الطعن رقم 1733 سنة 2 ق – جلسة 23 /05 /1932
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 570
جلسة الاثنين 23 مايو سنة 1932
تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا.
القضية رقم 1733 سنة 2 القضائية
تزوير أوراق عرفية:
( أ ) تزوير أوراق وسندات. وجوب تشخيصها فى الحكم.
(ب) اصطناع ورقة بدين أو التزام ما على شخص خيالى لمصلحة المصطنع أو لمصلحة أى إنسان
آخر. حكمه.
1 – الحكم القاضى بادانة متهم فى تزوير عقود وسندات دين يجب أن توضح فيه ماهية تلك
العقود وخلاصة موضوع الالتزامات التى حوتها وقيمة المبالغ المدوّنة فى سندات الدين،
لأن هذه الأوراق هى جسم الجريمة التى أوخذ بها المتهم فيجب تشخيصها ببيان موضوعها ليمكن
بهذا التشخيص أن يتعرّف ما إذا كان لتلك الأوراق قيمة قانونية أم هى لا يمكن – بحسب
موضوعها – أن يترتب عليها أى أثر قانونى أو أى ضرر لأحد. والقصور فى هذا البيان هو
من العيوب الجوهرية فى الحكم.
2 – إذا قام خلاف فيما إذا كانت الأسماء المدلول عليها بالإمضاءات الموقع بها على العقود
أو السندات المزوّرة هى لأشخاص وهميين لا وجود لهم فى الواقع أو أنها لأشخاص موجودين
فى حقيقة الواقع وممكن قانونا أن تصدر منهم تعهدات للغير وأن يلتزموا له بالتزامات،
ولم تبحث المحكمة هذه النقطة بل قضت بادانة المتهم قائلة إن التزوير معاقب عليه على
كل حال "سواء أكان هناك أشخاص بالأسماء المزوّرة أم لا" كان حكمها باطلا واجبا نقضه؛
لأن القاعدة التى أسست عليها حكمها ليست على إطلاقها صحيحة، بل هى فى صورة ما إذا كانت
الأوراق عرفية وكانت سندات دين أو عقود التزام لا تصح إلا إذا كان الشخص نفسه الصادر
منه السند أو العقد يمضيه باسم لا وجود له سواء أكان هذا الاسم الخيالى مذكورا فى صلب
الورقة أو كان غير مذكور فيه اسم ما بل كان الاسم مذكورا فى الإمضاء فقط أو كان الاسم
الحقيقى مذكورا فى الصلب والوهمى هو المذكور فى الإمضاء – فى هذه الأحوال يكون من صدرت
منه الورقة قد غش فى المعاملة وأضر بعميله إذ انتحل لنفسه اسما غير اسمه الحقيقى وغير
الواقع فى الإمضاء ليفرّ من الدين أو الالتزام. أما إذا اصطنع إنسان ورقة بدين أو التزام
ما على شخص خيالى لمصلحة نفسه أو لمصلحة غيره وأمضى هذه الورقة المصطنعة باسم خيالى
لا وجود له سواء أكان هذا الاسم الخيالى مذكورا فى صلب الورقة أم غير مذكور فيه فان
مثل هذه الورقة المصطنعة قد خلقت معدومة لأن كل تعهد أو التزام يقتضى حتما وبطبيعة
الحال وجود تعاقد تكون الورقة دليلا عليه ووجود متعهد هو أحد طرفى العقد، فاذا كان
العقد لا وجود له فى الواقع وكان المتعهد شخصا لا وجود له فى الواقع فالورقة – وهى
الأداة الدالة على وجود هذا العقد وعلى التزام هذا الملتزم – هى ورقة يستحيل أن ينشأ
عنها بذاتها وبمجرّد اصطناعها ضرر لأى إنسان ولا يمكن عقلا أن يكون اصطناعها جريمة
يعاقب عليها القانون. كل ما فى الأمر أن هذه الورقة المخترعة إذا ادعى صانعها أنها
حقيقية وقدّمها للغير موهما إياه بصحتها وابتز منه شيئا من ثروته أو حاول بهذا الإيهام
أن يبتز شيئا من ثروته كان هذا الابتزاز أو محاولته الابتزاز نصبا أو شروعا فى نصب
وسيلته الإيهام بواقعة مكذوبة. أما الورقة ذاتها فلا يمكن قطعا اعتبارها ورقة مزوّرة.
الطعن المقدّم من كوستى ألياس أنطون ضد النيابة العامة فى دعواها رقم 989 سنة 1932
المقيدة بجدول المحكمة رقم 1733 سنة 2 قضائية.
الوقائع
اتهمت النيابة العمومية الطاعن المذكور بأنه فى المدّة ما بين نوفمبر
سنة 1926 وأغسطس سنة 1927 بدائرة قسم العطارين: (أوّلا) توصل إلى الاستيلاء على مبلغ
11753 جنيها و640 مليما بطريق النصب والاحتيال من الخواجات ميشيل وبولفاور وذلك بأن
أوهمهما بواقعة مزوّرة فى صورة واقعة صحيحة بأن ادعى أن الشركة التى كانت قائمة بينهم
سائرة بنجاح وقدّم إثباتا لذلك فى سنة 1926 ميزانية غير صحيحة أثبت بها ربحا وهميا
قدره 15080 جنيها و89 مليما وأخرى فى آخر أبريل سنة 1927 أثبت بها ربحا وهميا أيضا
قدره 298 جنيها و35 مليما. (ثانيا) بدّد 1541 رأسا من الغنم قيمتها 4500 جنيه تسلمت
إليه بصفة كونه وكيلا بالأجرة وشريكا بقصد بيعها فتصرف فيها وأثبت بدفاتر الشركة أنها
بيعت لأشخاص اتضح أنه لا وجود لهم. (ثالثا) اختلس أيضا مبلغ 388 جنيها تسلم إليه لمصلحة
الشركة المذكورة وذلك إضرارا بالخواجات ميشيل وبولفاور. (رابعا) زوّر إمضاء كل من رزق
عبد المسيح عدكه ورسلان الفزاوى وأحمد جاد الله وحسن محمد وحسن وهيب على عقود وسندات
دين نسب صدورها عنهم بأن وقع بخطه على المستندات المزوّرة بتقديمها لشريكيه وهما الخواجات
ميشيل وبولفاور مع علمه بتزويرها وطلبت معاقبته بالمواد 293 و296 و183 من قانون العقوبات.
ومحكمة جنح العطارين الجزئية بعد أن سمعت هذه الدعوى حكمت فيها حضوريا بتاريخ 18 يناير
سنة 1930 عملا بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات بالنسبة لتهمتى النصب وتبديد الأغنام
وبالمادتين 296 و183 من قانون العقوبات بالنسبة للتهمتين الثالثة والرابعة مع تطبيق
المادة 32 من القانون المذكور ببراءة المتهم من التهمتين الأولى والثانية وحبسه سنة
مع الشغل عن التهمتين الثالثة والرابعة.
فاستأنفت النيابة هذا الحكم فى 21 يناير سنة 1930 واستأنفه وكيل المتهم فى 22 يناير
سنة 1930.
ومحكمة إسكندرية الابتدائية الأهلية نظرت هذه الدعوى استئنافيا وقضت فيها حضوريا بتاريخ
2 مارس سنة 1932 عملا بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات بالنسبة للتهم الثلاث الأولى
وبالمادة 183 من قانون العقوبات بالنسبة للتهمة الرابعة بقبول الاستئنافين شكلا وفى
الموضوع بتأييد الحكم المستأنف فيما يختص بالتهمتين الأولى والثانية، وبالغائه فيما
يختص بالتهمة الثالثة وبراءة المتهم منها وبتعديله بالنسبة للتهمة الرابعة وحبس المتهم
أربعة شهور مع الشغل.
فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض فى 19 مارس سنة 1932 وقدّم حضرة المحامى
عنه تقريرا بالأسباب فى 20 منه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن من مبانى الطعن أن الحكم خال من بيان واقعة التزوير ومن بيان ركن القصد الجنائى
وركن الضرر.
وحيث إنه بالاطلاع على الحكم المطعون فيه وجد أنه قصر حقيقة فى بيان العقود وسندات
الدين المقول بأن الطاعن وقع عليها بامضاءات مزوّرة فلم يوضح ماهية تلك العقود ولا
خلاصة موضوع الالتزامات التى حوتها ولا ذكر شيئا عن قيمة المبالغ التى دوّنت فى سندات
الدين مع أن هذه الأوراق هى جسم الجريمة التى أوخذ بها الطاعن وكان على المحكمة أن
تشخصها ببيان موضوعها وليكون فى هذا التشخيص ما يمكن أن يتعرّف به ما إذا كان لتلك
العقود ولو شبه قيمة قانونية أو أنها لا يمكن بحسب موضوعها أن يترتب عليها أى أثر قانونى
أو أى ضرر لأحد. وهذا القصور فى البيان هو من العيوب الجوهرية فى الحكم.
وحيث إن جوهر ما أثبته الحكم فيما يتعلق بركن التزوير المادى هو أن على تلك العقود
والسندات إمضاءات مكتوبة بخط الطاعن نفسه لا بخط الأشخاص المقول بصدور تلك العقود والسندات
منهم.
وحيث إن الظاهر من عبارات الحكم أنه قام خلاف فيما إذا كانت تلك الأسماء المدلول عليها
بتلك الإمضاءات هى لأشخاص وهميين لا وجود لهم فى الواقع أو أنها لأشخاص موجودين فى
حقيقة الواقع وممكن قانونا أن تصدر منهم تعهدات للغير وأن يلتزموا له بالتزامات.
وحيث إنه ظاهر أيضا من الحكم أنه بينما يدعى الطاعن أن هؤلاء الأشخاص موجودون فى الواقع
وأنهم أمضوا تلك العقود والسندات فى الواقع إذا به يدعى أيضا أن تلك العقود والسندات
هى أوراق مهملة لا قيمة لها وأنها لم تقدّم إلى خصميه المجنى عليهما فى الدعوى الحالية
ولم تستعمل وأنها لا تضر بالمجنى عليهما المذكورين وأن أحدا من مصدرى تلك الأوراق لم
يقدّم شكوى بتزويرها أى أن المجنى عليه الأصلى فيها معدوم.
وحيث إن الدفاع بهذه الكيفية وإن كان دفاعا مضطربا إلا أن المحكمة – بحسب الظاهر من
الحكم – سلكت للفصل فى القضية طريقا لا تقرّه المبادئ القانونية. ذلك بأنها أهملت البحث
فيما إذا كان أصحاب الإمضاءات أشخاصا خياليين حقيقة وأن دفاع الطاعن الذى يدعى أن له
وجودا واقعيا هو دفاع غير مطابق للواقع ولكنه قدّمه ظنا منه أن أخذ المحكمة به يخليه
من المسئولية أم أن هؤلاء الأشخاص موجودون فى الواقع وأن دفاع المتهم الذى قال بوجودهم
هو دفاع صحيح – أهملت المحكمة تحقيق هذه النقطة قائلة إن التزوير معاقب عليه على كل
حال "سواء أكان هناك أشخاص بالأسماء المزوّرة أم لا".
وحيث إن تلك القاعدة التى جعلتها المحكمة من الأسس الجوهرية لحكمها – وهى أن التزوير
معاقب عليه سواء أكان أصحاب الإمضاءات أشخاصا معينين لهم وجود حقيقى أم هم أشخاص خياليون
لا وجود لهم – غير صحيحة على إطلاقها، بل هى فى صورة ما إذا كانت الأوراق عرفية وكانت
سندات دين أو عقود التزام – كما فى الدعوى الحالية – لا تصح إلا إذا كان نفس الشخص
الصادر منه السند أو العقد يمضيه باسم لا وجود له سواء أكان هذا الاسم الخيالى مذكورا
فى صلب الورقة أو كان غير مذكور فيه اسم ما، بل كان الاسم مذكورا فى الإمضاء فقط أو
كان الاسم الحقيقى مذكورا فى الصلب والوهمى هو المذكور فى الإمضاء. فى هذه الأحوال
يكون من صدرت منه الورقة قد غش فى المعاملة وأضر بمن يتعامل معه إذ انتحل لنفسه اسما
غير اسمه الحقيقى وغير الواقع فى الإمضاء ليفرّ من الدين أو الالتزام إضرارا بعميله.
أما إذا اصطنع إنسان ورقة بدين أو التزام مّا على شخص خيالى لمصلحة نفسه أو لمصلحة
أى إنسان آخر وأمضى هذه الورقة المصطنعة باسم خيالى لا وجود له سواء أكان هذا الاسم
الخيالى مذكورا فى صلب الورقة أم غير مذكور فيه فان مثل هذه الورقة المصطنعة قد خلقت
معدومة لأن كل تعهد أو التزام يقتضى حتما وبطبيعة الحال وجود تعاقد تكون الورقة دليلا
عليه ووجود متعهد هو أحد طرفى العقد فاذا كان العقد لا وجود له فى الواقع وكان المتعهد
شخصا لا وجود له فى الواقع، فالورقة وهى الأداة الدالة على وجود هذا العقد وعلى التزام
هذا الملتزم هى ورقة يستحيل أن ينشأ عنها بذاتها وبمجرّد اصطناعها ضرر لأى إنسان فى
الوجود ولا يمكن عقلا أن يكون اصطناعها جريمة يعاقب عليها القانون. كل ما فى الأمر
أن مثل هذه الورقة المخترعة الدالة على عقد لا وجود له وعلى متعهد لا وجود له – هذه
الورقة إذا ادعى صانعها أنها حقيقية وقدّمها للغير موهما إياه بصحتها وابتز منه شيئا
من ثروته أو حاول بهذا الإيهام أن يبتز شيئا من ثروته كان هذا الابتزاز أو محاولة الابتزاز
نصبا أو شروعا فى نصب وسيلته الإيهام بواقعة مكذوبة؛ أما الورقة ذاتها فلا يمكن قطعا
اعتبارها ورقة مزوّرة.
وحيث إنه متى تقرر هذا علم أن الفصل فى الدعوى الحالية كان يستدعى تصفية نقطة ما إذا
كان الأشخاص المقول بتزوير إمضاءاتهم هم أشخاصا حقيقيين كما يزعم الطاعن أم هم فى الواقع
أشخاص وهميون كما قد يفهم من تردّد المحكمة وتشككها فى عباراتها فى الحكم؛ فان ظهر
أن أولئك الأشخاص لا وجود لهم فى الواقع بل هم أشخاص خياليون يستحيل أن يكونوا تعاقدوا
مع المجنى عليهما فى الدعوى الحالية أو مع الطاعن نفسه لمصلحة المجنى عليهما – إن ظهر
ذلك وكان الطاعن لم يقدّم هذه الأوراق الوهمية للمجنى عليهما ولم يخصم له شىء من حسابه
تأسيسا على توهم صحة هذه الأوراق – إن ظهر ذلك كان لا إجرام هناك، أما إن ظهر أنه قدّم
تلك الأوراق الوهمية للمجنى عليهما محاولا خصم شىء لحسابه اعتمادا عليها فلم ينجح أو
نجح فيكون هناك شروع فى نصب أو نصب تام.
وأما إذا ظهر أن للأشخاص المدلول عليهم بالإمضاءات وجودا حقيقيا فيكون هناك جريمة تزوير
وقعت على هؤلاء الأشخاص إذا كانوا لا يعترفون بامضاءاتهم كما يكون هناك نصب أيضا على
المجنى عليهما أو شروع فى نصب إذا كان الطاعن قد قدّم تلك الأوراق لهما ووصل إلى خصم
شىء من حسابه اعتمادا عليها أو حاول ذلك ولم ينجح.
على أنه مما يجب التنبيه إليه فى هذا الصدد أن على المحكمة أن تتقى الحكم فى أى جريمة
تظهر لها مما أشير إليه فيما تقدّم ولم تكن تعديلا لوصف الأفعال المرفوعة بها التهمة
والتى تردّد ذكرها فى التحقيقات وتناولها الاتهام والدفاع إثباتا ونفيا فان وجدت أثرا
لجريمة خارجة عن هذا النطاق تركت الشأن فيها للنيابة العمومية.
وحيث إنه لما تقدّم يتعين نقض الحكم المطعون فيه من جهة تهمة التزوير وإعادة الدعوى
لنظرها من جديد.
