الطعن رقم 1430 سنة 17 ق – جلسة 04 /11 /1947
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 386
جلسة 4 من نوفمبر سنة 1947
برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك وأحمد حلمي بك وحسن إسماعيل الهضيبي بك المستشارين.
القضية رقم 1430 سنة 17 القضائية
طلب تحديد اختصاص. دعوى أمام محكمة الجنح. القضاء بعدم الاختصاص
لأن الفعل المسند إلى المتهم يكوِّن جناية. صيرورة هذا الحكم نهائياً. تقديم المتهم
إلى قاضي الإحالة بالجناية. أمره بإحالتها إلى محكمة الجنح للفصل فيها على أساس عقوبة
الجنحة. قضاء محكمة الجنح باعتبار الواقعة جنحة. استئناف المتهم وحده. قضاء المحكمة
الاستئنافية بعدم الاختصاص خطأ. تنازع سلبي. فضِّه.
(المادة 189 فقرة ثانية والمادة 241 تحقيق)
إذا رفعت الدعوى على المتهم أمام محكمة الجنح لدخوله منزلاً بقصد ارتكاب جريمة فيه
فقضت هذه المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى على أساس أن الفعل الذي ارتكبه المتهم
يكوِّن جناية هتك عرض، ثم لما صار هذا الحكم نهائياً أعادت النيابة التحقيق وقدمت المتهم
لقاضى الإحالة بجناية هتك العرض، فأمر بإحالة القضية إلى محكمة الجنح للفصل فيها على
أساس عقوبة الجنحة، فقضت باعتبار الواقعة جنحة دخول منزل، فاستأنف المتهم وحده، فقضت
المحكمة الاستئنافية بعدم الاختصاص مؤسسة قضاءها على أن الحكم الأول الصادر بعدم الاختصاص
يحول دون إعادة نظر الدعوى أمام محكمة الجنح، فهذا خطأ، إذ كان الواجب على محكمة الجنح
أن تنظر الدعوى على اعتبار أنها جناية يحكم فيها على أساس عقوبة الجنحة. هذا من جهة،
ومن جهة أخرى فإن الاستئناف كان مرفوعاً من المتهم وحده، وبمقتضى المادة 189 فقرة ثانية
من قانون تحقيق الجنايات لم يكن يصح الحكم بعدم الاختصاص [(1)].
المحكمة
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على المتهم أمام محكمة الجنح بأنه
دخل منزل باهية عبد الهادي بقصد ارتكاب جريمة فيه فقضت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر
الدعوى لأن الفعل الذي ارتكبه المتهم يكون جناية هتك عرض معاقباً عليها بالمادة 268
من قانون العقوبات، ولما أصبح ذلك الحكم نهائياً أعادت النيابة التحقيق وقدمت المتهم
لقاضي الإحالة بجناية هتك العرض فأمر بإحالة القضية إلى محكمة الجنح للحكم في الجناية
على أساس عقوبة الجنحة، فقضت محكمة أول درجة باعتبار الواقعة جنحة دخول منزل بقصد ارتكاب
جريمة ومعاقبة المتهم عليها بالحبس مع الشغل لمدة شهرين، فاستأنف المتهم وحده وقضت
المحكمة الاستئنافية بتاريخ 31 من أكتوبر سنة 1946 بإلغاء الحكم المستأنف وعدم اختصاص
محكمة الجنح بنظر الدعوى مؤسسة قضاءها على أن الحكم الأول الصادر بعدم الاختصاص لأن
الواقعة جناية يحول دون نظر الدعوى مرة أخرى أمام محكمة الجنح ولو كانت معادة إليها
باعتبارها جناية للحكم فيها على أساس عقوبة الجنحة، فقدمت النيابة طلبها بتاريخ 30
من مارس سنة 1947 إلى هذه المحكمة بعد فوات ميعاد النقض استناداً إلى المادة 241 من
قانون تحقيق الجنايات لتعيين المحكمة المختصة بالفصل في الدعوى.
وحيث إن تنازعاً سلبياً في الاختصاص قد قام في الدعوى، وإن هذا التنازع لم يزول بتقديم
القضية لقاضي الإحالة مرة أخرى، لأنه يجب عليه بمقتضى القانون أن يقضي فيها هو الآخر
بعدم جواز نظرها لسبق الفصل فيها بالأمر السابق صدوره منه.
وحيث إن محكمة الجنح المستأنفة ما كان يجوز لها أن تقضي بعدم اختصاصها بنظر الدعوى
لأنها أحيلت من قاضي الإحالة إلى محكمة الجنح باعتبارها جناية للحكم فيها على أساس
عقوبة الجنحة، وكان الواجب عليها أن تنظرها على هذا الاعتبار مع قيام الحكم الأول بعدم
الاختصاص لأن الواقعة جناية، وذلك وفقاً لم جرى عليه قضاء هذه المحكمة من تفسير نصوص
القانون بهذا الخصوص. وفضلاً عن هذا فإن الاستئناف كان مرفوعاً أمامها من المتهم، وبمقتضى
المادة 189 فقرة ثانية من قانون تحقيق الجنايات لا يصح في هذه الحالة الحكم بعدم الاختصاص
لأن الواقعة جناية ما دامت النيابة لم تستأنف.
وحيث إنه متى تقرر هذا، وكانت محكمة الجنح المستأنفة قد أخطأت على النحو المتقدم في
الحكم بعدم الاختصاص، فإنه يكون من المتعين قبول الطلب وإحالة القضية إليها للفصل فيها.
وحيث إنه لما تقدم يتعين قبول الطلب وإلغاء الحكم.
[(1)] ننشر فيما يلي مذكرة النيابة في طلب تعيين
المحكمة المختصة:
في 21/ 1/ 1945 رفعت النيابة العمومية الدعوى على محمد صبره السيد لأنه في ليلة 29/
12/ 1944 ببشبيش مركز بيلا دخل بيت باهية عبد الهادي المسكون قاصداً من ذلك ارتكاب
جريمة فيه وطلبت عقابه بالمادتين 370 و372 فقرة أولى من قانون العقوبات. وقد نظرت محكمة
بيلا الجزئية هذه الدعوى وحكمت فيها بتاريخ 5/ 3/ 1945 بعدم الاختصاص لأن واقعة الدعوى
تكوِّن جناية هتك عرض منطبقة على المادة 268 عقوبات.
فأعادت النيابة تحقيق القضية ثم قدمت المتهم لحضرة قاضي الإحالة بتهمة أنه هتك عرض
المجني عليها المذكورة بأن باغتها أثناء نومها ورفع ملابسها… فقرر قاضي الإحالة بتاريخ
6/ 11/ 1945 إحالة القضية على محكمة الجنح للفصل فيها على أساس عقوبة الجنحة. فقدمتها
النيابة لمحكمة بيلا الجزئية، فنظرتها هذه المحكمة وقضت فيها بتاريخ 8/ 4/ 1946 بحبس
المتهم شهرين مع الشغل عن دخوله منزل المجني عليها وبرَّأته من جناية هتك العرض. فاستأنف
المتهم وحده هذا الحكم في 13/ 4/ 1946 ونظرت محكمة طنطا الابتدائية هذا الاستئناف وقضت
فيه بتاريخ 31/ 10/ 1946 بإلغاء الحكم المستأنف وعدم اختصاص محكمة الجنح بنظر الدعوى
أخذاً برأي خاطئ مفاده أن محكمة الجنح لا يجوز لها أن تنظر الدعوى مرة أخرى بعد أن
حكمت بعدم اختصاصها بها ولو كانت معادة إليها باعتبارها جناية للحكم فيها بعقوبة الجنحة
عملاً بقانون 19/ 10/ 1925.
وبما أن الحكم الأخير الصادر في 31/ 10/ 1946 بعدم اختصاص محكمة الجنح قد أصبح – رغم
مخالفته للقانون من أكثر من وجه – نهائياً بفوات ميعاد الطعن فيه كما أصبح من قبل قرار
قاضي الإحالة الصادر في 6/ 11/ 1945 نهائياً كذلك، فالتنازع السلبي في الاختصاص قد
قام في هذه القضية بين قضاء التحقيق وبين قضاء الحكم من جهة أو بين قضاء الجنح وقضاء
الجنايات إذا اعتبر قاضي الإحالة ممثلاً لهذا القضاء الأخير. ثم هو سيقوم إذا أعيد
تقديم القضية لقاضي الإحالة لأنه سيقضي فيها حتماً بعدم جواز نظرها لسابقة إحالته إياها
بقرار نهائي كما ستقضي فيها محكمة الجنايات بعدم الاختصاص لو أن قاضي الإحالة خالف
القانون وأحال القضية إليها.
وبما أن القانون المصري، كالقانون الفرنسي، لا يجيز أن يفلت المتهم من العقاب لتنازع
المحاكم على الاختصاص بمحاكمته. فقد عالجت المادة 241 من قانون تحقيق الجنايات ذلك
وهي تكاد تكون ترديداً لأحكام المادتين 526 و540 من قانون تحقيق الجنايات الفرنسي.
ويتبين من إطالة النظر في نص المادة 241 ومصدرها التشريعي أن محكمة النقض والإبرام
هي صاحبة الولاية العامة بفض التنازع في الاختصاص في المسائل الجنائية، وأن المحاكم
الأخرى المذكورة في المادة 241 لا تملك من أمر هذا التنازع إلا ما أعطيته صراحة وفي
حدود ما أعطي لها، فهي لا تملك أن تفض إلا التنازع الإيجابي ولا تملك أن تفض منه إلا ما وقع بين قضاء التحقيق وحده أو ما بين قضاء الحكم في الجنح والمخالفات وحده.
أما التنازع السلبي فلا ولاية لها به البتة. كذلك لا ولاية لها بالتنازع الإيجابي إذا
وقع بين قضاء التحقيق وبين قضاء الحكم أو بين قضاء الحكم في الجنح (المحكمة الابتدائية
أو القاضي الجزئي) وبين قضاء الحكم في الجنايات (محاكم الاستئناف) بل ولاية فض هذا
التنازع تكون لمحكمة النقض والإبرام وحدها (جارو شرح قانون تحقيق الجنايات جـ 6 ن 2150
ص 68 وما بعدها والأمثلة العديدة المذكورة في هامش ص 68).
ولقد وكدت محكمة النقض والإبرام المصرية حقها في فض مثل هذا التنازع في حكمين لها صدر
أولهما في 18 فبراير سنة 1946 في الطعن رقم 252 لسنة 16 القضائية جاء فيه "إذا كان
الحكم بعدم الاختصاص بحسب البيانات الواردة فيه يدل بذاته على خطأ المحكمة ويفيد في
الوقت عينه أن الواقعة التي تحدث عنها إنما هي في الحقيقة خالية من الشبهة المدعاة
فإن محكمة النقض لا يكون في وسعها في هذه الحالة أن تصدر حكمها بعدم جواز الطعن بل
يكون لها، ما دامت الظروف على ما جاء في الحكم المطعون فيه تدل على أنه سيقابل حتماً
من المحكمة التي رأى أن الدعوى من اختصاصها بحكم آخر بعدم اختصاصها هي الأخرى، أن تعتبر
الطعن بالنقض المقدم إليها طلباً بتعيين المحكمة التي يجب أن يكون الفصل في الدعوى
من اختصاصها وتقبله على أساس ما وقع من خطأ ظاهر وذلك وضعاً للأمور في نصابها". وصدر
الحكم الثاني في 15 من إبريل سنة 1946 في الطعن رقم 888 لسنة 1946 القضائية وقد كررت
فيه المحكمة العليا نفس المبدأ بنفس الألفاظ.
وبما أنه متى تقرر ما تقدم وكان الالتجاء إلى طلب تعيين المحكمة المختصة لم يحدد له
القانون ميعاداً بل يشترط فيه أن يكون الحكم لم يعد قابلاً للطعن بطريق من طرق الطعن
العادية أو غير العادية، فيحق للنيابة العمومية أن تلجأ إلى محكمة النقض والإبرام لالتماس
هذا التحديد في القضية موضوع هذا الطلب.
