الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1840 سنة 17 ق – جلسة 26 /05 /1947 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 349

جلسة 26 من مايو سنة 1947

برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك وسليمان حافظ بك ومحمد صادق فهمي بك المستشارين.


القضية رقم 1840 سنة 17 القضائية

دفاع. طلب الدفاع عن المتهم بقذف وزير سابق بسبب أعمال وظيفته وقف الدعوى إلى أن يحكم المجلس المخصوص في أمر هذا الوزير. عدم إجابته بناءً على أسباب مبررة له. لا تثريب على المحكمة في ذلك.
إذا كان الدفاع عن المتهم بالقذف في حق وزير سابق بسبب أعمال وظيفته قد طلب إلى المحكمة وقف الدعوى إلى أن يحكم المجلس المخصوص في أمر هذا الوزير إذ أن مجلس النواب الذي يجوز له إقامة الدعوى على الوزراء أمام ذلك المجلس قد شكَّل لجنة برلمانية لتحقيق ما نسب إلى هيئة الوزارة التي كان الوزير المقذوف في حقه عضواً فيها، فرفضت المحكمة هذا الطلب بناءً على أن المجلس المخصوص إنما يفصل في التهم الموجهة إلى الوزراء فيدينهم أو يبرئهم، أما الدعوى المرفوعة أمامها فإنها تتعلق بمسائل نسبت إلى المقذوف في حقه تختص محكمة الجنايات بالفصل فيها ولها في سبيل ذلك أن تحقق الأدلة عليها، دون أن يكون في هذا أدنى مساس بحق المجلس المخصوص في النظر فيما يقدم إليه من أدلة الإثبات على التهم التي تطرح عليه، فلا تثريب على المحكمة في ذلك [(1)].


[(1)] القاعدة التي قررتها المحكمة العليا بهذا الحكم تكمل – فيما يتعلق بقذف الوزراء وسلطة المحاكم في تحقيق صحة وقائعه أو كذبها – ما سبق تقريره بحكمها الصادر في 24 فبراير سنة 1936 في القضية رقم 2146 سنة 5 المنشور بالجزء الرابع من هذه المجموعة تحت رقم 444. فقد كان الوزير المجني عليه في القذف قد شكا للمحكمة العليا من أن محكمة الجنايات قد خرجت عن ولايتها إذ بحثت مبررات أعمال الوزير من الجهة الفنية والقانونية، في حين أن التصرف في أموال الدولة وإدارة شؤونها المالية والإدارية بجميع أنواعها ومن كافة نواحيها إنما هو من حق واختصاص السلطة الإدارية، وكل أعمالها في دائرة هذا الاختصاص لها – في نظر الطاعن – صفة محترمة ليس لأي سلطة أخرى أن تقيدها أو تعيد النظر في شأنها أو تناقش في صلاحيتها أو تثير شكَّاً في نزاهتها. وقد نص الدستور على أن مجلس الوزراء هو المهيمن على مصالح الدولة، وبهذا النص يدخل في اختصاص مجلس الوزراء كل ما هو مقرر بمقتضى القوانين للسلطات الإدارية بجميع أنواعها من إدارات منفذة إلى محاكم إدارية على اختلاف درجاتها إلى مجلس الدولة، ويخرج كل هذا عن حدود السلطات القضائية فلا يجور لها أن تنظر فيه. وقد عرضت جميع الوقائع محل القذف على مجلس الوزراء وأقرَّها… وأمام هذا الإقرار أصبحت المحاكم ممنوعة من التعرض لتلك الأعمال للنظر في أنها لم تكن لمصلحة الدولة مالياً أو اقتصادياً أو أنها أديت عبثاً، بل إن هذه الوقائع بذاتها عرضت على مجلس النواب، وهو السلطة العليا التي تراقب تصرفات مجلس الوزراء، وأبدى الوزير عنها بياناً ولم يعترض المجلس على بيانه ولم يطلب مناقشته ولا استجوابه ولا اتهامه، فلا يجوز لأي فرد أن يطلب محاسبة الوزير أو محاسبة مجلس الوزراء على هذه التصرفات بذاتها، ولا يجوز لمحكمة قضائية أن تبحث فيها من طريق أن المتهم بالقذف من حقه أن يقدم الدليل على صحة ما قذف به، لأن في ذلك مخالفة للدستور الذي ينص على أن لمجلس النواب وحده حق اتهام الوزراء فيما يقع منها من الجرائم في تأدية وظائفهم.
وقد رفضت محكمة النقض ذلك الطعن بقولها: "ومن حيث إنه يلوح من عبارة هذا الوجه أن الطاعن أقحم نظرية الفصل بين السلطات في الدعوى الحالية بدون أي مبرر، لأن محكمة الموضوع لم توقف تنفيذ القرارات الإدارية التي كانت موضوع القذف ولم تؤولها، بل إن هذه القرارات نفذت بالفعل، ولم يكن اختصاص الوزير أو مجلس الوزراء بتنفيذها محل شك، ولم يعرض شيء من ذلك على المحكمة، ولكن موضوع الدعوى الحالية يقوم على أساس آخر هو حق كل فرد من نقد أعمال الموظفين العموميين، وقد تأيد هذا الحق الطبيعي بترخيص القانون لكل ناقد في إثبات وقائع القذف التي ينسبها للموظفين، وليس في ذلك أي معنى للتعدي على سلطة الموظفين أو على اختصاصهم. ومحكمة الموضوع إذ قضت على أساس أن القرارات موضوع القذف لم تلاحظ فيها المصلحة العامة وأن المبررات التي استند عليها الطاعن في اتخاذ قراراته غير صحيحة لم تتجاوز اختصاصها بل إنها طبقت القانون، وهو يبيح للقاذف إثبات وقائع القذف، تطبيقاً سليماً. فلا يمنع قيام أي قرار إداري في أمر معين من إمكان إثبات أن هذا القرار لم تلاحظ فيه المصلحة العام وأنه قصد به المحاباة وخدمة الأشخاص. وليست المحاكمة مقيدة عند تقرير هذه القرارات في قضايا القذف بالأخذ بالاعتبارات أو التأويلات التي تدلي بها الجهة التي أصدرت تلك القرارات، لأن القانون لم يقيد حق القاذف في الإثبات بأي قيد فيجوز له إثبات صحة وقائع القذف بكل الطرق القانونية".
والحكم موضوع التعليق يتقدم بقاضي القذف خطوة أخرى نحو الحرية الكاملة. فقد كان الطاعن في هذه القضية متهماً بقذف أحد الوزراء السابقين قذفاً يتعلق بتصرفاته أثناء اضطلاعه بمنصبه. وطلب الطاعن من محكمة الجنايات أن توقف نظر دعوى القذف لأنه شكلت لجنة برلمانية لتحقيق ما نسب إلى الوزارة التي كان المجني عليه المطعون ضده مشتركاً فيها، ولأن الدستور نص على محكمة خاصة هي التي تحاكم الوزراء فلا يجوز لمحكمة الجنايات أن تتعرض للأدلة على وقائع منسوبة للمجني عليه هناك. وقد رأت محكمة الجنايات أن هذا الطلب لا تمكن إجابته لأن المحكمة الخاصة بمحاكمة الوزراء الغرض منها الفصل في التهمة الموجهة إليهم وإدانتهم فيها أو براءتهم منها، والأمر هنا يتعلق بمسألة قذف تختص محكمة الجنايات بالفصل فيها، وعلى القاذف أن يقدم الدليل على صحة ما أسنده، وللمحكمة في سبيل الفصل في دعوى القذف أن تحقق الأدلة على الدعوى المطروحة أمامها من غير أن يكون في ذلك أدنى مساس بحق المحكمة المخصوصة في النظر فيما يقدم إليها من الإثبات على التهم التي تطرح أمامها، وقد يعجز المتهم بالقذف عن إقامة الدليل على ما قذف به في دعوى القذف ثم يقدمه أمام المحكمة المخصوصة التي لا يقيدها حكم محكمة الجنايات.
وقد أقرت محكمة النقض هذا النظر. والواقع أن نصوص المواد 302 و303 و305 من قانون العقوبات لا تدع مجالاً للشك في أن قاضي القذف أو البلاغ الكاذب ليس ملزماً بإيقاف الدعوى حتى يصدر حكم بعدم صحة وقائع القذف أو البلاغ من المحكمة الجنائية المختصة. وإذا كانت المادة 35 من قانون الصحافة الفرنسي المعدلة في سنة 1944 بعد أن قضت بجواز إثبات صحة القذف الموجه إلى الهيئات والمصالح العامة والموظفين العموميين والأشخاص المكلفين بخدمة عمومية والقائمين على كل مؤسسة صناعية أو تجارية أو مالية تلتجئ علانية إلى الادخار العام أو الثقة العامة، وبعد أن استثنت من ذلك الوقائع المتعلقة بالحياة الخاصة أو الوقائع التي ترجع إلى أكثر من عشر سنين أو إلى وقائع تكون جريمة محاها العفو الشامل أو مضي المدة أو رد الاعتبار أو إعادة النظر – إذا كانت تلك المادة بعد أن قضت بذلك نصت على أنه في الأحوال الأخرى وبالنسبة لغير من ذكروا متى كانت الأفعال المسندة موضوع إجراءات جنائية بدأت بناءً على طلب النيابة أو على شكوى من القاذف فإنه يتعين – أثناء التحقيق – إيقاف الفصل في القذف، فإن هذا النص لا يوجب الإيقاف إلا في حالة القذف الذي لا يجوز فيه الإثبات. ولذلك قالوا إن لمحكمة الجنايات التي يعرض عليها قذف في حق موظف عام أن ترفض الإيقاف ولو كانت وقائع القذف موضوع تحقق جنائي. على أن ذلك لا يمنع المحكمة إذا شاءت من تأجيل دعوى القذف حتى يبت في أمر ذلك التحقيق. وقد انتقد باربييه تقييد هذا النص بحالة القذف الموجه لغير الموظفين ومن في حكمهم وقال: "إن التحقيق الجنائي المفتوح قد يزود القاذف في حق موظف أو من في حكمه بأدلة ليس في مقدوره الحصول عليها وحده، وإنه من الغريب أن تتيح هذه الوسيلة من الإثبات لقاذف ليس له في الأصل حق الإثبات وأن نأباها على قاذف سلمنا بأصل حقه في إثبات ما أسنده. وكيف يكون موقف النيابة أمام المحلفين حين تطلب منهم معاقبة متهم يستطيع أن يقول لهم إن ما أسنده للمجني عليه أصبح موضوع تحقيق جنائي قائم سينتهي بإثباته" (باربييه ن 575 وما بعدها). على أنه من المسلم به عندهم أن وجوب الإيقاف يحتاج إلى نص وأن النص عليه استثناء يجب التزام حدوده وعدم تجاوزها (باربييه المرجع السابق).

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات