الطعن رقم 9 سنة 4 ق – جلسة 30 /05 /1935
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 808
جلسة 30 مايو سنة 1935
برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.
القضية رقم 9 سنة 4 القضائية
( أ ) مواريث. مواريث المصريين غير المسلمين. جريانها وفق أحكامها
الشريعة الإسلامية إلا إذا تراضوا على غير ذلك. (القانون الصادر فى 14 مايو سنة 1883
بترتيب مجلس طائفة الأقباط الأرثوذكس)
(ب) دليل. استعراض الحكم للدليل. نفيه باعتبارات مقبولة. لا نقض.
1 – إن القاعدة الأساسية فى مواريث المصريين غير المسلمين أنها تجرى وفق أحكام الشريعة
الإسلامية ما لم يتفق الورثة الذين تعترف الشريعة بوراثتهم ويتراضوا على غير ذلك. والقانون
الصادر فى 14 مايو سنة 1883 بترتيب مجالس طائفة الأقباط الأرثوذكس وبيان اختصاصاتها
لا يشذ عن تلك القاعدة، بل إن المادة 16 منه وهى التى أشارت لمسألة المواريث لم تنص
على أن الحكم فيها يكون حسب الشريعة المسيحية، بل كل ما فى الأمر أنها نصت على ما يفيد
اختصاص تلك المجالس بالحكم فى الوراثة متى قبل كل الورثة اختصاصها. أما أن يكون حكمها
فيها بحسب شريعة أخرى غير الشريعة الإسلامية، فان عبارة المادة لا يفهم منها هذا، بل
لا بدّ من أن يتفق كل الورثة على ذلك فيعمل باتفاقهم الذى هم أحرار فيه ما داموا يكونون
أهلا للتصرف فى حقوقهم.
2 – بحسب الحكم المطعون فيه أن يستعرض كل دليل اعتمد عليه الخصم فى إثبات قبول خصومه
توزيع الإرث على غير قاعدة الشريعة الإسلامية وأن ينفيه ويؤيد النفى باعتبارات يقبلها
القانون والمنطق معا، بحسبه ذلك ليكون حكما صحيحا لا غبار عليه.
الوقائع
تتحصل وقائع هذه الدعوى بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه فى أن
المرحوم إسكندر خياط والد الطاعنة توفى فى 15 أغسطس سنة 1913 عنها وعن زوجته الست زاهية
وعن أمّه الست وردة وأخويه المرحومين جورجى بك خياط وحبيب بك خياط وترك مما يورث عنه
شرعا 256 فدانا بجهات معلومة. وفى يوم 21 أغسطس سنة 1913 انتقل القس عبد المسيح وهو
من رجال مجلس أسيوط الملى وحرر محضرا باثبات وفاته ذكر فيه أنه توفى عن ورثته الخمسة
المذكورين. وفى اليوم التالى وهو يوم 22 أغسطس سنة 1913 أصدر مجلس ملى أسيوط إعلاما
أثبت فيه وفاته وانحصار إرثه فى زوجته الست زاهية وابنته الست إيدا (الطاعنة) فقط،
للأولى ربع التركة وللثانية ثلاثة الأرباع، وذلك بحسب قاعدة الشريعة المسيحية الخاصة
بالأقباط الأرثوذكس. وفى ذات الإعلام عين المجلس نخله أفندى مرقس وصيا على إيدا القاصر.
وكان إصدار المجلس لهذا الإعلام فى غيبة أم المتوفى وأخويه.
وبتاريخ 13 ديسمبر سنة 1915 عين المجلس المذكور جورجى بك خياط أحد الأخوين وصيا بدل
نخله مرقس. وعقب ذلك طلبت الست وردة أم المتوفى من مجلس ملى منفلوط إلغاء قرار مجلس
أسيوط الصادر فى 22 أغسطس سنة 1913 وتقسيم مهام التركة بحسب الشريعة الإسلامية لا بحسب
الشريعة المسيحية التى سار عليها القرار المذكور، كما أن جورجى بك خياط استقال من الوصاية
لإدخاله ضمن الورثة. فأصدر مجلس ملى منفلوط قرارا بتاريخ 15 مايو سنة 1916 جعل الورثة
فيه هم الخمسة السابقة الإشارة إليهم الذين لهم حق فى التركة بمقتضى الشريعة الإسلامية.
وقد اعتمد فيه على أن باقى الورثة لم يسبق قبولهم بأن يكون التوريث على قاعدة الشريعة
المسيحية، بل هم يرفضون تطبيقها. وفى ذات القرار عين المجلس المذكور لوزة غبريال وصيا
مؤقتا على إيدا القاصر.
أخذ الأخوان المرحومان جورجى بك خياط وحبيب بك خياط هما ووالدتهما الست وردة يعتبرون
أنفسهم شركاء فى التركة، ويتصرفون فى حقوقهم فيها وفى إدارتها على هذا الاعتبار إلى
أن توفيت الست وردة، فآل نصيبها وهو السدس إلى ولديها الأخوين المذكورين. واستمرّ الحال
إلى أن بلغت الست إيدا رشدها فى سنة 1925، وتزوّجت فى سنة 1927، وما زال الحال مستمرّ
إلى سنة 1930، وفيها قامت الست إيدا فرفعت على عمها جورجى بك خياط وعلى ورثة عمها حبيب
بك خياط (الذى توفى من قبل) لدى محكمة أسيوط الابتدائية الأهلية الدعوى الحالية التى
قيدت بجدولها تحت رقم 1129 كلى سنة 1930. وقد ذكرت أن جورجى بك وحبيب بك والست وردة
(التى آلت حقوقها لولديها هذين) قد أخذ ثلاثتهم بمقتضى قرار مجلس منفلوط الصادر فى
15 مايو سنة 1916 تسعة قراريط من التركة توازى 95 فدانا اختصوا بها لأنفسهم وحرموها
من ريعها مع أن القرار المذكور باطل وصادر بطريق التواطؤ، وقد كانت تجهله هى لصدوره
أثناء قصرها، وأنهم كانوا من قبل قد قبلوا قرار مجلس أسيوط الصادر فى 22 أغسطس سنة
1913 ذلك القرار الذى قسم التركة حسب الشريعة المسيحية، وأنها لذلك تطلب تثبيت ملكيتها
للمقدار المذكور وإلزام جورجى بك وورثة حبيب بك بتسليمه لها مع الحكم على الجميع بالتضامن
بالريع عن المدّة الماضية وقد قدّرته بمبلغ 20565 جنيها إلى آخر طلباتها.
نظرت محكمة أسيوط الابتدائية هذه الدعوى وحكمت فى 26 مايو سنة 1931 برفضها وبالزام
رافعتها بالمصاريف.
فاستأنفت الست إيدا هذا الحكم فى 29 يوليه سنة 1931 طالبة إلغاءه والقضاء بما طلبته
لدى المحكمة الابتدائية. وبعد أن نظرت محكمة استئناف أسيوط هذا الاستئناف الذى قيد
بجدولها برقم 166 سنة 6 قضائية فى مواجهة ورثة حبيب بك وورثة جورجى بك الذى توفى أثناء
قيام الاستئناف حكمت بتاريخ 20 يونيه سنة 1933 برفض الاستئناف وبتأييد الحكم الابتدائى.
وقد أعلن هذا الحكم إلى الطاعنة فى 13 ديسمبر سنة 1933 للمحافظة، فطعنت فيه بطريق النقض
فى 13 يناير سنة 1934 بتقرير أعلن إلى المطعون ضدّهم فى 21 و24 يناير سنة 1934، وقدّم
الطرفان مذكراتهما الكتابية فى الميعاد القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 24 مارس
سنة 1935.
وبجلسة 9 مايو سنة 1935 التى تحدّدت لنظر هذا الطعن أجلته المحكمة لجلسة اليوم وفيها
سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن الطعن فى هذه الدعوى يقوم على فكرة واحدة هى أن قرار مجلس ملى منفلوط الصادر
فى 15 مايو سنة 1916 هو قرار باطل لأنه أخذ فى التوريث بأحكام الشريعة الإسلامية مع
أنه مكلف بتطبيق أحكام الشريعة المسيحية، فاعتماد محكمة الاستئناف له دون الأخذ بقرار
مجلس ملى أسيوط هو اعتماد يبطل حكمها. كما أن محكمة الاستئناف قد أخطأت فى تفسير المستندات
التى استدلت بها الطاعنة على قبول باقى ورثة والدها اختصاص المجالس الملية وأن يكون
قضاؤها فى التوريث هو بحسب أحكام الشريعة المسيحية. ثم إن محكمة الاستئناف قصرت فى
الردّ على بعض النقط المهمة.
وحيث إن القاعدة الأساسية فى مواريث المصريين غير المسلمين أنها تجرى وفق أحكام الشريعة
الإسلامية ما لم يتفق الورثة الذين تعترف هذه الشريعة بوراثتهم ويتراضوا على غير ذلك.
والقانون الصادر فى 14 مايو سنة 1883 بترتيب مجالس طائفة الأقباط الأرثوذكس (الذين
منهم طرفا الخصومة) وبيان اختصاصاتها لا يشذ عن تلك القاعدة، بل إن المادة 16 منه وهى
التى أشارت لمسألة المواريث لم تنص على أن الحكم فيها يكون حسب الشريعة المسيحية، بل
كل ما فى الأمر أنها نصت على ما يفيد اختصاص تلك المجالس بالحكم فى الوراثة متى قبل
كل الورثة اختصاصها. أما أن يكون حكمها فيها بحسب شريعة أخرى غير الشريعة الإسلامية
فان عبارة المادة لا يفهم منها هذا، بل لا بد من أن يتفق كل الورثة على ذلك فيعمل باتفاقهم
الذى هم أحرار فيه ما داموا يكونون أهلا للتصرف فى حقوقهم.
وحيث إنه بصرف النظر عن قرارى 22 أغسطس سنة 1913 و15 مايو سنة 1916 الصادرين فى هذه
المادة والمشار إليهما فى الوقائع فان المسألة التى ينبنى عليها الحكم فى هذه الدعوى
هى: هل قبلت الست وردة هى وولداها جورجى بك وحبيب بك أن تستقل السيدتان زاهية وبنتها
إيدا (الطاعنة) بتركة المرحوم إسكندر خياط المورّث أم هم لم يقبلوا؟
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد استعرض كل دليل اعتمدت عليه الطاعنة فى إثبات قبول المطعون
ضدّهم أو مورّثيهم وردة وجورجى بك وحبيب بك، ونفاه نفيا قاطعا مؤيدا باعتبارات يقبلها
القانون والمنطق معا. وبحسب المحكمة ما أتت به من ذلك مما نتيجته أنه لا اتفاق على
الأخذ فى شأن هذه التركة بغير القاعدة الشرعية، وأن تطبيق هذه القاعدة هو المتعين –
بحسبها هذا حتى يكون حكمها الصادر برفض الدعوى الحالية المقصود بها تطبيق قاعدة أخرى
حكما صحيحا لا غبار عليه.
وحيث إن أشطر الطعن كلها مع تشعبها وتداخل بعضها فى بعض ووصف عمل محكمة الموضوع فى
بعضها بأنه مخالف للقانون وفى البعض بأن فيه خطأ فى تطبيق القانون وفى تأويله وفى البعض
الآخر بأنه مبطل للحكم إبطالا جوهريا – كل ذلك غير جدير بالاعتبار.
(أوّلا) لأن المطاعن الواردة تحت عنوان "مخالفة القانون" لا تتلاقى مع المسألة القانونية
الأساسية المشار إليها فيما تقدّم والتى عليها وحدها المدار فى الفصل فى الدعوى فهى
مطاعن غير منتجة. وذلك كقول الطاعنة إن الحكم خالف القانون "لأنه أخذ بقرار مجلس
منفلوط الصادر فى 15 مايو سنة 1916 مع أن هذا القرار باطل لكون المجلس الملى لا يجوز
له أن يطبق الشريعة الإسلامية وإنما هو مأمور بتطبيق الشريعة المسيحية فقط"، وكقولها
إنه خالف القانون أيضا "لأنه اعتمد ما ورد فى القرار المذكور من أن بيان الورثة
جاء فى إفادة من المطرانية، وبيان المطرانية فى إفادتها ليس حكما"، وكقولها إن
المحكمة اعتمدت على كشف بحساب المدّة الواقعة من نوفمبر سنة 1915 إلى ديسمبر سنة 1917
مصدّق عليه من المجلس الملى تحت مسئولية الوصى مع أن مثل هذا التصديق لا قيمة قانونية
له. وعدم إنتاج مثل هذه المطاعن واضح لانه ما دام لا نزاع بين الخصوم فى أن إسكندر
خياط توفى عن زوجة وبنت ووالدة وأخوين فلا يهم قطعا فى الفصل فى الدعوى أن يكون قرار
15 مايو سنة 1916 موجودا أو غير موجود باطلا للعلة التى تدّعيها الطاعنة أو غير باطل.
وكذلك الأمر فى المطعن الثانى. ثم هو كذلك فى المطعن الثالث لأن الطاعنة ما دامت مكلفة
قبل كل شىء باقامة الدليل على أن باقى الورثة عدلوا عن التمسك بالقاعدة الشرعية وقبلوا
تقسيم التركة بحسب الشريعة المسيحية وأن لا ينالوا منها شيئا، وما دامت هى لم تقدّم
ذلك الدليل فطعنها فى تقدير المحكمة لهذا الكشف ذلك الطعن المنصب على كونه كشفا معتمدا
أو غير معتمد هو طعن غير مفيد لها أية فائدة، وسواء على الحقيقة القانونية الواجب الأخذ
بها أن يكون هذا الكشف موجودا أو غير موجود.
(وثانيا) لأن باقى المطاعن وهى التى أتت بها الطاعنة تحت عنوانى "الخطأ فى تطبيق القانون
وتأويله" و"وقوع بطلان جوهرى فى الحكم" – هذا الباقى كله غير مفيد بل بعضه غير صحيح.
وذلك لأن كل ما تذكره الطاعنة فى هذا الصدد إنما هى مسائل موضوعية تناولتها المحكمة
واحدة واحدة وبينت حقيقتها الواقعية ثم قدّرتها التقدير القانونى الصحيح فى علاقتها
بالغرض الذى كان هو مناط البحث وجوهره وهو قبول باقى الورثة لحكم الشريعة المسيحية
وعدم قبولهم. وأهم ما أوردته الطاعنة من ذلك هو قولها: إن المحكمة أخطأت فى تفسير
عقدى قسمة محرّرين فى 14 مايو سنة 1922 قدّمتهما لتستفيد منهما أن جورجى بك وأخاه حبيب
بك مقرّان فيهما بأن الطاعنة وأمها الست زاهية هما وحدهما ورثة إسكندر خياط وإن
المحكمة لم تبحث أصلا فى دليل آخر قدّمته لها وهو أن الأستاذ حبيب دوس بك المحامى أعلن
لدى مجلس أسيوط الملى أن جميع أفراد عائلة خياط موافقون على اختصاص المجلس المذكور
وعلى أن يكون التقسيم بحسب الشريعة المسيحية. فأمّا تقدير المحكمة للدليل المستفاد
من عقدى القسمة المذكورين فانها أسهبت فى بيان عدم إمكان الاستدلال بالعبارة الواردة
بها. وهذه العبارة ليست كما تقول الطاعنة إقرارا مقصودا صادرا من جورجى بك وحبيب بك
بانحصار الإرث فى السيدتين إيدا وزاهية، بل إنما هى عبارة أتت فى ديباجة العقدين المحرّرين
بين أفرقاء كثيرين كبيان لورثة إسكندر بك خياط، وقد رأت المحكمة أن هذه العبارة وضعت
بغير تدقيق وأنها لا تفيد انحصار الإرث فى السيدتين المذكورتين، وقد أقامت على ذلك
الدليل المقنع. وقول المحكمة فى هذا الصدد متعلق بتعرّف حالة واقعية. وسلوكها فى هذا
التعرّف لا يرفضه العقل ولا شأن إذن لمحكمة النقض به. وأما عدم بحث المحكمة فيما ذكره
حبيب بك دوس المحامى للمجلس الملى فغير صحيح، إذ المحكمة تناولت هذه المسألة بصفة خاصة
وذكرت ما حاصله أن حبيب بك دوس إنما كان لدى ذلك المجلس وكيلا عن الست زاهية فقط، فما
يكون أعلنه للمجلس فمعتبر أنه صادر منها وهى لا تستفيد مما تعلنه هى أو وكيلها مما
يضر بحقوق الغير.
