الطعن رقم 43 سنة 17 ق – جلسة 21 /01 /1947
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 278
جلسة 21 من يناير سنة 1947
برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك وسليمان حافظ بك ومحمد صادق فهمي بك المستشارين.
القضية رقم 43 سنة 17 القضائية
نشر. تحريض على بغض طائفة من الناس. القصد الجنائي في هذه الجريمة.
هو القصد العام. لا يشترط أن يكون المتهم قد قصد إلى تكدير السلم العمومي.
(المادة 176 ع)
بحسب الحكم أن يثبت على المتهم كتابة المقال المتضمن للتحريض والإثارة وتقديمه للنشر
ثم حصول النشر فعلاً ليكون ذلك بذاته شاهداً على قيام القصد الجنائي لديه، إذ القانون
يكتفي في الجريمة المعاقب عليها بالمادة 176 عقوبات بالقصد الجنائي العام الذي يستفاد
من إتيان الفعل المادي المكون للجريمة عن علم واختيار، ولا يشترط أن يقصد المتهم إلى
تكدير السلم العمومي بل يكفي أن يكون ذلك من شأن التحريض الذي صدر منه.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة في قضية الجناية رقم 414 سنة 1946 الخليفة
والمقيدة بالجدول الكلي برقم 120 سنة 1946 كلاً من…. بأنهم في المدة ما بين 17 أكتوبر
سنة 1945 و12 ديسمبر سنة 1945 بمدينة القاهرة محافظة مصر: أولاً – حرضوا علناً على
بغض طوائف الرأسماليين وأصحاب الأعمال وكان من شأن هذا التحريض تكدير السلم العام بأن
ألَّف أولهم مقالاً تحت عنوان "هجوم الرأسماليين على أجور العمال" قال فيه: "فبدأ أرباب
الأعمال مطمئنين بوجود جيش العمال المتعطلين الذي يهمهم أن يكون دائماً لكي يتمكنوا
بوجوده من العبث بحقوق العمال الطبيعية وإنقاص أجورهم بطريق المساومة، وبهذه الطريقة
يتمكنون من خفض الأجور والقضاء على الحقوق الطبيعية للعمال بتضامنهم المنظم وبمجهودهم
الجبار". وقال أيضاً: "دستور الرأسماليين تشغيل العمال المشتغلين أكبر جهد ممكن في
أكبر وقت ممكن بأقل أجر ممكن، والعمال يفهمون جيداً أن صاحب العمل يعمل دائماً ليستولى
على مجهودهم بأجر اسمي لا يكاد يسد حاجاتهم المعيشية وهم يناضلون حتى يصلوا إلى الأجر
الكامل" وألَّف مقالاً بعنوان "هيئة العمال الدولي أداة الرجعية العمالية لتخدير أعصاب
الطبقة العاملة" قال فيه "استاءت الطبقة العاملة العالمية من طول الحرب وفظاعته. ولما
أدركت أن هذه الحرب لم تكن إلا لمصلحة رأسماليي كل من البلاد بدأ العمال يطالبون
بإيقافها يقومون بالمظاهرات والثورات إلخ". وألَّف ثانيهما مقالاً بعنوان "الفلاح عامل"
قال فيه "الفلاح لم يحصل بعد على اسمه الطبيعي (عامل). ولا يستحق هذا العنت والظلم
والاستبداد ولكن سبب ضياع حقه هو ما يدبره أصحاب الأباعد والأملاك من مكايد وما يضعونه
من عراقيل في سبيل تقدمه إلخ ورضاء الفلاح بحالته الراهنة مع أن الأديان لم تأتِ إلا
لتحرير الشعوب الكادحة من مستغليها" إلى آخر ما تضمنه هذا المقال. وألَّف ثالثهم مقالاً
بعنوان "عيوبنا" جاء فيه "لقد تقدم الوعي في عمال مصر باطراد حتى بلغوا درجة تؤهلهم
لقيادة الشعب الكادح ولقد شاهدنا وجربنا أن أصحاب الأعمال كثيراً جداً ما يتفقون جميعاً
على هجوم معين على حق من حقوق العمال، وتلمس هذا الهجوم في وقت واحد على عمال المقاهي
إلخ". وقد نشر المتهم الرابع هذه المقالات بمجلة الضمير بصفته رئيساً لتحريرها في الأعداد…
التي تم بيعها وتوزيعها على الجمهور في الأيام… ثانياً – ولأن المتهمين الأول والثاني
والرابع في الزمان والمكان السالفي الذكر حرضوا العمال على الإضراب بأن ألف الأول مقالاً
بعنوان "هجوم الرأسماليين" جاء به "أن العمال يتكتلون دائماً ويتحدون عندما يشن الرأسماليون
غاراتهم على أجور العمال ويعلنون الاعتصابات والإضرابات دفاعاً عن أجورهم فيفشلون مرة
وينتصرون أخرى ويرجع فشلهم إلى عدم النظام وعدم ادخار أمور الطوارئ إلخ"… ومقالاً
آخر بعنوان "الحركات التحريرية العمالية" جاء فيه "لا يمر يوم إلا تأتيناً الأخبار
عن نشوب حركات تحريرية وهذه التقريرات نتيجة طبيعية للتطور العالمي" وأثبت أيضاً ما
يلي "ما زالت الحركة التحريرية في أذربيجان الإيرانية في شدتها إلا أن الثوار عندما
يحتلون مدينة يخلفون فيها انتعاشاً بخفض الأسعار وزيادة الأجور". وألَّف الثاني مقالاً
بعنوان "الشعر الشعبي" تضمن نظماً فيه حض للفلاح على عدم فلاحة الأرض إذا لم يختص الممول
بقدر معين من الأعيان وتوفير الكساء والغذاء لأفراد الشعب. وقد نشر المتهم الرابع هذه
المقالات في الأعداد المتعاقبة السالفة الذكر من مجلة الضمير التي تم بيعها وتوزيعها
على الجمهور. ثالثاً – ولأن المتهمين الأول والرابع حرضا على كراهية نظام الحكومة المقرر
في القطر المصري والازدراء به بأن ألَّف أولهم مقالاً بعنوان "النقابات العاملة بين
الإدراك النقابي الصحيح وبين التفكير البيروقراطي السقيم" جاء بها "أغفل هؤلاء أن الأداء
الحاكمة هي من طبقة الماليين الصناعيين والعقاريين ومصلحتها تتعارض تمام التعارض مع
مصلحة العمال؟ أغفل هؤلاء أن الطبقة الحاكمة يهمها كسر شوكة النضال المنظم في طبقة
العمال لكي تحافظ على مصلحتها ومكاسبها المالية؟ أغفل هؤلاء أن تنظيم العمال في نقاباتهم
لكي يستردوا حقوقهم الطبيعية العادلة من الطبقة الظالمة لكي تتحقق العدالة الإنسانية
بين الناس؟ إذا كان يعلم هؤلاء كل هذا فهل يغالطون أنفسهم أم يغالطون الطبقة العاملة
أم لهم في هذا مصلحة؟" وقد نشر المتهم الرابع هذا المقال في مجلة الضمير بصفته رئيساً
لتحريرها في العدد 278 الذي تم توزيعه ونشره على الجمهور في يوم 28/ 11/ 1945. وطلبت
من حضرة قاضي الإحالة إحالتهم إلى محكمة الجنايات لمحاكمتهم بالمواد 174/ 1 و171/ 5
و176 و184 و195 من قانون العقوبات والمادة الأولى من المرسوم بقانون رقم 102 لسنة 1945
والمادة الأولى من الأمر رقم 75.
فقرر حضرته بتاريخ 25 مارس سنة 1946 إحالتهم إليها لمحاكمتهم بالمواد السالفة الذكر.
ومحكمة جنايات مصر سمعت هذه الدعوى وقضت فيها حضورياً بتاريخ 30 مايو سنة 1946 عملاً
بالمادتين 171 و176 من قانون العقوبات بالنسبة للمتهم الأول والمادتين المذكورتين والمادة
195 من القانون المذكور بالنسبة إلى الثاني بمعاقبة المتهم الثاني طه سعد عثمان بالحبس
مع الشغل لمدة ثلاثة شهور عن تهمة التحريض على بغض طائفة من الناس، وبتغريم المتهم
الرابع الدكتور عبد الكريم أحمد السكري أفندي بمبلغ عشرين جنيهاً عن نشر المقالة المتضمنة
هذه الجريمة، وببراءة هذين المتهمين من باقي ما أسند إلى كل منهما، وببراءة كل من المتهمين
الأول محمود محمد العسكري والثالث محمد يوسف أحمد المدرك مما أسند إلى كل منهما عملاً
بالمادة 50/ 2 من قانون تشكيل محاكم الجنايات.
فطعن المحكوم عليه طه سعد عثمان والنيابة العامة في هذا الحكم بطريق النقض إلخ إلخ.
المحكمة
وحيث إن الطعن المقدم من طه سعد عثمان المتهم يتحصل في القول بأن
مقاله الذي دانه من أجله الحكم المطعون فيه ليس إلا عرضاً صحيحاً لحالة سيئة يعانيها
فريق من الشعب وللأسباب التي أدت لهذه الحالة والوسائل التي يمكن بها معالجتها، وتلك
أمور سلمت محكمة الجنايات نفسها بأن كثيراً من الكتاب ينادون بها وأن المسؤولين يعملون
على الخلاص منها وأنه لا يتيسر بغير هذه الأبحاث والمقالات من الكتاب والمفكرين كشف
ما يعانيه بعض طوائف الأمة ولا معرفة وسائل علاجه مما لا تصح المعاقبة عليه. وفضلاً
عن هذا فإن محكمة الجنايات لم تتحدث أصلاً في حكمها عن القصد الجنائي الواجب توفره
لدى الطاعن.
وحيث إن الحكم المطعون فيه قد أورد خلاصة وافية لمقال الطاعن فقال: "إنه عن المقال
الذي نشره المتهم الثاني (الطاعن) بعنوان (الفلاح عامل) فإنه تطرق فيه من التمهيد بأن
الفلاح إن هو إلا عامل لم يعترف له بهذا الاسم الطبيعي حتى يقر له بما يشاركه فيه من
(عنت وظلم واستبداد) إلى بيان مرجع ضياع حق هذا العامل الزراعي فيرجعه إلى عاملين أولهما:
(ما يدبره أصحاب الأباعد والأملاك من مكايد وما يضعونه من عراقيل في سبيل تقدم العامل
الزراعي وفي سبيل إفهامه حقه كإنسان، وفوق هذا ما يلاقيه في عمله من إرهاق وبرد وحر
وأوجه الحرمان الأخرى التي عددها وأن أعداء الفلاح قد لجأوا أخيراً إلى طريقة غريبة
لمحاربته وهي الدعاية بمشروعات ارتجالية تتعلق بإصلاح القرية والنهوض بساكنيها لإيهام
الفلاح أنهم يعملون لصالحه لكي يطمئن إليهم ولا يفكر في طريقة الحصول على حقه بنفسه).
وثانيهما: (رضاء الفلاح بحالته الراهنة التي يزينها له أولئك الذي يستخدمون الدين لتحذير
الشعب زاعمين أن ذلك حكم الله وبهذا يرمون الدين بالانحياز إلى جانب العظماء والأغنياء
مع أن الأديان لم تأتِ إلا لتحرير الشعوب الكادحة من مستغليها). ثم أخذ في مقاله يعيب
على العامل عدم برِّه وعطفه نحو أخيه الفلاح وعدم توجيهه ليكون جنبه في الميدان لأن
العدو واحد والآمال والآلام واحدة".
وحيث إن الحكم المطعون فيه لم يتجاوز الصواب حين قال "إن (الطاعن) لا يعتبر بعبارته،
وهذا أسلوبها وتلك روحها، لا يعتبر ساعياً إلى إصلاح بل ساعياً إلى تكدير السلم بين
الفريقين (الزرَّاع والملاك) وبثَّ روح الكراهية والبغضاء بينهم، وأنه قد جاوز المألوف
إلى ما يثير النفور والبغض بين طائفة الزرَّاع وطائفة الملاك، وكل منهما يعتبر في عرف
القانون وفي حدود المادة التي وقعت العقوبة بموجبها طائفة بعينها".
وحيث إنه بحسب الحكم المطعون فيه أن أثبت على الطاعن كتابة المقال المتضمن للتحريض
والإثارة وتقديمه للنشر ثم حصول النشر فعلاً ليكون ذلك بذاته شاهداً على قيام القصد
الجنائي لديه، إذ القانون يكتفي في الجريمة محل المؤاخذة بالقصد الجنائي العام الذي
يستفاد من إتيان الفعل المادي المكون للجريمة عن علم واختيار، ولا يشترط أن يقصد المتهم
إلى تكدير السلم العمومي بل يكفي أن يكون ذلك من شأن التحريض الذي صدر منه، وهو ما
استظهرته محكمة الجنايات فيما وقع من الطاعن.
