الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 102 سنة 4 ق – جلسة 06 /06 /1935 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 847

جلسة 6 يونيه سنة 1935

تحت رياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.


القضية رقم 102 سنة 4 القضائية

وقف:
( أ ) وقف المريض مرض الموت. اختصاص المحاكم الشرعية دون الأهلية بالفصل فى دعوى بطلان الوقف لهذا السبب.
(ب) عدم اختصاص المحاكم الأهلية فى هذه الحالة. متعلق بالنظام العام.
(المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية)
(حـ) حكم صادر من المحاكم الأهلية باعتبار الوقف حاصلا فى مرض موت الواقف. قضاء باختصاص المحاكم الأهلية مخالف للنظام العام. حق محكمة النقض فى إثارة هذه المخالفة من تلقاء نفسها.
(د) متى تتدخل المحكمة الأهلية؟
1 – إن أحكام وقف المريض مرض الموت هى من الأحكام الدقيقة فى الشريعة الإسلامية وليس من مأمورية المحاكم الأهلية البحث فيها ولا تطبيقها بل ذلك من مأمورية المحاكم الشرعية. ونفس المادة 16 من لائحة الترتيب تجعل دعوى الوارث ببطلان وقف مورّثه لحصوله فى مرض الموت من الدعاوى الخارجة عن اختصاص المحاكم الأهلية ما دام النزاع فيها منصبا على مسألة هى من أشدّ المسائل تعلقا بأصل الوقف.
2 – إن عدم اختصاص المحاكم الأهلية بالنظر فى بطلان الوقف لحصوله فى مرض الموت هو عدم اختصاص متعلق بالنظام العام القاضى باستقلال كل سلطة قضائية بما هو داخل فى ولايتها وبعدم اعتداء سلطة منها على ما فى ولاية الأخرى.
3 – الحكم الصادر من المحاكم الأهلية باعتبار الوقف حاصلا فى مرض موت الواقف ثم بالسير فى التحقيقات الموصلة لمعرفة ماذا يحكم به فى النهاية يكون قضى ضمنا باختصاص المحاكم الأهلية بنظر دعوى بطلان الوقف الحاصل فيه النزاع. وهذا القضاء الضمنى المخالف للنظام العام هو سبب قائم فعلا فى الدعوى ومبطل للحكم الصادر فيها، ولمحكمة النقض أن تثيره من تلقاء نفسها وتحكم بما يقتضيه قيامه وإن لم يثره الخصوم.
4 – إن المحكمة الأهلية لا يجوز لها أن تتدخل إلا بعد أن تنظر المحكمة الشرعية فى الأمر وتبين ما إذا كانت دعوى الوارث صحيحة أم لا، وإن كانت صحيحة فما هو بالتحديد والتعيين المقدار الباطل فيه الوقف، وما هو بالتحديد والتعيين حق ذلك الوارث فى هذا المقدار، وما هو بالتحديد والتعيين حقه الذى قد يكون له فى ريع المقدار الباقى من الوقف ذلك المقدار الذى يعتبر فيه الوقف صحيحا ولكنه يعتبر أيضا تركة بالنسبة لهذا الوارث وله ريع حصته فيه بصفته وارثا كأن هذا المقدار لم يوقف. فمتى فصلت المحكمة الشرعية فى هذا وبينت بحكم منها مبلغ حق الوارث فى ملكية ما الوقف باطل فيه، ومبلغ ما قد يكون حقا له كوارث فى ريع ما لم يبطل فيه الوقف، فهذا الحكم الذى تصدره المحكمة الشرعية بعد أن تكون طبعا قدّرت بنفسها أو بواسطة الخبراء قيمة التركة وعرفت ما ينبغى لها أن تحكم به وما لا ينبغى مما هو جميعه من شئونها هى – هذا الحكم يصبح سندا رسميا للوارث مقررا لحقوقه. وإذا وقعت له من بعد منازعة فى حقوقه هذه فهناك فقط تتدخل المحكمة الأهلية لإقراره عليها تنفيذا لذلك السند الرسمى.


الوقائع

تتحصل وقائع هذه الدعوى فى أن المرحوم محمد رمضان باشا وقف فى 27 يونيه سنة 1925 منزلين وجعل ريعهما لنفسه مدة حياته، ومن بعد وفاته يكون ريع أصغرهما لجهات برعينها، أما أكبرهما فيكون ريعه لابنه محمد بك صادق رمضان. ثم توفى الواقف فى 9 يوليه سنة 1925. وفى 8 مايو سنة 1932 تقدّمت الست فاطمة هانم حسنين بصفتها وصية على ابنها القاصر علىّ الدين رمضان المرزوق لها من زوجها المرحوم حسن أفندى رمضان ابن الواقف الذى توفى بعده ورفعت على محمد بك صادق رمضان لدى محكمة مصر الابتدائية الأهلية دعوى قيدت بجدولها برقم 1296 سنة 1932 كلى طلبت فيها الحكم ببطلان الوقف المذكور لصدوره فى مرض الموت وتثبيت ملكية ولدها القاصر لربع المنزلين وهى صحته الشرعية فى ميراثه عن أبيه عن جدّه الواقف مع ريع هذا النصيب من يوليه سنة 1925 إلى يوليه سنة 1931 وما يستجد.
وبعد نظر الدعوى حكمت محكمة مصر الابتدائية فى 6 نوفمبر سنة 1932 باحالتها للتحقيق لتثبت المدعية صدور الوقف فى مرض موت الواقف. وبعد انتهاء التحقيق حكمت فى 29 مايو سنة 1933 برفض الدعوى. فاستأنفت الست فاطمة هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر الأهلية طالبة إلغاءه والحكم لها بصفتها بأصل طلباتها. وقيد استئنافها بالجدول برقم 214 سنة 51 قضائية. وأثناء نظره تنازلت عن الطعن فى الوقف فيما يتعلق بالمنزل الصغير، وقصرت استئنافها على بطلان الوقف فى المنزل الكبير. ومحكمة الاستئناف راجعت أقوال من سمعوا فى التحقيق لدى المحكمة الابتدائية، وقررت أن الوقف حصل فى مرض الموت. ثم أخذت تتعرّف أحكام وقف المريض مرض الموت، ولذلك حكمت باعتبار الوقف صادرا فى مرض الموت، وقبل الفصل فى موضوع الطلبات بندب خبير لتثمين المنزلين وخبير آخر لتثمين الأطيان المتروكة عن المورّث محمد رمضان باشا وقت الوقف…….. الخ، وأبقت الفصل فى المصاريف. وحكمها هذا الذى أصدرته فى 17 يونيه سنة 1934، وأعلن فى 23 أغسطس سنة 1934، قد طعن فيه محمد بك صادق رمضان فى 22 سبتمبر سنة 1934 بتقرير أعلن إلى المطعون ضدّها فى 2 أكتوبر سنة 1934، وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية فى الميعاد القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 9 أبريل سنة 1935.
وبجلسة يوم الخميس الموافق 23 مايو سنة 1935 المحدّدة لنظر هذا الطعن أجلته المحكمة لجلسة اليوم بناء على طلب محامى المطعون ضدّها للنظر فى مسألة عدم الاختصاص التى أثارتها المحكمة.
وبالجلسة المذكورة سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن التقرير المقدّم من الطاعن لا يحوى سوى نقد للمحكمة على ما كان منها من تقدير أن الوقف صدر من المورّث وهو فى مرض موته.
وحيث إنه ظاهر من الحكم المطعون فيه أن محكمة الاستئناف كيما تتعرّف أحكام وقف المريض مرض الموت رجعت إلى ما ورد عنها بكتاب قانون العدل والإنصاف للمرحوم قدرى باشا ثم لمقال للشيخ أحمد إبراهيم أستاذ الشريعة الإسلامية بمدرسة الحقوق وأثبتت فى حكمها ما وصلت إلى تعرّفه من تلك الأحكام. ثم رأت أن تطبيق ما تعرّفته منها يستلزم معرفة قيمة تركة الواقف الذى ترك 628 فدانا أطيانا زراعية غير موقوفة ومعرفة ماذا تبلغ قيمة الموقوفات بالنسبة لتلك التركة، وماذا عسى أن يخص القاصر رافع الدعوى مما قد تبطل الوقف فيه، وماذا عسى أن تحكم له به. ولذلك عينت خبراء للتقدير.
وحيث إن أن أحكام وقف المريض مرض الموت هى من الأحكام الدقيقة فى الشريعة الإسلامية، وليس من مأمورية المحاكم الأهلية البحث فيها ولا تطبيقها، بل ذلك من مأمورية المحاكم الشرعية، فان دعوى الوارث بطلان وقف مورّثه لحصوله فى مرض الموت هى من الدعاوى الخارجة عن اختصاص المحاكم الأهلية بمقتضى المادة 16 من لائحة ترتيبها لأن النزاع فيها منصب على مسألة هى من أشد المسائل تعلقا بأصل الوقف. وقد سبق لمحكمة النقض أن قضت بذلك فى حكمها الصادر بتاريخ 16 مايو سنة 1935 فى الطعن المقيد بجدولها برقم 71 سنة 4 قضائية.
وحيث إن المحكمة الأهلية لا يجوز لها أن تتدخل إلا بعد أن تنظر المحكمة الشرعية فى الأمر وتبين ما إذا كانت دعوى الوارث صحيحة أم لا، وإن كانت صحيحة فما هو بالتحديد والتعيين المقدار الباطل فيه الوقف، وما هو بالتحديد والتعيين حق ذلك الوارث فى هذا المقدار، وما هو بالتحديد والتعيين حقه الذى قد يكون له فى ريع المقدار الباقى من الوقف ذلك المقدار الذى يعتبر فيه الوقف صحيحا ولكنه يعتبر أيضا تركة بالنسبة لهذا الوارث وله ريع حصته فيه بصفته وارثا كأن هذا المقدار لم يوقف. فمتى فصلت المحكمة الشرعية فى هذا وبينت بحكم منها مبلغ حق الوارث فى ملكية ما الوقف باطل فيه، ومبلغ ما قد يكون حقا له كوارث فى ريع ما لم يبطل فيه الوقف، فهذا الحكم الذى تصدره المحكمة الشرعية بعد أن تكون طبعا قدّرت بنفسها أو بواسطة الخبراء قيمة التركة، وعرفت ما ينبغى لها أن تحكم به وما لا ينبغى مما هو جميعه من شئونها هى – هذا الحكم يصبح سندا رسميا للوارث مقرّرا لحقوقه. وإذا وقعت له من بعد منازعة فى حقوقه هذه فهنالك فقط تتدخل المحكمة الأهلية لإقراره عليها تنفيذا لذلك السند الرسمى.
وحيث إن عدم اختصاص المحاكم الأهلية بما طلب فى هذه الدعوى من بطلان الوقف لحصوله فى مرض الموت هو عدم اختصاص متعلق بالنظام العام القاضى باستقلال كل سلطة قضائية بما هو داخل فى ولايتها وبعدم اعتداء سلطة منها على ما فى ولاية الأخرى.
وحيث إن الحكم المطعون فيه إذ قضى باعتبار الوقف حاصلا فى مرض موت الواقف وبالسير فى الإجراءات الموصلة لمعرفة ماذا يكون الحكم به فى النهاية – إذ قضى بذلك فيكون قضى ضمنا باختصاص المحاكم الأهلية بنظر دعوى بطلان الوقف الحاصل فيه النزاع وهذا القضاء الضمنى مخالف – كما سلف – للنظام العام.
وحيث إن هذا القضاء الضمنى المخالف للنظام العام هو سبب قائم فعلا فى الدعوى ومبطل للحكم الصادر فيها ولمحكمة النقض أن تثيره من تلقاء نفسها وتحكم بما يقتضيه قيامه وإن لم يثره الخصوم.
وحيث إنه لذلك يتعين القضاء بنقض الحكم المطعون فيه وبعدم اختصاص المحاكم الأهلية بنظر دعوى بطلان الوقف المتنازع فيه.
وحيث إن ما هو مطلوب بالدعوى من تثبيت ملكية القاصر المطعون ضدّه لما يدعى الملك فيه ومن الريع عن المدّة الماضية هو من الطلبات المتفرّعة عن دعوى بطلان الوقف التى لا تختص بها المحكمة الأهلية فهذا المطلوب يبقى الفصل فيه موقوفا على معرفة ما تقرّره المحكمة الشرعية للوارث المذكور من الحق فى العين الموقوفة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات