الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 788 سنة 17 ق – جلسة 12 /05 /1947 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 337

جلسة 12 من مايو سنة 1947

برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة، وحضور حضرات: محمد المفتي الجزايرلي بك وأحمد علي علوبة بك ومصطفى مرعي بك ومحمد صادق فهمي بك المستشارين.


القضية رقم 788 سنة 17 القضائية

أ وب وجـ – مراقبة المحاكم على دستورية القوانين. إصدار مرسوم بقانون لتنظيم الحرية الشخصية. لا مخالفة في ذلك للدستور. المادة 41 من الدستور لم تفرق بين المواد الجنائية وغيرها من التدابير المستعجلة. سلطة سن القوانين.
د – جريمة الامتناع عن العمل. المادة 124 ع. أركان الجريمة المبينة بها.
1 – إن النص في المادة 4 من الدستور على أن الحرية الشخصية مكفولة – ذلك لا يمنع المشرع من وضع قوانين لتنظيمها في مصلحة الجماعة، فإن هذه الحرية، كغيرها من سائر الحريات، لا تقوم بالنسبة إلى الفرد إلا في حدود احترامه حريات غيره. فحين يكون من وراء استعمالها الإضرار بالغير فإنها لا تكون في حقيقة أمرها حرية، ولا تكون بالتبع مكفولة.
2 – إن المادة 41 من الدستور حين أجازت للملك إصدار المراسيم التي نوهت عنها قد نصت في الوقت ذاته على أن هذه المراسيم تكون لها قوة القانون، وهي لم تفرق في هذا الشأن بين المواد الجنائية وغيرها من التدابير المستعجلة التي يرى وجوب اتخاذها بين أدوار انعقاد البرلمان.
3 – ليس للمحاكم أن تخوض في صميم أعمال المشرع فتراقبه في سلطة سن القوانين [(1)] بمقولة إن حق إصدار المرسوم بقانون هو حق استثنائي لا يجوز التوسع في الأخذ به.
4 – إن كل ما تتطلبه المادة 124 من قانون العقوبات هو أن يمتنع الموظف أو العامل عن عمله أو يتركه بقصد عرقلة سيره أو الإخلال بانتظامه، وهي لا تستلزم وقوع ضرر بالمصلحة العامة، ولا أن يكون المتهمون متعددين.


الوقائع

اتهمت النيابة العمومية هذا الطاعن بأنه باعتباره من الأجراء القائمين بعمل يسد حاجة عامة – عامل بشركة ترام القاهرة – امتنع عمداً عن عمله في هذه الشركة بقصد عرقلة سير العمل والإخلال بانتظامه وترتب على هذا الامتناع إضرار بمصلحة عامة، وطلبت عقابه بالمادتين 374/ 1، 2 و124/ 3، 4 من قانون العقوبات المعدل بالمرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1946.
ولدى نظر الدعوى أمام محكمة الوايلي الجزئية دفع المتهم بعدم دستورية المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1946، فرفضت المحكمة المذكورة هذا الدفع ثم قضت حضورياً في 2 نوفمبر سنة 1946 عملاً بالمادتين المذكورتين آنفاً بحبس المتهم شهرين مع الشغل والنفاذ. فاستأنف هو والنيابة. إلخ. إلخ.


المحكمة

وحيث إن الوجه الأول من وجهي الطعن يتحصل في القول بأن الحكم المطعون فيه أخطأ إذ دان الطاعن ولم يأخذ بما تمسك به الدفاع عنه من بطلان المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1946 الذي عاقبه بمقتضاه. وفي بيان ذلك يقول الطاعن (أولاً) إن هذا المرسوم بقانون صدر من السلطة التنفيذية فيما بين دوري انعقاد البرلمان بمقتضى الرخصة المخولة لها بالمادة 41 من الدستور، إلا أن هذه المادة اشترطت لهذه الرخصة أن لا يكون المرسوم مخالفاً للدستور. وقد خالف المرسوم ما قضت به المادة الرابعة من الدستور من أن الحرية الشخصية للأفراد مكفولة. ولا شك أن من مظاهر هذه الحرية حق العمال في الامتناع عن العمل. فقد حد المرسوم بقانون من هذا الحق بما وضعه من قيود وما نص عليه من عقوبات. (وثانياً) أن المادة السادسة من الدستور نصت على أن لا جريمة ولا عقوبة إلا بقانون. وإنه ولو أن المرسوم بقانون يكون له قوة القانون، إلا أنه لا يصل إلى قوة القانون في المسائل الجنائية على الخصوص من حيث خلق جرائم ووضع عقوبات لها، والدستور لم يسو بين الاثنين تمام المساواة، إذ يكفي أن لا يعرض المرسوم بقانون على البرلمان في أول اجتماع غير عادي أو أن لا يقره أحد مجلسي البرلمان حتى يفقد قوته. أما القانون فلا يلغى إلا بقانون، مما مفاده أن الرخصة في إصدار المرسوم بقانون هي حق استثنائي لا يجوز التوسع في تطبيقه.
وحيث إن ما يثيره الطاعن بهذا الوجه مردود (أولاً) بأن المادة 4 من الدستور وإن نصت على أن الحرية الشخصية مكفولة إلا أن ذلك لا يمنع المشرع من وضع قوانين لتنظيمها في مصلحة الجماعة. بدليل نص المادة 5 من الدستور على أنه لا يجوز القبض على إنسان ولا حبسه إلا وفق أحكام القانون. ذلك لأن هذه الحرية، كغيرها من سائر الحريات، لا تكون كذلك في حق الشخص إلا في حدود احترامه حريات غيره. فإذا كان من وراء استعمالها الإضرار بالأهلين فإنها في الواقع وحقيقة الأمر لا تكون حرية، وبالتالي لا تكون مكفولة فيما يختص بالتجاوز عن حدودها. (وثانياً) بأن المادة 41 من الدستور حين أجازت للملك إصدار المراسيم التي نوهت عنها قد نصت في الوقت ذاته على أن هذه المراسيم تكون لها قوة القانون، ولم تفرق في هذا الشأن بين المواد الجنائية وغيرها من التدابير المستعجلة التي يرى وجوب اتخاذها بين أدوار انعقاد البرلمان. (وثالثاً) بأن المحاكم ليس لها أن تخوض في صميم أعمال المشرع وتراقبه في سلطة سن القوانين إلى الحد الذي يقول به الطاعن.
وحيث إن الوجه الباقي يتلخص في القول بأن المحكمة قالت إنها لا ترى في امتناع الطاعن عن العمل ما يلحق ضرراً بالشركة، وكان هذا يقتضي الحكم ببراءته إذ أن وقوع الضرر بمصلحة عامة وارد في وصف التهمة ومشروط في المرسوم بقانون. وفضلاً عن ذلك فإن القانون يشترط للعقاب أن يكون الممتنعون ثلاثة على الأقل، وقد تمسك الدفاع بأن هذا لم يثبت بل رفعت الدعوى على الطاعن وحده، والمحكمة دانته بغير أن ترد على هذا الدفاع.
وحيث إنه لا محل لما يثيره الطاعن في هذا الوجه، فإن المحكمة قد قصرت إدانته على إحدى الواقعتين المرفوعة بهما الدعوى عليه وعاقبته بمقتضى الفقرة الثالثة من المادة 124 عقوبات، وهذه لا تستلزم – كما يزعم – وقوع ضرر بالمصلحة العامة ولا تعدد المتهمين، وكل ما تتطلبه هو أن يمتنه الموظف أو العامل عن عمله أو يتركه بقصد عرقلة سيره أو الإخلال بانتظامه.


[(1)] كان الطاعن ينعى على الحكم أنه طبق المرسوم بقانون رقم 116 لسنة 1946 مع بطلانه في نظره، لأن المادة 41 من الدستور توجب ألا يكون المرسوم مخالفاً للدستور من جهة أنه يخل بالحرية الشخصية التي من مظاهرها حق العامل في الامتناع عن العمل، ومن جهة أن هذا المرسوم يخل بمبدأ قانونية الجريمة والعقاب، لأنه لا تبلغ قوته التشريعية الحد الذي يسوغ أن ينص فيه على جرائم وعقوبات غير مقررة في القوانين العادية، وأن إصداره على الوجه الذي صدر به توسع غير جائز في استعمال حق استثنائي لا يجوز التوسع فيه. وقد رفضت المحكمة طعن الطاعن وقررت المبادئ المذكورة في المتن ومنها قولها: "إنه ليس للمحاكم أن تخوض في صميم أعمال المشرع فتراقبه في سلطة سن القوانين بمقولة إن إصدار المرسوم بقانون هو حق استثنائي لا يجوز التوسع فيه". وهذه العبارة التي يشيع فيها الاحتياط والتحرج تبين اتجاه المحكمة العليا في معالجة المشكلة الخاصة برقابة المحاكم على دستورية القوانين. ويتضح هذا المعنى فيها بالمقابلة بينها وبين ما قررته محكمة القضاء الإداري في حكمها الصادر في القضية رقم 65 سنة 1 من قولها: "ليس في القانون المصري ما يمنع المحاكم المصرية من التصدي لبحث دستورية القوانين، يليه المراسيم بقوانين، سواء من ناحية الشكل أو الموضوع. أما القول بأن هذا التصدي إهدار لمبدأ فصل السلطات بتدخل السلطة القضائية في عمل السلطة التشريعية بما يعطل تنفيذه فإنه يقوم على حجة داحضة، فإن في التصدي إعمالاً لهذا المبدأ ووضعاً للأمور في نصابها الصحيح بما يؤكده ويثبته. وإن السلطة القضائية إذ تتولاها المحاكم يناط بها، بمقتضى المادة 30 من الدستور، تفسير القوانين وتطبيقها. ويتفرع عن ذلك أنها تملك الفصل عند تعارض القوانين في أيها هو الواجب التطبيق إذ لا يعدو أن يكون هذا التعارض صعوبة قانونية مما يتولد عن المنازعة فتشملها سلطة المحكمة في الفصل لأن قاضي الأصل هو قاضي الفرع… وأن الدستور هو أحد القوانين التي يجب على المحاكم تطبيقها ولكنه يتميز عن سائر القوانين بما له من طبيعة خاصة تضفي عليه صفة العلو وتسمه بالسيادة بحسبانه كفيل الحريات ومناط الحياة الدستورية. ويستتبع ذلك أنه إذا تعارض قانون عادي مع الدستور في منازعة من المنازعات التي تطرح على المحاكم وقامت بذلك لديها صعوبة مثارها أي القوانين هو الأجدر بالتطبيق وجب عليها بحكم وظيفتها القضائية، بناءً على ما تقدم، أن تتصدى لهذه الصعوبة… ويتعين عليها عند قيام هذا التعارض أن تطرح القانون العادي وتهمله وتغلب عليه الدستور وتطبقه بحسبانه القانون الأعلى الأجدر بالاتباع. وهي في ذلك لا تعتدي على السلطة التشريعية ما دامت المحكمة لا تضع بنفسها قانوناً ولا تقضي بإلغاء قانون ولا تأمر بوقف تنفيذه. وغاية الأمر أنها تفاضل بين قانونين قد تعارضا. وإذا كان القانون العادي قد أهمل فمرد ذلك في الحقيقة إلى سيادة الدستور العليا على سائر القوانين – تلك السيادة التي يجب أن يلتزمها كل من القاضي والشارع على حد سواء".
والواقع أن رقابة المحاكم على دستورية القوانين ليست مشكلة فقهية تحل من طريق استقراء النصوص وإجراء أحكام المنطق على مقدمات تنتزع من وظيفة القضاء بصفة عامة أو من طبيعة الدستور وسموه على القوانين بصفة خاصة، وإنما هي قبل كل شيء مشكلة سياسية دستورية، لأن حلها على وجه أو آخر يؤثر في التوازن السياسي بين السلطات. ومن أجل هذا التأثير كان تصور حلها من الطريق الفقهي، مع سكوت واضعي الدستور عنها، مجازفة يشهد بها أن الدساتير التي تتعرض لحل هذه المشكلة تخلق محاكم خاصة توفر لها من العناصر والاعتبارات ما يكفل صلاحيتها لأن تكون حكماً بين السلطات. أما تصدى القضاء العادي للاضطلاع بوظيفة الحكم بين السلطات السياسية الكبرى من طريق مراقبة دستورية القوانين فضلاً عن أنه لا يتفق مع حقيقة المشكلة، كما قلنا، لا يمكن أن يتفق مع مراد واضعي الدستور الذين لو أرادوا اختصاص القضاء العادي على كافة درجاته ومراتبه بهذا الشأن الخطير لما أعوزهم البيان ولما ضاق عليهم مجال التصريح، ولكان ذلك حرياً منهم مع البيان والتصريح إلى شيء من التنظيم يتناسب مع جلال هذه المهمة البالغة الخطر والأثر. بل إن في الأعمال التحضيرية للدستور ما يدل على أن واضعيه أرادوا إبعاد المحاكم عن هذا الإشكال. فقد جاء في مذكرة اللجنة الاستشارية التشريعية عن المادة 167 من الدستور التي تقضي بنفاذ القوانين والمراسيم والأوامر واللوائح والقرارات السابقة على صدور الدستور بشرط أن يكون نفاذها متفقاً مع مبادئ الحرية والمساواة – جاء في هذه المذكرة ما يأتي: "إن حكم هذه المادة لا غنى عنه حتى يظل النظام التشريعي كله واللوائح الحالية معمولاً بها وإن لم ينص على هذا جازت المنازعة في شرعية عدد لا يحصى من الإجراءات التي لم تكن شرعيتها موضع شك وقت إصدارها وإن كانت لا تتمشى اليوم مع القواعد الجديدة التي قررها الدستور لحكم البلد. فالمبدأ يقضي إذن بأن يظل النظام القديم نافذاً وخاضعاً لتحفظين أولهما: ألا يتعارض تنفيذ القوانين والمراسيم القديمة بمبادئ الحرية والمساواة التي كفلها الدستور، وبناءً على ذلك فلا يطبق قانون المطبوعات في كل ما تعارضت أحكامه مع الضمانات الواردة بالمادة 15. وثانيهما النص الصريح على أن السلطة التشريعية يمكنها بطبيعة الحال إلغاء أو تعديل المراسيم القديمة في حدود سلطتها… وكان نص المادة 151 القديمة (المقترحة من لجنة الدستور) يرمي إلى هذا الغرض نفسه غير أنه كان يترتب عليه أن يترك للسلطة القضائية أمر الرقابة على دستورية تلك المراسيم واللوائح وعلى كافة إجراءات التنفيذ التي اتخذت في الماضي لأن هناك مصلحة ظاهرة في ألا يجعل النظام الحكومي بأجمعه محلاً للمناقشة وقد خضعت البلاد له حتى اليوم".
وفي الحق أن تعرض أية محكمة للبحث في دستورية قانون من القوانين سواء أكان ذلك مباشرة ببحث صحته أو بطلانه أو غير مباشرة من طريق إقراره أو الامتناع عن تطبيقه يشوش حتماً على تنفيذ هذا القانون وإذعان الناس له ويوقع الاضطراب في أعمال الدولة، سيما إذا كان هذا القانون من القوانين المالية. ويتضاعف هذا الاضطراب إذا اختلفت آراء المحاكم في مختلف درجاتها. وهو أمر لا شك غير سائغ في نظام قانوني ويوجد به نص كنص المادة 123 عقوبات التي تعاقب كل موظف عام استعمل سلطة وظيفته في توقيف تنفيذ الأوامر الصادرة من الحكومة أو تنفيذ أحكام القوانين واللوائح. وكنص المادة 177 التي تعاقب كل من حرض غيره بإحدى طرق العلانية على عدم الانقياد للقوانين. ولعل ما قدمناه يزيد قوة حين يلاحظ اتساع آفاق التشريع نتيجة اتساع اختصاصات الدولة واشتغال المشرع في الغالب بما يسمى التشريع الاجتماعي الذي يمس في كثير من المواضع بحرية التعاقد وحرية الملك وحرية العمل وحرية تكوين الجمعيات أو الهيئات، والذي يختلف في شأنه الرأي هل المساس مساس تحديد أو مساس تقييد، وهل المشرع ينظم هذه الحريات أو يخل بها؟ وعلى حسب الإجابة يختلف وصف التشريع بأنه مطابق أو مخالف للدستور. وبين هذا وهذا تختلف الآراء وتتضارب الأهواء وتتفرق الفرق والأحزاب. فهل في هذا مجال للقضاء العادي مع حيدته التقليدية التي يخلعها عليه التزامه أحكام القوانين وإعراضه عن السياسة التي أملتها أو سنتها؟ (راجع في عرض هذه المسألة بارتلمى ودويز من ص 207 إلى ص 226) وفيه كلام قيم في بيان كيف اتخذت المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية لنفسها هذا الاختصاص والاعتبارات التي سوغت لها ذلك، وأن هذه الاعتبارات لا تتوفر لمحكمة النقض الفرنسية ولا للقضاء الفرنسي عموماً، وأن هذا القضاء لم يدع لنفسه هذا الحق.
كذلك القضاء البلچيكي، وعلى رأسه محكمة النقض، لا يجيز لنفسه مراقبة دستورية القوانين (راجع حكم 16 يوليه سنة 1894 المنشور في مجلة بلچيكا القضائية سنة 1894 ص 342 و19 يوليه سنة 1921 المنشور بالباسكريزى سنة 1921 ص 455 و10 ديسمبر سنة 1928 المنشور بالباسكريزى في سنة 1929 جزء 1 ص 36). والفقه البلچيكي منقسم في هذه المسألة انقسام الفقه الفرنسي (راجع في ذلك مجموعة نوڤل الجزء الأول الخاص بالقانون الدستوري والإداري نبذة 433 وما بعدها).

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات