الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 23 سنة 5 ق – جلسة 20 /06 /1935 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 883

جلسة 20 يونيه سنة 1935

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.


القضية رقم 23 سنة 5 القضائية

حكم:
( أ ) إعلان الحكم. أثره فى ميعاد الطعن بالنقض بالنسبة لمعلن الحكم.
(المادة 14 من قانون محكمة النقض)
(ب) حكم. قبوله ضمنا. حق محكمة النقض فى تقرير ذلك.
(حـ) قبض. ادعاؤه. وجوب إقامة الدليل على صحة ثبوته.
1 – إعلان الحكم لا يجعل ميعاد الطعن بطريق النقض يسرى فى حق معلن الحكم كما يسرى فى حق من أعلن إليه.
2 – القبول الضمنى المانع من الطعن فى الحكم هو مسألة تقدّرها محكمة النقض بحسب ما تستنتجه من الدلائل المقدّمة لها.
3 – من يدّعى براءة الذمة فعليه إقامة دليلها. والإنسان لا يستطيع أن يتخذ من عمل نفسه دليلا لنفسه يحتج به على الغير. فدفتر الناظر المثبت لحساب الوقف ومقدار ما يستحقه كل من المستحقين لا يعتبر دليلا لورثته على المستحقين بقبضهم قيم استحقاقهم ما دام لا توقيع لهم على هذا الدفتر يثبت هذا القبض.


الوقائع

تتحصل الوقائع – بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه – فى أن الست بهية مصطفى أبو الذهب (الطاعنة) وآخرين (هم ورثة أختها الست فايقة مصطفى أبو الذهب) رفعوا هذه الدعوى لدى محكمة الزقازيق الابتدائية حيث قيدت برقم 100 سنة 1929 ضدّ الست بهية هانم صادق مقامى بصفتيها (المطعون ضدّها) قائلين إن المرحوم الشيخ محمد أبو الذهب وقف أطيانا وعقارات كثيرة مبينة بكتاب وقفه المسجل بمحكمة الزقازيق الشرعية فى 6 أغسطس سنة 1898 وشرط أن يؤول الريع بعد وفاته إلى أولاده وإخوته وأولاد ولده (مصطفى أبو الذهب) ومنهم المرحومة الست فائقة مصطفى أبو الذهب والست بهية مصطفى أبو الذهب (الطاعنة) ونص فى الوقفية عما لهما بالذات. وقد كان المرحوم أمين بك أبو الذهب ناظرا على الوقف المذكور من أوائل أبريل سنة 1907 حتى فبراير سنة 1924 حيث تنازل عن النظر إلى أخيه الشيخ محمد الصادق أبو الذهب ولم يدفع استحقاق الست فائقة مصطفى من أوّل سنة 1921 إلى تاريخ تنازله عن النظارة، كما أنه لم يدفع استحقاق الست بهية من أوّل سنة 1918 إلى فبراير سنة 1924. لهذا رفعوا الدعوى وطلبوا الحكم بإلزام المستأنفة بصفتيها بأن تقدّم لهم حسابا تفصيليا مؤيدا بالمستندات عن استحقاق الست فائقة مصطفى أبو الذهب فى الوقف من أوّل سنة 1921 إلى فبراير سنة 1924 وعن نصيب الست بهية مصطفى أبو الذهب فى الوقف المذكور من أوّل سنة 1918 إلى فبراير سنة 1924، وذلك فى ظرف أسبوع من تاريخ الحكم فى الدعوى وإلا كانت ملزمة بغرامة قدرها 3 جنيهات عن كل يوم من أيام التأخير، وأنه بعد تقديم الحساب تعين المحكمة خبيرا لتصفيته ثم تحكم بإلزامها بأن تدفع من تركة المرحوم أمين بك أبو الذهب صافى ما يظهر استحقاقا للمدّعين عن المدّة السالفة الذكر مع إلزام المدعى عليها بالمصاريف وأتعاب المحاماة والنفاذ بلا كفالة.
وبتاريخ أوّل أكتوبر سنة 1929 حكمت محكمة الزقازيق حضوريا بإلزام المدّعى عليها بصفتيها بأن تقدّم للمدّعين حسابا تفصيليا مؤيدا بالمستندات عن استحقاق المرحومة الست فائقة مصطفى أبو الذهب فى الوقف المبينة أعيانه بعريضة الدعوى عن المدّة من أوّل سنة 1921 لغاية فبراير سنة 1924 وعن نصيب الست بهية مصطفى أبو الذهب فى الوقف المذكور من سنة 1918 إلى فبراير سنة 1924، وذلك فى ظرف شهرين من تاريخ النطق بهذا الحكم، وفى حالة تأخيرها عن ذلك تلزم بغرامة يومية قدرها 3 جنيهات وأبقت الفصل فى المصاريف. ولما لم تقدّم المدّعى عليها الحساب فى الميعاد عجل المدّعون هذه الدعوى بتاريخ 22 نوفمبر سنة 1930 وطلبوا الحكم: (أوّلا) بإلزام المدّعى عليها بصفتيها بأن تدفع لهم مبلغ سبعماية جنيه تعويضا عن عدم تقديم الحساب المحكوم عليها بتقديمه (ثانيا) إلزامها بصفتيها بأن تدفع لورثة الست فائقة مبلغ 666 جنيها و660 مليما (ثالثا) بأن تدفع للست بهية المدّعية الثانية مبلغ 1266 جنيها و660 مليما (رابعا) إلزامها بفوائد هذا المبلغ جميعه بواقع 5% سنويا من تاريخ رفع الدعوى حتى السداد (خامسا) إلزامها بالمصاريف والأتعاب والنفاذ بلا كفالة.
وبتاريخ 10 ديسمبر سنة 1931 حكمت محكمة الزقازيق فيما حكمت به بإلزام المدّعى عليهم ورثة أمين بك أبو الذهب (ومنهم الست ثريا أبو الذهب التى ثبت رشدها أثناء سير الدعوى) بأن يدفعوا من تركة مورثهم المرحوم أمين بك أبو الذهب إلى ورثة الست فائقة مبلغ 193 جنيها و915 مليما والفوائد بواقع 5% من تاريخ المطالبة الرسمية الحاصلة فى 22 نوفمبر سنة 1930 للسداد والمصاريف المناسبة و100 قرش أتعاب محاماة، وإلى المدّعية الثانية (الطاعنة) مبلغ 349 جنيها و905 مليمات والفوائد بواقع 5% من تاريخ المطالبة الرسمية الحاصلة فى 22 نوفمبر سنة 1930 للسداد والمصاريف المناسبة و100 قرش أتعاب محاماة، ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات. فاستأنفت الست بهية صادق مقامى بصفتيها هذا الحكم هى والست ثريا بتاريخ 2 مارس سنة 1932 طالبتين الحكم بقبول الاستئناف شكلا وفى الموضوع بالغاء الحكم المستأنف ورفض دعوى المستأنف عليهم وإلزامهم بالمصاريف وأتعاب المحاماة عن الدرجتين. وقيد هذا الاستئناف بجدول محكمة استئناف مصر برقم 493 سنة 49 قضائية.
وأثناء سير الدعوى بلغ حسن أمين أبو الذهب سنّ الرشد. وكان مما طلبه المستأنفون احتياطيا إيقاف الفصل فى دعوى الريع إلى أن ينتهى النزاع فى الملك. أما المستأنف عليهم فطلبوا التأييد.
وبتاريخ 10 مايو سنة 1933 أصدرت محكمة الاستئناف حكمها بتعديل الحكم المستأنف فيما يختص بالمبلغ المحكوم به للست بهية مصطفى أبو الذهب (الطاعنة) وجعله 94 جنيها و750 مليما فقط، وبتأييد الحكم فيما عدا ذلك وألزمت المستأنفتين بالمصاريف المناسبة للمبلغين المحكوم بهما عن الدرجتين، وأمرت بالمقاصة فى أتعاب المحاماة، ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات.
وقبل إعلان هذا الحكم إلى الست بهية مصطفى أبو الذهب طعنت فيه بطريق النقض فى 19 فبراير سنة 1935 بتقرير أعلن إلى المطعون ضدّهم بتاريخ 23 من الشهر المذكور، وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية فى الميعاد القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 12 مايو سنة 1935. وبجلسة اليوم وهى المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت المحكمة الدعوى كالمبين بمحضر الجلسة ثم أصدرت الحكم الآتى:


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن مبنى الطعن (أوّلا) أن الحكم الاستئنافى خالف المادة 215 من القانون المدنى إذ جعل دفتر الحساب الذى قدّمه المطعون ضدّهم حجة على الطاعنة فى قبضها استحقاقها من سنة 1920 إلى سنة 1924 مع أنها أنكرت قبض شىء من المبالغ المدّعى بدفعها وليس لها أى توقيع عليه يفيد استلامها شيئا من تلك المبالغ. (وثانيا) أخطأ الحكم فى تطبيق المادة 233 مدنى وخالف قاعدة أن عدم جواز تجزئة الإقرار لا يصح الاحتجاج بها إلا إذا كان من يتمسك بالإقرارلا سبيل له فى إثبات حقه إلا الاحتجاج بذلك الإقرار. ووجه الخطأ أن الحكم قرر بأنه لا محل لمطالبة المطعون ضدّهم بتقديم الدليل الكتابى على تسديد ما يدعون دفعه، لأن المستأنف عليهم ومنهم الطاعنة يتمسكون بهذا الدفتر فى إثبات صافى حسابهم فهو حجة بما فيه لهم وعليهم. فالحكم جعل إقرار المطعون ضدّهم بالمبالغ التى تستحقها الطاعنة إقرارا لا يصح تجزئته من جهة ادعائهم بحصول تسديد تلك المبالغ مع أن أصل استحقاق الطاعنة ثابت لها بغير حاجة إلى هذا الإقرار، وثبوته حاصل بمقتضى حجة الوقف وبمقتضى الحكم النهائى الصادر بالزام المطعون ضدّهم بتقديم حساب لها عن استحقاقها. كما أن مقدار استحقاقها يثبته عند الضرورة أى خبير يعين فى الدعوى، وإذن فما دام المطعون ضدّهم اعترفوا بأصل الاستحقاق فكان ينبغى عدم الالتفات إلى ما ادعوه من تسديد المبالغ المستحقة من غير أن يقدّموا أى دليل قانونى عليه.
وقد دفع المطعون ضدّهم هذا الطعن فى مذكرتهم الأولى بدفعين: أحدهما عدم قبوله شكلا لحصوله بعد الميعاد، وثاينهما عدم قبوله موضوعا لسبق رضاء الطاعنة بالحكم. ثم دفعوه فى مذكرتهم الثانية بدفع آخر هو عدم قبوله شكلا لعدم اشتمال تقرير الطعن على بيان صفة المطعون ضدّهم ولا بيان الحكم المطعون فيه بيانا صحيحا كما تقضى به المادة 15 من قانون محكمة النقض.
عن الدفعين الخاصين بشكل الطعن:
حيث إن تقرير الطعن مستوف لبيان المطعون ضدّهم ومعين لهم تمام التعيين، كما أنه ظاهر منه أن المطعون فيه هو الحكم الصادر من محكمة استئناف مصر الأهلية بتاريخ 10 مايو سنة 1933 فى القضية المدنية رقم 493 سنة 49 قضائية، فدفع المطعون ضدّهم من هذه الجهة غير صحيح.
وحيث إن المطعون ضدّهم يقولون إن الطعن رفع بعد ميعاده القانونى لأن الطاعنة أعلنت إليهم الحكم فى 28 مايو سنة 1933، وهى لم تطعن فيه إلا فى فبراير سنة 1935 أى بعد مضى الميعاد المحدّد للطعن بالمادة 14 من قانون محكمة النقض وهو ثلاثون يوما من تاريخ إعلان الحكم. ونظرية المطعون ضدّهم فى هذا هى أن إعلان الحكم يجعل ميعاد الطعن يسرى فى حق معلنه كما يسرى فى حق المعلن إليه. وحجتهم (أوّلا) أن المادة 14 المذكورة نصت على أن الميعاد هو ثلاثون يوما من تاريخ إعلان الحكم، ونصها هذا عام مطلق لا قيد فيه بمن يعلن إليه الحكم دون من يعلنه، بل إنه لعمومه وإطلاقه يسرى فى حق المعلن كما يسرى فى حق المعلن إليه. (ثانيا) أن اتجاه الشارع المصرى هو إجراء الميعاد على المعلن والمعلن إليه معا بدليل أنه فى سنة 1913 عدّل المادة 398 من قانون المرافعات المختلط تعديلا جعل به ميعاد الاستئناف يسرى على من أعلن الحكم مثل ما يسرى على المعلن إليه. وإذا كان هذا هو اتجاهه فى أمر الاستئناف فمراعاته فى الطعن بطريق النقض أوجب لأن هذا الطريق غير عادى بخلاف الاستئناف الذى هو طريق عادى.
وحيث إنه مهما يكن من وجاهة نظرية المطعون ضدهم فانه لا ينبغى قياس الطعن بالنقض على الطعن بالاستئناف. وذلك لأن من يعلن الحكم القابل للاستئناف فان له دائما متى استأنف المعلن إليه أن يستأنف هو أيضا بصفة فرعية ولو سبق قبوله للحكم، فلا خطر إذن عليه من أن يكون الإعلان ساريا بالنسبة له كسريانه بالنسبة للمعلن إليه، أما الطعن بطريق النقض فانه محظور أن يقدم بصفة فرعية بل هو لا يكون إلا بصفة أصلية دائما. وإذن فلو فرض أن من أعلن الحكم كان له وجه للطعن فيه ولكنه أمسك عن الطعن على أمل أن خصمه المعلن إليه لا يطعن، ثم أتى هذا المعلن إليه فقرر بالطعن فى آخر يوم من الميعاد مثلا فان هذا المطعون ضده لا يستطيع أن يعمل أى طعن بصفة أصلية لأن الميعاد بالنسبة له يكون انقضى، وهذه نتيجة فيها من الضرر ما لا يمكن الإقرار عليه ثم هى تضطر كل من صدر له حكم نهائى ببعض طلباته وكان يريد الاكتفاء به وعدم تحمل مشاق أخرى فى الخصومة اعتمادا على أن خصمه المعلن إليه لن يطعن – تضطره إلى المبادرة إلى الطعن، وفى هذا إكراه للناس على التخاصم الذى قد لا يريدونه. ومن أجل هذا يتعين فى مسألة الطعن بطريق النقض الأخذ بقاعدة أنه لا يجوز أن يفترض للإنسان أنه يسدّ الطريق على نفسه بعمل نفسه "Nul ne se forclot soi – même". ويكون إذن ما دفع به المطعون ضدّهم فى غير محله ويكون الطعن من هذه الجهة مقبولا شكلا.
عن الدفع بعدم القبول موضوعا:
وحيث إن قبول الحكم يمنع حقيقة من الطعن فيه بطريق النقض. وهذا القبول كما يكون صريحا يكون ضمنيا.
وحيث إن المطعون ضدّهم لا يدعون بوجود قبول صريح من جانب الطاعنة للحكم وإنما يقولون إن قبولها ضمنى مستفاد من طريقة سيرها فى إعلان هذا الحكم ثم من سعيها فى تنفيذه جبريا.
وحيث إن القبول الضمنى هو مسألة موضوعية تقدّرها محكمة النقض بحسب ما تستنتجه من الدلائل المقدّمة لها.
وحيث إن المطعون ضدّهم عند ما أبدوا هذا الدفع بمذكرتهم الأولى قالوا إن الطاعنة إنما احتفظت فى إجراءات التنفيذ بحقها فى الطعن فى الحكم بطريق النقض، ولكنهم أمسكوا عن ذكر ما إذا كان هذا الاحتفاظ حصل أيضا عند إعلانها الحكم إليهم فى 28 مايو سنة 1933. فلما ردّت عليهم الطاعنة بمذكرتها الثانية أكدت أن هذا الاحتفاظ حصل أيضا عند إعلان الحكم، ثم زادت على ذلك أن المطعون ضدّهم قد رهنوا عقارا إلى من يدعى عبد المعبود أفندى عمارة ليسدّدوا لها ولورثة أختها المحكوم لهم معها. وقد تدخل وكيل الطاعنة فى عقد الرهن وقرّر فيه أنه تنازل عن إجراءات نزع الملكية ولكن هذا التنازل لا يمنعه من اتخاذ إجراءات الالتماس أو النقض فى الحكم الصادر لموكلته هى ومن معها. ولكن المطعون ضدّهم عادوا فى مذكرتهم الثانية وأنكروا حصول التحفظ عند إعلان الحكم، وقالوا إنه لو كان حصل هذا التحفظ لما تأخرت الطاعنة عن تقديم ورقة الحكم المشمول بالإعلان الوارد به هذا التحفظ. وبجلسة المرافعة لدى هذه المحكمة أبرز وكيل الطاعنة ورقة الحكم المذكور وقال إن إعلانه ورد به هذا التحفظ فوكيل المطعون ضدّهم لم يعارض فى هذا.
وحيث إن الثابت إذن أن الطاعنة إذ أعلنت الحكم فى 28 مايو سنة 1933 قد احتفظت بحقها فى الطعن فيه، ثم هى إذ رفعت دعوى نزع الملكية قد احتفظت فى عريضتها أيضا بهذا الحق، كما أن وكيلها عثمان بك عارف الرفاعى تدخل فى عقد الرهن المشار إليه فيما تقدّم (وهو عقد رسمى قدّمت صورته الرسمية لمحكمة النقض)، وقد تقرّر فى هذا العقد أن هذا الوكيل قبض من المرتهن مبلغ 356 جنيها قيمة ما كان مطلوبا بإجراءات نزع الملكية وتنازل عن هذه الإجراءات، كما تقرّر فيه أيضا أن قبضه لهذا المبلغ وتنازله عن إجراءات نزع الملكية لا يمنعه بأى حال من الأحوال من اتخاذ ما يرى اتخاذه من إجراءات الالتماس أو النقض فى الحكم الصادر له ومن معه.
وحيث إن هذه المحكمة ترى أن من العسر تلقاء ذلك أن يقال إن الطاعنة قد قبلت الحكم وتنازلت عن حقها فى الطعن فيه، بل إنها ترى أن هذا الحق لا زال باقيا لها. ومهما تكن تأخرت عن الأخذ به فان تأخرها هذا لا يسقطه ما دام لم يبلغ المدّة المسقطة للحقوق. والمطعون ضدّهم هم المقصرون فى حق أنفسهم إذ كان عليهم أن يعلنوا هم الحكم للطاعنة حتى يحرموها من الطعن إن فوّتت ميعاده.
وحيث إنه لذلك يكون الدفع بعدم قبول الطعن للرضاء بالحكم متعينا رفضه.
عن الموضوع:
وحيث إن محكمة الاستئناف أخذت بأسباب الحكم الابتدائى ما عدا ما يختص بالمبلغ المحكوم به للطاعنة فانها قالت "إنه ظهر من الاطلاع على دفتر حساب الوقف أن الباقى لها لغاية فبراير سنة 1924 هو 94 جنيها و750 مليما فقط. ومعنى ذلك أن الباقى من سنة 1921 مسدّد فلا محل للحكم لها به لعدم تقديم مخالصة عنه، لأن المستأنف عليهم (الذين منهم الطاعنة) يتمسكون بهذا الدفتر فى إثبات صافى حسابهم فهو حجة بما فيه لهم وعليهم".
وحيث إن الحكم الابتدائى لم يرد به أن المدّعين (ومنهم الطاعنة) قد قبلوا ما يكون ناظر الوقف مورّث المطعون ضدّهم قد ذكره فى دفتره من دفع استحقاقات هؤلاء المدّعين لهم وإن لم يكن لديه مخالصة كتابية منهم بهذا الدفع، بل كل ما ورد به هو أن المدّعى عليها (والدة المطعون ضدّهم والتى كانت وصيا عليهم) أرفقت بكشف الحساب المقدّم منها دفتر إيراد ومصروفات الوقف مدّة تنظر المورّث وقد جاء بهذا الدفتر بيان تفصيلى لاستحقاق كل من المدّعين فى الوقف. ثم قالت من بعد إنه تبين لها من الاطلاع على هذا الدفتر أن الباقى للمدّعية الأولى…….. وأن الباقى للمدّعية الثانية (وهى الطاعنة) فى المدّة المطالب بها كما يأتى:

مليم جنيه  
170 111 صافى مطلوبها لغاية سنة 1920 كالمبين بالصحيفة رقم 232
985 143 صافى استحقاقها سنة 1921 كالمبين بالصحيفة 250 مع ما جاء فى البيان المذكور من افتراض سداد المستحق لغاية سنة 1920 على اعتبار أنها وقعت على المخالصة المسطرة بالصحيفة 232 من الدفتر ولكن ظهر أنه لا توقيع لها على المخالصة المذكورة.
750 94 صافى استحقاقها سنة 1922 وسنة 1923 وشهرى يناير وفبراير سنة 1924 حسب المبين بالصحيفتين 250 و301
905 349  

ثم يقول الحكم الابتدائى بعد ذلك وحيث إنه لا دليل على سداد شىء من هذا الباقى لإحدى المستحقين ولا ترى المحكمة إجابة ما طلبته المدّعى عليها من الإحالة على التحقيق لإثبات التخالص إذ أنه لا دليل ولا قرينة على وجود التسوية المدّعى بحصول السداد بمقتضاها ولا على فقدها كما تزعم المدّعى عليها ولذلك يتعين الحكم لكل من المدعيتين بما ظهر لها مما تقدّم.
فهذا الحكم الابتدائى واضح الوضوح كله: (أوّلا) فى أن الصافى لغاية سنة 1920 فقط ومقداره 111 جنيها و170 مليما هو وحده الذى ذكر واضع الدفتر ما يفيد سبق استلام الطاعنة له، وأن الواقع هو أنه لا توجد أية مخالصة منها تفيد هذا الاستلام. وأما استحقاقى سنة 1921 ومقداره 143 جنيها و985 مليما والاستحقاق من سنة 1922 لغاية شهر فبراير سنة 1924 فليس بالدفتر بيان يفيد سبق استلامه. (ثانيا) أن طلب المدعى عليها الإحالة للتحقيق لإثبات التخالص دال بوضوح على أن الطاعنة وورثة أختها المدعين الآخرين كانوا يقرّرون أنهم لم يقبضوا شيئا مما هو مثبت بالدفتر فى السنين المذكورة، وأن الطاعنة إذا كانت تمسكت بالموجود فى الدفتر فانما كانت بداهة تطلب القضاء لها بما فيه وتنكر على المدّعى عليها أن استحقاق سنة 1920 مدفوع كما أشير إليه بالدفتر.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أثبت أن الطاعنة طلبت تأييد الحكم المستأنف وهذا الطلب ليس فيه ما يؤخذ منه أنها قابلة لما يكون ادّعاه واضع الدفتر المذكور من أن الاستحقاق سواء لغاية سنة 1920 (كعبارة المحكمة الابتدائية) أو لغاية سنة 1921 (كعبارة محكمة الاستئناف) قد قبضته الطاعنة.
وحيث إن دعوى الطاعنة قائمة إذن من أوّلها لآخرها على أنها لم تقبض شيئا من استحقاقها من سنة 1918 لغاية عزل الناظر فى سنة 1924.
وحيث إن القبض أمر قانونى يجب على مدّعيه إقامة دليله الذى يقبله القانون، وما لم يقدّم هذا الدليل فالالتزام باقى لم ينقض.
وحيث إن قول الحكم المطعون فيه إن تمسك الطاعنة بهذا الدفتر يجعله حجة عليها بما فيه ولو لم تصدر منها مخالصة بالمبالغ المستحقة لها لغاية سنة 1921 – هذا القول لا يمكن التسليم به لا واقعيا ولا قانونا. فأما واقعيا فان الطاعنة، كما سلف القول، تنكر فى كل أدوار الدعوى أن تكون استلمت شيئا من هذا الاستحقاق. وأما قانونا فلأن من يدعى براءة الذمة عليه إقامة دليلها، وما فى الدفتر المذكور لا يصلح دليلا على دفع هذا الاستحقاق لأن الإنسان لا يستطيع أن يتخذ من عمل نفسه دليلا لنفسه يحتج به على الغير. كما أنه من جهة أخرى لو فرض وكان مراد الحكم أن ما بالدفتر هو إقرار من المطعون ضدّهم وأنه لا محل لتجزئة هذا الإقرار بل يجب أخذ ما فيه برمته مما هو فى مصلحة الطاعنة المقرّ لها ومما ليس فى مصلحتها فان الموطن الذى بصدده البحث ليس موطن تطبيق هذه القاعدة إذ أن هذا الإقرار ليس هو دون غيره المثبت لالتزام مورّث المطعون ضدّهم قبل الطاعنة بل إن حق الطاعنة فى الريع المطلوب بالدعوى ثابت لها بغير هذا الإقرار لأنها مستحقة فعلا فى الوقف بحسب كتابه ولها قانونا دعوى الحساب على الناظر كيما تصل لحقها هذا.
وحيث إنه يبين من ذلك أن الحكم المطعون فيه خالف قواعد الإثبات إذ جعل غير الدليل دليلا قانونيا، كما أنه يكون طبق قاعدة عدم تجزئة الإقرار فى موطن غير موطن تطبيقها لو أنه كان يريد الأخذ بهذه القاعدة.
وحيث إنه لذلك يتعين قبول الطعن موضوعا ونقض الحكم المطعون فيه.
وحيث إن الدعوى صالحة للفصل فى موضوعها ولمحكمة النقض أن تقضى فيه.
وحيث إن دفتر الحساب الذى قدّمه المطعون ضدّهم دال على أن صافى استحقاق الطاعنة لغاية سنة 1920 هو مبلغ 111 جنيها و170 مليما وصافى استحقاقها عن سنة 1921 هو 143 جنيها و985 مليما ومجموع المبلغين هو 255 جنيها و155 مليما ولم يقدّم المطعون ضدّهم دليلا قانونيا على سبق استلام الطاعنة له فهم إذن مسئولون عن دفع هذا المبلغ من تركة مورّثهم مع فوائده القانونية من تاريخ المطالبة الرسمية كما قضى به الحكم الابتدائى.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات