الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 104 سنة 16 ق – جلسة 24 /12 /1945 

مجموعة القواعد القانونية التي قررتها محكمة النقض والإبرام في المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء السابع (عن المدة من 5 نوفمبر سنة 1945 لغاية 13 يونيه سنة 1949) – صـ 36

جلسة 24 من ديسمبر سنة 1945

برياسة سعادة سيد مصطفى باشا رئيس المحكمة وبحضور حضرات: جندي عبد الملك بك وأحمد علي علوبة بك وأحمد فهمي إبراهيم بك ومحمد توفيق إبراهيم بك المستشارين.


القضية رقم 104 سنة 16 القضائية

تزوير في أوراق رسمية. التذكرة التي تسلمها إدارة الجيش للعساكر بالرفت من الخدمة. التغيير فيما يدون بالخانة المعدة لإثبات درجة أخلاق صاحبها. تزوير في ورقة رسمية.
(المادة 211 ع)
إن ما يدون بالتذكرة التي تسلمها إدارة الجيش للعساكر بالرفت من الخدمة خاصاً بدرجة أخلاق صاحب التذكرة مدة وجوده بالخدمة هو من البيانات التي أعدت هذه التذكرة لإثباتها، فتعمد تغيير الحقيقة فيه يعد جناية تزوير في ورقة رسمية.


المحكمة

وحيث إن مبنى الطعن المرفوع من النيابة العمومية أن الواقعة كما هي ثابتة بالحكم المطعون فيه تتوافر فيها جميع العناصر القانونية لكل من جنايتي التزوير في ورقة رسمية واستعمال الورقة الرسمية المزورة المعاقب عليهما بالمواد 211 و212 و214 من قانون العقوبات، خلافاً لما ذهبت إليه المحكمة.
وحيث إن الدعوى العمومية رفعت على الطاعن بأنه "أولاً – ارتكب تزويراً في محرر رسمي هو الشهادة العسكرية رقم 188 المسلمة له بسبب نقله للإجازة الحرة بأن محا العلامة الدالة عل رداءة أخلاقه أمام خانة درجة الأخلاق وأثبت بدلها كلمتي (جيدة جداً) وكان ذلك بقصد التزوير. وثانياً – استعمل هذه الشهادة المزورة بعد تزويرها بأن قدمها إلى سعادة مدير عام البوليس مرفقة بطلب استخدام رفعه ملتمساً تعيينه عسكري بوليس". ومحكمة أول درجة دانته في هاتين الواقعتين بالمواد 211 و212 و214 من قانون العقوبات، والمحكمة الاستئنافية برَّأته وقالت في ذلك "إنه عن الموضوع فإن وقائعه – كما هي ثابتة من التحقيقات والأوراق المرفقة بها – تتلخص في أنه بتاريخ 15 نوفمبر سنة 1944 قدم المتهم – وهو نفر رديف أي أنه سبق أن خدم خدمة حقيقية بالجيش العامل واستغنى عنه بعد أن أدى مدة خدمته الإلزامية – قدم المتهم المذكور طلباً لمدير عام البوليس التمس فيه إلحاقه بخدمة البوليس وأنه رب عائلة… وأن أخلاقه جيدة جداً، كما قدم تأييداً لطلبه هذا شهادته العسكرية (أي تذكرة رفتية رقم 188 قسم القاهرة) جاء فيها بالخانة المعدة لدرجة الأخلاق هذه العبارة (جيدة جداً) محررة بالمداد الأحمر، وقد لاحظت إدارة البوليس وجود كشط ظاهر تحت العبارة المذكورة وأن مدادها يخالف المداد المحررة به تلك الشهادة، فطلبت من إدارة السجلات العسكرية بوزارة الدفاع الوطني الإفادة عن حقيقة درجة الأخلاق التي أعطيت له فأبلغت بأن درجة الأخلاق رديئة، فأبلغ الأمر للنيابة المختصة، التي تولت تحقيقه، فاعترف المتهم كما اعترف بعد ذلك في كل أدوار محاكمته بأنه هو الذي أحدث ذلك التزوير في شهادته العسكرية حيث كان مدوناً بالخانة المذكورة المخصصة لدرجة الأخلاق ثلاثة خطوط حمراء، وهو يعلم أن هذه الخطوط تشير إلى رداءة الأخلاق ولما كان يعلم أيضاً أن تقدم الشهادة بحالتها لإثبات مدة خدمته العسكرية الماضية تعوق قبول طلبه في خدمة البوليس، أجرى محو تلك الخطوط الحمراء الثلاثة وأضاف، وبخط يده، عبارة (جيدة جداً). وحيث إن الثابت من كتاب إدارة الجيش المصري المؤرخ 28 يناير سنة 1945 المرفق أن ما يدرج بالشهادات العسكرية بشأن درجة الأخلاق هو فقط: قدوة حسنة – جيدة جداً – جيدة – جيدة نوعاً – جيدة أخيراً. وفيما عدا ذلك ثلاثة خطوط حمراء تشير إلى رداءة الأخلاق وذلك طبقاً للقانون العسكري. وحيث إنه إزاء ذلك التغيير الواقع بطريق الشطب والإضافة بخط نفس المتهم في الخانة المعدة لبيان درجة الأخلاق، رفعت النيابة العمومية دعواها ضد المتهم باعتباره مرتبكاً لجريمتي تزوير في محرر رسمي واستعمال ذلك المحرر مع العلم بتزويره، وقدمت القضية لحضرة قاضي الإحالة طالبة إحالتها على محكمة جنايات مصر لمعاقبة المتهم طبقاً لنص المواد المبينة بتقرير الاتهام، فقرر حضرته بجلسة 19 إبريل سنة 1945 إحالة القضية على المحكمة الجزئية للفصل فيها على أساس عقوبة الجنحة، فقدمت القضية لمحكمة الدرجة الأولى التي قضت بتاريخ ‌‌22 سبتمبر سنة 1945 بإدانة المتهم وحبسه ثلاثة شهور مع الشغل ومبلغ 500 قرش كفالة لإيقاف التنفيذ، فاستأنف المتهم هذا الحكم. وحيث إنه من المقرر قانوناً أنه لا يكفي لتكوين جريمة التزوير وقوع تغيير للحقيقة في محرر بإحدى الطرق التي نص القانون عليها، بل يجب أن يترتب على هذا التغيير ضرر سواء كان ذلك الضرر مادياً أو أدبياً، حالاً أو محتمل الوقوع وقت ارتكاب الجريمة، فردياً أو اجتماعياً، كما استقر رأي القضاء على عقاب التزوير الذي يقع من الموظفين العموميين في المحررات الرسمية بغير حاجة إلى إثبات وقوع ضرر مادي، إذ أن مجرد تغيير الحقيقة في هذه المحررات (الرسمية) يترتب عليه حتماً حلول الضرر أو احتمال حلوله، ذلك بأن العبث فيها من شأنه هدم الثقة بها وضياع قيمتها، إلا أنه يشترط في ذلك كله أن يكون التزوير واقعاً فعلاً في أمور جوهرية ذات أهمية (Clauses ou mentions essentielles) أعدت هذه المحررات لإثباتها، فليس كل كذب صالحاً لأن يكون تزويراً معاقباً عليه، فكل تزوير يقع في غير هذه البيانات الجوهرية ولو من الموظف العمومي لا عقاب عليه لانعدام أي ضرر محتمل. وحيث إن هذا القيد الأخير قد نصت عليه صراحة المادة 213 عقوبات التي قضت بعقاب كل موظف في مصلحة عمومية غيَّر بقصد التزوير موضوع السندات في حال تحريرها المختص بوظيفته سواء كان ذلك بتغيير إقرار أولي الشأن الذي كان الغرض من تحرير تلك السندات إدراجه بها… إلخ. وحيث إن الذي يخلص من ذلك ألا تزوير معاقباً عليه إذا كان التغيير على المحو أو الشطب واقعاً في غير ما أعد له المحرر وبقى هذا المحرر سليماً محتفظاً بكيانه القانوني، مع كافة بياناته الجوهرية التي حتمها ونص عليها القانون، وفي هذه الحالة لا ضرر ولا احتمال ضرر ولا مساس بأن صالح عام أو خاص. وحيث إنه بالاطلاع على الشهادة العسكرية الخاصة بالمتهم يتبين أنها تذكرة رفتية أو شهادة صادرة بتاريخ 24 يناير سنة 1944 من قومندان لواء قسم القاهرة أثبت فيها رقم المتهم باعتباره مجنداً ورتبته واسمه والسلاح الذي كان يعمل فيه ودرجة أخلاقه – (وقد كان مدرجاً في خانتها ثلاثة خطوط حمراء محاها المتهم وأثبت بدلها عبارة جيدة جداً) – وبلدته وأوصافه، وبعد هذه البيانات أثبت فيها الآتي: تشهد وزارة الدفاع الوطني بأن رافعه خدم خدمة حقيقية بالجيش العامل مدة 4 سنوات و342 يوماً ونقل للإجازة الحرة في 1/ 2/ 1944… إلخ. وحيث إن الذي يستفاد من ذلك أن هذه التذكرة إنما حررت وسلمت للمتهم ليس لإثبات أوصافه أو أخلاقه أو صلاحيته لأية خدمة عامة أو خاصة، بل حررت وأعدت وسلمت فعلاً وقانوناً لإثبات أن صاحبها قد خدم في الجيش العامل خدمة حقيقية المدة المبينة فيها، وأن مدة خدمته العسكرية قد انتهت وأصبح حكمه كالأهالي (كذا). وحيث إن ما أجراه المتهم من محو وإثبات في تلك الخانة المخصصة لدرجة الأخلاق بشهادته العسكرية، لا يكون في هذا المحرر جريمة تزوير معاقب عليه قانوناً إذ هذا الفعل الصادر منه لا يغير من صفة تلك الشهادة كتذكرة رفتية ولا يؤثر على كيانها القانوني، إذ أنها لم تنشأ ولم تعد لذلك، فإذا لم يكن اليوم أهلاً للقيام بأي خدمة ما، فقد يستطيع فيما بعد لو شاء اكتساب ما كان ينقصه من صفات. وحيث إنه تبين من هذا أن الشهادة العسكرية المذكورة لم يكن الغرض من إعدادها إثبات أن المتهم جيد الأخلاق أو غير جيدها. وحيث إنه لجميع ما تقدم يكون ما أسند للمتهم غير معاقب عليه طبقاً لقانون العقوبات. ومن ثم يتعين الحكم بإلغاء الحكم المستأنف وبراءة المتهم مما نسب إليه وفقاً لنص المادة 172 جنايات".
وحيث إنه ما دامت التذكرة التي تسلمها إدارة الجيش للعساكر بالرفت من الخدمة بها – كما يقول الحكم وكما هو الواقع – عنوان خاص لخانة معدة لإثبات درجة أخلاق صاحبها في مدة وجوده بالخدمة، بناءً على لوائح وتعليمات صادرة من جهة الحكومة، فإن ما يدوَّن محل هذه الخانة وموضوعها يكون بمقتضى القانون من البيانات التي أعدت التذكرة – بوصف كونها من الأوراق الرسمية – لإثباتها، وإذن فتعمد تغيير الحقيقة فيه يعد جناية تزوير في ورقة رسمية. ومتى كان ذلك كذلك فإن الحكم المطعون فيه إذ قضى للمتهم بالبراءة على أساس ما قاله من أن هذا البيان لم يكن من البيانات الهامة الجوهرية في التذكرة يكون قد أخطأ.
وحيث إنه لما كانت الواقعة التي أثبتتها المحكمة على النحو المتقدم ذكره تتوافر فيها جميع العناصر القانونية لجناية التزوير في ورقة رسمية وجناية استعمال الورقة الرسمية المزورة مع العلم بتزويرها، خلافاً لما ذهب إليه الحكم الاستئنافي المطعون فيه، فإنه يتعين نقض هذا الحكم، ثم القضاء بتأييد الحكم الابتدائي.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات