الطعن رقم 3 سنة 5 ق – جلسة 20 /06 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 868
جلسة 20 يونيه سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.
القضية رقم 3 سنة 5 القضائية
تملك بوضع اليد. أراضى مريوط. جواز تملكها بمضى المدّة.
(المادتان 56 و57 من القانون المدنى والأمر العالى الصادر فى 5 ربيع الأوّل سنة 1292،
والأمر العالى الصادر فى 9 سبتمبر سنة 1884)
إن الأمر العالى الصادر فى 5 ربيع الأوّل سنة 1292 بشأن أراضى مريوط ليس فيه شىء يدل
على أن هذه الأرض محظور تملكها، كما أنه لم يتعرّض لأحكام تملك تلك الأطيان بوضع اليد.
على أن هذا الأمر على كل حال قد أبطل مفعوله بمقتضى الأمر العالى الصادر فى 7 شعبان
سنة 1292 مبينا للوائح والأوامر الخاصة بالأطيان والتى اعتبرت وحدها المعمول بها فى
ذلك التاريخ. على أن الواقع أن الأمر العالى الصادر من بعد فى 9 سبتمبر سنة 1884 مصرح
فيه بالإعطاء من الأراضى الميرى الغير المنزرعة الخارجة عن زمام البلاد مجانا وبدون
ضريبة لمن يستصلحونها كيما تنتفع الحكومة بما تفرضه عليها من الضريبة من بعد، وذلك
بدون استثناء جهة دون أخرى عدا بعض أراض لها شأن خاص كأراضى الجزائر وشواطئ النيل وغير
ذلك مما هو وارد بالمادة الثانية من الأمر العالى المذكور. أما أراضى مريوط وأمثالها
فلم تستثن من إمكان تمليكها للناس، بل إن المادة السابعة من هذا الأمر صرحت بأن الأطيان
المتوطن فيها عربان تعطى لهم بالأولوية. وإذن فالحكم الذى يقضى بجواز تملك أرض مريوط
بمضى المدّة لا مخالفة فيه لأى قانون.
الوقائع
تتحصل الوقائع فى أن حسن إسماعيل السماليهى (المطعون ضدّه) رفع
هذه الدعوى أمام محكمة العطارين الجزئية على مصلحة الأملاك الأميرية مدّعيا أنه بتاريخ
14 مايو سنة 1907 اشترى من والده إسماعيل السماليهى ستة أفدنة بجهة الدخيلة ضمن 12
فدانا مبينة الحدود والمعالم بالعريضة بثمن قدره 42 جنيها، ووضع يده عليها إلى أن علم
أن مصلحة الأملاك تدعى ملكية الحكومة للقدر المذكور، ولذلك طلب الحكم بتثبيت ملكيته
للستة الأفدنة المذكورة ومنع تعرّض الحكومة له فيها مع إلزامها بالمصاريف. فدفعت مصلحة
الأملاك بعدم اختصاص المحكمة الجزئية بنظر الدعوى لأن قيمة الأطيان أزيد من نصاب المحكمة
الجزئية. ومحكمة العطارين بتاريخ 15 يناير سنة 1931 أحالت القضية على محكمة إسكندرية
الابتدائية. وهذه المحكمة التى قيدت الدعوى بجدولها برقم 272 سنة 1931 كلى قضت بتاريخ
3 أكتوبر سنة 1931 بندب خبير زراعى قام بمأموريته وقدّم تقريره. ثم قضت بتاريخ 26 فبراير
سنة 1933 حضوريا بتثبيت ملكية المدّعى إلى الستة الأفدنة الموضحة الحدود والمعالم بصحيفة
الدعوى ومنع تعرّض المدّعى عليها له فيها مع إلزامها بالمصاريف ومائتى قرش أتعاب محاماة
ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات.
فاستأنفت مصلحة الأملاك هذا الحكم بتاريخ 4 يوليه سنة 1933 طالبة الحكم بالغاء الحكم
المستأنف وبرفض دعوى المستأنف ضدّه (المطعون ضدّه) مع إلزامه بالمصاريف وأتعاب المحاماة
عن الدرجتين. ومحكمة استئناف مصر بعد أن نظرت هذا الاستئناف الذى قيد بجدولها برقم
958 سنة 50 قضائية، قضت تمهيديا فى 15 مايو سنة 1934 باحالة الدعوى للتحقيق لإثبات
أمور ذكرتها خاصة بوضع اليد. وفى أسباب حكمها التمهيدى هذا قد فصلت فى أن الأرض المتنازع
فيها هى مما يصح تملكه بوضع اليد على خلاف ما دفعت به مصلحة الأملاك من أنها غير قابلة
لأن يتملكها العربان بوضع اليد.
وقبل إعلان هذا الحكم إلى مصلحة الأملاك الأميرية طعنت فيه بطريق النقض من جهة قضائه
القطعى بجواز تملك أطيان الجهة التى فيها الأطيان المتنازع فيها بوضع اليد، وحصل هذا
الطعن بتقرير تحرّر بقلم كتاب محكمة النقض يوم 6 نوفمبر سنة 1934، وأعلن التقرير إلى
المطعون ضدّه يوم 10 من الشهر المذكور. وقدمت الطاعنة مذكرتها الكتابية فى الميعاد
القانونى ولم يقدّم المطعون ضدّه شيئا. وقدّمت النيابة مذكرتها فى 2 مايو سنة 1935.
وقد نظرت المحكمة هذه الدعوى بجلستى الخميس 6 يونيه سنة 1935 و20 منه (اليوم) بما هو
وارد بمحضر الجلسة ثم أصدرت الحكم الآتى:
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن محكمة الاستئناف أخطأت فى تفسير القانون وتطبيقه وذلك:
(أوّلا) لأنها قرّرت أن قواعد المادتين 56 و57 من القانون المدنى هى الواجبة الاتباع
فى تملك أطيان الميرى الغير المزروعة دون الأمر العالى الصادر فى ربيع الأوّل سنة 1292.
ووجه الخطأ فى هذا أن أمر سنة 1292 المذكور هو قانون خاص كان يطبق على أطيان جهة مريوط
فى الوقت الذى كان هناك قانون عام يطبق على باقى أطيان القطر. فالقانون المدنى الصادر
فى سنة 1883 إذا كان حل محل القانون العام الذى قبله فهو لا يلغى أمر سنة 1292 الذى
هو قانون خاص اللهم إلا إذا نص فيه صراحة على ذلك، وهذا النص لا يوجد فأمر سنة 1292
هذا باق على قوّته ومانع من تملك أطيان مريوط بوضع اليد.
(ثانيا) إن المادة 28 من لائحة ترتيب المحاكم قضت بوجوب اتباع القوانين التى تنشر والأوامر
واللوائح الجارى العمل بموجبها الآن. وبما أن أمر سنة 1292 لم يلغ فكان على محكمة الاستئناف
تطبيقه، وفى عدم عملها به مخالفة للمادة 28 المذكورة.
(ثالثا) إن المحكمة اعتمدت على ما قرّره الدستور من التسوية بين المصريين، وأنه لا
استثناء فى هذه التسوية بين عرب مريوط (أى الخاص بهم أمر سنة 1292) وبين غيرهم من المصريين.
وتقول الطاعنة إن هذا خطأ لأن الدستور إذا كان سوى بين المصريين فانه لم يسو بين الأراضى
المصرية، وعدم إمكان تملك أطيان مريوط هو حرمان لجميع المصريين غير مقصور على عربان
مريوط فقط، فان أمر سنة 1292 مقصود به منع التملك بجهة مريوط لأنها فى الحدود ولها
أهمية خاصة فيجب أن تكون الحكومة مطلقة التصرف فيها. كما أنه مع التسليم بأن هذا الاستثناء
(أى الصادر به أمر سنة 1292) كان خاصا بأعراب مريوط وأنه يتعارض مع مبدأ المساواة الذى
قرّره الدستور، فان الدستور الصادر به الأمر الملكى رقم 42 سنة 1923 لم يعمل به إلا
ابتداء من يناير سنة 1924، فالأمر العالى الصادر سنة 1292 يكون لم يلغ إلا من هذا التاريخ.
وبما أن الدعوى رفعت فى سنة 1930 فيكون لم يمض من تاريخ إلغائه لغاية قيام النزاع المدّة
الكافية للتملك بوضع اليد، ويكون الحكم فى غير محله.
وحيث إنه بالاطلاع على صورة أمر سنة 1292 هجرية الذى طلبته النيابة العامة من مصلحة
الأملاك وورد لها بافادة تلك المصلحة المؤرّخة 4 مايو سنة 1935 وجد أنه عبارة عن خطاب
صادر من المعية السنية بتاريخ 5 ربيع الأوّل سنة 1292 لنظارة الداخلية ردّا على إفادة
من الداخلية تقول فيها إنه بلغها أن العربان جعلوا أراضى مريوط ملكا لهم وبنوا فيها،
وأنهم يبيعون منها لبعضهم البعض ولأهالى إسكندرية، وإنها تخابرت مع مديرية البحيرة
فى هذا فطلبت إليها المديرية أنه إذا رؤى من الموافق مساحة المنزرع بتلك الجهة وتأجيره
وتحصيل إيجاره من المزارعين فيحال الأمر فى هذا لمحافظة إسكندرية لقربها من جهة مريوط
– تقول الداخلية ذلك وتطلب عرض الأمر للأعتاب السنية. فالمعية بخطابها هذا المؤرّخ
5 ربيع الأوّل سنة 1292 تذكر ما تقدّم ثم تقول ما يأتى حرفيا قد عرض (أى الموضوع الذى
تستفهم عنه الداخلية) تفصيلا للسدّة العلية. والذى سنح للخاطر الشريف هو أنه من جهة
مساحة الأطيان المنزرعة وتقدير إيجارها فهذا لا يوافق أفكار ولى النعم والحالة هذه.
وأما ما قيل من أن العربان جارين البيع فى أراضى الجهة المذكورة لبعضهم وللأهالى باسكندرية
فهذا من الاقتضى التحرّى عنه والوقوف على حقيقته حيث المعلوم أن البيع والشراء لا يكن
إلا على تمليك بموجب حجج وهؤلاء ما دام لا يكن بيدهم حجج تثبت لهم الملكية فطبعا لا
يقبل منهم بيع ولا شراء ولا يسوغ لهم التجارى على مبيع مالا يمتلكون ولهذا قد تعلقت
الإرادة السنية باحالة النظر فى هذه المادة للمجلس الخصوصى.
وحيث إن هذا الأمر العالى ليس فيه شىء يدل على أن أرض مريوط محظور تملكها لكونها فى
حدود القطر كما تزعم مصلحة الأملاك. كما أن هذا الأمر لم يتعرّض لإمكان تملك تلك الأطيان
بوضع اليد، بل كل ما فيه هو تقرير قاعدة يراها طبيعية وهى أن الإنسان لا يبيع إلا ما
يملك. ثم إن هذا الأمر الذى هو أشبه شىء بالفتوى ليس قاطعا فى الموضوع. بل هو يأمر
باحالة النظر فى المادة للمجلس الخصوصى. وبديهى أن هذه الإحالة مقصود بها دراسة الموضوع
لإمكان صدور الأمر بعد بما يرى. وحاصل هذا أن الأمر المذكور ليس فيه شىء من التشريع
الملزم.
وحيث إن الأوامر المختصة بنظام الأراضى فى القطر المصرى قد كان على الحكومة المصرية
بمقتضى المادة 36 من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة أن تجمعها وتنشرها. وفعلا راجعت
الحكومة جميع الأوامر الخاصة بنظام الأراضى، وما وجدت أن من اللزوم استبقاءه استبقته،
وما وجدت أنه لا عمل له اطرحته. ثم إن المجموعة التى اعتبرتها أنها هى المشتملة على
نظام الأراضى المعمول به فى القطر قد صدر بها لنظارة الحقانية والتجارة أمر عال فى
7 شعبان سنة 1292 نمرة 8 هذا نصه حيث إنه بالقومسيون المنعقد لرؤية لوائح الأطيان اللازم
طبعها ونشرها على حسب لائحة ترتيب المحاكم المستجدّة صار تلاوة الأوامر والقرارات والمنشورات
السابق صدورها إلحاقا بلوائح إجراءات الأطيان، وما وجد أنه متعلق بالأمور الإدارية
والمسبوق لغو مفعوله أو نسخه بخلافه صار استبعاده والذى استقرّ الحال على إبقاه حسب
الجارى عليه العمل صار توريده فى هذا المجموع بتعديل وإيضاح ما لزم وجرى تلاوة ذلك
بالقومسيون المنعقد تحت رياستنا وصار الإقرار عليه واعتماده فأصدرنا أمرنا هذا لكم
للمبادرة بطبعه ونشره تطبيقا لما نص عن ذلك بالبند السادس والثلاثين من لائحة ترتيب
المحاكم المستجدّة. وهذه المجموعة المشار إليها فى هذا الأمر العالى ليس فيها إلا الأمر
المشار إليه فى إفادة المعية المؤرّخة 5 ربيع الأوّل سنة 1292 ولا ذلك الأمر الآخر
الصادر فى 17 محرّم سنة 1284 (الذى تحدّث به مصلحة الأملاك لدى محكمة الاستئناف وأمسكت
عن التحدّى به لدى محكمة النقض). فهما إذن أمران استبعدتهما الحكومة واعتبرتهما لاغيين
عند إصدارها أمر 7 شعبان سنة 1292 المذكور.
وحيث إنه فوق كل ما تقدّم فان الحكومة فى سنة 1884 اعتزمت توزيع أراضى الميرى الغير
المنزرعة الخارجة عن زمام البلاد وإعطائها مجانا وبدون ضريبة لمن يستصلحونها كيما تنتفع
بما تفرضه عليها من الضريبة من بعد. وفعلا صدر أمر عال بهذا فى 9 سبتمبر سنة 1884 مصرح
بالإعطاء من الأراضى المذكورة بدون استثناء جهة دون أخرى، وكل ما استثناه الأمر هى
بعض أراض لها شأن خاص كأراضى الجزائر وشواطئ النيل وغير ذلك مما هو وارد بمادته الثانية.
وهذا الأمر لم يستثن أراضى مريوط ولا أمثالها من إمكان تمليكها للناس، بل إن المادة
السابعة منه صرحت بأن الأطيان المتوطن فيها عربان تعطى لهم بالأولوية.
وحيث إنه لذلك تكون أوجه الطعن جميعا فى غير محلها ويكون الحكم المطعون فيه الذى قضى
بجواز تملك الأرض موضوع النزاع بمضى المدّة حكما لا مخالفة فيه لأى قانون. ولذلك يتعين
رفض الطعن.
