الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 45 سنة 4 ق – جلسة 06 /06 /1935 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 832

جلسة 6 يونيه سنة 1935

تحت رياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.


القضية رقم 45 سنة 4 القضائية

نزع ملكية:
( أ ) مزايدة. المزاد الثانى. السير فيه موقوف على طلب الدائن. حكم القاضى بالبيع مع عدم وجود هذا الطلب. بطلانه. جواز استئناف هذا الحكم.
(المواد 569 و584 و586 مرافعات)
(ب) حكم القاضى بالبيع ضد رغبة الدائن والمدين. استئناف المدين لهذا الحكم على أساس تخطى القاضى لما طلبه هو والدائن. الخطأ فى تكييف هذا التخطى. حق محكمة النقض فى استبانة هذا التخطى وتطبيق حكم القانون عليه. قبول محكمة الاستئناف استئناف حكم القاضى. بحثها موضوع الحكم وتقريرها إبطاله لأسباب موضوعية خارجة عما يلزم للتقرير ببطلانه. حق محكمة النقض فى إقرار حكم الإبطال أخذا بالحقيقة القانونية التى تتبينها هى.
1 – إن المادة 584 من قانون المرافعات تقضى فى المزاد الذى يحصل بعد التقرير بزيادة العشر بأن هذا المزاد "يحصل ويقع البيع على حسب الأوجه المقرّرة فى حق البيع الأوّل" والمادة 569 الخاصة بكيفية عمل المزاد الأوّل تقضى بأن "المزايدة تحصل بمعرفة القاضى بناء على طلب الدائن الذى طلب البيع أو غيره من أرباب الديون المسجلة عند الاقتضاء". فالمزاد الثانى كالمزاد الأوّل لا يسير فيه القاضى من تلقاء نفسه، بل سيره فيه موقوف على طلب الدائن طالب البيع أو غيره من أرباب الديون المسجلة بحيث إن لم يطلبه أحد من هؤلاء فواجبه إيقاف البيع، وأرباب الشأن من بعد وما يريدون. أما أن يجرى المزاد وتوقيع البيع من تلقاء نفسه مع عدم وجود طلب من صاحب الحق القانونى فيه، فان حكمه يقع باطلا لعدم استيفائه شرطا أساسيا من الشروط المقرّرة. ويصح استئنافه كما هو حكم المادة 586 مرافعات.
فاذا كان الواقع الثابت بالحكم هو أنه لم يكن هناك دائن غير الدائن طالب البيع وهو الذى رسا عليه المزاد الأوّل، ولم يكن لغيره على العين ديون مسجلة، وان هذا الدائن طالب البيع لم يطلب من القاضى إجراء المزاد، بل بالعكس قد قرّر أمامه أنه تخالص بحقوقه وتنازل عن حكم مرسى المزاد، فتخطى القاضى لهذا وحكمه بالبيع هو حكم باطل. وللمدين الذى أضَرّ به هذا الحكم الحق فى استئنافه بمقتضى المادة 586 مرافعات المتقدّمة لعدم استيفائه إجراءً أساسيا.
2 – إذا كان المدين المستأنف لهذا الحكم فى تمسكه بتخطى القاضى لما طلبه هو والدائن طالب البيع الراسى عليه المزاد الأوّل من عدم إجراء المزاد الثانى قد غفل عن ناحية التكييف الصحيح للوقائع التى عرضها فى استئنافه واعتبر ظلامته مسألة موضوعية لم يفصل فيها القاضى، فان تمسكه بذلك التخطى حاصل على كل حال وهو أساس استئنافه. وتكييف هذا التخطى هو مسألة قانونية ولمحكمة النقض أن تتبينه وأن تطبق عليه حكم القانون.
وإذا كانت محكمة الاستئناف اعتبرت على خلاف الصواب أن لا عيب فى شكل الحكم المستأنف وإنما هى قبلت الاستئناف على أساس أن طلب الدائن والمدين عدم السير فى المزاد فيه إثارة لمسألة موضوعية وأن قاضى البيوع كان عليه أن يحيل تلك المسألة الموضوعية على المحكمة للفصل فيها ابتداء ثم بحثت موضوع الاستئناف وقضت ببطلان حكم البيع وكان كل ما أتت به فى الأسباب من الاعتبارات والتقديرات خارجا عما يلزم للتقرير ببطلان حكم البيع المذكور، فان لمحكمة النقض أن ترفض الطعن وأن تقرّ ما قضت به محكمة الاستئناف من جواز استئناف ذلك الحكم على أساس تكييفها هى الصحيح لتخطى القانون وأن تقرّ قضاء الاستئناف بالإبطال أخذا بالحقيقة القانونية التى تراها هى وتطبيقا لها ويصبح ما ذكرته هى فى حكمها من الأسباب القانونية الصحيحة أسبابا للحكم المطعون فيه.


الوقائع

تتحصل وقائع الدعوى – على ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه ومن المذكرات والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة – فيما يأتى:
بتاريخ 12 أبريل سنة 1933 أصدرت محكمة بنى سويف الابتدائية الأهلية فى القضية رقم 106 سنة 1933 المرفوعة من طه أفندى مرسى عامر ضدّ إبراهيم أفندى إسماعيل أوده باشا حكما بنزع ملكية إبراهيم أفندى المذكور من 465 مترا و79 سنتيمترا بما عليها من المبانى وفاء لسداد مبلغ 113 جنيها و830 مليما خلاف المصاريف والفوائد بثمن أساسى قدره 250 جنيها وباحالة الأوراق لقاضى البيوع لإجراء البيع. وبتاريخ 16 أكتوبر سنة 1933 رسا مزاد المقدار المذكور على طالب البيع طه أفندى مرسى عامر بمبلغ 260 جنيها. وبتاريخ 22 أكتوبر سنة 1933 قرر عثمان الشيمى زيادة العشر على الثمن الذى رسا به المزاد وتحدّد للبيع يوم 18 ديسمبر سنة 1933. وفى هذه الجلسة حضر المدين وقال "أنا سددت الدين لطالب البيع" وحضر طالب البيع وقال "إنه استلم حقه وتنازل عن حكم مرسى المزاد" ومقرر الزيادة طلب "إشهار المزاد" فأمر القاضى بتلاوة إعلان البيع وعلى أثر ذلك صدر الحكم برسو مزاد قطعة الأرض المشار إليها على مقرر الزيادة بثمن قدره 286 جنيها. استأنف إبراهيم أفندى إسماعيل أوده باشا (المدين) هذا الحكم لدى محكمة استئناف مصر الأهلية وقيد بجدولها برقم 311 سنة 51 قضائية، وبنى استئنافه على أن للمدين الحق بعد زيادة العشر فى سداد ما عليه من دين وأن لطالب البيع أن يتنازل عن إجراءاته والراسى عليه المزاد عن حكمه من غير اعتراض من مقرر زيادة العشر، فدفع عثمان أفندى مصطفى الشيمى (الراسى عليه المزاد الأخير) بعدم جواز هذا الاستئناف ارتكانا على أنه تناول أمورا موضوعية لا علاقة لها بحكم البيع الذى لا يجوز استئنافه إلا عند عدم استيفاء إجراءات البيع ليس إلا. ومحكمة الاستئناف قضت بتاريخ 21 مارس سنة 1934 برفض هذا الدفع وبجواز الاستئناف وبالغاء الحكم المستأنف واعتباره كأنه لم يكن. أعلن هذا الحكم لعثمان أفندى مصطفى الشيمى فى 6 مايو سنة 1934، فطعن فيه بطريق النقض فى 4 يونيه سنة 1934 بتقرير أعلن للمطعون ضدّهما فى 7 من الشهر المذكور. وقدّم طرفا الخصومة عدا المطعون ضدّه الثانى المذكرات الكتابية فى الميعاد القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى أوّل يناير سنة 1935.
وبجلسة 21 فبراير سنة 1935 المحدّدة لنظر هذا الطعن كلفت المحكمة طرفى الخصومة تقديم مذكرة فى مسألة ما إذا كانت محكمة الاستئناف تملك الفصل موضوعا فيما فصلت فيه من جواز اتفاق الراسى عليه المزاد الأوّل والمدين على إيقاف البيع نهائيا أم أنها لا تملك ذلك من قبل أن قاضى البيوع لم يكن مختصا بالفصل ضمنا فى هذه المسألة، وهل هى مسألة متعلقة بالنظام العام مما يجوز التمسك به لأوّل مرة لدى محكمة النقض وما تثيره هى من تلقاء نفسها وتفصل فيه أم لا؟ وأجلت القضية لجلسة 2 مايو سنة 1935، وقد قدّمت المذكرات فعلا. ثم تأجلت لجلسة اليوم لبحث صفة مقرر الزيادة فى طلب البيع وهل لقاضى البيع أن يأمر بالبيع بدون طلب من الدائن طالب البيع أو غيره من أرباب الديون المسجلة.
وبالجلسة المذكورة سمعت المحكمة الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن يقوم على وجهين:
(أوّلا) مخالفة محكمة الاستئناف للمادة 586 من قانون المرافعات فى قضائها بجواز استئناف حكم البيع الصادر فى 18 ديسمبر سنة 1933 من قاضى البيوع بمحكمة بنى سويف. وذلك لأن المادة المذكورة لا تجيز استئناف أحكام البيع إلا لعدم استيفائها الشروط المقرّرة أى لعيب فى شكلها. وبما أن شكل الحكم مستوفى والإجراءات التى سبقته مستوفاة لا خلل فيها واستئناف المطعون ضدّه لم ينبن على وجود قصور أو خلل فى الإجراءات، بل هو مبنى على عدم فصل قاضى البيوع فى مسألة موضوعية هى وجوب إيقاف البيع لاتفاق المدين وطالب البيع على عدم السير فيه أو عدم وجوبه، وهذه مسألة لا شأن لها بالشروط الواجب استيفاؤها لصحة حكم البيع، فتكون محكمة الاستئناف أخطأت فى إجازة الاستئناف حيث لا يجيزه القانون ويكون حكمها متعين النقض.
(ثانيا) إن محكمة الاستئناف إذ قبلت الاستئناف ونظرت فى ظلامة المستأنف قد خالفت مقتضى القانون والمنطق معا فى قضائها فى تلك الظلامة. وذلك لأنها مع اعتبارها أن حكم مرسى المزاد الأوّل ينقل الملكية للراسى عليه المزاد الأوّل معلقا زوالها على شرط فاسخ لا يتحقق إلا بصدور حكم مرسى المزاد الثانى الذى تجرّ إليه زيادة العشر – مع اعتبارها هذا قد استنتجت بالنسبة لظلامة المستأنف (المطعون ضدّه) نتيجة غير صحيحة هى كون الراسى عليه المزاد الأوّل ما دام لا يزال مالكا إلى وقت حكم مرسى المزاد الثانى فله الاتفاق مع المدين المنزوعة ملكيته والتنازل عن حكم مرسى المزاد الأوّل الذى صدر لمصلحته ومنع البيع، وأن قاضى البيوع إذ سار فى البيع على الرغم من هذا فان حكمه بالبيع يكون باطلا. استنتجت محكمة الاستئناف هذه النتيجة مع أن أيلولة الملك للراسى عليه المزاد الأوّل تحت شرط فاسخ مقتضاها أن الملك زال عن المدين بمقتضى حكم مرسى المزاد الأوّل وأصبح لا شأن له لا مع الراسى عليه المزاد الأوّل ولا مع مقرّر زيادة العشر، بل إن مركز مقرّر هذه الزيادة أنه شخص رأى القانون فى المادة 578 يعطى لكل إنسان حق زيادة العشر فقبل هذا العرض القانونى بتقريره الزيادة وأصبح متعاقدا فى عقد قضائى لا يخوّل له الحق فى أخذ الصفقة بالثمن الذى قرّره على نفسه إن لم يوجد مشتر لها بثمن أعلى فحسب، بل هو أيضا عقد ملزم له بذلك. وما دام حقه تعلق بالصفقة بهذه الكيفية فلا يجوز للمدين أن يتفق مع طالب البيع على إيقاف البيع وحرمانه منه؛ خصوصا والقانون لا يجعل للمدين أى تدخل فى إجراءات المزايدة الثانية. ويقول الطاعن إن محكمة الاستئناف إذ قضت بعكس هذا فقد خالفت مقتضى القانون ومقتضى المنطق فبطل حكمها.

هذا

وحيث إن تصوير علة الاستئناف وكذلك ما ورد بحكم محكمة الاستئناف المطعون فيه من التقديرات وما ورد بهذا الطعن الحالى كله ضرب فى غير مضرب والتفات عن الواقع وتكييف له بغير كيفه الصحيح. وذلك بأن المادة 584 من قانون المرافعات تقضى فى المزاد الذى يحصل بعد التقرير بزيادة العشر بأن هذا المزاد "يحصل ويقع البيع على حسب الأوجه المقرّرة فى حق البيع الأوّل" والمادة 569 الخاصة بكيفية عمل المزاد الأوّل تقضى بأن "المزايدة تحصل بمعرفة القاضى بناء على طلب الدائن الذى طلب البيع أو غيره من أرباب الديون المسجلة عند الاقتضاء". فالمزاد الثانى كالمزاد الأوّل لا يسير فيه القاضى من تلقاء نفسه، بل سيره فيه موقوف على طلب الدائن طالب البيع أو غيره من أرباب الديون المسجلة بحيث إن لم يطلبه أحد من هؤلاء فواجبه إيقاف البيع، وأرباب الشأن من بعد وما يريدون. أما أن يجرى المزاد ويوقع البيع من تلقاء نفسه مع عدم وجود طلب من صاحب الحق القانونى فيه فان حكمه يقع باطلا لعدم استيفائه شرطا أساسيا من الشروط المقرّرة، ويصح استئنافه كما هو حكم المادة 586 مرافعات.
وحيث إن الواقع فى هذه المادة، كما أثبته الحكم المطعون فيه وكما يقرّره طرفا الطعن، هو أنه لم يكن هناك دائن غير الدائن طالب البيع وهو الذى رسا عليه المزاد الأوّل، ولم يكن لغيره على العين ديون مسجلة، وأن هذا الدائن طالب البيع لم يطلب من القاضى إجراء المزاد بل بالعكس قد قرّر أمامه أنه تخالص بحقوقه وتنازل عن حكم مرسى المزاد. فتخطى القاضى لهذا وحكمه بالبيع هو حكم باطل. وللمدين الذى أضر به هذا الحكم الحق فى استئنافه للعلة المتقدّمة بمقتضى المادة 586 مرافعات.
وحيث إن المدين (المطعون ضدّه) مع عرضه كل وقائع المادة عند استئنافه هذا الحكم فانه لم يهتد إلى التمسك بكيفها الصحيح وهو عدم استيفاء حكم البيع لذلك الشرط الإجرائى المقرّر الذى هو وجب طلب المزايدة من الدائن طالب البيع، هذا التمسك الذى كان يكفيه ليقتضى من محكمة الاستئناف أن تحكم ببطلان البيع – لم يتمسك بذلك بل أتى للمسألة من طريق آخر هو أن مقرّر الزيادة (وهو الطاعن) عند ما رأى الدائن والمدين اتفقا على عدم إجراء البيع قد طلب هو استمرار البيع. فالقاضى إذ أمر بالبيع ثم حكم به يكون قد نظر فى مسألة موضوعية غير متعلقة بالإجراءات وهى كون إيقاف البيع واجبا أو هو غير واجب، وقضى فيها ضمنا بعدم وجوب الإيقاف، وهو إذ قضى فيها هذا القضاء الضمنى لم يبين أسباب قضائه فحكمه بالبيع المترتب على هذا القضاء الضمنى هو حكم غير صحيح. هكذا كانت نظرية المدين فى استئنافه بحسب ما يؤخذ من أقوال الخصوم ومن الحكم المطعون فيه. فلما دفع الطاعن بعدم جواز الاستئناف رأت محكمة الاستئناف – كما هو ظاهر من حكمها المطعون فيه – أن قاضى البيوع كان عليه أن يحيل تلك المسألة الموضوعية على المحكمة للفصل فيها ابتداء. ثم أخذت تتلمس علة تصرف قاضى البيع التى لم يفصح عنها فقالت إن القاضى قد يكون اطرح نظرية الراسى عليه المزاد الأوّل الذى له التنازل عن الملكية ما دام هو تملك تحت شرط فاسخ لا يقع إلا بصدور حكم مرسى المراد الثانى، أو قد يكون أخذ بالنظرية القائلة بأن حكم مرسى المزاد الأوّل يسقط بمجرّد تقرير الزيادة ويرجع الملك للمدين مقيدا بحق مقرّر الزيادة فى وجوب الاستمرار فى بيعه، أو قد يكون القاضى لا نظر إلى هذا ولا إلى ذاك ويكون سار فى البيع ضاربا صفحا عن قيام تلك المسألة الموضوعية. وإنه على كل من تلك الفروض قد جاء حكمه ظاهر النقص ممكنا استئنافه ولو كان لا عيب فى شكله، لأن إثارة مسألة موضوعية لدى قاضى البيع وعدم فصله فيها مجيزة على كل حال للاستئناف. بهذا النظر والتقدير وعلى ذلك الأساس قضت محكمة الاستئناف بجواز الاستئناف فقبلته. ثم أخذت تبحث موضوع الاستئناف فاستعرضت نظرية كون الراسى عليه المزاد الأوّل يملك تحت شرط فاسخ لا يقع إلا بصدور حكم مرسى المزاد الثانى، واستنتجت من هذه النظرية أن للراسى عليه المزاد الأوّل أن يتفق مع المدين ويتنازل عن الملكية الحاصلة له، وأنه بناء على ذلك يكون سير القاضى فى البيع تصرفا منه غير صحيح ويكون حكمه بايقاع البيع باطلا.
وحيث إن كل هذا الذى خاض فيه المستأنف ومحكمة الاستئناف، وما سمياه مسألة موضوعية، هو توليد فى توليد لا يعرفه القانون، ولا لزوم له من جهة جواز الاستئناف، بل إنه من هذه الجهة غير صحيح.
وحيث إن الصحيح من جهة جواز الاستئناف هو ما سبقت الإشارة إليه من عدم استيفاء حكم البيع الثانى المستأنف لشرط إجرائى أساسى هو طلب الدائن من القاضى أن يسير فى إجراءات المزاد.
وحيث إن المستأنف (المدين المطعون ضدّه) وإن كان فى تمسكه بتخطى القاضى لما طلبه هو والدائن طالب البيع الراسى عليه المزاد الأوّل من عدم إجراء المزاد الثانى قد غفل عن ناحية التكييف الصحيح للوقائع التى عرضها فى استئنافه تلك الناحية المتعينة التى كانت أقرب له وأسهل – غفل عنها والتفت إلى تلك الناحية المعقدة المرتبكة ناحية أن هناك شيئا اسمه مسألة موضوعية لم يفصل فيها القاضى. لكن تمسكه بذلك التخطى حاصل على كل حال وهو أساس استئنافه، وتكييف هذا التخطى هو مسألة قانونية ولمحكمة النقض أن تتبينه، وأن تطبق عليه حكم القانون.
وحيث إن كيف الواقع فى هذه المادة هو عدم استيفاء حكم البيع الثانى المستأنف لشرط إجرائى أساسى توجيه المادتان 584 و569 من قانون المرافعات وهو أن المزايدة إنما تكون بطلب الدائن طالب البيع أو غيره من أرباب الديون المسجلة عند الاقتضاء. وهذا الشرط منتف فى حكم قاضى البيوع كما يعلم من الوقائع التى عرضها المستأنف فى استئنافه، فهو إذن حكم جائز استئنافه بمقتضى المادة 586 مرافعات. وعلى هذا التكييف وحده تقرّ محكمة النقض ما قضت به محكمة الاستئناف من جواز استئناف حكم البيع المذكور، ويكون وجه الطعن الأوّل فى غير محله.
وحيث إنه فيما يختص بموضوع الاستئناف فقد ظهر مما سلف أن ما أتى عنه بالحكم الاستئنافى كله خارج عما يلزم للتقرير ببطلان حكم البيع الذى يكفى لإبطاله التحدّى بأن القاضى خرج فيه عن حدّه ما دام لم يوجد ذو صفة يطلب إليه السير فى المزايدة، وبأنه كان من واجبه، والحال هو هذا، أن يقتصر على إثبات معارضة الدائن والمدين فى المزاد والبيع، وأن يأمر بوقف المزاد أو أن يأمر بشطب مادة هذا البيع من جدوله ما دام الواقع أنه لا يوجد فى الدعوى إلا دائن واحد هو طالب نزع الملكية الراسى عليه المزاد الأوّل. ومن أجل هذا يكون وجه الطعن الثانى فى غير محله لأنه كالحكم المطعون فيه لا يتلاقى مع هذه الحقيقة القانونية الواجبة الاتباع فى هذا الموضوع. ومحكمة النقض إذ تقرّ قضاء الاستئناف ببطلان حكم البيع إنما تقرّه أخذا بتلك الحقيقة وتطبيقا لها.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات