الطعن رقم 5 سنة 5 ق – جلسة 30 /05 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 821
جلسة 30 مايو سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.
القضية رقم 5 سنة 5 القضائية
( أ ) إثبات التاريخ. الوسائل المبينة بالمادة 229 مدنى. ليست على
سبيل الحصر.
(ب) تسجيل. ملك لإخوة متعدّدين. شراء حق بعضهم. تسجيل عقد الشراء. علاقة المشترى بالبعض
الآخر. تصرف أحد أفراد هذا البعض الآخر. لا حق للمشترى فى إجباره على التسجيل بمعرفته.
(حـ) تصرف عقارى. الوسيلة التى يمكن بها الاحتجاج بالتصرف العقارى فى وجه الغير. المادة
610 من القانون المدنى. المراد منها. تسجيل. قسمة التركات بين الورثة. عقودها الصادرة
قبل قانون التسجيل. عدم وجوب تسجيلها. عقود القسمة الواردة على عقارات مشتركة غير آيلة
بطريق الإرث. وجوب تسجيلها.
1 – إن وسائل إثبات التاريخ الواردة بالمادة 229 مدنى ليست واردة بها على وجه الحصر.
فاذا قدّمت ورقة مّا فى قضية وتناولتها المرافعة بالجلسة التى نظرت بها تلك القضية
فهذا يكفى لاعتبار تاريخ الورقة ثابتا من يوم تلك الجلسة.
2 – إذا كان الملك لإخوة متعدّدين ولم يبع للمشترى منهم إلا بعضهم فحصة الآخرين باقية
لهم بداهة. ولا يستطيع المشترى بتسجيل عقد مشتراه أن يخلق لنفسه علاقة بهؤلاء الآخرين
يمنعهم بها من التصرف فى ملكهم الباقى لهم تصرفا إنشائيا أو بطريق الإجازة ولا أن يجبرهم
كلما تصرفوا أو كلما أجازوا عمل فضولى أن يسجلوا تصرفهم أو إجازتهم حتى يكون أيهما
حجة عليه.
3 – إن المادة 610 من القانون المدنى وما بعدها من المواد مسوقة بحسب المادة 609 لبيان
الوسيلة التى يمكن بها الاحتجاج بالتصرف العقارى فى وجه الغير الذى يكون له حق على
ذات العقار آيل إليه من المالك الحقيقى الأصلى الصادر منه مباشرة أو بالواسطة ذلك التصرف
المراد الاحتجاج به.
والمادة 610 فيها زيادة فى مدلول عباراتها عن المعنى المراد منها فى الموطن الذى وضعت
فيه. إذ عبارتها توهم أن أيلولة عقار للوارث كان فى حيازة مورّثه تجعل لهذا الوارث
ملكية للعقار يحتج بها على مالكه الحقيقى، وهذا غير صحيح قطعا. وتوهم أيضا أن أيلولة
عقار للوارث كان يملكه مورّثه بعقد غير صالح للاحتجاج به على الغير تجعل لهذا الوارث
ملكية فى هذا العقار صالحة لأن يحتج بها على هذا الغير، وهذا أيضا غير صحيح قطعا. والصحيح
المراد بهذه المادة، كما يدل عليه موطنها، أنها إنما وضعت لغرض واحد هو إمكان احتجاج
الوارث الحقيقى بمجرّد ثبوت وراثته على التصرفات العقارية الصادرة من الوارث الظاهر
أو من أحد الورثة ولو كانت مسجلة وإمكان احتجاج الوارث على تصرفات مورّثه الصادرة فى
مرض موته مثلا ولو كانت مسجلة. وإذن فمن الممكن القول بأن حقوق الوارث فى عقارات مورّثه
سواء قبل القسمة أو بعدها هى حقوق آيلة بطريق الإرث، فهى حجة على الغير الذى تصرف له
فيها وارث آخر تصرفا مسجلا حتى لو كانت تلك الحقوق مفرزة بقسمة وكان عقد القسمة غير
مسجل. كما أنه من الممكن القول بأن هذا المفهوم يخصص نص المادة 612 ويجعل عقود القسمة
الواجبة التسجيل بمقتضاها هى العقود الواردة على عقارات مشتركة غير آيلة من طريق الإرث.
على أن هذه النظرية مهما يكن عليها من الاعتراض وما يترتب عليها من الضرر بالغير السليم
النية الذى يشترى من وارث فان لها وجاهتها، وقد أخذت بها المحاكم الأهلية والمختلطة
وتركزت لديهما. وإذ كانت نتيجة اجتهاد فى تفسير نص قابل تفسيره لإنتاجها، فان محكمة
النقض لا يسعها سوى إقرارها ولكن فى مثل الخصوصية المحكوم فيها فقط. على أنه لا يصح
الأخذ بها إلا فيما كان من عقود قسمة التركات صادرا قبل سنة 1924، أما الصادر منها
بعد السنة المذكورة فتسرى عليه أحكام قانون التسجيل الجديد المفيدة إيجاب تسجيل عقود
القسمة العقارية مطلقا حتى تكون حجة على الغير.
الوقائع
تتحصل الوقائع فى أن طه بك أمين العارف المطعون ضدّه الأوّل رفع
فى 17 و22 سبتمبر سنة 1928 لدى محكمة أسيوط الابتدائية الأهلية على نصر الله أفندى
بباوى وبباوى أفندى جرجس وطاهر أفندى يس العارف هذه الدعوى التى انتهت أخيرا بالحكم
المطعون فيه طلب بها تثبيت ملكيته فى 8 قراريط وسهمين بحوض الساحل الوسطانى بسوهاج
اشتراها من مالكها طاهر أفندى يس العارف بعقد عرفى محرّر فى 6 أغسطس سنة 1928 ومسجل
فى 19 أغسطس سنة 1928، وإلغاء ما توقع عليها من التسجيلات الصادرة لمصلحة نصر الله
أفندى بباوى وبباوى أفندى جرجس اللذين صدر لهما عقدان محرّران فى 2 أغسطس سنة 1928
ومسجلان فى 5 أغسطس سنة 1928 من إبراهيم أفندى يس العارف وعبد المجيد أفندى يس العارف
أخوى طاهر أفندى المذكور ببيع 3 قراريط وسهمين من المقدار المذكور لأوّلهما بباوى أفندى
جرجس و3 قراريط لثانيهما نصر الله أفندى بباوى. وفى أثناء سير هذه الدعوى أدخل نصر
الله أفندى كلا من إبراهيم أفندى وعبد المجيد أفندى المذكورين وأخيهما هاشم أفندى يس
العارف ضمانا طالبا إلزامهم بثمن المبيع فى صورة ما إذا قضى بالعين لطه بك أمين العارف
المدّعى. ومحكمة أسيوط الابتدائية التى قيدت هذه الدعوى بجدولها برقم 571 كلى سنة 1928
حكمت فيها بتاريخ 12 فبراير سنة 1933 بتثبيت ملكية المدّعى لـ 8 قراريط وسهمين المذكورة
وبالغاء التسجيلات المتوقعة عليها لمصلحة ورثة بباوى أفندى جرجس (الذى توفى أثناء نظر
الدعوى) ولمصلحة نصر الله أفندى بباوى ثم بالزام إبراهيم أفندى يس العارف وعبد المجيد
أفندى يس العارف بدفع مبلغ 249 جنيها و200 مليم لنصر الله أفندى بباوى ورفضت دعواه
قبل هاشم أفندى يس العارف. فاستأنف نصر الله أفندى هو وورثة بباوى أفندى جرجس هذا الحكم
طالبين إلغاءه فيما يتعلق بدعوى طه بك أمين العارف وبرفضها، كما طلب نصر الله أفندى
فيما يختص بدعوى الضمان التى رفعها أن تستبقى محكمة الاستئناف فيها هاشم أفندى يس العارف
وأن تحكم عليه وعلى أخويه إبراهيم وعبد المجيد متضامنين بمبلغ 2100 جنيه قيمة ما طلب
الحكم به عليهم لدى المحكمة الابتدائية. ومحكمة استئناف أسيوط التى قيدت هذه الدعوى
بجدولها برقم 16 سنة 9 قضائية قضت فيها بتاريخ 9 يونيه سنة 1934 برفض الاستئناف وبتأييد
الحكم المستأنف وإلزام المستأنفين بالمصاريف.
وقد أعلن هذا الحكم إلى الطاعن فى 24 أكتوبر سنة 1934 فطعن فيه بطريق النقض بتاريخ
24 نوفمبر سنة 1934 بتقرير أعلن إلى المطعون ضدّهم فى 1 و2 ديسمبر سنة 1934، وقدّم
الطاعن والمطعون ضدّه الأول (طه بك أمين العارف) المذكرات الكتابية فى الميعاد القانونى
ولم يقدّم باقى المطعون ضدّهم شيئا، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 12 مارس سنة 1935.
وبجلسة يوم الخميس الموافق 2 من شهر مايو سنة 1935 المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى
على الوجه المبين بمحضر الجلسة وتأجل النطق بالحكم لجلسة 16 منه ومنها لجلسة اليوم
لعدم إتمام المداولة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن قائم على وجهين يتحصل كل منهما فيما يلى:
الوجه الأوّل: مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون وذلك:
أن طه بك أمين العارف المطعون ضدّه الأوّل يتمسك بعقد بيع مسجل صادر له من طاهر
أفندى يس العارف المقول بأنه امتلك ما منه القدر المبيع بموجب إقرار 15 سبتمبر سنة
1922 الصادر له من أخويه إبراهيم أفندى وعبد المجيد أفندى. فأساس ملكية طه بك العارف
ينتهى إلى هذين الأخوين. وهذان الأخوان هما نفسهما اللذان باعا للطاعن، فالأوّلوية
تكون للطاعن الذى سجل عقده أوّلا دون طه بك العارف الذى لم يسجل عقده إلا من بعد. فقضاء
محكمة استئناف أسيوط الذى أتى بغير ذلك فيه مخالفة لأحكام المواد 611 و612 و615 من
القانون المدنى – تلك المواد القديمة التى هى المنطبقة على صورة الدعوى.
أن قانون التسجيل الجديد الصادر فى يونيه سنة 1923 إذا كان جعل التسجيل شرطا لنقل
الملكية حتى بين المتعاقدين أنفسهم واستثنت المادة 14 منه ما كان من العقود ثابت التاريخ
قبل وجوب العمل به فهذا الاستثناء راجع إلى مسألة نقل الملكية بالنسبة للعاقد نفسه.
أما نقلها بالنسبة للغير فقد نصت المادة 14 نفسها على أن الذى يتبع فى ذلك هى قواعد
القانون المدنى القديم. ومقتضى هذا أن العقد السابق أو اللاحق لسنة 1924 لا يكون حجة
على الغير إلا بالتسجيل سواء أكان ثابت التاريخ قبل سنة 1924 أو غير ثابته. وإذن فالحكم
المطعون فيه الذى اعتبر أن ورقة 15 سبتمبر سنة 1922 حجة على الغير وإن لم تسجل قد خالف
المواد 1 و2 و3 و14 من قانون التسجيل الجديد. ويضيف الطاعن فى مذكرته بيانا لهذا الطعن
أن محكمة الاستئناف أخطأت فيما قرّرته من أن عقود قسمة العقارات الموروثة لم تكن بحاجة
للتسجيل قبل صدور قانون التسجيل الجديد.
أن الحكم المطعون فيه أدخل فى وسائل إثبات التاريخ وسيلة ليست واردة بالقانون وبذلك
يكون خالف أيضا المادة 229 مدنى.
أن إقرار 15 سبتمبر سنة 1922 الذى هو أساس ملكية طه بك أمين العارف هو فى حقيقته
ورقة قسمة ولكنها غير موقع عليها من اثنين من الشركاء وهما هاشم وتوفيق بل إن أحدهما
وهو توفيق كان قاصرا عند تحريرها، ومتى كان الأمر كذلك فالقسمة لا تكون إلا بحسب المأمور
به فى المادتين 452 و456 مدنى. وإذن فيكون الحكم خالف هاتين المادتين.
الوجه الثانى: إغفال الحكم الرد على دفاع جوهرى وذلك بأن الطاعن تمسك بأن عقد طه بك
أمين العارف إنما صدر بطريق التواطؤ بينه وبين طاهر أفندى وباقى إخوته المطعون ضدّهم
لعرقلة تنفيذ عقد الطاعن الصادر له من اثنيهم إبراهيم وعبد المجيد، ولكن الحكم لم يرد
على هذا الدفاع.
وحيث إن الشطر الثالث من الوجه الأوّل فى غير محله فان وسائل إثبات التاريخ الواردة
بالمادة 229 مدنى ليست واردة بها على وجه الحصر. ويكفى أن تكون ورقة ذلك الإقرار تقدّمت
لمحكمة سوهاج فى القضية المقيدة بجدولها برقم 471 سنة 1923 وتناولتها المرافعة بجلسة
22 سبتمبر سنة 1923 التى نظرت بها تلك القضية – يكفى هذا حتى يعتبر تاريخها ثابتا من
يوم تلك الجلسة كما قالته محكمة الاستئناف بحق.
وحيث إن الشطر الرابع من الوجه المذكور غير صحيح على إطلاقه، إذ هاشم وتوفيق، بعد بلوغ
رشد، قد صادقا على إقرار 15 سبتمبر سنة 1922 كما أثبتته محكمة الاستئناف؛ وعلى فرض
أنهما لم يصادقا فان الطعن غير منتج إذ البائعان للطاعن هما إبراهيم وعبد المجيد، فان
كان هاشم وتوفيق لم يوقعا على الإقرار المذكور فلا شأن للطاعن بهذا لأن حقه مقيس فقط
بحق إبراهيم وعبد المجيد البائعين له. وأما ما يقوله الطاعن فى مذكرته من أن إجازة
هاشم وتوفيق كان يجب أن تكون مسجلة وأن يكون تسجيلها من قبل تسجيل عقده ليمكن الاحتجاج
بها عليه – ما يقوله من هذا ليس فى القانون ما يوجبه، لأن الملك ما دام قد كان للأخوة
الخمسة ولم يبع له منهم إلا إثنان فحصه الثلاثة الآخرين باقية لهم ولا يستطيع بتسجيل
عقد مشتراه من اثنين أن يخلق لنفسه علاقة بالثلاثة الآخرين يمنعهم بها من التصرف فى
ملكهم الباقى لهم تصرفا إنشائيا أو بطريق الإجازة ولا أن يجبرهم كلما تصرفوا أو كلما
أجازوا عمل فضولى أن يسجلوا تصرفهم أو إجازتهم حتى يكون أيهما حجة عليه. ولذلك يكون
ما أشار إليه الطاعن من هذا فى غير محله، وهذا على فرض أن صورة النزاع الحالى تتحمل
مثل هذا المطعن.
وحيث إن محكمة الاستئناف تناولت ما ادعاه الطاعن من التواطؤ على تحرير ورقة 15 سبتمبر
سنة 1922 إضرارا به، وبينت أنه ما دام هذا الإقرار ثابتا وجوده من سنة 1923 والطاعن
لم يشتر من إبراهيم وعبد المجيد إلا فى سنة 1928 فهذا الادعاء لا جدّ فيه. وهذا الذى
قالته محكمة الاستئناف يجعل الوجه الثانى غير صحيح.
وحيث إنه لإمكان النظر فى الشطرين الأول والثانى من الوجه الأوّل تنبغى ملاحظة ما هو
الواقع الثابت فى هذه الدعوى ثم ما ارتأته محكمة الاستئناف من تكييفها لهذا الواقع
وتطبيقها حكم القانون عليه.
وحيث إن الواقع الثابت فى الدعوى أن المرحوم يس بك العارف توفى عن أولاده المطعون ضدهم
من جهة وعن سيدات شقيقات له من جهة أخرى، ففريقا الورثة هذان اقتسما الأطيان المخلفة
عنه بموجب عقد قسمة محرر فى 19 أغسطس سنة 1918 ومسجل فى 19 مايو سنة 1919، وهذا العقد
الذى وقعه ولده إبراهيم عن نفسه وبوصايته على باقى إخوته قد اختص بمقتضاه كل فريق بجزء
من الأطيان، ومما اختص به فريق الأولاد 12 قيراطا و8 أسهم بحوض الساحل الوسطانى نمرة
6 بسوهاج بقيت شائعة بينهم هم الخمسة، وأنه فى 15 سبتمبر سنة 1922 حرر إبراهيم وعبد
المجيد ورقة لأخيهما طاهر بأنهما خصصا له هذا المقدار ليستقل بملكيته وحده، وأن المتفق
عليه بين خصم الدعوى الحالية أن هذا الإقرار هو عقد قسمة، وأن تاريخه قد ثبت فى سنة
1923 على الصفة الموضحة سابقا فى هذا الحكم، وأنه حدث بعد ذلك أن باع إبراهيم وعبد
المجيد من هذا المقدار 6 قراريط وسهمين لبباوى جرجس ونصر الله بباوى مفرزة محدّدة،
منها 3 قراريط وسهمان محدّدة للأول و3 قراريط محدّدة للثانى بموجب عقدين محرّرين فى
2 أغسطس سنة 1928 ومسجلين تسجيلا كليا فى 5 أغسطس سنة 1928، كما حدث أن طه بك أمين
العارف اشترى تلك الصفقة نفسها وهى 6 قراريط وسهمان من طاهر أفندى يس العارف بعقد عرفى
محرر فى 6 أغسطس سنة 1928 ومسجل تسجيلا كليا فى 19 أغسطس سنة 1928 مؤسس على أيلولة
هذا المقدار لطاهر أفندى بمقتضى إقرار 15 سبتمبر سنة 1922 السابق ذكره.
وحيث إن كل طرف من الطرفين أفرغ جهده ليظفر بجعل عقد مشتراه هو الأولى. أما نصر الله
وورثة بباوى فمن جهة أنهم هم المسجلون أوّلا وأن خصمهم لم يسجل من قبلهم لا عقد مشتراه
ولا إقرار 15 سبتمبر سنة 1922 المبنى عليه هذا العقد. وأما طه العارف فمن جهة أن البائع
له هو المالك وأما البائعان لخصومه فلم يكن لهم ملك عند البيع.
وحيث إن القاعدة التى اتبعتها محكمة الاستئناف للفصل فى هذه الخصومة بعد أن صرحت بأن
إقرار 15 سبتمبر سنة 1922 قد ثبت تاريخه من سنة 1923 وأنه غير صادر من عبد المجيد وإبراهيم
فقط بل مصدّق عليه من هاشم وتوفيق – تلك القاعدة هى ما قالته من أن عقود القسمة العقارية
فى الأعيان المملوكة بطريق الميراث لم تكن بحاجة إلى تسجيل قبل صدور قانون التسجيل
الجديد رقم 18 لسنة 1923 كيما يحتج بها على الغير. وبناء على القاعدة المذكورة قالت
إن عقد 15 سبتمبر سنة 1922 هو بذاته ومن غير أن يكون مسجلا حجة على نصر الله بباوى
وبباوى جرجس مهما يكن عقد كل منهما مسجلا لأنهما اشتريا من غير مالك، أما طه العارف
فلأنه اشترى من المالك فعقده هو الصحيح النافذ.
وحيث إن القاعدة التى أخذت بها محكمة الاستئناف قد بناها بعضهم أحيانا على نصوص القانون
الفرنسى وأقوال الفقهاء الفرنسيين مع التباين الكلى بين تلك النصوص ونصوص قوانيننا
المصرية. ذلك بأن الفقرة الثانية من المادة 612 من القانون المدنى الأهلى ومثلها المادة
739 من القانون المختلط كانتا تنصان على وجوب تسجيل "الأحكام الصادرة بالبيع الحاصل
بالمزاد والعقود المشتملة على قسمة عين العقار" وذلك كيما يحتج بها على الغير. أما
النصوص الفرنسية الخاصة بالتسجيل وبالاحتجاج به على الغير فهى التى يتضمنها قانون 23
مارس سنة 1855. وهذا القانون ليس فيه أى نص موجب لتسجيل عقود قسمة العقار مطلقا سواء
أكان العقار موروثا أم كان مملوكا على الشيوع بسبب آخر غير الإرث، بل على العكس من
هذا ورد فى مادته الأولى المبينة لما يجب تسجيله ما يأتى مترجما: "رابعا جميع أحكام
مرسى المزاد ما عدا ما صدر منها لمصلحة وريث (Cohéritier) أو شريك قسيم (Copartageant)
فى حالة بيع العقار لعدم إمكان قسمته بلا ضرر". فمبدأ القانون الفرنسى المنتزع من ذات
نصوصه هو إمكان الاحتجاج بعقود القسمة على الغير وإن لم تسجل مهما يكن موضوع القسمة
أى سواء أكان العقار المشترك المقسوم موروثا أم كان غير موروث. وما دامت تلك النصوص
تخالف نصوص قوانيننا فالرجوع إليها غير جائز مطلقا.
وحيث إن المهم حقيقة مما يرجع إليه الآخذون بتلك القاعدة إنما هو المبدأ الذى نصت عليه
المادة 457 مدنى أهلى من أن القسمة تعتبر مظهرة لحق القسيم لا منشئة له، ثم المبدأ
المقرر بالمادة 610 (الموافقة للمادة 736 مدنى مختلط) المصرحة بأن ملكية العقار والحقوق
المتفرعة عنها إذا كانت آيلة بالإرث تثبت فى حق كل إنسان بثبوت الوراثة – يرجعون إلى
هذين المبدأين ويقولون إنه ما دام الوارث إذا قسم وخصه نصيب فى القسمة فهذا النصيب
المفرز معتبر بقوّة القانون أنه هو ملكه الذى لم يملك غيره من يوم وفاة مورّثه وأيلولة
الميراث إليه، وما دام هذا النصيب مملوكا بسبب الوراثة وكل مملوك بسبب الوراثة فالملكية
فيه حجة على كل إنسان. فالنتيجة أن ملكية الوارث لهذا النصيب الذى آل له بالقسمة هى
ملكية يحتج بها على كل إنسان ولو لم يسجل عقد القسمة.
وحيث إن المادة 610 وما بعدها مسوقة بحسب المادة 609 لبيان الوسيلة التى يمكن بها الاحتجاج
بالتصرف العقارى فى وجه الغير الذى يكون له حق على ذات العقار آيل إليه من المالك الحقيقى
الأصلى الصادر منه مباشرة أو بالواسطة ذلك التصرف المراد الاحتجاج به.
وحيث إنه متى لوحظ ذلك علم أن المادة 610 فيها زيادة فى مدلول عباراتها عن المعنى المراد
منها فى الموطن الذى وضعت فيه. إذ عبارتها توهم أن أيلولة عقار للوارث كان فى حيازة
مورّثه تجعل لهذا الوارث ملكية للعقار يحتج بها حتى على مالكه الحقيقى، وهذا غير صحيح
قطعا؛ وتوهم أيضا أن أيلولة عقار للوارث كان يملكه مورّثه بعقد غير صالح للاحتجاج به
على الغير تجعل لهذا الوارث ملكية فى هذا العقار صالحة لأن يحتج بها على هذا الغير،
وهذا أيضا غير صحيح قطعا. والصحيح المراد بهذه المادة، كما يدل عليه موطنها، أنها إنما
وضعت لغرض واحد هو إمكان احتجاج الوارث الحقيقى بمجرّد ثبوت وراثته على التصرفات العقارية
الصادرة من الوارث الظاهر أو من أحد الورثاء ولو كانت مسجلة، وإمكان احتجاج الوارث
على تصرفات مورّثه الصادرة فى مرض موته مثلا ولو كانت مسجلة.
وحيث إنه متى علم هذا أمكن القول بأن حقوق الوارث فى عقارات مورّثة سواء قبل القسمة
أو بعدها هى حقوق آيلة بطريق الإرث فهى حجة على الغير الذى تصرف له فيها وارث آخر تصرفا
مسجلا ولو كانت تلك الحقوق مفرزة بقسمة وكان عقد القسمة غير مسجل. كما أمكن القول بأن
هذا المفهوم يخصص نص المادة 612 ويجعل عقود القسمة الواجبة التسجيل بمقتضاها هى العقود
الواردة على عقارات مشتركة غير آيلة من طريق الإرث.
وحيث إنه مهما يكن على هذه النظرية من الاعتراض، ومهما يترتب عليها من الضرر بالغير
السليم النية الذى يشترى من الوارث فانها نظرية لها وجاهتها والمحاكم الأهلية سارت
عليها من زمن وتركزت لديها فى العمل، بل المحاكم المختلطة نفسها سارت عليها وتركزت
لديها فى العمل أيضا مع أن المادة 555 من قانونها المدنى لا تجعل القسمة مظهرة (déclaratif)
لحقوق القسماء بل تجعلها مخوّلة (attributif) لكل قسيم ملكية الجزء الشائع الذى كان
فى قسمه للقسماء الآخرين مقابل تخويل هؤلاء القسماء الآخرين ملكية ما كان لذلك القسيم
من الجزء الشائع فى قسم كل منهم.
وحيث إن تلك النظرية ما دامت هى نتيجة اجتهاد فى تفسير نص قابل تفسيره لإنتاجها فالأحرى
بمحكمة النقض الإقرار عليها فى مثل خصوصية الدعوى الحالية فقط، سيما وهى لن يعمل بها
إلا فيما كان من عقود قسمة التركات صادرا قبل سنة 1924، أما الصادر منها بعد السنة
المذكورة فتسرى عليه أحكام قانون التسجيل الجديد المفيدة إيجاب تسجيل عقود القسمة العقارية
مطلقا حتى تكون حجة على الغير.
وحيث إنه لذلك يكون الشطران الأوّل والثانى من الوجه الأوّل غير معتبرين ما دام الثابت
أن إقرار 15 سبتمبر سنة 1922 يتضمن قسمة لأطيان موروثة وهو ثابت التاريخ من سنة 1923،
وما دام هو بهذه المثابة حجة لطاهر أفندى يس العارف يحتج بها على كل وريث وعلى كل من
تصرف إليه أى وريث فى شىء مما بهذا الإقرار ولو كان التصرف مسجلا، وما دام أنه يكون
بالتالى حجة لطه بك أمين العارف الذى تصرف إليه طاهر أفندى مهما يكن تسجيل تصرف الورثة
الآخرين للطاعن حاصلا قبل تسجيل طه بك المذكور.
