الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 67 سنة 18 ق – جلسة 08 /03 /1948 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 523

جلسة 8 مارس سنة 1948

برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة، وبحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك وحسن إسماعيل الهضيبي بك وفهيم إبراهيم عوض بك المستشارين.


القضية رقم 67 سنة 18 القضائية

دعوى مدنية مترتبة على دعوى جنائية. الفصل في الدعوى الجنائية دون استنفاد وسائل التحقيق الممكنة. لا يصح. الحكم بعدم الاختصاص بالفصل في الدعوى المدنية نتيجة لذلك. خطأ.
لا يحق لمحكمة الموضوع أن تفصل في الدعوى الجنائية التي هي أساس الدعوى المدنية دون أن تستنفد وسائل التحقيق الممكنة، ولا ينبغي لها أن تتخلى عن واجبها هذا بمقولة إن الأمر يحتاج إلى إجراءات وتحقيقات يضيق عنها نطاق الدعوى، فإن نطاق الدعوى الجنائية لا يمكن أن يضيق أبداً عن تحقيق موضوعها للفصل فيها على أساس التحقيق الذي يتم. وإذن فتخلي محكمة الجنح عن إتمام التحقيق في الدعوى الجنائية مع قولها بأنه لازم للفصل فيها ومع كونها رأت إمكان إجرائه بمعرفة المحكمة المدنية – هذا يعيب الحكم. وعلى ذلك فإنه إذا كانت محكمة الجنح قد حكمت ببراءة المتهم من تهمة إعطائه بسوء نية شيكاً لآخر وأمره البنك المسحوب عليه الشيك بعدم الدفع، بناءً على ما قالته من أنه لا يتيسر لها السير في تحقيق ما يدعيه هذا الآخر من أن هذا الشيك كان وفاءً بباقي ثمن صفقة عقدها المتهم معه وينكرها المتهم إنكاراً باتاً، وأنه ليس في الدعوى ما يرجح رواية أحد الطرفين على رواية الآخر، وبناءً على هذا قضت بعدم الاختصاص بنظر الدعوى المدنية المرفوعة على المتهم، فإنها تكون قد أخطأت [(1)].


الوقائع

اتهمت النيابة المطعون ضده بأنه في يوم 10/ 6/ 1946 بدائرة الأزبكية أعطى بسوء نية شيكاً لمانولي جراماتكاكس بمبلغ 365 جنيهاً على بنك باركليز فرع الموسكي وأمر المسحوب عليه الشيك بعدم الدفع وطلبت عقابه بالمادتين 336 و337 عقوبات. وقد ادعى مانولي جراماتكاكس بحق مدني قبل المتهم وطلب القضاء له عليه بمبلغ خمسين جنيهاً بصفة تعويض.
نظرت محكمة جنح الأزبكية هذه الدعوى وقضت فيها حضورياً بتاريخ 9 مارس سنة 1947 عملاً بمادتي الاتهام بحبس المتهم ستة شهور مع الشغل وكفالة ألف قرش لإيقاف التنفيذ وإلزامه بأن يدفع للمدعي بالحق المدني مبلغ ثلاثين جنيهاً والمصاريف المدنية المناسبة إلخ. فاستأنفت النيابة هذا الحكم واستأنفه المتهم.
سمعت محكمة مصر الابتدائية منعقدة بهيئة استئنافية هذه الدعوى وقضت فيها حضورياً بقبول الاستئنافين شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والحكم: أولاً – في الدعوى الجنائية ببراءة المتهم مما أسند إليه بلا مصاريف جنائية وذلك عملاً بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات. ثانياً – في الدعوى المدنية بعدم اختصاص المحكمة بنظرها مع إلزام المدعي المدني بمصاريفها إلخ إلخ.


المحكمة

وحيث إن الطاعن عاب على الحكم المطعون فيه فيما عابه عليه أنه أخطأ في قضائه بعدم اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى المدنية لأن العناصر التي تلزم للفصل فيها متوفرة، وأن المحكمة استندت في قضائها ببراءة المطعون ضده والحكم بعدم اختصاصها في الدعوى المدنية على وقائع لا وجود لها في التحقيقات.
وحيث إن المحكمة وازنت في الحكم المطعون فيه بين أدلة الإثبات وأدلة النفي وقالت إنها لا تستطيع ترجيح إحداهما على الأخرى لأن الترجيح يتوقف على ثبوت عقد صفقة "الكاوتش" التي يقول الطاعن بأن الشيك موضوع الاتهام حرر بباقي ثمنها، فإن ثبوت هذه الواقعة يؤيد رواية المدعي المدني ويرجح كفتها. ثم عقبت على ذلك بقولها إنه ليس في الدعوى من دليل على عقد هذه الصفقة التي ينكرها المتهم إنكاراً باتاً سوى أدلة أوردتها وذكرت أنها لا تراها كافية. ثم قالت "وقد لا يتيسر لهذه المحكمة السير في تحقيق هذا الموضوع والبحث وراء قيام هذه الصفقة من عدمها لما يحتاجه الأمر في ذلك من إجراءات وتحقيقات موصلة لهذا الثبوت يضيق عنها نطاق هذه الدعوى ويطيل أمد الفصل فيها مما ترى معه المحكمة ترك الأمر نفسه للمحكمة المدنية تتولى هي هذا التحقيق وهذه الإجراءات توصلاً لإثبات عقد تلك الصفقة من عدمه، وطالما أن الشك قائم الآن حول حصول هذه الصفقة أو عدم حصولها وهي أساس الاتهام في هذه الدعوى والتي يربط المدعي المدني تحرير الشيك بها ولا يوجد في الوقت نفسه ما يطمئن هذه المحكمة إلى ترجيح رواية أحد الطرفين على الأخرى فإن التهمة المنسوبة إلى المتهم يكتنفها الشك من كل جانب وتكون إدانته فيها في غير محلها".
وحيث إنه لا يحق لمحكمة الموضوع أن تفصل في الدعوى الجنائية التي هي أساس الدعوى المدنية دون أن تستنفد وسائل التحقيق الممكنة، ولا ينبغي لها أن تتخلى عن واجبها هذا بمقولة إن الأمر يحتاج إلى إجراءات وتحقيقات يضيق عنها نطاق الدعوى، فإن نطاق الدعوى الجنائية لا يمكن أن يضيق أبداً عن تحقيق موضوعها للفصل فيها على أساس التحقيق الذي يتم. وإذن فتخلي محكمة الجنح عن إتمام التحقيق في الدعوى الجنائية مع أنها قالت بأنه لازم للفصل فيها ومع أنها رأت إمكان إجرائه بمعرفة المحكمة المدنية يعيب الحكم. ومتى كان الأمر كذلك وكان الحكم بعدم الاختصاص نتيجة لازمة للخطأ الذي وقعت فيه المحكمة فإنه يكون متعيناً قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه.


[(1)] تنص المادة 172 من قانون تحقيق الجنايات على أنه "إذا كانت الواقعة غير ثابتة أو لا يعاقب عليها القانون أو سقط الحق في إقامة الدعوى العمومية بها المدة الطويلة يحكم القاضي ببراءة المتهم، ويجوز له أن يحكم أيضاً بالتعويضات التي يطلبها بعض الخصوم من بعض".
وتنص المادة 50 من قانون تشكيل محاكم الجنايات على أنه عند الحكم بالبراءة يجب على كل حال أن يفصل في نفس هذا الحكم في التضمينات التي قد يطلبها بعض الخصوم من بعض.
وقد سبق لمحكمة النقض أن قضت اعتماداً على نفس المادة 172 بأن للمحكمة الجنائية في مواد الجنح عند الحكم بالبراءة في الدعوى العمومية الخيار بين أن تفصل في الدعوى المدنية أو أن تتخلى عنها للمحكمة المختصة أصلاً بالقضاء فيها، وذلك على الإطلاق دون أن تكون مقيدة إلا بما تراءى لها عند تقديرها للوقت والجهد اللازمين لتمحيص الدعوى المدنية التي لم ترفع أمامها إلا بطريق التبعية للدعوى العمومية (يراجع الحكم الصادر في 25 من نوفمبر سنة 1940 المنشورة قاعدته تحت رقم 157 ص 286 جـ 5 من هذه المجموعة). فكيف إذا كان حق المحكمة الجنائية في التخلي عن الدعوى المدنية عند الحكم بالبراءة مطلقاً – كيف ساغ لمحكمة النقض أن تراقبها في استعمال هذا الحق على النحو الذي قرره الحكم موضوع التعليق؟
الواقع أن حق المحكمة الجنائية في هذا التخلي يجب أن يفهم في ظل قواعد قوة الشيء المحكوم فيه وأن يساير حجية الأحكام الجنائية أمام المحاكم المدنية، بمعنى أنه حيث يكون حكم البراءة غير ماس بشيء من أسس الدعوى المدنية مساساً يضر بالمدعي بالحقوق المدنية تكون المحكمة الجنائية حرة في التخلي عن الدعوى المدنية للقاضي المدني، ولا يكون له مصلحة جدية في التظلم من الحكم بعدم اختصاصه بدعواه. أما حيث يمس حكم البراءة بأسس الدعوى المدنية مساساً يقيد حرية القاضي المدني ويجعل الالتجاء إليه معدوم الفائدة فإن القاضي الجنائي لا يكون له عندئذٍ أن يحكم بعدم الاختصاص في الدعوى المدنية عند حكمه بالبراءة، وإلا اعتبر حكمه بعدم الاختصاص منطوياً حتماً وضمناً على حكم برفض الدعوى المدنية. ولهذا ساغ للمدعي المدني أن يطعن في الحكم الصادر بعدم الاختصاص إذا كان مبنياً على القضاء ببراءة المتهم من نسبة الواقعة إليه براءة مستندة إلى أسباب فاسدة أو باطلة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات