسنة 1918 فتبين لها:
(أوّلا) أن السيدة المذكورة وقعت على طلب مطبوع من الطلبات التى أعدها بنك الخصم الوطنى
بباريس للاكتتاب فى سندات القرض الفرنسى لسنة 1918. ولا ينقص هذا الطلب إلا التاريخ
وإلا عدد السندات التى يراد الاكتتاب بها فى سندات هذا القرض. وليس الطلب المذكور ورقة
بيضاء كما يفهم من عبارة الحكم المطعون فيه.
(ثانيا) أن خبير المجلس الحسبى أثبت ما وجده مقيدا بدفتر المحل من شراء السندات المالية
المتقدّمة الذكر بقدر قيمة ما ظهر لورثة أخيه من حساب التصفية التى تمت فى سنة 1918
وأنها لحسابهم. ورأت كذلك ما نقله هذا الخبير من حساب كوبونات هذه السندات سنة سنة،
ومن أن أم القصر كانت تقبضها. وقد جمعها الخبير فوجدها تبلغ من سنة 1919 إلى سنة 1931
– 521 جنيها و330 مليما.
(ثالثا) اطلعت هذه المحكمة على محضر جلسة المجلس الملى المؤرّخة فى 14 سبتمبر سنة 1923
وعلى محضر جلسة 2 أكتوبر سنة 1923 فرأتهما كالنص السابق نقله فى الوقائع المتقدّمة.
(رابعا) اطلعت هذه المحكمة أيضا على صورة كشف الحساب المقدّم من حبيب زيات للمجلس الملى
والمشار إليه فى المحضرين المذكورين، وهذه الصورة مقدّمة من الست أوجينى نفسها لمحكمة
النقض ضمن حافظة مستنداتها، فوجدته مؤسسا على أن رأس مال القصر هو سندات من دين القرض
الفرنساوى لسنة 1918 بقيمة 85000 فرنك ووجدت به الكوبونات المتحصلة داخل فيه بصفة إيرادات
لكوبونات القرض الفرنسى لسنة 1918، وجاء فى آخر هذا الكشف المبين لحساب الإيرادات والمصروفات
التأشير الآتى إن العجز الظاهر فى هذا الحساب والبالغ مجموعه 29764 و8/ 10 قرشا….
تسدّد من العمّ وصى الأولاد على حسابه الخاص وهو تبرع منه لأولاد شقيقنا المرحوم إلياس
زيات، وللبيان حرر هذا فى 2 أكتوبر سنة 1923 وأمضى. الخورى ميخائيل زيات.
وحيث إنه يبين مما أثبتته هذه المحكمة أن محكمة الاستئناف قد حرّفت الثابت مادّيا ببعض
هذه المستندات وسهت عن كشف الحساب المقدّمة صورته من الست أوجينى نفسها والشامل لقيمة
السندات التى اشتراها الخواجة حبيب ولكوبوناتها التى كانت تقبضها هذه السيدة، ثم سهت
عن محضر جلسة 14 سبتمبر سنة 1923 الذى قرّر فيه المجلس الملى اعتماد هذا الحساب مبدئيا
وفيه هذا المشترى، وعن محضر جلسة 2 أكتوبر سنة 1923 المتعلق بهذا الشراء بالذات والدال
بصفة حتمية على اطمئنان ذلك المجلس للموافقة عليه. وهذا التشويه لبعض المستندات والسهو
عن البعض الآخر يستوجب نقض الحكم. وفضلا عن هذا فان تلك المحكمة أيضا – حين قضت بعدم
جواز الاعتداد بما صدر من الوصية من أعمال وتصرفات دالة على رضائها بشراء سندات القرض
الفرنسى الأهلى لسنة 1918 بناء على ما قرّرته خطأ من أن أحد الوصيين المشروط لهما بالعمل
مجتمعين لا يجوز له إجازة ما يكون قد عمله الوصى الآخر فى مصلحة القصر – قد أخطأت فى
تطبيق القواعد القانونية المتعلقة بالإجازة. وذلك لأن المقرّر شرعا وقانونا أن أحد
الوكيلين أو أحد الوصيين المشروط لهما فى التصرف مجتمعين، إذا تصرف باذن صاحبه أو باجازته
نفذ تصرفه. على أن الكلام فى هذا فضلة ما دام المجلس الملى – وكان هو السلطة المختصة
– قد علم أثناء فحص الحساب فى سنة 1923 بمشترى هذه السندات ووافق على الحساب، وموافقته
عليه تفيد أنه اعتمد هذا المشترى وأجازه بإجازة هى حجة على القصر ملزمة لهم تمام الإلزام.
وحيث إنه لذلك يتعين نقض الحكم المطعون فيه الصادر فى دعوى الست أوجينى الأصلية.
عن طعن الست أوجينى بصفتها وولديه:
حيث إن الحكم الصادر فى دعوى الست المذكورة وولديها قد تقرّر نقضه وهذا النقض يشمل
طبعا كل ما كانت تطلبه فى دعواها وفى استئنافها.
عن الطعن المرفوع من الخواجة حبيب فيما يتعلق بدعواه الفرعية
حيث إنه لارتباط هذه الدعوى الفرعية بالدعوى الأصلية المتقدّمة الذكر، ذلك الارتباط
المدلول عليه بما سبق إيراده من وقائع الدعوى ومن دفاع الخصوم فى الدعويين أمام محكمة
الموضوع وأمام هذه المحكمة، ترى هذه المحكمة أن نقض الحكم المطعون فيه الصادر فى الدعوى
الأصلية يترتب عليه نقض الحكم فى الدعوى الفرعية المرفوعة من الخواجة حبيب.
عن موضوع الاستئنافين:
حيث إن موضوعى الاستئنافين صالحان للفصل.
وحيث إنه ما دام قد ظهر مما تقدّم فى الكلام على دعوى الست أوجينى أن الحكم المطعون
فيه غير صحيح وأن الحكم الابتدائى هو الحكم الصحيح المتعين تأييده.
وحيث إن الخواجة حبيب لم يرفع دعواه الفرعية إلا ليجيب بها على الدعوى الأصلية بصفة
احتياطية وإلا فهو متجاوز لأولاد أخيه عن كل ما قد يكون دفعه لهم زائدا عما لهم بمقتضى
الحساب. وهذا الفهم قد أكده وكيله بجلسة المرافعة فى هذا اليوم، ومن أجل هذا يكون لا
محل لرجوعه عليهم الآن بشىء مما ادعاه فى دعواه الفرعية ويكون الحكم الابتدائى فيها
متعينا تأييده.
