الطعن رقم 1461 سنة 17 ق – جلسة 20 /01 /1948
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 466
جلسة 20 من يناير سنة 1948
برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد حلمي بك وأحمد حسني بك وحسن الهضيبي بك المستشارين.
القضية رقم 1461 سنة 17 القضائية
رشوة. كونستابل. قبوله مالاً لعدم تحرير محضر يدخل في اختصاصه تحريره.
ارتشاء ولو لم يكن ثمة موجب لتحرير المحضر.
(المادة 103 ع)
ما دام الغرض الذي من أجله قبل الموظف (كونستابل) المال هو عدم تحرير محضر لمن قدم
إليه المال، وما دام تحرير مثل هذا المحضر يدخل في اختصاص هذا الموظف، فإنه يكون مرتشياً
ولو لم يكن هناك أي موجب لتحرير المحضر الذي دفع المال لعدم تحريره [(1)].
المحكمة
وحيث إن أوجه الطعن تتحصل في القول بأن الحكم المطعون فيه حين دان
الطاعن على أساس ما وقع منه يكون جريمة رشوة قد أخطأ لأن الفعل المسند إليه لا يعدو
جريمة النصب إذ أنه قائم على الحصول على نقود من قصابي القرية بطريق الاحتيال بأن أوهمهم
كذباً بأن شكوى قدمت في حقهم إلى مأمور المركز.
وحيث إن المحكمة ذكرت وقائع الدعوى كما ثبتت لديها في قولها "إن المتهم عبد السميع
محمد علام وهو كونستابل بوليس بمركز البدارى توجه يوم 8 فبراير سنة 1945 وبصحبته العسكري
السواري عبد الناصر عزام إلى قرية النواميس التابعة لهذا المركز وقصد إلى دار الشيخ
عطية أحمد محمد نائب العمدة وطلب إلى هذا الشيخ أن يحضر له القصابين ليحقق معهم في
شكوى مقدمة فيهم لأنهم يبيعون اللحم بسعر يزيد عن الأسعار المحددة وأرسل وكيل شيخ الخفراء
حسن حسين جميلي والخفير أحمد محمد حسن لإحضار هؤلاء القصابين فأحضراهم إلى منزل نائب
العمدة ومن لم يجداه أحضرا بدلاً عنه زوجته أو ابنه وأفهمهم المتهم بأن لديه شكوى مقدمة
إلى حضرة مأمور المركز بأنهم يبيعون اللحم بأسعار مرتفعة وأنه سيجري تحقيقاً معهم فحاول
بعضهم أن يفهمه بأن ذلك لم يحصل ولكنه تشدد معهم وأخيراً طلب إليهم أن يدفع إليه كل
منهم جنيهاً حتى لا يجري معهم التحقيق فوجد هؤلاء القصابون أنه لا مناص من أن يرشوا
هذا الكونستابل ليكف عنهم وتفاوضوا معه على مبلغ الرشوة فقبل أن يأخذ من كل منهم ثلاثين
قرشاً ويخلي سبيلهم فدفعوا له مبلغ مائتين وعشرة قروش صاغ ومن لم يكن حاضراً منهم دفع
عنه أحد زملائه، وبعد أن أوردت أدلة الإثبات عرضت للفعل الذي صدر من الطاعن فقالت "إن
المتهم هو كونستابل بوليس أي موظف عمومي ومن شؤون وظيفته عمل التحقيقات وتحرير المحاضر
عن الجرائم باعتباره من مأموري الضبطية القضائية فهو والحالة هذه يستطيع عمل محاضر
للقصابين إذا ما ارتكبوا جريمة مخالفة التسعيرة. وحيث إن المتهم بصفته موظفاً عمومياً
وكان في استطاعته تحرير محاضر للقصابين ببلدة النواميس لمخالفتهم التسعيرة قد امتنع
عن أداء هذا العمل في مقابل أخذه مبلغ مائتين وعشرة قروش من هؤلاء القصابين فعمله هذا
يعتبر قبولاً للرشوة" ثم تحدثت عن الدفاع وردت عليه بما يأتي: "إن ارتكابه جريمة الرشوة
متوفرة في هذه الدعوى كما سلف بيان ذلك. ولا عبرة بما يدعيه الدفاع عن المتهم من أن
الأفعال المسندة إليه لا تكون جريمة رشوة إنما تكون جريمة نصب لأنه لم تكن هناك شكوى
حقيقية ضد القصابين وإنما كان ذلك إيهاماً لهم إن صح يكون طرقاً احتيالية للحصول منهم
على النقود. ولا عبرة بهذا الادعاء لأنه ليس من الضروري وجود عريضة للشكوى عن مخالفة
القصابين للتسعيرة حتى يحرر المتهم لهم المحاضر وإن كان تحرير المحاضر بدون البلاغ
الجدي عن هذه الجريمة عملاً غير حق، وأن المادة 103 عقوبات تعتبر مرتشياً الموظف العمومي
الذي يقبل وعداً من آخر بشيء ما أو يأخذ هدية أو عطية لامتناعه عن عمل من أعمال وظيفته
ولو ظهر له أنه غير حق". ولم كان ما قاله الحكم بهذا الصدد صحيحاً إذا ما دام الغرض
الذي من أجله قدم المال إلى الموظف هو عدم تحرير محضر لمن قدمه، وما دام تحرير المحضر
يدخل في اختصاص هذا الموظف، فإن جريمة الرشوة تكون متحققة ولو لم يكن هناك أي موجب
لتحرير المحضر الذي دفع المال لعدم تحريره.
[(1)] لا شك أنه يتعين للعقاب على الرشوة أن يكون
العمل الذي من أجله طلبت الرشوة أو عرضت داخلاً في اختصاص المرتشي أي يدخل في دائرة
عمله ويندرج ضمن ما يباشره من الأعمال أثناء قيامه بهذه الوظيفة سواء أكان ذلك العمل
فعلاً إيجابياً أو تركاً، ولكن هل ينبغي أن يكون الفعل أو الترك الذي يتقاضى عنه الموظف
مقابلاً أو ثمناً – هل ينبغي أن يكون جدياً؟ هذا السؤال يفرض نفسه بشكل أكثر دقة في
حالة الامتناع. فهل يتعين أن يكون الامتناع من جانب الموظف امتناعاً عن فعل له أصل
في الواقع ووجود في الحقيقة حتى يعتبر ذلك الامتناع امتناعاً عن عمل من أعمال الوظيفة؟
أم يكفي أن يكون هذا الامتناع من جنس ما يدخل في وظيفة المتهم ولو كان أساسه وهمياً
لا حقيقة له؟ بديهي أنه إذا كان الامتناع من جانب الموظف امتناعاً عن فعل له أساس جدي
في الواقع فمؤاخذة الموظف عن جريمة الرشوة لا صعوبة فيها، أما حيث يكون الفعل الذي
تقاضى الموظف الرشوة للامتناع عنه موهوماً اختلقه الموظف فهنا تتراءى جريمة النصب بإساءة
استغلال الموظف صفته فهل تطغى معالم جريمة النصب على معالم الرشوة فتزيلها؟ في الحالة
التي صدر فيها الحكم موضوع التعليق كان المتهم قد أخذ مبالغ من بعض القصابين ليمتنع
عن تحرير محاضر لهم بتهمة مخالفتهم لقانون التسعيرة استناداً منه إلى شكاوى موهومة
ادعى لهم بأنها قدمت في حقهم، فأساس الامتناع الذي أخذ الموظف ثمنه موهوم لا أصل له
ولكن محكمة الموضوع ومحكمة النقض كلتيهما رأتا أنه لا يؤثر على قيام جريمة الرشوة التي
يكفي لقيامها أن يكون تحرير مثل هذه المحاضر داخلاً في اختصاصه ولو لم يكن ثمة أي موجب
فعلي أو حقيقي لتحريرها.
والواقع أن العقاب على الرشوة عقاب على اتجار الموظف في الوظيفة والموظف أشد استحقاقاً
لهذا العقاب حين يتجر في أعمال الوظيفة على أساس موهوم منه حين يتجر فيها على أساس
من الواقع، لأنه في الحالة الأولى يجمع بين النصب والارتشاء. ولا يعترض بأن العمل الحكومي
لا يضار بشيء من تلك الصفة الموهومة – لا يعترض بهذا لأن المصلحة المقصودة بالحماية
هنا ليست سلامة العمل الحكومي وحدها بل سمعة هذا العمل والثقة فيه، وهاتان يضيعهما
اتجار الموظف بأعمال الوظيفة سواء أكان في هذا الاتجار محتالاً أو غير محتال، وسواء
أكان ما اتفق عليه حقاً أو غير حق. (يراجع جارسون تعليقاً على المادة 177 نبذة 75،
ويراجع بخلاف هذا الرأي حكم مجلس إعادة النظر بباريس الصادر في 18 يونيه سنة 1919 المنشور
في دالوز 19 – 2 – 20 وقد قضى باعتبار الواقعة نصباً لا رشوة حيث يكون العمل الذي وعد
الموظف بالامتناع عنه موهوماً. وكان المتهم في تلك القضية جندياً في الجيش معيناً سكرتيراً
للحاكم العسكري يتلقى الشكاوى ويعرضها عليه فأوهم أحد الجنود بأنه تقدمت في حقه شكاوى
للحاكم العسكري وأخذ منه مبلغاً من المال ليقوم بإعدام هذه الشكاوى بدلاً من عرضها
على الحاكم العسكري).
