الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1699 سنة 18 ق – جلسة 08 /11 /1948 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 644

جلسة 8 من نوفمبر سنة 1948

برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك وفهيم إبراهيم عوض بك والسعيد رمضان بك المستشارين.


القضية رقم 1699 سنة 18 القضائية

بلاغ كاذب. التبليغ عن الجرائم. لا يجوز العقاب عليه إلا إذا كان مقروناً بالكذب وسوء النية أو كان المقصود منه التشهير بالمبلغ في حقه. حكم بإدانة المتهم في جريمة البلاغ الكاذب اعتماداً على أن الشاهد الذي سئل عن واقعة البلاغ كذب مقدمه فيها. قصور.
التبليغ عن الجرائم حق بل واجب على الناس كافة، فلا يجوز العقاب عليه إلا إذا كان مقروناً بالكذب وسوء النية، أو إذا كان المقصود منه جعله علنياً لمجرد التشهير بالمبلغ في حقه [(1)]. فإذا كان الحكم قد أدان المتهم بالكذب في حق المجني عليه وعائلته في بلاغ نسب إليه فيه أنه يدير منزلاً للدعارة السرية وأن زوجته مشبوهة، مستنداً في ذلك إلى أن الشاهد الذي سئل بالبوليس في هذا البلاغ كذب مقدمه فحفظ البلاغ، وإلى أن التحقيق الذي يحصل أمام البوليس وتسمع فيه شهود يعتبر علنياً، فإنه يكون قاصراً لعدم استظهاره أن المتهم إنما كان يقصد ببلاغه مجرد التشهير بالمبلغ في حقه.


المحكمة

وحيث إن الطاعن يقول في طعنه إن الحكم المطعون فيه أخطأ حين دانه بالقذف إذ لم يستظهر ركن القصد الجنائي. وقد طلبت الدفاع إلى المحكمة تحقيق صحة ما أبلغ عنه وأنه حسن النية، ولكن المحكمة لم تتعرض لهذا الطلب ولم تشر إليه.
وحيث إن المدعي بالحقوق المدنية رفع دعواه مباشرة على الطاعن وآخرين واتهمهم فيها بأنهم قذفوا في حقه ببلاغ كاذب نسبوا إليه فيه: "أن زوجته مشبوهة وأنه يدير منزله للدعارة السرية… إلخ"، فقضت محكمة أول درجة بإدانة الطاعن وببراءة الآخرين. فاستأنف الطاعن، وقضت المحكمة الاستئنافية بتأييد الحكم الابتدائي لأسبابه وهي: "أن التهمة ثابتة من أقوال المجني عليه ومن صورة الشكوى المقدمة منه ومن بينها أن المتهم قدمها وسئل في البوليس فقرر أنه وصل إلى علمه أن زوجة المتهم مشبوهة، وأنه كلما سكن في منزل عمل سكانه على إخراجه وكان يدخل المنزل شخص يدعى منصور الجزار وطرده وتردد بعد ذلك شخص اسمه داود ولا يعرف لقبه، ولما سئل الشاهد علي أمين المصري كذَّب جميع أقوال المتهم فحفظت الشكوى، ولذا يتعين عقابه طبقاً للمادة المطلوبة إذ أن ركن العلانية متوفر لأن التحقيق الذي يحصل أمام البوليس ويسمع فيه شهود يعتبر علناً". ولما كانت المحكمة لم تستظهر في حكمها أن الطاعن كان يقصد بالبلاغ التشهير بالمدعي بالحقوق المدنية, وكان يجب توفر ذلك حتى يصح العقاب بالقذف العلني، لأن التبليغ عن الجرائم حق بل واجب على الناس كافة لا يجوز العقاب عليه إلا إذا كان مقروناً بالكذب وسوء النية، أو كان المقصود جعل البلاغ علنياً لمجرد التشهير بالمبلغ في حقه، فيكون الحكم المطعون فيه إذ أغفل التحدث عن ذلك قاصراً واجب النقض.


[(1)] سبق لمحكمة النقض أن قضت بأن إسناد واقعة جنائية إلى شخص لا يصح العقاب عليه إذا لم يكن القصد منه إلا تبليغ جهات الاختصاص عن هذه الواقعة, إذ التبليغ عن الجرائم حق بل فرض على كل فرد. فإذا كانت الواقعة الثابتة بالحكم هي: "أن المتهم أبلغ النيابة بأن زوجته حملت سفاحاً وأنها وضعت طفلة نسبتها إليه زوراً, وكان المتهم قد تمسك بأنه قدم بلاغه ضد زوجته معتقداً صحة ما جاء فيه، وأن العلانية غير متوافرة، ومع ذلك جاء الحكم خلواً من الرد على هذا الدفاع فإنه يكون قاصراً" (راجع الحكم الصادر في 26 فبراير سنة 1945 في القضية رقم 1600 س 15 ق المنشور بالجزء السادس من مجموعة القواعد تحت رقم 514).
والواقع أن المادة 22 من الدستور تنص على أنه "لأفراد المصريين أن يخاطبوا السلطات العامة فيما يعرض لهم من الشؤون، وذلك بكتابات موقع عليها بأسمائهم. أما مخاطبة السلطات باسم المجاميع فلا تكون إلا للهيئات النظامية والأشخاص المعنوية". كذلك تقضي المادة 304 من قانون العقوبات بأنه "لا يحكم بعقوبة القذف على من أخبر بالصدق وعدم سوء القصد الحكام القضائيين أو الإداريين بأمر مستوجب لعقوبة فاعله".
وحق تقديم العرائض لجهات الاختصاص وحق الشكوى والتبليغ من المقررات في التشريع المصري وفي أمثاله من تشريعات البلاد المتمدنة. وإذا كانت مباشرة هذه الحقوق في حدودها لا تثير إشكالاً فإن ما يشوب الشكوى أو البلاغ أو العريضة من تخط مقصود للحق كثيراً ما يثير صعوبات، وقد عالج قانون العقوبات في المادة 305 صورة إساءة استعمال هذا الحق حين نص على أن "من أخبر بأمر كاذب مع سوء القصد يستحق العقوبة ولو لم يحصل منه إشاعة غير الإخبار المذكور ولم تقم دعوى بما أخبر به". فإذا كان الشاكي أو مقدم العريضة معتقداً صحة ما جاء بها لم تنطبق عليه هذه المادة وصارت مسئوليته الجنائية محلاً للاجتهاد، هل يمكن اعتباره قاذفاً أو لا؟ ينبغي لقيام جنحة القذف أن تتوفر العلانية على نحو ما بينته المادة 171. وقد ذهبوا إلى أن تقديم الشكوى يترتب عليه بطبيعة الحال تداولها بين أيدٍ متعددة مما يمكن أن يتحقق به معنى التوزيع المشار إليه بالمادة 171 (راجع باربييه جـ 1 ص 272 و273 ن 271 والأحكام المشار إليها فيه). ويمكن أن يقال في الاعتراض على هذا النظر إن المادة 305 تكاد تصرح بعكسه فإنها تقول، في حق من بلغ بأمر كاذب، بأنه يعاقب بعقوبة القذف ولو لم تحصل منه إشاعة غير الإخبار المذكور.
Même s’il n’y a pas d’autre publicité que la dénonciation.
فتقديم البلاغ أو الشكوى وإن كان في نظر واضع هذه المادة إذاعة publicité إلا أنها لا تكفي في نظره لتحقيق العلانية اللازمة لتكوين جريمة القذف، ولهذا ساق المادة 305 على أنها استثناء من حكم المادتين 302 و304 استثناءً عاقب فيه على الإسناد رغم عدم توفر العلانية متى لابس هذا الإسناد الكذب ونية الإضرار. ومقتضى هذا النظر أن مجرد التبليغ أو الشكوى لا عقاب عليه بعقوبة القذف لأنه لا يمكن أن تتحقق فيه العلانية. ولكن ما هو التبليغ أو الشكوى وهل يعتبر تقديم عدة بلاغات لعدة جهات، في آن واحد أو على التعاقب، عن أمر واحد وعن نفس الموضوع، مجرد تبليغ أو مجرد شكوى؟ هنا تقول محكمة النقض إن التوزيع يتحقق قانوناً بجعل المكاتيب ونحوها في متناول عدد من الجمهور بقصد النشر ونية الإذاعة، وإنه إذا استخلص قاضي الموضوع توفر ركن العلانية من الكيفية التي قدم بها المشتكي شكواه ضد القاضي وهي إرساله إلى المجني عليه (القاضي) وإلى المحكمة الابتدائية الأهلية التي يشتغل فيها وإلى الإدارة القضائية الأهلية بوزارة العدل وإلى وزارة العدل عدة عرائض سماها رداً للقاضي المجني عليه اعتبار أن هذا منه يدل دلالة واضحة على أنه أراد إذاعة ما نسبه إليه إذ أنه لو لم يقصد الإذاعة لاقتصر على إرسال الشكوى للقاضي وحده دون الجهات الأخرى التي يعلم بالبداهة أن كل جهة فيها تحوي عدداً من الموظفين من الضروري أن تقع الشكوى تحت حسهم وبصرهم، فإنه لا يكون قد أخطأ (حكم محكمة النقض في 8 مايو سنة 1944 مجموعة 6 رقم 349 ص 482). فمحكمة النقض تجيز اعتبار تعدد الجهات التي توجه إليها التبليغ أو الشكوى محققاً للعلانية على تقدير أن ما وقع من المتهم ليس مجرد التبليغ أو الشكوى بل ترديد هذا التبليغ أو هذه الشكوى ترديداً يمكن أن يرى قاضي الموضوع فيه نية الإذاعة والرغبة في نشر ما تضمنه التبليغ أو الشكوى، لا مجرد قصد إيصالها إلى الجهة التي تختص بقبولها أو النظر فيها – تقول إن محكمة النقض تجيز اعتبار توجيه التبليغ إلى عدة جهات محققاً للعلانية في معنى المادة 171 عقوبات, ولكنها لم توجبه إذ قد تعرض أحوال يكون فيها مقدم الشكوى أو المبلغ مضطراً إلى تقديم شكواه لعدة جهات رغبة منه في المحافظة على حقوقه وحتى يتفادى قعود جهة عن النظر فيها، وهو في ذلك كله يكون في دائرة حق التبليغ. فإذا استظهر قاضي الموضوع ذلك استحال عليه عقاب المتهم لأن الفعل مباح من جهة ولأن نية الإذاعة منتفية من جهة أخرى، وقد يدق في هذا الأمر تمييز حلاله من حرامه بهذا المناط، ولعل في المناط الذي أشار إليه الحكم موضوع التعليق وهو ثبوت قصد التشهير ما يمنع اللبس أو يضعف فرصه إذا فهمنا قصد التشهير أنه يحمل فضلاً عن العمد المستفاد من إرادة الفعل المادي الرغبة الظاهرة في الإساءة إلى المجني عليه تلك الرغبة التي يتضح بها أسلوب التبليغ أو عبارات الشكوى ومبلغ ما في وقائعها من الكذب أو المبالغة. والواقع أنه لا سبيل إلى الاكتفاء بالقصد الجنائي العام لمؤاخذة الشخص عن جريمة القذف التي تقع من المبلغ أثناء استعماله حق التبليغ، بل يجب أن يتوفر لديه قصد خاص يخرجه من دائرة هذا الحق إلى طائلة قانون العقوبات. وهذا ما استلزمته محكمة النقض في الحكم موضوع التعليق حين أوجبت على قاضي الموضوع إذا أدان مقدم الشكوى أو البلاغ في جريمة القذف أن يثبت عليه في أسباب حكمه قصد التشهير.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات