الطعن رقم 1499 سنة 17 ق – جلسة 27 /01 /1948
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 482
جلسة 27 من يناير سنة 1948
برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك وسليمان حافظ بك ومحمد صادق فهمي بك المستشارين.
القضية رقم 1499 سنة 17 القضائية
تعويض. متهم بجريمة نصب. تبرئته من تهمة النصب تأسيساً على أن استيلاءه
على المبلغ كان تنفيذاً لعقد صحيح تم بينه وبين صاحب المبلغ. القضاء مع ذلك عليه بتعويض
استناداً إلى المادة 172 تحقيق. خطأ. محل تطبيق هذه المادة.
(المادة 172 تحقيق)
إن محل تطبيق المادة 172 من قانون تحقيق الجنايات أن يكون التعويض مطلوباً عن ضرر ناشئ
عن ذات الواقعة موضوع المحاكمة، ولو انتفى عنها وصف الجريمة بسبب عدم توافر ركن من
أركانها، لا عن ظرف مستقل عنها. فإذا كانت المحكمة قد اعتبرت أن استيلاء المتهم في
جريمة نصب على المبلغ الذي حصل عليه إنما حصل تنفيذاً لعقد صحيح تم بينه وبين من سلمه
إليه، وكان ما قضت به من تعويض لمن سلمه المبلغ هو نتيجة لقضائها ضمناً بفسخ العقد
بسبب نكول المتهم عن تنفيذه، فإنها بذلك تكون قد تعدت اختصاصها، ولا يبرر قضاءها استنادها
فيه إلى المادة 172 سالفة الذكر [(1)].
المحكمة
وحيث إن مما ينعاه الطاعن على الحكم المطعون فيه أنه إذ ألزمه بمبلغ
التعويض الذي قدره بعد أن قضى ببراءته من الجريمة التي رفعت بها الدعوى عليه معتبراً
أن تسلمه المبلغ إنما كان تنفيذاً لعقد، وبنى قضاءه بالتعويض على فسخ هذا العقد لنكول
الطاعن عن تنفيذه، فإنه يكون قد خالف قواعد الاختصاص المعتبرة من النظام العام. ذلك
بأن المحكمة المدنية هي المختصة أصلاً بالفصل في دعوى التعويض وإنما أباح القانون بصفة
استثنائية رفعها إلى المحكمة الجنائية بطريق التبعية للدعوى العمومية متى كان الحق
فيها مصدره ضرر حاصل من الجريمة أو شبه الجريمة المرفوعة عنها الدعوى العمومية، فإذا
كان الضرر نتيجة ظرف آخر مستقل عن الواقعة موضوع المحاكمة انتفت علة الاستثناء وامتنع
اختصاص المحكمة الجنائية بنظر الدعوى. ولا يغير من ذلك ما نصت عليه المادة 172 من قانون
تحقيق الجنايات من تخويل المحكمة الجنائية الحكم بالتعويضات التي يطلبها بعض الخصوم
من بعض في حالة الحكم ببراءة المتهم لعدم ثبوت الواقعة أو لأن القانون لا يعاقب عليها
أو لسقوط الحق في إقامة الدعوى بها لمضي المدة، لأن محل إعمال هذا النص أن يكون الضرر
ناشئاً عن فعل يعد جريمة أو شبه جريمة لا عن عقد أخلَّ به المتهم.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على الطاعن بأنه وآخرين توصلوا بطريق الاحتيال إلى الاستيلاء
على مبلغ 790 جنيهاً من الشيخ محمد السيد عثمان (المطعون ضده) وذلك بأن أوهموه بأن
في قدرة الطاعن أن يبيع إليه سماداً لزراعته وأنه من كبار التجار، وقدموا إليه شخصين
مجهولين على أنهما من تجار السماد، وأبرزوا له بوليصة شحن غير حقيقية، فانخدع المجني
عليه ووكيله بأقوالهم، وطلب المطعون ضده الحكم له بتعويض مقداره ألف جنيه قبل جميع
المتهمين بالتضامن بينهم، وقضت محكمة أول درجة ببراءة الطاعن ورفض الدعوى المدنية قبله
ودانت أحد المتهمين الآخرين باعتباره مبدداً لمبلغ السبعمائة وتسعين جنيهاً وقضت عليه
وحده بالتعويض المطلوب. فاستأنفت النيابة الحكم بالنسبة إلى جميع المتهمين واستأنفه
المطعون ضده طالباً الحكم على جميع المتهمين بالتعويض… ومحكمة ثاني درجة قضت ببراءة
جميع المتهمين وبإلزام الطاعن وحده بأن يدفع إلى المطعون ضده ألف جنيه على سبيل التعويض
وأقامت قضاءها بالبراءة على ما قالته من أن المبلغ المدعى باستيلاء المتهمين عليه لم
يخرج بتأثير طرق احتيالية قاموا بها وإنما سلم إلى الطاعن بمقتضى عقد صحيح ثمناً لسماد
تعهد بتوريده للمطعون ضده. واستندت في حكمها بالتعويض إلى أن المادة 172 من قانون تحقيق
الجنايات تخولها الحكم به في حالة تبرئة المتهم وأنه ثبت لديها أن الطاعن بعد أن تسلم
مبلغ الـ 790 جنيهاً نكل عن تنفيذ العقد فيجب إلزامه برد هذا المبلغ مع باقي ما طالب
به المدعي بالحق المدني على سبيل التعويض مقابل الضرر الذي لحقه من جراء هذا النكول
وتعطيل مبلغه مدة طويلة.
وحيث إنه لما كانت المحكمة الاستئنافية قد اعتبرت أن استيلاء الطاعن على مبلغ الـ 790
جنيهاً إنما حصل تنفيذاً لعقد صحيح ثم بينه وبين من سلم إليه هذا المبلغ، وكان ما قضت
به من تعويض هو نتيجة لقضائها ضمناً بفسخ العقد بسبب نكول الطاعن عن تنفيذه، فإنها
تكون بذلك قد تعدت اختصاصها. ولا يبرر قضاءها استنادها فيه إلى المادة 172 من قانون
تحقيق الجنايات، لأن محل تطبيق هذه المادة في هذا الخصوص أن يكون التعويض مطلوباً عن
ضرر ناشئ عن ذات الواقعة موضوع المحاكمة، ولو انتفى عنها وصف الجريمة بسبب عدم توفر
ركن من أركانها، لا عن ظرف مستقل عنها – كما هي الحال في الدعوى – ومتى كان الأمر كذلك
فإنه يكون من المتعين قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه والقضاء بعدم اختصاص المحكمة
الجنائية بنظر الدعوى المدنية.
[(1)] واقعة الدعوى أن الطاعن كان قد تسلم مبلغاً من المجني عليه لتوريد سماد ولم يورده، فاتهمه هذا بالنصب وأدانته محكمة الدرجة الأولى، ولكن محكمة الدرجة الثانية برأته من هذه التهمة وحكمت مع ذلك بإلزامه برد الثمن على اعتبار أنه لم يورد ما تعاقد على توريده وأن عقد التوريد قد فسخ. ومحكمة النقض رأت بحق أن الدعوى المدنية على هذا الوضع تخرج عن اختصاص المحاكم الجنائية إذ ولاية هذه المحاكم فيما يتعلق بالتضمينات مقصورة على المسئولية التقصيرية، أي الناشئة عن فعل ضار، أما صور التضمين المبنية على المسئولية التعاقدية أو المبنية على الفعل النافع كفعل الفضولي فهي بطبيعتها مما لا شأن للمحاكم الجنائية به، والمسئولية المترتبة على فسخ العقود سواء من جهة سبب الفسخ أو من جهة آثار الفسخ وما تشمله من رد لما دفع أو تضمين هي مسئولية تعاقدية ليس مرجعها الجريمة أو الفعل الضار موضوع التهمة وإنما مصدرها وسببها العقد وتحكمها نصوص هذا العقد والقواعد المدنية المتعلقة به.
