الطعن رقم 1863 سنة 16 ق – جلسة 11 /11 /1946
مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة
النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 223
جلسة 11 من نوفمبر سنة 1946
برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وحضور حضرات: أحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك ومحمد توفيق إبراهيم بك ومحمد صادق فهمي بك المستشارين.
القضية رقم 1863 سنة 16 القضائية
مسؤولية مدنية. سيد. مسؤوليته عن أفعال خدمه. مناطها. وقوع الفعل
الضار حال تأدية الوظيفة. التعامل مع الخادم على علم بأنه لا يعمل لحساب السيد. لا
يضمن السيد. مستخدم في بنك. التعامل معه علماً بأنه إنما يعمل لحساب نفسه. لا تصح مطالبة
البنك بتعويض الضرر الناتج عن فعله.
إن المادة 152 من القانون المدني حين قضت بمساءلة السيد أو المتبوع عن أفعال خدمه أو
أتباعه لم تشترط إلا أن يكون فعل الخادم أو التابع واقعاً منه حال تأدية وظيفته، ولا
يلزم أن يكون الفعل قد وقع من التابع وفقاً لتعليمات متبوعة، بل يكفي أن يكون قد وقع
بفضل ما هيأته الوظيفة له من فرص مناسبة لارتكابه ولو كان التابع فيما أتى قد أساء
التصرف أو جاوز الحد حتى خالف أوامر متبوعه. وإذن فبحسب المضرور أن يكون حين تعامل
مع التابع معتقداً صحة الظاهر من أن التابع يعمل لحساب متبوعه، أما إذا كان قد تعامل
معه عالماً بأنه إنما يعمل لحساب نفسه، ومن باب أولى أنه يخالف أوامر متبوعه ونواهيه،
وأن المعاملة إنما كانت تقوم على أساس ذلك، فعندئذٍ لا يكون بالبداهة ثمة وجه لتضمين
المتبوع. فإذا كان الحكم صريحاً في أن المدعي بالحقوق المدنية حين تعامل مع المتهم
المستخدم في بنك كان، ولا شك، يعلم أنه يعمل لحساب نفسه وأن عمله محل التعامل خارج
عن وظيفته ومنافٍ لتعليمات البنك وأغراضه، فإنه لا يكون للمدعي وجه لمطالبة البنك عن
تعويض الضرر الذي وقع.
المحكمة
وحيث إن محصل أوجه الطعن هو أن الحكم المطعون فيه إذ أسس مساءلة
الطاعن عن التعويض المدني على المادة 152 من القانون المدني قد أخطأ لأن الواقعة، كما
هي ثابتة بالحكم وفي صحيفة الدعوى، تفيد أن الفعل المنسوب إلى وليم عزيز لم يقع لا
في مقر عمله ولا في وقت مباشرته عمله، ولم يحصل لا في أثناء تأدية وظيفته ولا بمناسبتها،
بل حصل ليلاً وفي دكان أحد الحلاقين. وأيضاً فإن الحكم المطعون فيه قد أخطأ إذ طبق
على الواقعة القرار الوزاري رقم 633 لسنة 1945 لأن هذا القرار صدر في 8 ديسمبر سنة
1945 أي بعد الواقعة التي وقعت في 7/ 7/ 1945 في ظل أوامر عسكرية وقرارات وزارية سابقة
منظمة لعملية تداول بيع الأسمدة بطرق معينة وبأوضاع محددة، وتلك الأوامر والقرارات
تجعل عملية البيع باطلة لمخالفتها لموجبها.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على وليم أفندي عزيز رزق الموظف ببنك التسليف بأنه في
يوم 7/ 7/ 1945 توصل إلى الاستيلاء على مبلغ 196 جنيهاً من الأوسطى بيومي أحمد عوض
الله وكان ذلك بالاحتيال لسلب ثروة الغير باستعمال طرق احتيالية من شأنها إيهامه بواقعة
مزورة. فدفع المجني عليه المبلغ على هذا الأساس، وأدخل الطاعن (بنك التسليف الزراعي
المصري) مسؤولاً عن الحقوق المدنية عن عمل المتهم. ومحكمة أول درجة قضت بالبراءة ورفض
دعوى التعويض، والمحكمة الاستئنافية حكمت بالتعويض وقالت….. إلخ إلخ.
ثم قالت: "وحيث إنه يجب بحث مسؤولية المعلن إليه الثاني (البنك) وهذه المسؤولية قوامها
ما جاء بالمادة 152 مدني وشرطها أن يقع الخطأ من الخادم حال تأدية وظيفته ولهذه الصورة
حالات ثلاث: – أولاها أن يقع الخطأ أثناء قيام الخادم بالعمل الموكول إليه. والثانية
هي الحالة التي لا يكون الخطأ فيها واقعاً من الخادم أثناء قيامه بالعمل الموكول إليه
بحكم وظيفته لكن الوظيفة هي التي هيأت للخادم أن يأتي ما أتاه من خطأ بحيث لو لم تكن
الوظيفة لما كان الخطأ. والحالة الثالثة هي التي يكون خطأ الخادم أجنبياً عن وظيفته.
والذي يعنينا هنا هي الحالة الثانية وفيها يقول الأستاذ صاحب كتاب المسؤولية المدنية
ص 188 إن هذه الحالة لها صور ثلاث: أولاها خطأ يقع من الخادم بمناسبة قيامه بعمله الموكول
إليه. والصورة الثانية خطأ واقع من الخادم أثناء عمل تجاوز به الخادم السلطة المخولة
له. والصورة الثالثة استغلال الخادم لوظيفته إشباعاً لحاجة من حاجات نفسه. واختلف الشراح
في فرنسا – هكذا يقول الأستاذ المشار إليه – في صدد هذه الحالة وما تشمله من صور. ففي
رأي بعضهم أن المخدوم لا يسأل إلا عما يقع من خادمه أثناء قيامه بعمله المنوط به، فلا
يسأل عما يأتيه الخادم من خطأ بمناسبة تأدية وظيفته. كما لا يسأل عما يقع من الخادم
أثناء عمل تجاوز به السلطة المخولة له، كما لا يسأل عما يقع من الخادم استغلالاً منه
لوظيفته. والرأي العكسي – وعليه كثرة الشراح – أن المخدوم يسأل عما يقع من خادمه في
الصور الثلاث المتقدمة. وجمهرة أحكام المحاكم الفرنسية تؤيد الرأي الأخير. وهذا الرأي
يأخذ به صاحب كتاب المسؤولية المدنية لأن على المخدوم – حسب قوله – أن يكون دقيقاً
في اختيار خدامه وأن يفرض عليهم بعد اختيارهم رقابة صارمة تحول دون أن يتجاوزوا حدودهم
أو يسيئوا استغلال وظائفهم بحيث إذا خرج الخادم على مقتضى واجبه وأساء استغلال وظيفته
فقد صح القول بأن المخدوم لم يكن موفقاً في اختياره لخادمه أو لم يحسن مراقبته. وهذا
كاف وحده لوجوب مسؤولية المخدوم. ثم ألمع إلى أن هذا الرأي وإن لقي اعتراضاً في فرنسا
فإنه لا محل لأي اعتراض عليه في مصر، لأنه عبارة الشارع عندنا قد وردت أعم من نظيرتها
في القانون الفرنسي. ذلك لأن المادة 1384 مدني فرنسي نصت على مسؤولية المخدومين عن
الخطأ الواقع من مستخدميهم أثناء قيامهم بالأعمال التي عينوها لهم.
Dommage causé par leurs domestiques et proposés dans les fonctions au quelles ils
les ont employés.
أما الشارع المصري فقد نص في المادة 152 مدني وطني و214 مدني مختلط على مسؤولية السيد
عن الضرر الناشئ عن أفعال خدمه متى كان واقعاً منهم في حالة تأدية وظائفهم.
quand le dommage a été causé par eux en exersant leurs fonctions.
وهذا الرأي الأخير هو الذي ظفر بعد تردد بتأييد محكمة النقض المصرية. ثم أشار في الصورة
الثانية إلى الحالة التي يتجاوز فيها الخادم حدود وظيفته. وهنا يأخذ المؤلف أيضاً بنظرية
مسؤولية المخدوم متى كانت وظيفة الخادم هي التي هيأت له أن يأتي ما أتاه من الخطأ،
بل وقال بأن المخدوم يسأل عن الخطأ الذي يقع من خادمه أثناء عمل استعمل فيه الخادم
سلطة لم تخول له أصلاً متى كانت وظيفته هي التي هيأت له هذه السلطة ومكنته منها وكانت
سبيله إليها. نقف هنا مكتفين بهذه العبارة الأخيرة أو الرأي الأخير لنقول إن إجماع
المستأنف وشهوده انعقد على أن المستأنف عليه الأول إنما وصل إلى ما وصل إليه من مال
سحت من المستأنف على أساس أنه موظف ببنك التسليف وأنه في مقدوره أن يقدم السماد لطالبيه
بحكم هذه الوظيفة، وهيهات أن يشفع في هذا أن العمل ثم خارج مكتبه الرسمي، فقد حرص المستأنف
عليه على أن يلوح لذوي الحاجة بوظيفته التي من مقتضياتها جعل السماد في متناول هؤلاء
المساكين الذين قدموا وهم على أمل الرجوع به على صورة من الصور، فلم تكن وظيفة المستأنف
عليه بعيدة عن فكرهم واستيثاقهم من حقيقة مركز المستأنف عليه وقدرته على أن يقدم لهم
طلبتهم، فلولا الوظيفة لما أمكنه أن يصل منهم إلى شيء بل وما كان يستطيع أن يحملهم
على دفع شيء ما لو لم تكن الوظيفة، وهي أمين الشونة على قول أو مخزنجيها على قول آخر.
ولا يعترض هنا أيضاً بما أشار إليه المؤلف بند 225 ص 197 عندما يقول بأن مسؤولية المخدوم
عما يقع من خادمه أثناء تجاوزه لحد سلطته خاضعة لاستثناء هام يتحقق إذا ما ثبت أن المصاب
بالضرر الناشئ عن خطأ الخادم كان عالماً أو كان جديراً به أن يعلم أن الخادم خرج عن
حدود وظيفته ورغم هذا العلم المحقق أو الواجب اتصل بالخادم معرضاً نفسه لنتائج خطئه
– هذا الفرض لا يمكن قيامه هنا. فالمستأنف عليه موظف في حوزته الفعلية كميات من السماد
قد يتصور تصرفه في بعضها لآخرين إما عن طريق أصحابها الحقيقيين لقاء أجر أو منفعة أو
لأن الوظيفة نفسها تخلع عليه قوة الحصول على السماد من الملاك المجاورين لقاء نفس المنفعة،
فعلمهم أو احتمال علمهم بحالته تجاوز لا يمكن التسليم به. وحيث إنه متى تحقق هذا كان
ضمان المستأنف عليه الثاني لفعل خادمه المستأنف عليه الأول محققاً كذلك".
وحيث إن المادة 152 من القانون المدني حين قضت بمساءلة السيد أو المتبوع عن أفعال خدمه
أو أتباعه شرطت لذلك أن يكون فعل الخادم أو التابع واقعاً منه حال تأدية وظيفته. ومع
أنه لا يتعين لتحقق هذا الشرط أن يكون الفعل قد وقع من التابع أثناء قيامه بعمله وفقاً
لتعليمات متبوعه، بل يكفي أن يكون قد وقع بفضل ما هيأته الوظيفة له من فرص مناسبة لارتكابه
ولو كان التابع فيما أتى قد أساء التصرف أو تجاوز الحد حتى خالف أوامر متبوعه، إذ لا
شأن للغير الذي لحقه الضرر بذلك كله وحسبه أن التابع حين عامله كان ظاهراً بأنه يعمل
لحساب متبوعه وأنه هو حين تعامل معه كان يجهل أنه يعمل لحساب نفسه، فإن هذا الشرط لا
يمكن أن يكون متوفراً إذا كان المضرور قد تعامل مع التابع عالماً بأنه لا يعمل لحساب
متبوعه، ومن باب أولى إذا كان قد تعامل معه وهو عالم بأنه يخالف أوامر متبوعه ونواهيه،
وكانت المعاملة إنما تقوم على أساس هذه المخالفة، ففي هذه الحالة لا وجه بداهة لتضمين
المتبوع.
وحيث إنه متى كان ذلك مقرراً، وكان الحكم المطعون فيه صريحاً في أن المدعي بالحقوق
المدنية حين تعامل مع المتهم المستخدم في البنك كان يعلم ولا بد أنه يعمل لحساب نفسه
وأن عمله محل المعاملة خروج عن وظيفته ويتنافى مع تعليمات البنك وأغراضه، فإن مساءلة
البنك عن تعويض الضرر الذي وقع من المتهم لا يكون لها من أساس تقوم عليه في القانون.
وحيث إنه لما تقدم يتعين قبول الطعن ونقض الحكم المطعون فيه والقضاء برفض الدعوى المدنية
المرفوعة على البنك من المدعي بالحقوق المدنية.
