الطعن رقم 2439 لسنة 40 قضائية عليا – جلسة 16 /11 /1996
مجلس الدولة – المكتب الفنى لرئيس مجلس الدولة
– مجموعة المبادئ القانونية التى قررتها المحكمة الإدارية العليا
السنة الثانية والأربعون – الجزء الأول (من أول أكتوبر سنة 1996 إلى آخر فبراير سنة
1997) – صـ 163
جلسة 16 من نوفمبر سنة 1996
برئاسة السيد الأستاذ المستشار الدكتور/ محمد جودت أحمد الملط نائب رئيس مجلس الدولة، وعضوية السادة الأساتذة المستشارين/ محمد مجدى محمد خليل، وعويس عبد الوهاب عويس، والسيد محمد العوضى، ومحمد سامى الجوادى نواب رئيس مجلس الدولة.
الطعن رقم 2439 لسنة 40 قضائية عليا
نيابة إدارية – أعضاء – تأديبهم – القرار الصادر بتوجيه اللوم –
طبيعته.
المادة 39، 40 مكرراً من القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الادارية
والمحاكم التأديبية والمعدل بالقانون رقم 12 لسنة 1989.
المشرع حدد على سبيل الحصر العقوبات التأديبية الجائز توقيعها على أعضاء النيابة الإدارية،
غير أنه قدر أن ثمة إخلالا بواجبات الوظيفة ومقتضياتها قد يقع من عضو النيابة ولا يستأهل
اتخاذ إجراءات التأديب، فشرع التنبيه لمواجهة مثل هذا الإخلال وناط توجيهه بكل من وزير
العدل ورئيس هيئة النيابة الادارية – القرار الصادر بتوجيه التنبيه إن هو إلا قرار
إدارى منشئ لمركز قانونى وتتوافر له كافة مقومات القرار الادارى وسماته، وهو بهذه المثابة
يفترق عن الملاحظات التى يملك الرؤساء توجيهها إلى أعضاء النيابة فيما يتعلق بتصرفاتهم
الفنية أو الإدارية أو عنايتهم بعملهم أو سيرتهم وسلوكهم والتى ينحسر وصف القرارات
الإدارية عنها – القرار الصادر بتوجيه التنبيه شأنه فى ذلك شأن أى قرار إدارى يتعين
أن يكون على سببه الصحيح المبرر له واقعاً وقانوناً وإلا كان غير مشروع حقيقا بالالغاء.
تطبيق.
إجراءات الطعن
بتاريخ 14/ 5/ 1994 أودع الأستاذ ……… المحامى بصفته وكيلا
عن الأستاذ ………. قلم كتاب المحكمة الإدارية العليا تقرير طعن قيد بجدولها تحت
رقم 2439 لسنة 40 ق. ع ضد السيدين المستشارين/ رئيس هيئة النيابة الإدارية ووزير العدل
بصفتهما طالباً فى ختامه الحكم بقبول الطعن شكلاً وبإلغاء القرار الصادر فى 22/ 1/
1994 بتوجيه تنبيه إليه طبقا للمادة 40 مكرراً من القانون رقم 117 لسنة 1958 وما يترتب
على ذلك من آثار.
وبعد إعلان تقرير الطعن قانوناً أودعت هيئة مفوضى الدولة تقريراً بالرأى القانونى فى
الطعن رأت فى ختامه الحكم بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بإلغاء القرار الصادر بتاريخ
22/ 1/ 1994 فيما تضمنه من توجيه تنبيه إلى الطاعن وما يترتب على ذلك من آثار وإلزام
الهيئة المطعون ضدها بالمصروفات.
وعينت لنظر الطعن أمام هذه المحكمة جلسة 15/ 6/ 1996 وفيها نظر الطعن على الوجه المبين
بمحضرها وتقرر حجز الطعن للحكم بجلسة اليوم وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة
على أسبابه.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات وبعد المداولة.
من حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.
ومن حيث إن عناصر المنازعة – حسبما أبانت الأوراق – تخلص فى أن الطاعن أقام طعنه الماثل
ابتغاء الحكم بطلباته السالفة البيان، وقال شرحا لطعنه إنه التحق منذ تخرجه بخدمة النيابة
الإدارية وتدرج بوظائفها حتى بلغ منصب نائب رئيس الهيئة وكان طوال حياته مثلا يحتذى،
وفى 30/ 1/ 1994 فوجئ بكتاب (سرى وشخصى) بتوقيع رئيس هيئة النيابة الإدارية تضمن أن
الفحص رقم 413 لسنة 1993 تفتبش أسفر عن أنه بصفته وكيل عام أول النيابة الإدارية ومدير
نيابة دمياط الإدارية (القسم الثانى) خرج على مقتضى الواجب ولم يحافظ على كرامة وظيفته
ولم يسلك فى تصرفاته مسلكا يتفق والاحترام الواجب والعرف العام بأن تغيب عن العمل يوم
28/ 10/ 1993 أثناء التفتيش المفاجئ الذى أجرى على النيابة فى ذلك اليوم دون إبداء
أى عذر عن سبب الغياب، وسترا لذلك قام بتاريخ30/ 10/ 1993 مع مرءوسه القائم بعمل رئيس
السكرتارية بتحرير خطابين مؤرخين 28/ 10/ 1993 إلى إدارة التفتيش والقومسيون الطبى
بدمياط يفيدان أن الطاعن أبلغ بمرضه يوم 28/ 10/ 1993 على خلاف الواقع، وانتهى الكتاب
إلى أن ما تقدم يعد خروجا على السلوك القويم وأمرا لم تعهده الأعراف القضائية وينم
عن عدم صيانة الطاعن لكرامة وظيفته وعدم حرصه على قدسية وهيبة الهيئة التى ينتمى إليها
إخلالا بمقتضيات وظيفته وبالمخالفة للمواد 14 و16 و18 و162 من التعليمات العامة بتنظيم
العمل الفنى بالنيابة الإدارية الصادرة بالقرار رقم 156 لسنة 1989 وخلص إلى توجيه تنبيه
للطاعن طبقا للمادة 40 مكرراً من قانون إعادة تنظيم النيابة الإدارية – إلى مراعاة
السلوك القويم من تصرفاته وضرورة الالتزام بالقانون والتعليمات، ومضى الطاعن مقرراً
أنه لما كان هذا التنبيه عقابا صدر على غير أساس صحيح من الواقع والقانون فقد بادر
فى 31/ 1/ 1994 إلى الاعتراض عليه لدى المجلس الأعلى للنيابة ولم يتلق ردا على اعتراضه
وهو ما حدا به إلى إقامة طعنه الماثل، ونعى على القرار الصادر بتوجيه التنبيه إليه
بالبطلان بمقولة أنه كان يتعين أن يسبقه تحقيق مستكمل أوضاعه وأركانه وضمانات سلامته،
وأن هذا القرار يفتقد سببه الصحيح من الواقع حيث لم يتغيب عن العمل وإنما كان قد أبلغ
بمرضه فى يوم 28/ 10/ 1993 ومنحته اللجنة الطبية العامة إجازة لمدة أسبوع بدءا من ذلك
التاريخ، ونفى الطاعن ما نسب إليه من محاولة ستر غيابه قولا بأنه لم يكن بحاجة إلى
ذلك حيث كان غيابه بعذر مشروع ثم أضاف يقول أن القرار المطعون فيه إنما استهدف ايجاد
مبرر لتخطيه فى الترقية إلى وظيفة نائب رئيس فى حركة الترقيات التى كانت منتظرة وقتذاك
وهو ما كان يمكن أن يقع فعلا لولا ماضيه المشرف وما عرف عنه من صدق واستقامة طبع وانتظام
فى العمل متوافر فيه، وخلص الطاعن من كل أولئك إلى طلب الحكم بمطلوبه.
وأجابت الجهة الإدارية على الطعن فذهبت إلى أن ما أخذ على الطاعن قد ثبت يقينا مما
جرى بشأن ظروف الواقعة وملابساتها من فحص سمعت فيه أقوال رئيس السكرتارية وأفاد به
الطاعن بمعلوماته بمذكرتين إحداهما غير مؤرخة والأخرى بتاريخ 19/ 1/ 1994، أما عن القول
باستهداف تخطيه فى الترقية فإن هذا الزعم تدحضه ترقيته فعلا إلى وظيفة نائب رئيس الهيئة،
مما يقطع بأن رئاسة الهيئة عندما وجهت إليه التنبيه مثار الطعن إنما استهدفت الصالح
العام لمحاسبته على خطئه سيما أن يتولى عملاً قياديا يقتضيه أن يكون قدوة لمرؤسيه من
الأعضاء والإداريين بالنيابة فى السلوك والتصرفات وتحمل المسئولية بشجاعة، وخلصت الجهة
الإدارية إلى طلب الحكم برفض الطعن.
ومن حيث إن المادة من القانون رقم 117 لسنة 1958 بإعادة تنظيم النيابة الإدارية
والمحاكمات التأديبية والمعدل بالقانون رقم 12 لسنة 1989 حددت على سبيل الحصر العقوبات
التأديبية التى يجوز توقيعها على أعضاء النيابة الإدارية فنصت فى فقرتها الأولى على
أن "العقوبات التأديبية التى يجوز توقيعها على أعضاء النيابة الإدارية هى: "الإنذار
– اللوم – العزل" ونصت المادة 40 مكرراً من القانون ذاته على أن "لكل من وزير العدل
ورئيس هيئة النيابة الإدارية أن يوجه تنبيها لعضو النيابة الذى يخل بواجباته أو مقتضيات
وظيفته بعد سماع أقواله، ويكون التنبه شفاهة أو كتابة، وللعضو أن يعترض على التنبيه
الكتابى الصادر إليه خلال أسبوع من تاريخ إخطاره به إلى المجلس الأعلى للنيابة الإدارية.
وللمجلس إجراء تحقيق عن الواقعة التى كانت محلا للتنبيه أو أن يندب لذلك أحد أعضائه
بعد سماع أقوال العضو الذى وجه إليه التنبيه، وله أن يؤيد التنبيه أو أن يعتبره كأن
لم يكن ويبلغ قراره إلى وزير العدل.
وفى جميع الأحوال إذا تكررت المخالفة أو استمرت بعد صدور التنبيه عليها "رفعت الدعوى
التأديبية".
ومن حيث إن المستفاد بجلاء من صريح هذه النصوص أن المشرع حدد على سبيل الحصر العقوبات
التأديبية الجائز توقيعها على أعضاء النيابة الإدارية، غير أنه قدر أن ثمة إخلالا بواجبات
الوظيفة ومقتضياتها قد يقع من عضو النيابة ولا يستأهل اتخاذ إجراءات التأديب، فشرع
التنبيه لمواجهة مثل هذا الاخلال وناط توجيهه بكل من وزير العدل ورئيس هيئة النيابة
الإدارية وليس من ريب فى أن القرار الصادر بتوجيه التنبيه إن هو إلا قرار إدارى منشئ
لمركز قانونى وتتوافر له كافة مقومات القرار الإدارى وسماته، وهو بهذه المثابة يفترق
عن الملاحظات التى يملك الرؤساء توجيهها إلى أعضاء النيابة فيما يتعلق بتصرفاتهم الفنية
أو الإدارية أو عنايتهم بعملهم أو سيرتهم وسلوكهم وفقا للمادة 17 من قرار وزير العدل
رقم 6457 لسنة 1989 بنظام واختصاص إدارة التفتيش بالنيابة الإدارية والتى جرى قضاء
هذه المحكمة على انحسار وصف القرارات الإدارية عنها وترتيبا على ذلك فإن القرار الصادر
بتوجيه التنبيه شأنه فى ذلك شأن أى قرار إدارى يتعين أن يكون على سببه الصحيح المبرر
له واقعاً وقانوناً وإلا كان غير مشروع حقيقاً بالإلغاء.
ومن حيث إن الثابت بالأوراق أنه بتاريخ 28/ 10/ 1993 أجرى تفتيش مفاجئ على نيابة دمياط
الإدارية التى يشرف عليها الطاعن حيث ثبت تخلفه عن الحضور فى ذلك اليوم، الأمر الذى
كشفت عنه زيارة المفتش لهذه النيابة فى حوالى الساعة التاسعة وعشر دقائق صباحا ومغادرتها
بعد قرابة نص الساعة ثم العودة إليها بعد الساعة الثالثة ظهراً ولم يتم إبلاغه بأية
أعذار تقدم بها الطاعن سواء من أعضاء النيابة أو من قبل رئيس السكرتارية بها، وفى 30/
10/ 1993 تم إعداد كتاب للقومسيون الطبى بدمياط لتوقيع الكشف الطبى على الطاعن وجرى
تقديم تاريخه إلى الخميس 28/ 10/ 1993 بدلالة التلاعب فى تاريخ الكتاب السابق عليه
مباشرة بدفتر الصادر وذلك فى محاولة لتدارك الموقف وستر واقعة الغياب يوم 28/ 10/ 1993،
وإذا كان صحيحا أن القومسيون الطبى قد رخص للمذكور فى إجازة مرضية لمدة أسبوع بدءاً
من 28/ 10/ 1993 وذلك حين توقيع الكشف عليه يوم 31/ 10/ 1993 مما يجعل الغياب مأذونا
فيه من السلطة الطبية المختصة إلا أن تضارب رئيس السكرتارية فى أقواله فى التحقيق الذى
أجرى معه بمعرفة التفتيش الفنى فى خصوص تحديد وقت إبلاغ الطاعن بمرضه وما إذا كان سابقا
على زيارة المفتش أو لاحقا لها فضلا عن عدم تبريره السكوت عن إبلاغ المفتش بعذر المرض
فى حينه إن كان قد أبدى حقا فى وقت سابق كل أولئك إنما يقطع فى دلالته على أن الغياب
بدأ فى غير إطار المشروعية وأن ما أعقبه من إجراءات أن هى إلا محاولات أريد بها ستر
المخالفة وتغطية ذلك الغياب، فإذا أضيف إلى ما تقدم أن الطاعن سمح لرئيس السكرتارية
بتوقيع خطابين موجه أحدهما إلى إدارة التفتيش الفنى خروجا على التقاليد والاصول المتبعة
والآخر إلى القومسيون الطبى بدمياط وهو ما يتصور أن لا يقدم عليه إلا بتكليف من الطاعن،
فإن ما تقدم جميعه إنما يرسى اليقين بأن الطاعن قد تردى إلى هنات وصغائر ما كان أغناه
عنها وهو من شاغلى الوظائف القضائية العليا الذين يدق بالنسبة إليهم ميزان الحساب أخذا
فى الاعتبار أن المحيطين بهم سواء من الأعضاء أو العاملين، بمسلكهم يهتدون وبمنهجهم
يقتدون، وغنى عن البيان أن ما جاء بمذكرتى الطاعن اللتين تقدم بهما إلى إدارة التفتيش
الفنى من إنكار لواقعة الغياب استمساكا بقرار القومسيون اللاحق بمنحه إجازة مرضية لا
يجدى فتيلا فى صدد ما تلا تلك الواقعة من تصرفات حادت على السلوك القويم حسبما تقدم
البيان، أما عن تبريره ما أجرى من تعديل على تاريخ المكاتبة السابقة على إبلاغ القومسيون
الطبى بالمرض بأن ذلك مجرد خطأ مادى فهو تبرير لا مقنع فيه فى ضوء الظروف والملابسات
السالفة الإيضاح.
ومن حيث إنه ترتيبا على جماع ما تقدم فإن الطاعن يكون بلا ريب قد أخل بواجبات وظيفته
وسلك مسلكا ما كان ينبغى لمثله أن ينزلق إليه ويتردى فيه، ويكون القرار الصادر بتوجيه
التنبيه إليه إزاء ذلك قد صدر سليما مطابقا للقانون ونأى عن أية شائبة ويضحى الطعن
عليه بالالغاء قائما على غير سند متعينا رفضه.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا ورفضه موضوعا.
