الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 71 سنة 4 ق – جلسة 16 /05 /1935 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 753

جلسة 16 مايو سنة 1935

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك وعبد الفتاح السيد بك المستشارين.


القضية رقم 71 سنة 4 القضائية

وقف:
المسائل المتعلقة بعقد الوقف. الفصل فيها من اختصاص المحاكم الشرعية. التقارير التى تتضمنها كتب الوقف. النزاع بشأنها. من اختصاص المحاكم الشرعية. اختصاص المحاكم الأهلية فى مسائل الأوقاف. مداه. دعوى بطلان الوقف لحصوله فى مرض الموت. اختصاص المحكمة الشرعية بالفصل فيه.
(المواد 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية و16 و17 مدنى)
1 – إن أصل الوقف هو ذات عقد الوقف لا أكثر ولا أقل. فاذا كان النص العربى للمادة 16 من لائحة الترتيب هو: "ليس لهذه المحاكم أن تنظر فى المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف" فان هذا النص يساوى بالضبط "ليس لهذه المحاكم أن تنظر فى المسائل المتعلقة بعقد الوقف [(1)]".
2 – إن نص المادة 16 فى هذا الصدد عام لا تخصيص فيه ومطلق لا قيد عليه. وهو بعمومه وإطلاقه يقتضى حتما أن كل مسألة متعلقة بعقد الوقف من أية ناحية يكون هذا التعلق أى سواء أكان من ناحية صحته وبطلانه أم كان من ناحية أخرى فان المحاكم الأهلية ممنوعة من نظر النزاع فيها منعا باتا لا استثناء فيه. وتخصيص هذا العموم بدون نص صريح أو على الأقل بدون قرينة تفيده هو تحكم صرف تأباه الأوضاع اللغوية كما تأباه قواعد التفسير.
3 – إن القاعدة التى تستفاد من عموم نص هذه المادة وإطلاقه ومن النتفقه المعقول فى مدى معناه ومن الاستعانة على تحديد مدى هذا المعنى بعبارات فقهاء الشرع الإسلامى ونصوص القانون المدنى فى باب حق الانتفاع والنص الفرنسى للمادة 16 المذكور وبعبارات القانون المدنى أن أى نزاع يقوم بشأن أى تقرير من كافة التقارير التى تشتمل عليها كتب الوقف، أى سواء أكان التقرير هو من ذات أصل عقد الوقف أم كان من محتويات شرط من شروط عقد الوقف، فالمحاكم الأهلية ممنوعة منها باتا من نظره. ومنعها من النظر فى ذلك يقتضى منعها حتما من أن تفسر أية عبارة من عبارات كتب الوقف متى كانت غامضة وكان تفسيرها على وجه دون آخر يعطى حقا أو يهدر حقا، بل كل هذا من اختصاص المحاكم الشرعية وحدها. أما متى كان كتاب الوقف واضحا لا غموض فيه ولا نزاع فى شىء مما يحتويه فهو عقد رسمى ككل العقود الرسمية واجب على المحاكم الأهلية احترامه وتنفيذه باعطاء ما فيه من الحقوق لأربابها. فاستحقاق المستحق، متى كان واضحا من الكتاب ولا نزاع فيه بينه وبين الناظر لا من جهة أصله ولا من جهة مقداره، فالدعوى على الناظر دعوى حساب عادية تنظرها المحكمة كمثل غيرها من دعاوى الحساب. وكذلك دعوى إيجار أعيان الوقف أساسها عقد الإيجار الحاصل ممن يملكه وهو الناظر ولا شأن لها بنصوص كتاب الوقف وليست منازعة فيها. ودعوى الحكر وتقديره هى كمثل دعوى الإيجار مترتبة على عقد التحكير، وليس لها شأن بنصوص كتاب الوقف.
4 – دعوى الوارث بطلان وقف مورّثه لحصوله فى مرض الموت هى دعوى تثير نزاعا فى مسألة أهلية هذا الواقف للتبرع لوارثه أو عدم أهليته أو مسألة تعلق حق الوارث بالعين الموقوفة فلا يملكها الواقف ملكا خالصا حتى يسوغ له حبسها عن وارثه؛ وأية المسألتين متعلقة بصميم أصل الوقف من جهة صحته وبطلانه، فهى دعوى لو ثبتت لكانت نتيجتها هدم الوقف فعلا فالمحاكم الأهلية لا اختصاص لها بنظرها.


الوقائع

تتحصل وقائع هذه الدعوى – بحسب ما يؤخذ من الحكم المطعون فيه والمستندات المقدّمة لهذه المحكمة وكانت مقدّمة لمحكمة الاستئناف – فى أن المرحومة الست زكية كريمة عبد الملك لوقا وقفت فى حال حياتها بمقتضى إشهادين محرّرين على يد كاتب مأذون من محكمة دمنهور الشرعية فى 3 و21 ديسمبر سنة 1930 – 46 فدانا و17 قيراطا و18 سهما بزمام جملة نواح بمركز دمنهور ثم حصة قدرها ثلاثة أرباع منزل كائن بدمنهور. وأنشأت وقفها الوارد بالإشهادين على نفسها مدّة حياتها ومن بعدها على ابنتها الست بهجة أمين وصفى (المطعون ضدّها) ثم على ذرّيتها ومن بعدهم على بعض معاهد التربية والتعليم. وقد أثبت مأذون المحكمة الشرعية فى إشهادى الوقف أن الواقفة مريضة بجسمها. وفى 16 يناير سنة 1931 توفيت الواقفة فأختها الست أماليا (الطاعنة) التى تستحق النصف فى تركتها بالميراث الشرعى طعنت فى الوقف بحصوله فى مرض الموت ورفعت على الست بهجة بنت الواقفة دعوى لدى محكمة إسكندرية الابتدائية الشرعية طلبت فيها لهذا السبب الحكم ببطلان الوقفين فيما زاد على الثلث من كل تركتها وباستحقاقها لنصف ما الوقفان باطلان فيه ومنع معارضة الست بهجة لها فى ذلك. والمحكمة المذكورة بعد التحقيق حكمت (أوّلا) برفض دفعين فرعيين، كانا قدّما لها، من ضمنهما دفع بعدم اختصاص المحكمة الشرعية وبأن المختص هو المحكمة الأهلية (وثانيا) فى الموضوع بأن الوقفين المبينين بالدعوى وبكتابيهما قد صدرا من المتوفاة الست زكية فى مرض موتها الذى ماتت به وببطلانهما فيما زاد على الثلث من تركتها بالنسبة للست أماليا المدّعية فقط وباستحقاقها لنصيبها فى الجزء الباطل فيه الوقف كالمبين بالدعوى، وأمرت المدّعى عليها الست بهجة بعدم التعرّض لها فى ذلك. فاستأنفت الست بهجة هذا الحكم. ومحكمة مصر العليا الشرعية حكمت فى 8 مارس سنة 1932 بتأييده وبرفض الاستئناف.
بعد انتهاء الدعوى لدى المحكمة الشرعية على هذا الوجه – الذى تقرّر به أن للست أماليا الثلث شائعا فى جميع الموقوفات (وهو نصيبها الشرعى بحق النصف فى الثلثين اللذين أبطل منهما الوقف) – عادت الست بهجة فرفعت على الست أماليا دعوى لدى محكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية طلبت فيها تثبيت ملكية الوقف لثلث الموقوفات الذى قضى به من المحكمة الشرعية ويكف منازعتها لجهة الوقف فى ذلك. وهذه الدعوى قيدت بجدول تلك المحكمة برقم 200 سنة 1933. فدفعتها الست أماليا بعدم جواز نظرها لسبق الفصل فيها نهائيا من المحكمة الشرعية. ومحكمة إسكندرية الأهلية حكمت فى 24 مايو سنة 1933 بقبول هذا الدفع وبعدم جواز نظر الدعوى. فاستأنفت الست بهجة هذا الحكم. ومحكمة استئناف مصر التى قيد هذا الاستئناف بجدولها برقم 1054 سنة 50 قضائية حكمت بتاريخ 5 يونيه سنة 1934 حضوريا بالغاء الحكم المستأنف وبرفض الدفع بعدم جواز نظر الدعوى لسبق الفصل فيها ذلك الدفع المقدّم من الست أماليا المستأنف عليها وباعادة الدعوى لمحكمة أوّل درجة للفصل فيها وألزمت الست أماليا بالمصاريف.
أعلن هذا الحكم إلى الطاعنة فى 2 يوليه سنة 1934، فقرّرت بالطعن فيه بطريق النقض فى 25 منه بتقرير أعلن إلى المطعون ضدّها فى 29 منه، وقدّم الطرفان مذكراتهما فى الميعاد، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 4 مارس سنة 1935.
وبجلسة 18 أبريل سنة 1935 التى تحدّدت لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة ومنها تأجل النطق بالحكم لجلسة 2 مايو سنة 1935 ثم لجلسة اليوم.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدّم صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن مخالفة الحكم المطعون فيه للقانون. ووجوه المخالفة، على ما صاغتها به الطاعنة، تتحصل إجمالا فيما يلى:
(أوّلا) أن المحاكم الشرعية ليست من المحاكم الاستثنائية، بل هى من المحاكم العادية. والقاعدة أن الحكم الذى يصدر من محكمة عادية ويكون نهائيا فانه يحوز قوّة الشىء المحكوم فيه ويجب له الاحترام حتى ولو كانت المحكمة التى أصدرته غير مختصة.
(ثانيا) أن المحكمة الشرعية مختصة بدعوى بطلان وقف المريض مرض الموت سواء بمقتضى لائحة ترتيبها أو بمقتضى لائحة ترتيب المحاكم الأهلية، أما اختصاص المحاكم الأهلية بهذه الدعوى فهو الذى كان ولا زال محل نزاع.
(ثالثا) أن الحكم المطعون فيه إذ قضى بأن المحاكم الأهلية هى المختصة دون المحاكم الشرعية بنظر الدعوى فقد احتذى فى هذا مذهب الدوائر المجتمعة لمحكمة الاستئناف التى ذهبت فى حكمها الصادر فى 5 أبريل سنة 1928 إلى أن دعاوى بطلان وقف المريض مرض الموت هى من اختصاص المحاكم الأهلية بعلة أنها ليست متعلقة بصحة الوقف، وبالتالى ليست من أصله. ولكن حكم الدوائر المجتمعة هذا ليس مقيدا للمحاكم، فقد أصدرت محكمة الاستئناف من قبله حكما أثبتت فيه أن هذه الدعوى متعلقة بأصل الوقف وخارجة عن اختصاص المحاكم الأهلية. وهذا الحكم أدق من حكم الدوائر المجتمعة لأن الدوائر اعتمدت على المادة 24 من قانون العدل والإنصاف، وفاتها أن المادة 25 منه تجعل صحة الواقف من شرائط صحة الوقف.
(رابعا) أنه لا يؤخذ من حكم الدوائر المجتمعة أن المحاكم الأهلية هى وحدها المختصة بهذه الدعوى، بل قد يؤخذ من حكمها عدم حصر الاختصاص فى المحاكم الأهلية دون الشرعية. وإذا كان اختصاص جهتين قضائيتين بمسألة واحدة غير حسن إلا أن ذلك حاصل فى مصر.
(خامسا) أن المادة 85 من لائحة ترتيب المحاكم الواردة فى باب تنازع الاختصاص تمنع من رفع دعوى الاختصاص لدى المجلس بشأن حكم صار فى قوّة حكم نهائى. وفى ذلك ما يدل على أن الشارع يأمر باحترام الأحكام النهائية حتى ولو صدرت من سلطة غير مختصة.
(سادسا) أن المطعون ضدّها عند ما رفعت عليها الدعوى لدى المحكمة الشرعية أجابت على الدعوى ولم تدفع لديها بعدم الاختصاص إلا بعد أن سارت الدعوى شوطا طويلا، وبعد أن قررت المحكمة عجزها عن تقديم الدليل على حصول الوقف حال الصحة. وفى هذا ما يدل على موافقتها على اختصاص المحكمة الشرعية أو على الأقل على رضائها باتخاذ المحكمة الشرعية حكما فى هذه الخصومة فلا يجوز لها العدول من بعد والطعن فى اختصاصها.

هذا

وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن فند نظرية الحكم الابتدائى قد بنى جواز سماع الدعوى على سبب جوهرى واحد هو قوله: وحيث إن المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية أدخلت فى اختصاصها ضمن قضايا الوقف ما ليس من أصله فيتعين اعتبار أن ما دخل فى اختصاصها بهذه المادة قد خرج من اختصاص المحاكم الشرعية إلا ما استثنى من ذلك بنص صريح ورد فى اللائحتين الشرعيتين الصادرتين فى سنة 1897 وسنة 1931 على سبيل الحصر وهو الإذن بمخاصمة الناظر وطلب الاستدانة على الوقف وطلبات الاستبدال وإقامة الناظر أو عزله ودعوى الوقف (أى أصلا لوقف) والاستحقاق فيه وإثبات النظر عليه. أما العبارة الواردة فى المادة 26 من لائحة سنة 1931 وهى (أو غير ذلك مما يتعلق بشئون الوقف) التى يستند إليها الحكم المستأنف فلا يمكن أن يكون المراد منها إلا ما يدخل فى أصل الوقف، إذ لو كان المراد بها جميع شئون الوقف لدخلت فى اختصاص المحاكم الشرعية دعاوى إيجار أعيان الوقف وتقدير الحكر ومحاسبة المستحقين للنظار وغير ذلك مما لا نزاع فى اختصاص المحاكم الأهلية به، ولما كان ثمت محل للنص على تلك الاستثناءات.
وبناء على هذا السبب القائم عليه الحكم أتت المحكمة فى آخر هذا الحكم فقالت إن الدفع بعدم جواز نظر الدعوى فى غير محله لأن الحكم الصادر من المحكمة الشرعية ليس له قوّة الشىء المحكوم فيه ما دام صادرا من جهة غير مختصة. ومراد المحكمة طبعا أن المحاكم الأهلية هى وحدها المختصة لأن الطعن فى الوقف الحاصل فى مرض الموت ليس طعنا فى ذات أصل الوقف ولا هو مما استثنته اللوائح وأدخلته فى اختصاص المحاكم الشرعية.
وحيث إنه غير صحيح أن الطعن ببطلان وقف المريض مرض الموت ليس طعنا فى ذات أصل الوقف كما هو مفهوم الحكم المطعون فيه، بل الصحيح أنه طعن فى صميم أصل الوقف. وغير صحيح أن المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية أدخلت فى اختصاص هذه المحاكم ما ليس من أصل الوقف كما يقول ذلك الحكم، بل الصحيح أنها منعت المحاكم الأهلية من النظر "فى المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف". وغير صحيح أن لوائح المحاكم الشرعية استثنت المسائل التى يشير إليها الحكم فأدخلتها فى اختصاص المحاكم الشرعية، بل الصحيح أن تلك المسائل كانت من قبل إنشاء المحاكم الأهلية من اختصاص المحاكم الشرعية وحدها وما زالت من اختصاصها وحدها وممنوعة منعا باتا على المحاكم الأهلية من عهد إنشائها. كما أن استشكال الحكم بدعاوى الإيجار وتقدير الحكر ومحاسبة المستحقين للنظار إنما هو ناشئ عن الخطأ فى فهم حدود ما هو ممنوع على المحاكم الأهلية من أمور الأوقاف بحسب المادة المذكورة.
وحيث إن الارتباك فى تفسير تلك المادة ليس وليد اليوم، بل إن المحاكم الأهلية بعد إنشائها بقليل قد وضعت لها تفسيرا خاطئا فاعتنقته القضاة وأخذوا يتناقلونه على ما فيه من خطأ، وكلما اعترضتهم فى العمل صعوبة تشخص لهم خطأ مذهبهم أصروا على خطئهم وأزالوها بتوجيه قانونى هو خاطئ أيضا لأن الدفاع عن الخطأ خطأ دائما. من أجل هذا يتعين على محكمة النقض معالجة تفسير تلك المادة لوضع حدّ لتلك الأخطاء المتوالية.
وحيث إن "أصل الوقف" هو ذات عقد الوقف لا أكثر ولا أقل. فاذا كان النص العربى للمادة 16 هو "ليس لهذه المحاكم أن تنظر فى المسائل المتعلقة بأصل الأوقاف" فان هذا النص يساوى بالضبط "ليس لهذه المحاكم أن تنظر فى المسائل المتعلقة بعقد الوقف".
وحيث إن عقد الوقف الذى هو "أصل الوقف" له ككل العقود أركان لا يتحقق إلا بها. وأركانه هى عاقد يصدر منه العقد، وعين هى محل العقد، وإيجاب من العاقد بصيغة يتشخص بها نوع العقد. ولكل من هذه الأركان شروط لا يصح إلا بتوافرها بحيث لو اختل شرط منها اختل الركن فبطل العقد.
وحيث إن المحاكم الأهلية إذ رأت أنها ممنوعة من نظر المسائل المتعلقة بأصل الوقف أى بعقد الوقف قد قام فى خلدها أن تلك المسائل الممنوعة عليها هى المتعلقة بهذا العقد من ناحية واحدة هى ناحية صحته وبطلانه دون غير. وهذا القصر الخاطئ هو منشأ الارتباك والتخليط الذى طال عهده لليوم.
وحيث إن نص المادة 16 فى هذا الصدد عام لا تخصيص فيه، ومطلق لا قيد عليه؛ وهو بعمومه وإطلاقه يقتضى حتما أن كل مسألة متعلقة بعقد الوقف، من أية ناحية يكون هذا التعلق أى سواء أكان من ناحية صحته وبطلانه أم كان من أية ناحية أخرى، فان المحاكم الأهلية ممنوعة من نظر النزاع فيها منعا باتا لا استثناء فيه. وتخصيص هذا العموم بدون نص صريح أو على الأقل بدون قرينة تفيده هو تحكم صرف تأباه الأوضاع اللغوية كما تأباه قواعد التفسير.
وحيث إن نواحى تعلق المسائل بأصل الوقف الذى هو عقد الوقف كثيرة، ولفهمها ينبغى هنا إيراد تعريف عقد الوقف بحسب ما وضعه فقهاء الشرع الإسلامى لبيان كيف تتعلق المسائل به. فالوقف هو "حبس العين على حكم ملك الله والتصدّق أبدا بالمنفعة". فالعين المحبوسة إذا اشترط الواقف جواز استبدالها بأخرى مما هو جائز له شرعا فان هذا الشرط يمس بذات محل العقد فيجعله عرضة لتغير ذاته، وكل ما يمس محل العقد فهو متعلق بالعقد ذاته الذى هو أصل الوقف أشدّ التعلق. وإذن فالنزاع الخاص بالاستبدال وإن لم يكن متعلقا بأصل الوقف من جهة صحته وبطلانه إلا أنه متعلق به من ناحية أخرى، فمسألته من المسائل الممنوعة على المحاكم الأهلية على خلاف مقتضى مذهبها. ثم إن التصدّق أبدا بالمنفعة يقتضى حتما أن الواقف بمجرّد إيجابه الوقف على نفسه وتسلبه من ملكه وجعله لله أن يدع الغلة بمجرّد تمام العقد لجهة البر التى جعلها لها، وأن لا ينفق شيئا منها إلا عليها. فاذا شرط لنفسه الانتفاع بالغلة إلى أن يموت، وأنها من بعده تكون لجهة البر، أو شرط أن تكون من بعده لأولاده وذرّيتهم أو لأشخاص أجانب وذرّيتهم زمنا محدودا أو إلى أن ينقرضوا، ثم تؤول بعد الزمن المحدود أو بعد انقراض هؤلاء أو أولئك إلى جهة البر فان تلك الشروط الجائزة شرعا والتى تقلب الوقف من خيرى محض كما هو مقتضى أصل عقده إلى ما يسمونه عادة وقفا أهليا هى شروط تفيد الأثر اللازم عن صيغة العقد الذى هو "أصل الوقف" من جهة أنها تؤجل استحقاق جهة البر للصدقة إلى زمن معين محدود أو إلى زمن غير معين ولا محدود. وتقييد أثر صيغة العقد مؤثر فى لازم من لوازم ماهية العقد فهو مرتبط بالعقد الذى هو أصل الوقف ومتعلق به أشدّ التعلق. وإذن فكل نزاع فى مثل هذه الشروط المنشئة لاستحقاق المستحقين فى الوقف قبل أيلولته لجهة البر هو نزاع فى مسألة إن لم تكن متعلقة بعقد الوقف الذى هو أصل الوقف من ناحية صحته وبطلانه، فانها متعلقة به من ناحية أخرى، وهى بهذا التعلق ممتنعة على المحاكم الأهلية على خلاف مذهبها. كذلك التسلب من تلك العين وجعلها على حكم ملك الله يقتضى تركها، وتركها يجعلها سائبة معرّضة للهلاك فتنعدم هى وغلتها التى تكون منها الصدقة المقصودة بالعقد. فكان لزاما على الشارع الإسلامى، وقد سمح بنظام يجعل هذه العين غير مملوكة لأحد إلى الأبد، أن يتبصر فيمن يحافظ عليها ويرعى شئونها ويبلغ غلتها المتصدّق بها لوجه الله إلى مستقرّها. وقد تبصر فعلا فجعلها تحت ولاية القاضى الشرعى المفروض فيه العلم بماهية الصدقات المعتبرة شرعا والاضطلاع ديانة بأمرها والاهتمام بايصالها لمستحقيها. ولكن الشارع مع ذلك جعل للواقف نفسه وهو صاحب المال الموقوف والأعلم عادة بمن هو أهل لحفظ هذا المال ورعايته أن يشترط النظر عليه لمن يشاء. وجعل ولاية هذا الواقف الخاصة مقدّمة على ولاية القاضى الشرعى العامّة. فاذا اشترط الواقف النظر لإنسان مّا فان هذا الشرط، وإن لم يكن متعلقا بعقد الوقف الذى هو أصل الوقف من حيث صحته وبطلانه، فانه متعلق به أشدّ التعلق من حيث المحافظة على العين الموقوفة التى هى ركن من أركان العقد وضمان استغلالها وإيصال الصدقة مستقرّها. وكل نزاع فى هذا الشرط فهو نزاع فى مسألة من المسائل المتعلقة بأصل الوقف ممتنع على المحاكم الأهلية على خلاف مذهبها. وهكذا أى شرط أو قيد أو تقرير يضعه الواقفون فى كتب وقفهم بعد أن يتم عقد الوقف الذى هو أصل الوقف، فان هذا الشرط أو القيد أو التقرير لو نظر بمثل هذا النظر الذى قدّمنا لوجد مرتبطا بأصل الوقف ومتعلقا به كل التعلق. وعلماء الشرع الإسلامى أنفسهم عند ما يتكلمون على ما يشترطه الواقفون بعد تمام العقد يقولون: "إذا اشترط الواقف فى أصل وقفه كذا" أو "إذا اشترط الواقف فى عقد الوقف أو فى الوقف أو فى الوقفية كذا". تجد هذا بكتاب قانون العدل والإنصاف للمرحوم قدرى باشا فى كثير من مواد الباب الثانى الخاص بالشروط التى يجوز للواقفين اشتراطها والتى لا يجوز. وكل هذه الشروط منحصرة فيما يسمى فى اصطلاح الموثقين بانشاء الوقف أى بيان الجهات أو الأشخاص الذين يكون لهم حق فى الغلة لزمن معين أو غير معين قبل أن تؤول لجهة البر الأخيرة التى حبسها الواقف عليها، ثم فيما يسمى فى اصطلاح الموثقين بالشروط العشرة وهى جواز أو عدم جواز استبدال الوقف وتنقيص استحقاق المستحقين أو زيادته أو المفاضلة فيه بينهم أو حرمانهم بالمرّة إلى آخر تلك الشروط العشرة، ثم فى غير ذلك من الشروط التى يرى كل واقف وضعها فى وقفه. فمع أن هذه الشروط خارجة عن ماهية عقد الوقف الذى هو أصل الوقف ولا شأن لها بصحته ولا ببطلانه، ولكن لما كانت مؤثرة فى ماهيته أو فى لازم هذه الماهية لمثل العلل التى ذكرت فى التحليل المتقدّم لم يجد الفقهاء إلا أن يعبروا فى صددها بالتعبير المذكور وهو "واشترط فى أصل الوقف كذا" وبما أن الوقفيات لا تحوى بعد عقد الوقف الذى هو أصل الوقف إلا الشروط المشترطة وهى تعم القسم المعروف بانشاء الوقف، كما تعم باقى ما بالوقفية، فكل تلك الشروط متعلقة بأصل الوقف ما دامت مشروطة فيه. والنتيجة من هذا أن كل نزاع فى أى تقرير من تقارير الواقف فى كتاب وقفه سواء أكان هذا التقرير من مكوّنات ماهية أصل الوقف ذاته، أم كان من مكوّنات شرط مّا من الشروط الخارجة عن ماهية أصل الوقف فهو نزاع فى مسألة متعلقة بأصل الوقف وممنوعة على المحاكم الأهلية.
وحيث إن مما يؤكد هذا النظر ويزيده جلاء أن واضعى القانون المدنى – وهم أولئك الفقهاء الأجانب الذين وضعوا لائحة ترتيب المحاكم الأهلية – لما وجدوا نظام الوقف من الأنظمة المستقرة بالديار المصرية وكان هذا النظام غير متمش مع المبادئ التى يفقهونها فأقصى جهدهم لتبريره حتى يكون من الأنظمة الواجبة الاحترام أنهم اعتبروه هبة أو وصية بملك العين رقبة ومنفعة لجهة البر. وإذ وجدوا أن الغالبية العظمى من الأوقاف هى الأوقاف الأهلية، وأن الغرض الأساسى منها ليس – بحسب نظرهم – سوى ترتيب حق انتفاع لبعض أشخاص أو لبعض جهات قبل أيلولة المنفعة لجهة البر، وأن ترتيب هذا الحق يشذ فى مداه عن قواعد ترتيب حق الانتفاع المعهودة عندهم وذلك من جهة أن حق الانتفاع لا يكون بين الأفراد إلا لأشخاص معلومين موجودين على قيد الحياة وقت ترتيب الحق وينتهى بوفاتهم إن لم يكن له مدّة مقرّرة فى العقد تنقضى قبل وفاتهم – إذ وجدوا ذلك وكانوا مضطرين لوضع نص فى القانون يجيز ترتيب حق الانتفاع على الوجه الذى يرتبه به نظام الوقف فهم – بقدر ما سمحت لهم به مبادئهم – وضعوا هذا النص فى باب حق الانتفاع إلى المادة 17 استثناء من حكم المادة 16 التى قبلها واستدراكا عليه بالصيغة الآتية: "إنما يجوز أن يوصى لمحل خيرى تابع لديوان الأوقاف بملك العين ولشخص أو أكثر ولورثته على التعاقب بحق الانتفاع وحينئذ لا يكون للمحل الخيرى حق الملك التام إلا بعد انقراض الموصى إليهم بحق الانتفاع". فبقطع النظر عن أن الوقف لا ملك فيه لأحد وأنه ليس وصية بملكية العين تامة أو ناقصة، فان أولئك الفقهاء قد جعلوا الوقف الأهلى هو ترتيب حق الانتفاع (Constitution d’usufruit) بطريق الوصية، والمنتفعون هم شخص أو أكثر وورثتهم على التعاقب. ولا شك أن التنصيص على هؤلاء الأشخاص وورثتهم على التعاقب هو ركن جوهرى من ترتيب حق الانتفاع لا يتصوّر العقل إمكان قيام هذا الترتيب (Constitution) بدونه، وبالتالى لا يتصوّر العقل فى الوقف الأهلى إمكان قيام الـ (Constitution du Wakf) بدونه. فاذا كان هؤلاء الفقهاء الأجانب ذكروا فى النص الفرنسى للمادة 16 من لائحة الترتيب أنهم منعوا المحاكم من النظر فى الـ (Contestations relatives à la constitution des Wakfs) فقد منعوها حتما من النظر فى أى نزاع يقوم على شىء من قسم الوقفيات الخاص بانشاء الوقف، وهو المبين لمن لهم الاستحقاق فى منفعة الوقف قبل أيلولتها لجهة البر الأخيرة، كما منعوها حتما من النظر فى كل نزاع يتعلق بقيمة هذا الاستحقاق وبجواز الحرمان منه لسبب موجب أو لغير سبب، وبجواز زيادته أو تنقيصه أو المفاضلة بين المستحقين فيه إلى غير ذلك من الشروط التى يضعها الواقفون فى هذا الصدد، فان كل ذلك منصب مباشرة على ذات ترتيب الحق (Constitution du droit d’usufruit) ومؤثر فى ماهية هذا الترتيب الذى اعتبره أولئك الفقهاء عقدا أصيلا حاصلا بطريق الوصية وقائما بذاته. وبما أن كافة وجوه النزاع المذكورة ليس أى منها نزاعا فى ذات أصل الوقف ومع ذلك فقد رأيت أنه نزاع فى ذات الـ (Constitution du Wakf). ومتى كان هذا لزم عنه يقينا أن مراد واضع القانون لا المسائل المتعلقة بأصل الوقف أى بعقد الوقف ذاته، بل المسائل المتعلقة بكل نظام الوقف وترتيبه، ويكون النص العربى للمادة 16 الذى ليس فى حقيقته سوى ترجمة للنص الفرنسى ليس مؤديا فكرة واضعى هذا النص الذين هم الواضعون للقانون المدنى.
وحيث إنه حتى يصرف النظر عن كل ذلك فان عقد الوقف – الذى هو أصل الوقف – من ناحية كونه عقدا هو كغيره من العقود مثل البيع والإجارة والشركة والعارية وغيرها. والشروط التى تشترط فى العقود لا تقصد لذاتها مجرّدة عن الاتصال بتلك العقود وإلا كانت عبثا غير مفهوم، بل هى جميعا متعلقة بأصل هذه العقود ومكيفة لأثرها. ولم يقل أحد ألتبة أن النزاع فى شرط من شروط عقد البيع مثلا هو نزاع فى أمر غير متعلق بعقد البيع ذاته الذى هو "أصل البيع". وهذه الفكرة على بساطتها وبداهتها تفيد أن كل نزاع فى أى شرط من شروط عقد الوقف فهو نزاع فى مسألة متعلقة بذات عقد الوقف الذى هو أصل الوقف.
وحيث إن الذى يزيل كل غيهبة أو تشكك فى هذا الموضوع – لو كان باقيا للشك موضع – هو أن الشارع المصرى، وهو واحد بالنسبة للمحاكم الأهلية وللمحاكم الشرعية، قد وضع فى لوائح المحاكم الشرعية نصوصا دلت دلالة يقينية على أن جميع الدعاوى المتعلقة بوجود أصل الوقف أو بما يشترط فى الأوقاف من الشروط، سواء أكانت هذه الشروط منصبة على ذات أصل الوقف كشرط الاستبدال مثلا أم كانت راجعة إلى ترتيب درجات المستحقين وتعاقبهم ومقادير استحقاقهم والحرمان منها والزيادة فيها أو النقص منها أم راجعة إلى الولاية عليه أم كانت غير ذلك مما يشترط فى عقود الأوقاف، كلها من اختصاص المحاكم الشرعية. فاذا كان شارع المحاكم الأهلية أقرّ المحاكم الشرعية على اختصاصها بكل ما بين دفتى إشهاد الوقف من التقارير والاشتراطات، ونص بما يفهم منه هذا بصفة قطعية، فليس من السائغ قطعا مخالفة إرادته والقول بأن المحاكم الأهلية غير ممنوعة إلا من بعض هذه الأمور لا اعتمادا فى هذا القول على نص صريح ولكن اعتمادا على تأويل لألفاظ لا تحتمل شيئا من هذا التأويل؛ خصوصا ومثل هذا التأويل مع فساده هو بذاته مفسد للأنظمة القضائية، إذ يجعل المسائل الواحدة بعينها من اختصاص المحاكم الشرعية والمحاكم الأهلية معا فيربك المتقاضين ويوقعهم فى الاضطراب مما هو عبث يجب تنزيه الشارع عن إرادته إياه.
وحيث إنه يبين من كل ما تقدّم أن المحاكم الأهلية ممنوعة منعا باتا من نظر أى نزاع يقوم بشأن أى تقرير من كافة التقارير التى تشتمل عليها كتب الوقف أى سواء أكان التقرير هو من ذات أصل عقد الوقف أم كان من محتويات شرط من شروط عقد الوقف. ومنعها من النظر فى ذلك يقتضى منعها حتما من أن تفسر أية عبارة من عبارات كتاب الوقف متى كانت غامضة وكان تفسيرها على وجه دون آخر يعطى حقا، أو يهدر حقا بل كل هذا من اختصاص المحاكم الشرعية وحدها.
وحيث إنه مع وضوح هذا لا يبقى محل لما أورده الحكم المطعون فيه من الاستشكال بدعاوى الإيجار وتقدير الحكر ومحاسبة النظار فان الممنوعة منه المحاكم هو التعرّض للنزاع الخاص بأى نص من النصوص الواردة فى كتاب الوقف من جهة صحته شرعا وعدم صحته أو من جهة تأويله أو تفسيره وتحديد معناه متى كان غامضا. وإلا فكتاب الوقف متى كان واضحا لا غموض فيه ولا نزاع فى شىء مما يحتويه فهو عقد رسمى ككل العقود الرسمية واجب على المحاكم الأهلية احترامه وتنفيذه باعطاء ما فيه من الحقوق لأربابها. فمتى كان استحقاق المستحق واضحا من الكتاب ولا نزاع فيه بينه وبين الناظر لا من جهة أصله ولا من جهة مقداره فالدعوى على الناظر دعوى حساب عادية تنظرها المحكمة كمثل غيرها من دعاوى الحساب. وكذلك دعوى إيجار أعيان الوقف أساسها عقد الإيجار الحاصل ممن يملكه وهو الناظر ولا شأن لها بنصوص كتاب الوقف وليست منازعة فيها. ودعوى الحكر وتقديره هى كمثل دعوى الإيجار مترتبة على عقد التحكير وليس لها شأن بنصوص كتاب الوقف.
وحيث إن الفصل فى الطعن الحالى مترتب على معرفة ما إذا كانت دعوى الوارث بطلان وقف مورّثه لحصوله منه فى مرض الموت هى من اختصاص المحاكم الأهلية أم لا.
وحيث إن من الواضح الجلى أن هذه الدعوى هى نزاع لا فى مطلق مسألة متعلقة بعقد الوقف فقط، بل هى نزاع فى ذات عقد الوقف وأصله وصيغته من الناحية المتعلقة بصحته أو بطلانه، إذ المقصود بها هو هدم الوقف لبطلانه. ولو ثبتت لكانت نتيجتها هدم الوقف فعلا، فلا شبهة إذن فى أنها خارجة عن اختصاص المحاكم الأهلية بحسب نص المادة 16 من لائحة الترتيب.
وحيث إن الرأى القائل باختصاص المحاكم الأهلية بنظر هذه الدعوى مبنى على التفسير الضيق للمادة 16 من لائحة الترتيب الذى لا يمنع المحاكم المذكورة إلا من المنازعات الحاصلة فى ذات عقد الوقف من جهة صحته وبطلانه مما أسلفنا أنه تفسير فى غير محله. ثم هو مع ذلك ينكر أيضا أن يكون النزاع فى هذه الدعوى متعلقا بشىء مما تقوم عليه صحة انعقاد الوقف، وينتهى إلى أن الدعوى ما دامت ليست متعلقة بذات عقد الوقف من جهة صحته أو بطلانه فهى غير ممنوعة على المحاكم الأهلية. وتوجيه هذا الرأى قائم على ما يأتى:
( أوّلا) أن المريض ما دام حرا بالغا عاقلا مالكا للعين الموقوفة، فكل ما قد يعترض به على صحة صدور الوقف منه هو أنه غير أهل للوقف بسبب مرضه، فمناط الاعتراض هو أهليته للتبرع وعدم أهليته. ولكن هذا الاعتراض لا يصح توجيهه لأن هذا الواقف كان عند ما وقف أهلا للتبرع، فوقفه من وقت عقده وقع صحيحا لازما نافذا، ويستمر صحيحا نافذا لو برئ من مرضه، أو لو توفى من مرضه ولكن لاعن وارث، أو لو توفى منه عن ورثة فأجازوا الوقف، وأنه بما أن هذه الصور ممكنة فالوقف لا شائبة فيه تبطله.
(ثانيا) أن الوارث الذى يطعن فى الوقف الصادر من مورّثه فى مرض موته هو غير (tiers) بالنسبة لمورّثه، وشأنه فى طعنه كالشأن فى الدائن الذى سنّ القانون لحمايته دعوى إبطال تصرفات مدينه من وقف أو بيع أو غير ذلك.
وحيث إنه يجب قبل كل شىء التنبيه إلى عدم صحة قياس دعوى الوارث ببطلان وقف مورّثه لصدوره فى مرض الموت، من جهة الاختصاص، على دعوى الدائن الذى يطلب إبطال وقف مدينه لصدوره إضرارا به، فان القانون المدنى لو لم ينص صراحة فى المادة 53 على تحريم تصرف المدين بالوقف إضرارا بدائنه، وعلى أن هذا الوقف يكون لاغيا لما استطاعت المحاكم الأهلية أن تتعرّض لنظر دعوى هذا الدائن. لأن علة إبطال الوقف فى هذه الصورة راجعة لأهلية الواقف إذ المدين الذى لا يملك لوفاء دينه غير العين التى وقفها يعتبره الشرع غير أهل للتبرع بها، وأهلية التبرع بالعين الموقوفة شرط لصحة الوقف فهى من أصله. وما دام كل نزاع متعلق بعقد الوقف فالقاعدة خروجه عن اختصاص المحاكم الأهلية فدعوى هذا الدائن إذن كانت تخرج من اختصاصها بحسب القاعدة المذكورة. ولكن القانون إذ نص على تحريم تصرف الدائن بالوقف إضرارا بدائنه، وإذ نص على هذا الوقف يكون لاغيا، وإذ كانت المحاكم الأهلية مختصة بتطبيق قوانينها فاختصاصها بدعوى هذا الدائن آت من جهة حقها فى تطبيق المادة 53 المذكورة. وهو اختصاص استثنائى وارد على خلاف قاعدة المادة 16 من لائحة الترتيب، والاستثنائى لا يصح القياس عليه.
وحيث إن ما يقال من أن المريض مرض الموت كان عند وقفه أهلا للتبرع وأن وقفه من وقت عقده وقع صحيحا لازما نافذا، وأنه يستمرّ صحيحا ولازما ونافذا لو برئ من مرضه أو لو توفى من مرضه ولكن لا عن وارث، أو لو توفى عن ورثة فأجازوا الوقف، وأن هذه الصور ما دامت ممكنة فالوقف لا شائبة فيه تبطله – ما يقال من ذلك فيه التفات نظر شديد عن حقيقة المسألة المطروحة للبحث ولا شىء منه بصالح للتحدّى به فيها. ذلك بأن الطعن ليس مرفوعا أثناء وجود الواقف المريض على قيد الحياة حتى يقال للطاعن إن الواقف يمكن أن يبرأ من مرضه أو يمكن أن يتوفى عن غير وارث بأن تموت أنت وغيرك من ورثته قبله أو يمكن أنك أنت وغيرك من ورثته تجيزون الوقف بعد وفاته، وإنه ما دام كل ذلك ممكنا فهذا الواقف المريض الذى قد تكون أنت وارثه من بعد هو أهل للتبرع ووقفه صحيح. إنما المسألة أن الطعن مرفوع من وارث يقول إن مورّثى وقف وهو مريض مرض الموت وقد مات فعلا بسبب مرضه الذى وقف فى أثنائه، وإن وقفه غير صحيح وإنى أطلب إبطاله فيما يخصنى من ميراثه. هذا هو وضع المسألة وهو وضع ليس فيه مريض يمكن أن يبرأ من مرضه أو يمكن أن يتوفى عن غير وارث أو يمكن أن يجيز ورثته الوقف، بل كل هذا تخيل مستحيل التصوّر. وإذن فالتدليل القائم عليه ذلك الرأى من جهة أهلية المريض مرض الموت للتبرع هو تدليل لا محل له من الاعتبار.
وحيث إن الوارث الذى يدعى بطلان وقف مورّثه لصدوره منه فى مرض الموت متى أثبت أن هذا التصرف وقع حقيقة فى مرض الموت فقد أثبت بداهة أن مورّثه قد تصرف فى فترة يجعله الشرع فيها غير ذى أهلية للتبرع إضرارا بورثته الذين تعلق حقهم بالمال المتبرع به، فأصبح لا يملكه ملكا خالصا حتى يسوغ له حبسه عنهم، وهذا من البداهة بحيث لا يحتمل شيئا من الجدل.
وحيث إنه وقد وضح أن دعوى الوارث بطلان وقف مورّثه لحصوله فى مرض الموت هى دعوى تثير نزاعا فى مسألة أهلية هذا الواقف للتبرع لوارثه وعدم أهليته، أو مسألة تعلق حق الوارث بالعين الموقوفة، فلا يملكها الواقف ملكا خالصا حتى يسوغ له حبسها عن وارثه، وأية المسألتين متعلقة بصميم أصل الوقف من جهة صحته وبطلانه، فالمحاكم الأهلية لا اختصاص لها أصلا بنظرها. والقول بغير ذلك لا سند له لا من القانون ولا من المنطق الصحيح.
وحيث إنه مع التقرير بعدم اختصاص المحاكم الأهلية أصلا بنظر طعن الوارث فى وقف مورّثه لحصوله فى مرض الموت يتعين نقض بالحكم المطعون فيه مع الحكم فى الموضوع لصلاحيته بتأييد الحكم المستأنف القاضى بعدم جواز نظر الدعوى الحالية لسبق الفصل فيها من الجهة المختصة.

حكم الدوائر المجتمعة [(2)]

بعد سماع آخر أقوال طرفى الخصوم والاطلاع على الأوراق والمداولة فى ذلك قانونا.
بما أن الاستئنافين سبق قبولهما شكلا.
وبما أن النزاع المطروح أمام هذه الهيئة هو ما إذا كان الفصل فى أمر وقف بأنه صدر فى مرض الموت من اختصاص المحاكم الأهلية أو ليس من اختصاصها.
وبما أن أوّل مرجع قانونى يرد إليه هذا البحث هو المادة 16 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية.
وبما أن نص هذه المادة قد منع تلك المحاكم من نظر المسائل المتعلقة بأصل الوقف ولم يذهب فى المنع بشأن الوقف إلى أبعد من تأويل الأحكام التى تصدر من الجهات المختصة. أما ورود عبارة "وغيرها مما يتعلق بالأحوال الشخصية" التى جاءت بعد كلمتى "الوصية والمواريث" فلا يمكن بأية حال تأويلها بأنها تشمل أمورا أخرى ترتبط بالوقف غير أصله وإلا كان فى ذلك تحميل الألفاظ معانى غير معانيها وكان فى هذا التحميل هدم لاتساق عبارة المادة وتشويش على انسجامها المنطقى.
وبما أنه متى وضح أن المحاكم الأهلية غير ممنوعة فى شأن الوقف إلا من النظر فى أصله وما تعلق بذلك وممنوعة من تأويل ما تصدره الجهة المختصة من الأحكام عن هذه الشئون أصبح النزاع محصورا فى تبيان ما إذا كان البحث فى أن الواقف كان مريضا مرض الموت حين وقف ماله هو بحث فى أصل الوقف أو أنه ليس كذلك.
وبما أن أصل الوقف على ما اصطلح عليه الفقهاء لا يجمع من المسائل التى تعتبر متعلقة به إلا ما تعلقت عليه صحته من شروط فى الصيغة أو فى الواقف أو فى الموقوف أو فى الجهة الموقوف عليها، وليس من بين هذه ما هو محل للكلام والتفصيل فى هذه الدعوى إلا ما تعلق بالواقف، فقد اشترط أن يكون ذا أهلية للتبرع أى حرا عاقلا بالغا، وأن يكون مالكا للعين الموقوفة؛ وأن لا يكون محجورا عليه قضاءً عن التصرف فى ماله لسفه أو لدين عليه (راجع المادة 24 من قانون العدل والإنصاف) ولم يأت فى هذا المعرض ذكر للمرض.
وبما أن أهل النظرية التى ترمى إلى اختصاص المحاكم الشرعية دون الأهلية بالنظر فى الخصومة المتعلقة بمرض الواقف مرض الموت لا يتعللون فى تأييد رأيهم إلا بأن هذا البحث يرتبط بأهلية الواقف.
وبما أنه مما يلفت النظر بادئ الرأى عند محاولة التمشى مع هذه النظرية أن المريض مرض الموت إذا ما وقف ماله ولم يكن له وارث يكون وقفه بعيدا عن كل مطعن من ناحية مرضه. أما إذا كان له وارث فان الطعن محتمل غير محقق وقد ينعدم بالإجازة من الوارث، كما أن الواقف إذا أبل من مرضه لما جاز له الرجوع عن وقفه. ولا شك أن فى هذه الظاهرة لأفصح بيان على أن الوقف فى ذاته صحيح، وأن الواقف أهل للتصرف بالتبرع وغيره، ولكن لأمر خارج عنه وعن ذاتية عقده رتب الشرع ثم القانون حكما لنفاذ الوقف أراد به صيانة حق الوارث لا بصفته وارثا يمثل مورّثه فى كل حقوقه وعهوده، بل بصفته أجنبيا (tiers) تعلقت له فى ذمة الواقف حقوق شأنه فى ذلك شأن الدائن الذى سنّ القانون لحمايته دعوى إبطال التصرفات من وقف أو بيع أو غير ذلك. وهذا التشابه فى الحالتين يضع النزاع تحت ضوء جلى ويجعل تصريفه من سبل القانون هينا، فان دعوى إبطال التصرفات لا نزاع فى صحة توجيهها على الواقف المدين من دائنيه فهل احتمال توجيهها فى أى وقت يلحق بأصل الوقف وقت تقريره أى عيب؟ وهل قيام الدين يمحو أهلية الواقف؟ إن ذلك لا يكون، وهو أيضا غير كائن فى حالة من يقف وله وارث، إذ فى الحالتين المطاعن غير مقطوع بها وقد لا تتحقق وإذا تحققت فهى لا تنصب إلا على نفاذ الوقف لا على أصله وانعقاده، وقد لا يمكن توجيهها إلا على بعض المال الموقوف، وليس هذا شأن العيب الذاتى الذى يلحق أصل الوقف.
وبما أن ما يؤخذ من ذلك جميعا أن البحث فى مرض الواقف مرض الموت وترتيب النتيجة القانونية على ما يصل إليه هذا البحث ليس من الشئون التى تتعلق بأهلية الواقف للإيقاف، وتبعا لذلك فانه بحث بعيد عن أصل الوقف والمسائل المتعلقة به، وليست المحاكم الأهلية إذن ممنوعة من النظر فيه، بل إنها مختصة بالقضاء فى ذلك على اعتبار أنه نزاع مدنى عادى.

من أجل هذه الأسباب

حكمت دوائر المحكمة مجتمعة حضوريا باختصاص المحاكم الأهلية بالفصل فيما إذا كان الوقف حصل فى مرض الموت.


[(1)] هذه القاعدة تخالف ما ذهبت إليه محكمة استئناف مصر بدوائرها المجتمعة فى حكمها الصادر بتاريخ 5 أبريل سنة 1928 الذى قضت فيه بأن أصل الوقف هو ما يتعلق بصحته من شروط فى الصيغة أو فى الواقف أو فى الموقوف أو فى الجهة الموقوف عليها وباختصاص المحاكم الأهلية بالفصل فيما إذا كان الوقف حصل فى مرض الموت أو لا. وهذا الحكم منشور هنا برمته. ولحضرة الأستاذ مصطفى مرعى المحامى تعليق على حكم محكمة النقض نشر بمجلة المحاماة بالعدد الرابع من السنة السابعة عشرة بصفحة 488 وما بعدها. فتنبه إليه.
[(2)] كانت الهيئة مؤلفة من حضرات: طلعت باشا، ودرويش باشا، ومتولى غنيم بك، وعلى سالم بك، ومحمد مصطفى بك، ومظهر بك، وشاكر أحمد بك، ولبيب عطية بك، ومحمد عبد الهادى الجندى بك، ومحمد فريد الشافعى بك، وزكى برزى بك، ومصطفى محمد بك، ومحمد فهمى حسين بك، ومحمود غالب بك، وأتربى أبو العز بك، ومحمود المرجوشى بك، وعبد الباقى القشيرى بك.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات