الطعن رقم 268 سنة 17 ق – جلسة 11 /03 /1947
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 312
جلسة 11 من مارس سنة 1947
برياسة حضرة أحمد نشأت بك وحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك وسليمان حافظ بك ومحمد صادق فهمي بك المستشارين.
القضية رقم 268 سنة 17 القضائية
ضرائب. زيادة ما لم يدفع من الضريبة. الزيادة التي قررها الأمر
العسكري رقم 361. مناط الحكم بها. ما يجب بيانه في الحكم.
إن المادة 85 من القانون رقم 14 لسنة 1939 بفرض ضريبة على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة
وعلى الأرباح التجارية والصناعية وعلى كسب العمل قد نصت في الفقرة الأولى منها على
أن مخالفة أحكام المواد المشار إليها فيها يعاقب عليها بغرامة لا تزيد على ألفي قرش
وبزيادة ما لم يدفع من الضريبة بمقدار لا يقل عن 25% منه ولا يزيد على ثلاثة أمثاله،
وقضت في فقرتيها الثانية والثالثة بأن مخالفة أحكام المواد 10 و13 و22 و23 أو استعمال
طرق احتيالية للتخلص من أداء الضريبة يعاقب عليها بغرامة لا تزيد على خمسين جنيهاً
مع الزيادة المذكورة. والظاهر من الأعمال التحضيرية لهذه المادة أن المشرع إذ جعل هذه
الزيادة من 25% إلى ثلاثة أمثال ما لم يدفع من الضريبة إنما قصد أن يفسح مجال الاختيار
والتقدير أمام القاضي لكي يوقع من تلك الزيادة ما يراه على حسب حظ المتهم به من الإهمال
أو العمد وقلة المطلوب منه أو كثرته ومبلغ الخطر الذي تعرضت له حقوق الدولة إلخ. على
أن القاضي مع كونه ملزماً بأن يحكم بالزيادة المذكورة باعتبارها جزاءً يلازم الغرامة
بغض النظر عن طبيعته لا يجوز له بل لا يستطيع أن يقضي بها إلا بعد أن يستبين من التحقيق
مقدار ما لم يدفعه المتهم من الضريبة، وهذا في مقدوره دائماً لأن تحديد مقدار الضريبة
الواجبة وما دفع منه وما لم يدفع ممكن في جميع الأحوال مما مقتضاه أن يعني به كل حكم
يصدر بالإدانة. وعبارة "ما لم يدفع من الضريبة" الواردة في تلك المادة لا تحمل على
ظاهر لفظها وإنما ترد إلى معنى مثيلاتها في القوانين الأخرى المتعلقة بالضرائب والرسوم.
وهي – مردودة إلى هذا المعنى – يراد بها هذا الجزء من الضريبة الذي كان عرضة للضياع
على الدولة بسبب مخالفة الممول القانون.
ثم إنه، مع ملاحظة الظروف التي صدر فيها الأمر العسكري رقم 361 الذي جعل العقوبة على
مخالفته أشد بكثير من العقوبة المنصوص عليها في المادة 85 سالفة الذكر وجعل الزيادة
على وضع واحد هو ثلاثة أمثال ما لم يدفع من الضريبة، يبين أن الأمر العسكري المذكور
لا يتناول في الواقع من الأفعال إلا ما قصد به الممول التخلص من الضريبة وتعمد فيه
التهرب من أدائها. أما ما انطوى على مجرد الإهمال وخلا من سوء القصد فهو باق على حكم
المادة 85 لا يؤخذ فيه الممول إلا في حدود ما قررته هذه المادة.
وإذن فإن الحكم بالزيادة التي قررها الأمر العسكري المشار إليه يكون رهناً بقيام سوء
القصد لدى المتهم وتكون هذه الزيادة رهناً بمقدار ما عمل المتهم على التخلص من الضريبة.
وإذ كانت هذه الزيادة بوصفها هذا يغلب عليها معنى العقوبة، وكان القاضي الجنائي لا
يجوز له أن يقضي بعقوبة ما إلا إذا تبين مقدارها وبينه في حكمه، فإن القضاء بزيادة
ما لم يدفع من الضريبة إلى ثلاثة أمثاله بغير تحديد المقدار لا يجوز، كما أنه لا يجوز،
مع التحديد، القضاء بزيادة ثلاثة الأمثال طبقاً للأمر العسكري بغير استظهار العمد وسوء
القصد.
المحكمة
وحيث إن النيابة تقول في أوجه الطعن إن الحكم المطعون فيه إذ اكتفى
بمعاقبة المتهم بالغرامة دون أن يوقع عليه العقوبة التكميلية المبينة بالفقرة 3 من
المادة 2 من الأمر العسكري رقم 361 والفقرة الأخيرة من المادة 2 من الأمر العسكري رقم
362 يكون قد أخطأ ما دام النص الوارد بها مطلقاً غير مقصور على حالة أو مخالفة دون
أخرى، ولا يرد على ذلك أن مقدار الضريبة لم يعين بعد ما دام لا مانع من أن يقرر الحكم
الإلزام بالدفع على أن يحدد مقدار ما يدفع فيما بعد على مقتضى القواعد الموضوعة لذلك.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على المتهم بأنه "في 28 فبراير سنة 1945 باعتباره من
الممولين الخاضعين للضريبة على الأرباح التجارية والصناعية لم يقدم إلى مصلحة الضرائب
جميع البيانات والميزانيات والإقرارات والأوراق عن أرباحه وخسائره، وذلك عن السنوات
المالية 39 و40 و41 و42 و43 و1944" والحكم الابتدائي برَّأه، والحكم الاستئنافي دانه
وعاقبه بغرامة 200 قرش وقال في ذلك: "إن الحكم المستأنف قضى ببراءة المتهم لأنه أنكر
ملكيته لسيارات نقل في المدة المبينة بوصف التهمة، وإن مصلحة الضرائب لم تقدم الدليل
على ملكيته لهذه السيارات. وحيث إن التهمة المسندة إلى المتهم هي أنه باعتباره من الممولين
الخاضعين للضريبة على الأرباح التجارية والصناعية لم يقدم إلى مصلحة الضرائب جميع البيانات
عن أرباحه وخسائره، وذلك عن السنوات من سنة 1939 إلى سنة 1944. وحيث إن المتهم اعترف
بأن له محلاً يبيع فيه البنزين في هذه المدة. وحيث إن قيامه ببيع البنزين في المدة
المذكورة يستوجب تقديم الإقرارات والميزانيات الخاصة بنتائج هذه العملية التجارية سواء
انتهت إلى كسب أو خسارة في ميعاد غايته 31 يناير سنة 1943 طبقاً للمادة الأولى من الأمر
العسكري رقم 361 ومن ثم تكون محكمة أول درجة أخطأت عندما عينت في حكمها نوعاً واحداً
من نشاط المتهم التجاري لعدم قيام الدليل عليه وأغفلت ما اعترف به من إدارته محلاً
تجارياً لبيع البنزين يستوجب ما كان يستوجبه اشتغاله في أعمال السيارات من تقديم الإقرارات
والبيانات المنصوص عنها قانوناً. وعليه تكون التهمة ثابتة قبل المتهم ويكون الحكم المستأنف
في غير محله ويتعين إلغاؤه وعقاب المتهم طبقاً للمواد المطلوبة وهي القانون رقم 105
لسنة 1945 والأمرين العسكريين رقمي 361 و362 عدا الفقرة الثالثة من المادة الثانية
من الأمر العسكري رقم 361 التي تنص على أنه في جميع الأحوال يحكم بزيادة ما لم يدفع
من الضريبة بمقدار ما يعادل ثلاثة أمثالها، إذ يستفاد من نص هذه الفقرة أنه لا ينطبق
إلا على الممول المنصوص عنه في الفقرة الثانية من المادة الثانية من الأمر العسكري
المذكور الذي يقدم بيانات غير صحيحة لمصلحة الضرائب، ويكون قد دفع لهذه المصلحة الضريبة
المستحقة عن هذه البيانات ولم يدفع الباقي منها، ولذلك يلزمه النص بدفع ثلاثة أمثالها.
وأما في الدعوى الحالية فإن المتهم لم يقدم بيانات مطلقاً وينكر استحقاق ضريبة في ذمته
لمصلحة الضرائب، هذا فضلاَ عن أن الضريبة لم تقدر بعد وتقديرها يحتاج لإجراءات قد تطول
وتقصر حسب رغبة مصلحة الضرائب والممول، ويعرض أمرها على لجان عند الخلاف، ويصح المعارضة
في هذه القرارات التي تصدرها هذه اللجان أمام المحاكم. ومن غير المعقول أن يكون الشارع
قد أراد بهذا النص القضاء بعقوبة غير معينة المقدار وغير قابلة للتنفيذ إلا بعد إجراءات
قد تطول وتقصر كما تقدم".
وحيث إن المادة 85 من القانون رقم 14 لسنة 1939 قد نصت في الفقرة الأولى على أن مخالفة
أحكام المواد المشار إليها فيها يعاقب عليها بغرامة لا تزيد على ألفي قرش وبزيادة ما
لم يدفع من الضريبة بمقدار لا يقل عن 25% منه ولا يزيد على ثلاثة أمثاله، وقضت في فقرتيها
الثانية والثالثة بأن مخالفة أحكام المواد 10 و13 و22 و23 أو استعمال طرق احتيالية
للتخلص من أداء الضريبة يعاقب عليه بغرامة لا تزيد على خمسين جنيهاً مع الزيادة المذكورة.
وجاء في الأعمال التحضيرية لهذه المادة "ولما كانت الأفعال التي تدخل في عداد المخالفات
لنصوص هذا القانون تختلف بحسب أهميتها فقد رؤي…. أن العقوبة الشديدة لا تفرض إلا
إذا قصد الملزم بحجز الضريبة أو دفع الضريبة المماطلة في دفعها، أو إذا استعمل الممول
طرقاً احتيالية للتخلص من أداء كل أو بعض الضريبة… أما باقي المخالفات كالتأخر في
تقديم الإقرارات إلخ. فقد رؤي أنها مخالفات بسيطة قد تقع في كثير من الأحيان لمجرد
الإهمال وعن غير قصد، ولذا جعلت العقوبة فيها لا تقل عن مائة قرش ولا تزيد على ألف
قرش". فالمشرع إذ جعل الزيادة من 25% إلى ثلاثة أمثال ما لم يدفع من الضريبة إنما قصد
أن يفسح مجال الاختيار والتقدير أمام القاضي لكي يوقع من تلك الزيادة بحسب حظ المتهم
من الإهمال أو العمد، وقلة المطلوب منه أو كثرته، ومبلغ الخطر الذي تعرضت له حقوق الدولة
إلخ. وقد بدا للمشرع أن يستغني بذلك عما توخته بعض التشاريع الأجنبية من تقرير زيادة
قليلة توقع في أحوال يفترض فيها الإهمال كعدم تقديم الإقرارات في المواعيد المحددة
وزيادة أخرى كبيرة توقع في أحوال تعمد الخلاص من الضريبة. ولعله أراد تفادي ما أدت
إليه هذه التفرقة هناك من حلول غير سائغة فآثر أن يجعل الزيادة أداة مرنة في يد القاضي
يوقع منها بقدر ما تستلزمه ظروف كل حالة. فالقاضي مع كونه ملزماً بأن يحكم بالزيادة
المنصوص عليها في المادة 85 المذكورة باعتبارها جزاءً يلازم الغرامة بغض النظر عن طبيعته
لا يجوز له بل لا يستطيع أن يقضي بهذه الزيادة إلا بعد أن يستبين من التحقيق مقدار
ما لم يدفعه المتهم من الضريبة. وهذا في مقدوره دائماً، لأن تحديد مقدار الضريبة الواجبة
وما دفع منه وما لم يدفع ممكن في جميع الأحوال، ولذلك يجب أن يعنى به كل حكم يصدر بالإدانة.
وحيث إن وعبارة "ما لم يدفع من الضريبة" الواردة في تلك المادة لا تحمل على ظاهر لفظها،
وإنما ترد إلى معنى مثيلاتها في القوانين الأخرى المتعلقة بالضرائب والرسوم. فقد نصت
المادة 23 من القانون رقم 44 لسنة 1939 بتقرير رسم تمغة على أنه "علاوة على الجزاءات
المتقدم ذكرها يحكم القاضي بدفع… والتعويضات للخزانة ولا يقل مقدار التعويض عن ثلاثة
أمثال الرسوم المهربة ولا يزيد على عشرة أمثالها". ونصت المادة 25 من القانون رقم 142
لسنة 1944 بفرض رسم أيلولة على التركات على أن الزيادة تتناول "الرسم الذي تعمد المتهم
الخلاص منه" وعلى مثل ذلك نصت المادة 10 من مرسوم 23 مارس سنة 1933 الخاص برسوم الإنتاج
والاستهلاك على أوراق اللعب والمادة 14 من مرسوم 24 سبتمبر سنة 1934 الخاص برسم الإنتاج
على الكحول فعبارة "ما لم يدفع من الضريبة" معناها هذا الجزء منها الذي كان عرضة للضياع
على الدولة بسبب مخالفة الممول القانون.
وحيث إنه إذا لوحظت الظروف التي صدر فيها الأمر العسكري رقم 361 الذي دعت لإصداره،
وأنه قد مد المواعيد للممولين المتأخرين لتقديم إقراراتهم والمستندات المؤيدة لها،
وأنه جعل العقوبة على مخالفته أشد بكثير من العقوبة المنصوص عليها في المادة 85 المذكورة
إذ أضاف الحبس ورفع الحد الأقصى للغرامة، وجعل الزيادة على وضع واحد هو ثلاثة أمثال
ما لم يدفع من الضريبة، وأنه استثنى صراحة من العقاب الخطأ غير المتعمد في البيانات…
إلخ – إذا لوحظ هذا كله تبين أن الأمر العسكري المذكور لا يتناول في الواقع من الأفعال
إلا ما قصد به الممول التخلص من الضريبة وتعمد فيه التهرب من أدائها. أما ما انطوى
على مجرد الإهمال وخلا من سوء القصد فذلك باق على حكم المادة 85 لا يؤخذ فيه الممول
إلا في حدود ما قررته هذه المادة. وأما الأمر العسكري رقم 362 فليس إلا إضافة للأمر
361 لا تغير طابعه الذي تقدم بيانه.
وحيث إنه وقد تقرر ما تقدم فإن الحكم بالزيادة التي قررها الأمر العسكري المشار إليه
يكون رهناً بقيام سوء القصد لدى المتهم، وتكون هذه الزيادة رهناً بمقدار ما علم المتهم
على التخلص منه من الضريبة، ولما كانت هذه الزيادة بوصفها السابق ذكره يغلب عليها معنى
العقوبة، وكان القاضي الجنائي لا يجوز له أن يقضي بعقوبة ما إلا إذا تبين هو مقدارها
وبينه في حكمه فإن القضاء بزيادة ما لم يدفع من الضريبة إلى ثلاثة أمثاله بغير تحديد
المقدار لا يجوز كما أنه لا يجوز مع التحديد القضاء بزيادة ثلاثة الأمثال طبقاً للأمر
العسكري بغير استظهار العمد وسوء القصد.
وحيث إنه متى تقرر ذلك وكان الحكم المطعون فيه لم يلاحظ الاعتبارات المذكورة في قضائه
فإنه يكون من المتعين نقضه.
