الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1415 سنة 16 ق – جلسة 17 /06 /1946 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 175

جلسة 17 من يونيه سنة 1946

برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وحضور حضرات: جندي عبد الملك بك وكيل المحكمة وأحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك ومحمد توفيق إبراهيم بك المستشارين.


القضية رقم 1415 سنة 16 القضائية

مشتبه فيهم ومتشردون. المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945. سلطة الإنذار وتقرير حالة الاشتباه. ترك ذلك لتقدير القاضي.
إن الشارع إنما أراد بالمرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 أن يوسع في سلطة القاضي بعد أن نقل إليه ما كان قد عهد به في القانون السابق للبوليس والنيابة من سلطة الإنذار وتقرير حالة الاشتباه، وذلك زيادة منه في تقرير الضمانات للمتهمين. فإن إطلاق المادة الخامسة من المرسوم المذكور من القيود المتعلقة بالمدة ونوع الجريمة، تلك القيود التي كانت مقررة في المادة الثانية من القانون السابق عليه، لا تعليل له إلا اطمئنان المشرع بعد وضعه زمام الأمر كله في يد القاضي وتركه لتقديره. وإذن فإذا ما استقرأ القاضي من حال الشخص وسوابقه ما يقنعه بقيام الحالة الخطرة والاتجاه الإجرامي اللذين يجعلان من صاحبهما مشبوهاً يخشى شره عجل بمراقبته أو اكتفى بإنذاره تبعاً لدرجة خطورته، وإن استبان أنه برغم الحكم عليه أكثر من مرة لم يندمج في زمرة الأشرار الخطرين، أو اندمج، ولكن أقلع واستقام بعد عثراته الماضية، أخلى سبيله، كما هو الشأن فيمن يعد مشبوهاً بناءً على الاشتهار، لأن الاشتهار والسوابق قسيمان يتقاسمان إبراز حالة واحدة ويتعادلان في الاستدلال على وجودها.


الوقائع

اتهمت النيابة العمومية هذا الطاعن في دعواها رقم 538 سنة 1946 بندر سوهاج بأنه في يوم 18 ديسمبر سنة 1945 بدائرة بندر سوهاج لم يسلك سلوكاً مستقيماً بأن حكم عليه أكثر من مرة في جرائم المخدرات، وطلبت معاقبته بالمواد 5 و6/ 10 و8 من المرسوم بقانون 98 لسنة 1945.
سمعت محكمة بندر سوهاج الجزئية الدعوى وقضت حضورياً في 24 فبراير سنة 1946 ببراءة المتهم مما نسب إليه عملاً بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات. فاستأنفت النيابة هذا الحكم في 26 منه طالبة إلغاءه ومعاقبة المتهم بمواد الاتهام السالف ذكرها، وقيد استئنافها برقم 1153 سنة 1946 وقضت محكمة سوهاج الابتدائية منعقدة بهيئة استئنافية حضورياً في 25 مارس سنة 1946 بقبول الاستئناف شكلاً وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف ووضع المتهم تحت مراقبة البوليس لمدة سنة في المكان الذي يعينه وزير الداخلية من وقت إمكان التنفيذ عليه.
فطعن المحكوم عليه في الحكم الأخير بطريق النقض إلخ.


المحكمة

وحيث إن الطاعن ينعى على الحكم المطعون فيه أنه آخذه بأحكام المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 الخاص بالمتشردين والمشتبه فيهم على أساس سوابقه على الرغم من أن جميعها سابقة على العمل بذلك المرسوم الذي لا يجوز أن ينسحب أثره على الماضي والذي حتى لو جاز أن يكون له أثر رجعي لما تناول الطاعن، لأن جريمة الاشتباه – في نظره – مبنية على صدور أكثر من حكم في جرائم معينة وتتم من يوم صدور آخر هذه الأحكام، وتجري من تاريخه المدة المسقطة للدعوى العمومية. وآخر حكم صدر على الطاعن كان في سنة 1939، والدعوى الحالية لم ترفع عليه إلا في 18 ديسمبر سنة 1945 أي بعد ثلاث سنوات.
وحيث إن الحكم المطعون فيه بعد أن ألمَّ بفحوى المواد 5 و6 و7 و12 من المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945، ذكر أن المشرع قد وضع قاعدة عامة لتعريف الأشخاص المشتبه فيهم، هي الرجوع إلى السوابق، وأن الاشتباه صفة تلحق بالشخص الذي حكم عليه أكثر من مرة في الجرائم التي عينها المرسوم المذكور، وأن هذا المرسوم لا يعاقب على ارتكاب الجرائم السابقة، وإنما يعاقب على الحالة التي اتصف بها الشخص نتيجة ارتكابه تلك الجرائم، وأن هذه الحالة قائمة الآن كما كانت من قبل، فلا يمكن القول بأن المرسوم بقانون في تناوله لها إنما ينسحب على فعل وقع في الماضي… إلخ.
وحيث إن الحكم المطعون فيه وإن أصاب في بيانه أن محل المؤاخذة هو حالة الاشتباه القائمة بالمتهم، لا تلك الجرائم التي سبق عقابه عليها، وأنها حالة مستمرة بحسبها أن تكون موجودة عند العمل بالمرسوم بالقانون المذكور لتجري عليها أحكامه – إن الحكم وإن أصاب في ذلك قد أخطأ الصواب حين اعتبر هذه الحالة نتيجة يرتبها القانون دائماً على تكرار الحكم على المتهم في الجرائم المشار إليها فيه، وأنها، أي النتيجة، متى ترتبت ووجدت استمرت وبقيت لاصقة بالمتهم لا تفارقه بحيث يكون دور القاضي عند المحاكمة مقصوراً على التحقق من وجود تلك السوابق، فإن استظهر وجودها تعين عليه تقرير موجبها وهو وصف الاشتباه الملازم وما ينبني عليه من إنذار أو مراقبة.
وحيث إن هذا الخطأ قد جاء من حمل الحكم المطعون فيه صدر المادة الخامسة على ظاهر لفظه وفهم عبارة "يعد مشتبهاً فيه… إلخ" على معنى الوجوب، الأمر الذي لم يكن في القانون السابق ولا في القانون الذي سبقه، والذي لو صح لصار مشبوهاً حتماً كل من حكم عليه أكثر من مرة لجريمة من الجرائم المشار إلى أنواعها في المادة الخامسة بأية عقوبة مهما ضؤلت وفي أي زمان مهما بَعُد، بغير تفريق بين أن تكون الأحكام والأفعال قد تعاقبت أو تعاصرت، وهذا محال في النظر، ويستحيل أن يكون مراد الشارع الذي قصد أن يوسع في سلطة القاضي بعد أن نقل إليه ما كان قد عهد به في القانون السابق للبوليس والنيابة من سلطة الإنذار وتقرير حالة الاشتباه زيادة منه في تقرير الضمانات للمتهمين. والواقع أن إطلاق المادة الخامسة من المرسوم من القيود المتعلقة بالمدة والنوع، وقد كانت مقررة في المادة الثانية من القانون السابق عليه، لا تعليل له إلا اطمئنان المشرع بعد أن وضع زمام الأمر كله في يد القاضي وتركه لتقديره. فإن استقرأ من حال الشخص وسوابقه ما يقنعه بقيام تلك الحالة الخطرة والاتجاه الإجرامي الذي يجعل من صاحبهما مشبوهاً يخشى شره عجل بمراقبته أو اكتفى بإنذاره تبعاً لدرجة خطورته، وإن استبان أنه برغم الحكم عليه أكثر من مرة لم يسقط في زمرة الأشرار الخطرين، أو أنه سقط لكنه أقلع واستقام بعد عثراته الماضية أخلى سبيله، كما هو الشأن فيمن يعد مشبوهاً بناءً على الاشتهار، لأن الاشتهار والسوابق قسيمان يتقاسمان إبراز حالة واحدة ويتعادلان في الاستدلال على وجودها.
وحيث إن هذا الخطأ الذي وقعت فيه محكمة الموضوع قد شوَّه فكرتها عن مدى ما لها من حرية وسلطة، وقيد حتماً نظرتها وأفقها في بحث الدعوى، فحال بينها وبين أن تواجه احتمال استقامة الطاعن بعد اعوجاج وصلاحه بعد ريبة وشبهة، وانتهى ذلك بحكمها إلى النقص والقصور الموجبين لنقضه والقضاء بإعادة المحاكمة.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات