الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 84 سنة 4 ق – جلسة 25 /04 /1935 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد المدنية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الأول (عن المدة من 12 نوفمبر سنة 1931 لغاية 29 أكتوبر سنة 1936) – صـ 740

جلسة 25 أبريل سنة 1935

برياسة سعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: مراد وهبة بك ومحمد فهمى حسين بك وحامد فهمى بك ومحمد نور بك المستشارين.


القضية رقم 84 سنة 4 القضائية

نزع ملكية. تكليف الحكومة بايداع مقابل الأرض المنزوعة ملكيتها. متى يتولد حق المالك فى مطالبة الحكومة بالإيداع أو بالدفع له مباشرة؟ متى يسقط هذا الحق؟
(قانون نزع الملكية رقم 5 لسنة 1907)
1 – تسقط دعوى المطالبة بثمن الأرض المنزوعة ملكيتها للمنافع العامة بمضى خمس عشرة سنة هلالية.
2 – إن أحكام قانون نزع الملكية لا تجعل ثمن ما ينزع ملكيته وديعة لدى الحكومة على ذمة صاحبه، بل هى تكلف الحكومة بدفعه إلى صاحبه عند الاتفاق عليه أو بايداعه على ذمته عند الخلاف وحصول تقريره بواسطة خبير الدعوى حتى تستطيع الاستيلاء على العين المنزوعة ملكيتها. وهذا التكليف لا يرتب على الحكومة سوى التزام قانونى بالإيداع، والشأن فيه كالشأن فى كافة الالتزامات بحيث لو استولت على الأرض بغير أن تفى به فمن وقت استيلائها عليها يتولد حق المالك فى مطالبتها بالإيداع أو بالدفع له مباشرة. وحقله هذا ككل الحقوق التى تسقط بعدم المطالبة بها فى المدّة القانونية.


الوقائع

تتحصل وقائع هذه الدعوى فى أنه سنة 1886 صدر أمر عال بجعل شارع شبرا من المنافع العامة ويحدّد اتساعه وما يلزم نزع ملكيته من الأراضى التى يمرّ بها، وأن الطاعن امتلك أرضا بمنطقة هذا الشارع فى سنة 1890، ثم باعها بعقد رسمى فى 13 يناير سنة 1907 لشركة أجنبية هى شركة الأراضى المصرية. ولأنه ضاع بهذا الشارع مقدار من ملكه هذا، فقد احتفظ لنفسه بثمن هذا الضائع وبمطالبة الحكومة به، وتقرر بعقد البيع هذا الاحتفاظ بما ترجمته: بما أن مصلحة التنظيم قد أدخلت فى شارع شبرا شريطا من الأرض ملاصقا للأرض المبيعة الآن التى كانت مملوكة من قبل للخواجة إلياس ملوك فقد تقرر صراحة بين الطرفين أن ثمن الأرض المنزوعة ملكيتها وقدرها 250 مترا تقريبا يكون من حق الخواجه ملوك الذى يكون له وحده دون تدخل الشركة حق عمل الإجراءات اللازمة لقبضه.
لزم الطاعن الصمت ولم يطالب الحكومة بشىء إلى أن حدث أن الحكومة رأت توسيع هذا الشارع بجعل عرضه اثنين وعشرين مترا بعد أن كان عشرين مترا فقط بحسب أمر سنة 1886 فاستصدرت مرسوما فى سنة 1917 بهذا التوسيع واستولت فعلا وزارة الأشغال فى سنة 1927 على ما لزم من الأرض لهذا التوسيع الجديد ومن ضمن ما استولت عليه جزء ادعى الطاعن أنه مملوك له فى تلك الجهة وقام بطلب ثمن هذا الجزء الأخير ورفع به على الحكومة دعوى خاصة لا شأن لها بالدعوى الحالية. وقد فكر عند هذا فى ذلك الحق القديم الذى احتفظ به فى عقد البيع الصادر منه فى يناير سنة 1907 لشركة الأراضى فرفع فى 24 أكتوبر سنة 1928 على الحكومة الدعوى الحالية المقيدة بجدول محكمة مصر الابتدائية الأهلية برقم 1674 سنة 1928 يطلب فيها الحكم عليها بمبلغ 1300 جنيه ثمنا لذلك المقدار القديم الذى قدّر أنه 260 مترا وقدّر ثمن المتر منه بخمسة جنيهات مصرية فحكمت محكمة مصر فى 14 فبراير سنة 1929 برفض دعواه. فاستأنف لدى محكمة استئناف مصر وقيد هذا الاستئناف بجدولها برقم 587 سنة 48 قضائية، وأصدر الاستئناف حكما أوّل طعن فيه الخواجة ملوك لدى محكمة النقض فنقض وأعيدت الدعوى للاستئناف فأصدرت فيها بتاريخ 27 مايو سنة 1934 حكما قاضيا برفض الاستئناف وتأييد الحكم المستأنف وإلزام المستأنف بالمصاريف وبمبلغ 600 قرش مقابل أتعاب المحاماة عن الدرجة الثانية – وقد أثبتت المحكمة فى حكمها هذا أن الأرض المطلوب ثمنها فى الدعوى قد أدخلت فعلا بشارع شبرا من قبل 13 يناير سنة 1907 الذى باع فيه الخواجه ملوك لشركة الأراضى، وأنه مضى من ذلك الحين إلى وقت رفع الدعوى فى سنة 1928 إحدى وعشرون سنة على الأقل. ولذلك قرّرت بسقوط حق ملوك هذا فى المطالبة ورفضت دعواه.
وقد أعلن هذا الحكم إلى الخواجة إلياس ملوك فى 17 يوليه سنة 1934، فطعن فيه بطريق النقض فى 16 أغسطس سنة 1934 بتقرير أعلن إلى وزارة الأشغال فى 22 منه، وقدّم طرفا الخصومة المذكرات الكتابية فى الميعاد القانونى، وقدّمت النيابة مذكرتها فى 21 فبراير سنة 1935.
وبجلسة اليوم المحدّدة لنظر هذا الطعن سمعت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة.


المحكمة

بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن رفع صحيحا فى الميعاد عن حكم قابل له فهو مقبول شكلا.
وحيث إن حاصل ما فى تقرير الطعن مع تداخل عباراته وتداورها هو:
(أوّلا) أن المحكمة أخطأت فيما قرّرته من أن الأرض المطلوب ثمنها قد أدخلت فعلا فى الشارع العام قبل يناير سنة 1907. وذلك لأن هذا الإدخال لا يكون بحسب قانون نزع الملكية إلا بقرار يصدر من وزير الأشغال، وهذا القرار لم تقدّمه الحكومة.
(ثانيا) أن المحكمة أخطأت فى تفسير قانون نزع الملكية (قانون رقم 5 سنة 1907) إذ اعتبرت أن نزع الملكية للمنفعة العامة معناه: الاستيلاء جبرا على الأرض من المالك بالثمن الذى يتفق معه عليه إن أمكن أو بالثمن الذى يحدّده القضاء فهو إذن شراء جبرى وفيه معنى الاغتصاب للمصلحة العامة. ويقول الطاعن إن المحكمة عقبت على ذلك بأن هذا الاغتصاب مضى عليه أكثر من خمس عشرة سنة لم تحصل فيها مطالبة الحكومة بالثمن فسقط الحق فيه.
(ثالثا) أن مقتضى أحكام قانون نزع الملكية وجوب الاتفاق مع المالك على ثمن ما يراد أخذه من ملكه فان لم يحصل اتفاق فان الثمن يبقى بطرف الحكومة وديعة على ذمته، والودائع لا يسقط الحق فيها باهمال المطالبة بها. وقد أخطأت محكمة الاستئناف فيما قرّرته من أنه لا يوجد فى صورة هذه الدعوى وديعة مّا مما تنص عليه المادة 482 من القانون المدنى.
وحيث إن محكمة الاستئناف ذكرت فى حكمها المطعون فيه أن الحكومة قد دفعت بسقوط حق الطاعن فى المطالبة بثمن هذا الجزء الذى تقول إنه أخذ فعلا فى سنة 1886 وعلى أبعد مدى فى سنة 1907 قبل أن يبيع الطاعن جميع أرضه إلى شركة الأراضى المصرية، وبأن الطاعن قد اعترف فى عقد البيع الصادر منه بأن مصلحة التنظيم أدخلت فعلا فى شارع شبرا 250 مترا من الأرض المبيعة واحتفظ لنفسه بحق المطالبة بثمنها. وتقول محكمة الاستئناف "إنه لو صح هذا الدفع فتكون الدعوى على غير أساس ولا تستلزم البحث فى أمر الملكية…..". ثم بعد أن نقلت محكمة الاستئناف نص المادة السابعة من عقد البيع المؤرّخ فى 13 يناير سنة 1907 قالت: إن هذا النص صريح فى الدلالة على أن الجزء الذى احتفظ المستأنف لنفسه بحق المطالبة بثمنه قد كان دخل فعلا فى الشارع وقت صدور البيع منه فى 13 يناير سنة 1907 على الأقل، وأنه ما دام القانون ينص على سقوط الحقوق والدعاوى بمضى خمس عشرة سنة هلالية والمستأنف لم يطالب بثمن هذا الجزء إلا عند رفع هذه الدعوى الحالية فى 14 يناير سنة 1928 فحق مطالبة المستأنف بثمن هذا الجزء يكون قد سقط بالتقادم. وظاهر أن المقدّمة الأولى من هذا القياس قضية واقعية صرفة قد حصّلت محكمة الاستئناف فهمها الواقعى من دليلها الذى يفيدها عقلا، والمقدّمة الثانية هى قضية قانونية صحيحة لا خطأ فيها. ومتى صحت المقدّمتان صحت النتيجة وسلم الحكم المؤسس عليها من الطعن بالخطأ فى القانون.
وحيث إن الحكم المطعون فيه أورد بعد ذلك ما دفع به الطاعن من أن التقادم لا يسرى على دعوى المطالبة بثمن الأرض المنزوعة ملكيتها بناء على أن حق المنزوع ملكيته فى الثمن يبقى فى ذمة الحكومة على سبيل الوديعة، ثم أخذ يدفع هذا الزعم فقال: "وحيث إن زعم المستأنف هذا لا يستند إلا سند صحيح من القانون لأن نزع الملكية للمنفعة العامّة معناه الاستيلاء جبرا على الأرض من المالك بالثمن الذى يتفق عليه معه إن أمكن أو بالثمن الذى يحدّده القضاء، فهو إذن شراء جبرى وفيه معنى الاغتصاب للمصلحة العامّة. وحيث إن أحكام قانون نزع الملكية لا تجعل الثمن وديعة عند الحكومة على ذمّة صاحبه، بل بالعكس تلزم الحكومة بدفعه إلى صاحب الأرض عند الاتفاق عليه أو بايداعه على ذمّته عند الخلاف وحصول تقريره بواسطة خبير……".
وحيث إن هذا الذى قالته محكمة الاستئناف مما يفيد أن الحكومة ليس عندها أى مبلغ بصفة وديعة على ذمة الطالب مما تنطبق عليه أحكام الوديعة ويكون الحق فى تقاضيه غير قابل للسقوط بمضى المدّة هو قول صحيح. (أوّلا) لأن أحكام قانون سنة 1907 التى ذكرتها المحكمة (وهى بعينها أحكام قانون 17 فبراير سنة 1896 الذى كان معمولا به قبل مايو سنة 1907) لا تقضى بأن الحكومة تكون مكلفة بحفظ أية وديعة بطرفها، بل هى مكلفة فقط بأن تودع المبلغ الذى تقدره هى أو يقدّره القضاء بخزينة المحكمة حتى تستطيع الاستيلاء على العين المنزوعة ملكيتها. (وثانيا) لأن هذا التكليف لا يرتب عليها سوى التزام قانونى بالإيداع، والشأن فيه كالشأن فى كافة الالتزامات بحيث لو استولت على الأرض بغير أن تفى به فمن وقت استيلائها عليها يتولد حق المالك فى مطالبتها بالإيداع أو بالدفع له مباشرة. وحقه هذا ككل الحقوق التى تسقط بعدم المطالبة بها فى المدّة القانونية.
وحيث إن الحكم المطعون فيه إذا كان جاء به أن نزع الملكية للمنفعة العامة فيه معنى الاغتصاب للمصلحة العامة فهذا التجاوز فى التعبير لا يعيب الحكم ما دام قد أثبت أن الدعوى الحالية موضوعها المطالبة بثمن ذلك الجزء الذى أدخل فى الشارع بمقتضى الأمر العالى الصادر فى سنة 1886 ذلك الثمن الذى احتفظ المدّعى لنفسه بحق المطالبة به عند بيعه فى يناير سنة 1907 لشركة الأراضى، وما دامت المحكمة قد اعتبرت تاريخ صدور هذا العقد على الأقل مبدأ لاستيلاء الحكومة على ما دخل بخط التنظيم الصادر به الأمر العالى فى سنة 1886.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات