الطعن رقم 1444 سنة 2 ق – جلسة 31 /03 /1932
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 492
جلسة الخميس 31 مارس سنة 1932
تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا.
القضية رقم 1444 سنة 2 القضائية
( أ ) النيابة العامة. استقلالها عن السلطة القضائية. حريتها التامة
فى بسط آرائها لدى المحاكم. ليس للقاضى أن يلوم النيابة أو أن يعيبها بسبب سيرها فى
أداء وظيفتها. وجوب اتجاهه فى ذلك إلى النائب العام أو إلى الوزير.
(ب) المعول عليه فى الحكم هو الجزء الذى يبدو فيه اقتناع القاضى.
(جـ) شهود. حق المحكمة فى استدعاء أى شخص لسماع أقواله. شاهد تقدّم للمحكمة من تلقاء
نفسه. حق المحكمة. حق الخصوم.
(د) الملاحظات التى تبديها المحكمة فى الجلسة. إبداؤها لا ينهض سببا للطعن على حكمها.
(هـ) تحقيق بواسطة المحكمة. حظر غشيان قاعة الجلسة أو مبارحتها. جوازه.
(و) سرقة. متاع منقول. اختلاس ورقة غير جدّية. لا جريمة.
(ز) سلامة النية. معناها فى مواد القذف والسب. خضوعها لرقابة محكمة النقض.
(ح) التبليغ عن جريمة. نشر الأوراق المستفاد منها نسبة الجريمة إلى المتهم بها يعتبر
قذفا. نشر البلاغ مع هذه الأوراق فيه جريمة قذف أيضا. الإسناد فى دعاوى القذف. تحققه
بالصيغ الكلامية أو الكتابية التوكيدية. تحققه بالصيغ التشكيكية. إعلان الشكوى غير
المعاقب عليه هو الإخبار البسيط الخالى من كل تفصيل.
(ط) إعفاء القاذف. شرط سلامة النية. قصد المصلحة العامة وصحة الوقائع المقذوف بها مع
استعداد القاذف للتدليل على صحتها.
(المواد 274 و261 و262 و265 ع و46 تشكيل)
1 – النيابة العامة هى من النظم المهمة فى الدولة المصرية. أشار الدستور إليها فى كلامه
عن السلطة القضائية وهى – بحسب القوانين التفصيلية المعمول بها – شعبة أصيلة من شعب
السلطة التنفيذية خصت بمباشرة الدعوى العمومية نيابة عن تلك السلطة، وجعل لها وحدها
حق التصرف فيها تحت إشراف وزير الحقانية ومراقبته الإدارية. فهى بحكم وظيفتها تلك مستقلة
استقلالا تاما عن السلطة القضائية. ولئن كانت القوانين المصرية جعلت لها سلطة قضائية
فى التحقيق فإن هذا الحق لا يمس بأصل مبدأ استقلالها عن القضاء وعدم تبعيتها له أية
تبعية إدارية فى أداء شئون وظيفتها.
ويترتب على استقلال النيابة عن القضاء وعلى ما خوّلها القانون من الاختصاص: (أوّلا)
أن يكون لها الحرّية التامة فى بسط آرائها لدى المحاكم فى الدعوى العمومية بدون أن
يكون للمحاكم أى حق فى الحدّ من تلك الحرية إلا ما يقضى به النظام وحقوق الدفاع ولا
ينبو عن المنطق الدقيق. (ثانيا) أن ليس للقضاء على النيابة أية سلطة تبيح له لومها
أو تعييبها مباشرة بسبب طريقة سيرها فى أداء وظيفتها، بل إن كان يرى عليها شبهة فى
هذا السبيل فليس له إلا أن يتجه فى ذلك إلى النائب العمومى المشرف مباشرة على رجال
النيابة أو إلى وزير الحقانية وهو الرئيس الأعلى للنيابة، على أن يكون هذا التوجه بصفة
سرية رعاية للحرمة الواجبة للنيابة العامة.
2 – ليس من مانع يمنع القاضى من أن يستعرض فى حكمه كل الصور التى يحتملها الموضوع المطروح
أمامه ثم يختار منها الصورة التى يعتقد أنها هى الواقعة فعلا ويبنى حكمه عليها. ولا
يطعن على حكمه أن يكون عند استعراض تلك الصور قد بدا فيه ما يدل على تردّده فى الاقتناع
بحقيقة الصورة التى وقعت بها الحادثة ما دام أنه قد انتهى بعد بتوكيد اقتناعه بثبوت
الوقائع المكوّنة للصورة التى اتخذها أساسا لحكمه إذ المعول عليه فى الأحكام هو الجزاء
الذى يبدو فيه اقتناع القاضى دون غيره من الأجزاء الخارجة عن سياق هذا الاقتناع.
3 – ما دام أن القانون لم يجعل لأى خصم فى الدعوى سوى حق الاعتراض على سماع شهادة الشاهد
الذى لم يكلف بالحضور بناء على طلبه أو لم يعلن له اسمه ثم لم يرتب أى بطلان على سماع
مثل هذا الشاهد لو تخطت المحكمة الاعتراض وسمعته، وما دام أنه لم يحرم سماع شهادة الشهود
الذين ترى المحكمة الجنائية سماعهم فلا وجه للبحث فى طريقة استدعاء هؤلاء الشهود ولا
فى البواعث التى أدت بالمحكمة إلى هذا الاستدعاء. كما لا محل للقول بتحريم سماع شهادة
من يتقدّم من تلقاء نفسه إلى ساحة المحكمة طالبا سماع شهادته بعلة أن مثل هذا الشاهد
مريب، فإنه إذا صح أن من يحضرون من تلقاء أنفسهم للشهادة يكونون مندفعين بعامل التحيز
لمصلحة المتهم أو المجنى عليه فإنه يصح أيضا أنهم يكونون مندفعين بدافع إحقاق الحق
فى ذاته. كل ما فى الأمر أن على محكمة الموضوع أن تلاحظ ظرف عرض الشاهد نفسه على القضاء
وأن تمكن من ترفض معارضته فى سماعه من أن يقدّم لها ما ينقض شهادته وأن تعطيه من الوقت
ما يكفى لتحضير أدلته فى هذا الصدد.
4 – إنه وإن كان ليس من المقبول أن تزعج المحكمة الخصوم الذين أمامها بملاحظات قد تنم
عن وجه الرأى الذى استقام لها بشأن تقدير الوقائع المطروحة لديها إلا أن ذلك لا ينهض
أن يكون سببا للطعن على حكمها، إذ من المخاطرة القول بأن إبداء مثل تلك الملاحظات يفيد
قيام رأى ثابت مستقر فى نفس المحكمة ليس عنه من محيص بل من المحتمل أن تكون تلك الملاحظات
ليست منبعثة إلا عن مجرّد شبهات قامت فى ذهن المحكمة فأرادت أن تتحقق منها وتمكن الخصوم
من درئها قبل أن يستقر رأيها فيها على وجه نهائى معين.
5 – للمحكمة أن تجرى التحقيق الذى تراه لتعرف الحقيقة. ولها فى سبيل ذلك أن تحظر غشيان
قاعة الجلسة أو مبارحتها متى كانت طبيعة التحقيق تقتضى هذا الحظر.
6 – لا يعدّ سرقة ولا خيانة أمانة اختلاس تقرير مرفوع من أعضاء لجان حزب إلى مدير إدارة
هذه اللجان إذا ثبت أن هذا التقرير ليس بورقة جدية ذات حرمة ولا يمكن اعتبارها متاعا
للحزب يحرص عليه وأنها أنشئت لغرض خاص لا ارتباط له بأعمال الحزب وإنما هى أثر خدعة
وأداة غش ألبست ثوب ورقة لها شأن.
7 – إن مسألة "سلامة النية" المشروط فى الفقرة الثانية من المادة 261 ع وجوب توفرها
لإعفاء القاذف من عقوبة قذفه فى حق الموظفين العموميين ومن فى حكمهم – هذه المسألة
وإن كان الشارع المصرى يرى أنها مسألة موضوعية إلا أنه رسم لها أقل قاعدة مقررة للعناصر
الأساسية التى يتكوّن منها معناها. وهذه القاعدة هى أن يكون موجه الانتقاد يعتقد فى
ضميره صحته وأن يكون قدّر الأمور التى نسبها إلى الموظف تقديرا كافيا وأن يكون انتقاده
للمصلحة العامة لا لسوء قصد، فأصبح من الواجب على قاضى الموضوع عند بحثه فى توفر هذا
الشرط أو عدم توفره أن يفهمه على ذلك المعنى، فان فهمه على معنى آخر كان حكمه واقعا
تحت رقابة محكمة النقض من جهة خطئه فى تأويل القانون وتفسيره. ولا يجوز فى هذه الحالة
أن يقال إن مسألة حسن النية وسوئها أمر متعلق بالموضوع مما يختص به قاضيه وحده إذ المسألة
متعلقة بماذا يجب قانونا على القاضى أن يثبته لا بصحة الأمر المادى الواقعى الذى أثبته
وعدم صحته، فهى مسألة قانونية بحتة.
8 – إذا قدّم شخص إلى النيابة بلاغا نسب فيه إلى موظف صدور أوراق منه يستفاد منها ارتكابه
جريمة ما وطلب فى بلاغه تحقيق هذه المسألة ومحاكمة هذا الموظف إن صح صدور هذه الأوراق
منه أو محاكمة مزوّر هذه الأوراق إن كانت مزوّرة ثم نشر بلاغه مع هذه الأوراق فى الجرائد
فلا يمكن أن يفهم معنى لهذا النشر على الملأ إلا أن الناشر يسند إلى الموظف المعنى
المستفاد من صيغ تلك الأوراق. ولا يطعن فى تحقق هذا الإسناد كون الناشر أورد فى بلاغه
الذى نشره ما يحتمل معه أن تكون تلك الأوراق غير صحيحة فانه لا شأن لهذا البلاغ مطلقا
بنشر الأوراق المحتوية على القذف بالجريدة، بل إن كان فى هذا النشر فى ذاته قذف فانه
يأخذ حكمه القانونى بدون أى تأثير لعبارة البلاغ عليه. ولا يقال إن نشر صورة البلاغ
مع نصوص تلك الأوراق قد يكون له أثر فى تحديد قوّة الإسناد المستفاد من الأوراق فان
نشر صورة هذا البلاغ فيه هو أيضا جريمة قذف صريحة لأن الإسناد فى هذا الباب كما يتحقق
بكل صيغة كلامية أو كتابية توكيدية يتحقق أيضا بكل صيغة ولو تشكيكية من شأنها أن تلقى
فى أذهان الجمهور عقيدة ولو وقتية أو ظنا أو احتمالا ولو وقتيا فى صحة الأمور المدعاة
ولذلك لا عبرة بما يتخذه القاذف من الأسلوب القولى أو الكتابى الذى يجتهد فيه فى التهرّب
من نتائج قذفه. ولا يصح التمسك فى هذا الصدد بما ورد فى صدر الفقرة الثانية من المادة
163 ع من أنه لا عقاب على مجرّد إعلان الشكوى إذ أقصى ما يستفاد من هذه العبارة أنه
مباح هو مجرّد إعلان الشكوى المقدّمة فى دعوى من الأنواع الثلاثة المنصوص عليها بالفقرة
الأولى من المادة 163 أى الإخبار البسيط عن حصول هذه الشكوى إخبارا خاليا عن كل تفصيل
((Simple annonce.
9 – إن القانون قد اشترط لإعفاء القاذف فى حق الرجال العموميين من العقاب فوق سلامة
النية إثبات صحة الوقائع المقذوف بها. ومعنى هذا الشرط أن يكون القاذف مستعدا على الدليل
على صحة ما قذف به وأن يقدّمه للمحكمة فتعتمده، أما أن يقدم على القذف ويده خالية من
الدليل معتمدا على أن يظهر له التحقيق دليلا فهذا ما لا يجيزه القانون.
الطعن المقدّم من النيابة العامة فى دعواها رقم 597 سنة 1931 – 1932 المقيدة بجدول
المحكمة رقم 1444 سنة 2 قضائية ومن حضرة صاحب السعادة محمد علام باشا ومحمد متبولى
صفا افندى مدعيين بحق مدنى ضد عزيز ميرهم افندى ومحمد توفيق دياب افندى وناشد مسيحه
وزكى خطاب ومحمد أحمد خطاب، ومن ناشد مسيحه وزكى خطاب ومحمد أحمد خطاب المتهمين ضد
النيابة العامة فى دعواها المذكورة.
الوقائع
اتهمت النيابة العمومية عزيز ميرهم افندى ومحمد توفيق دياب افندى
بأنهما: الأول فى خلال شهور مايو ويونيه ويوليه سنة 1931 بدائرة قسم السيدة محافظة
مصر.
أوّلا – اشترك مع آخر مجهول فى سرقة أوراق من إدارة حزب الشعب أى تقرير مرفوع من أعضاء
لجان حزب الشعب إلى محمد متبولى صفا افندى مدير إدارة هذه اللجان بأن حرضه واتفق معه
على ارتكاب الأفعال المكوّنة لجريمة السرقة فوقعت فعلا بناء على هذا التحريض وهذا الاتفاق.
ثانيا – ارتكب تزويرا فى أوراق عرفية وهى خطاب نسب صدوره إلى محمد علام باشا مدير إدارة
حزب الشعب يتضمن الإشارة إلى أن حضرة صاحب الدولة رئيس حزب الشعب أمر برصد مبلغ 2700
جنيه لمساعدة المرشحين المرغوب فى نجاحهم من الأحزاب الموالية للحكومة وتنظيم حفلات
الدعاية للمرشحين إلى آخر ما جاء بهذا الخطاب وخطاب ثان نسب صدوره إلى أحمد مراد بك
المفتش بوزارة الداخلية يتضمن الطلب من حضرة صاحب الدولة رئيس حزب الشعب نقل بعض الموظفين
إلى جهات أخرى بسبب الانتخابات وذلك بأن اصطنع الخطابين المذكورين ونقل إمضاء صحيحة
لمحمد علام باشا ولصقها على الخطاب الأول وزوّر الإمضاء على الثانى كما زوّر لمحمد
متبولى صفا افندى إمضاء على التقرير المنوّه عنه بالتهمة الأولى.
ثالثا – استعمل الأوراق المزوّرة المذكورة مع علمه بتزويرها بأن عمل على تقديمها للنيابة
العمومية لتحقيق الوقائع التى وردت بهذه الأوراق كما عمل على نشرها فى الصحف للاستفادة
بها وبما احتوت عليه فى دعايته السياسية.
رابعا – ولأنه مع المتهم الثانى بصفته رئيس التحرير لجريدة الضياء اليومية فى الزمن
والمكان السالفى الذكر قذفا وسبا علنا كلا من حضرة صاحب الدولة إسماعيل صدقى باشا وأحمد
بك مراد المفتش بوزارة الداخلية ومحمد علام باشا ومحمد متبولى صفا افندى بسبب أمور
تتعلق بوظيفة الأول والثانى وقد حصل القذف والسب فى الأحوال المتقدّم ذكرها بأن أنشأ
المتهم الأول الأوراق المزوّرة المذكورة ونشرها الثانى بجريدة الضياء اليومية بالعددين
رقم 208 و220 الصادرين بتاريخ 19 يونيه وأول يوليه سنة 1931 وقد جاء فى هذه الأوراق
أن المجنى عليهم المذكورين يعملون على التدخل فى انتخابات مجلسى النوّاب والشيوخ والتأثير
على الموظفين ورشوة الناخبين والمرشحين. وطلبت من محكمة جنايات مصر معاقبة الأول بالمواد
274 فقرة أولى و40 فقرة أولى وثانية و41 و183 و148 و261 و262 و265 من قانون العقوبات
والثانى بالمواد 148 و261 و262 و265 و166 و168 من القانون المذكور.
وادعى بحق مدنى حضرة صاحب السعادة محمد علام باشا ومحمد متبولى صفا افندى وطلب كل منهما
الحكم له بتعويض قدره نصف قرش على هذين المتهمين.
وباشرت المحكمة (محكمة الجنايات) سماع الدعوى. وفى خلال سماعها أصدرت قرارا فى جلسة
28 نوفمبر سنة 1931 برفع الدعوى العمومية على ناشد مسيحه بتهمة سرقة التقرير المذيل
بالإشارة المنسوبة لمتبولى صفا أفندى طبقا للمادة 274 فقرة أولى من قانون العقوبات
وبتزوير إمضاء أحمد بك مراد على الخطاب المنسوب إليه طبقا للمادة 183 من القانون المذكور
وبالاشتراك فى تزوير الإشارة المنسوبة إلى متبولى أفندى صفا والخطاب المنسوب لمحمد
علام باشا طبقا للمواد 183 و40 فقرة ثانية وثالثة و41 عقوبات – وعلى زكى خطاب بتهمة
الاشتراك فى سرقة التقرير المذكور طبقا للمواد 274 فقرة أولى و40 فقرة ثانية و41 من
قانون العقوبات وبتزوير الخطاب المنسوب إلى أحمد بك مراد طبقا للمادة 183 عقوبات وبالاشتراك
فى تزوير الإشارة المنسوبة لمتبولى أفندى صفا والخطاب المنسوب لمحمد علام باشا طبقا
للمواد 183 و40 فقرة ثانية و41 من القانون المذكور. وكلفت النيابة العمومية باعلانهما
بالتهم المتقدّم بيانها.
ومحامى المدعيين بالحق المدنى طلب تعديل التعويض وجعله قرشا لكل واحد منهما قبل المتهمين
جميعا.
وبجلستى 15 و19 ديسمبر سنة 1931 وجهت النيابة إلى المتهمين بالسرقة تهمة الاختلاس من
باب الاحتياط وتهمة الاتفاق الجنائى إلى جميع المتهمين.
وبجلسة 20 ديسمبر سنة 1931 قدّم ناشد مسيحه طلبا برد حضرة صاحب العزة رئيس محكمة الجنايات
ونظر الرد وقضى برفضه.
وبجلسة 26 ديسمبر سنة 1931 رفعت النيابة الدعوى العمومية على محمد أحمد خطاب بتهمة
تزوير خطاب علام باشا وطلبت عقابه بالمادة 183 من قانون العقوبات.
وبجلسة 3 يناير سنة 1932 فوّضت النيابة الرأى للمحكمة فى تهمة عزيز ميرهم أفندى بالتزوير
والاشتراك فيه وأصرت على اتهامه باستعمال الأوراق المزوّرة مع علمه بتزويرها.
وبعد أن أتمت المحكمة سماع الدعوى قضت حضوريا فى 5 يناير سنة 1932 عملا بالمادة 183
من قانون العقوبات بالنسبة لناشد مسيحه عن تزوير الخطاب المنسوب لعلام باشا والخطاب
المنسوب لأحمد بك مراد ولزكى خطاب عن الخطاب الثانى وبالنسبة لمحمد أحمد خطاب عن تزوير
خطاب علام باشا وبالمواد 183 و40 فقرة ثانية و41 منه بالنسبة لزكى خطاب لاشتراكه فى
تزوير خطاب علام باشا وبالمادة 32 من القانون المذكور بالنسبة لناشد مسيحه وزكى خطاب
وبالمادة 50 من قانون تشكيل محاكم الجنايات بالنسبة لناشد مسيحه وزكى خطاب عن السرقة
والاختلاس والاتفاق الجنائى وتزوير إشارة وإمضاء متبولى أفندى صفا وبها بالنسبة لعزيز
ميرهم أفندى ومحمد توفيق دياب أفندى عن جميع ما أسند إليهما: (أوّلا) بمعاقبة كل من
ناشد مسيحه وزكى خطاب بالحبس مع الشغل مدة ثلاث سنوات وإلزامهما بأن يدفعا بالتضامن
قرشا واحدا إلى محمد علام باشا المدعى بالحق المدنى ونصف مصاريف الدعوى المدنية. (ثانيا)
بمعاقبة محمد أحمد خطاب بالحبس مع الشغل مدّة سنتين. (ثالثا) ببراءة ناشد مسيحه وزكى
خطاب من تهم السرقة والاختلاس والاتفاق الجنائى وتزوير إشارة وإمضاء متبولى أفندى صفا
ورفض دعواه المدنية قبلهما وإلزامه بالنصف الباقى من مصاريف الدعوى المدنية. (رابعا)
ببراءة كل من عزيز ميرهم أفندى ومحمد توفيق دياب أفندى من جميع ما أسند إليهما ورفض
دعوى المدعيين بالحق المدنى قبلهما.
فطعن حضرة رئيس نيابة مصر فى هذا الحكم بطريق النقض فى 23 يناير سنة 1932 وقدّم حضرته
تقريرا بالأسباب فى ذات التاريخ.
وطعن فيه كل من محمد علام باشا ومتبولى صفا أفندى المدعيين بالحق المدنى الأول فى 21
يناير سنة 1932 والثانى فى 20 منه وقدّم حضرتا المحاميين عنهما تقريرين بأسباب طعنهما
فى 23 منه ومع تقرير أسباب متبولى صفا أفندى شهادة مؤرخة فى 19 يناير سنة 1932 بعدم
ختم الحكم فى الميعاد.
وطعن فيه أيضا المحكوم عليهم ناشد مسيحه وزكى خطاب ومحمد أحمد خطاب الأول فى 5 يناير
سنة 1932 والثانى والثالث فى 6 منه وقدّم ناشد مسيحه تقريرا بأسباب طعنه فى 21 منه
بأن الحكم لم يختم فى الميعاد القانونى وألحق به شهادة مؤرّخة 18 يناير سنة 1932 تفيد
ذلك. وقدّم محمد أحمد خطاب تقريرا بأسباب طعنه فى 23 منه ولم يقدّم زكى خطاب أسبابا
لطعنه إلا فى 20 مارس سنة 1932.
وبجلسة 15 فبراير سنة 1932 المحدّدة لنظر هذه الطعون طلب كل من الحاضرين عن المدعيين
بالحق المدنى والحاضر عن المتهم ناشد مسيحه أجلا لتقديم تقارير أسباب الطعون فمنحتهم
المحكمة أجلا مداه عشرة أيام فقدّموها فى 24 فبراير سنة 1932.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
بما أن الطعون المقدّمة من النيابة العمومية ومن المدعيين مدنيا ومن المتهمين عدا زكى
خطاب قد قدّمت فى الميعاد وكذلك أسبابها فهى مقبولة شكلا.
وبما أن الطعن المرفوع من زكى خطاب لم تقدّم عنه أسباب فى الميعاد فهو غير مقبول شكلا.
وبما أن الأوجه الأول والثانى والسادس من تقرير النيابة العمومية تتلخص فيما يأتى:
جاء فى الوجه الأول أن محكمة الجنايات قد أغفلت حكم القانون فى استقلال النيابة العمومية
عن المحاكم استقلالا كليا وأقامت نفسها كسلطة تأديبية إذ حققت مع ممثل النيابة فى القضية
ووجهت إليه عبارات فيها لوم وتأنيب – وقد ذكرت النيابة أمثلة لما تشكو منه ثم طلبت
أن تقضى هذه المحكمة بحذف كل ما جاء فى محاضر جلسات محكمة الجنايات وفى الحكم مما كان
مبعث شكواها مع التنويه بمبدأ استقلال النيابة العمومية عن المحاكم وإيجاب احترامه
كقاعدة أساسية فى نظام مصر القضائى.
وقد بنى الوجه الثانى على أن محكمة الجنايات كانت تقاطع رئيس النيابة المترافع وهو
يبسط القضية مقاطعة مستمرة بدا فيها الإسراف إلى حدّ حال بين النيابة وبين أداء واجبها
على الوجه الذى قصده القانون مع أن النيابة العمومية وإن كانت خصما أصليا فى الدعوى
الجنائية إلا أنها بحسب طبيعة وظيفتها ونظامها ليست كسائر الأخصام فهى لا تربطها بالدعوى
إلا الصلة العامة صلة الحق والقانون.
ولقد ترتب على استرسال المحكمة فى مقاطعة النيابة أن ضاعت فائدة مرافعتها فى إيضاح
الدعوى كما أن مفاجأة المحكمة لرئيس النيابة المترافع بين لحظة وأخرى بأن ما يقوله
يتناقض مع الثابت أو لا يتفق مع المعقول أو الظاهر مما يؤدى إلى اضطرابه وقطع اتصال
أفكاره. وفى هذا كله إخلال بحق الدفاع.
وبنى الوجه السادس على أن تصرفات محكمة الجنايات فى جملتها قد انحرفت بالقضية عن الطريق
الذى كان يجب أن تسلكه طبقا للقانون، إذ خلقت جوّا كان من أثره أن أرتج الأمر على نفس
المحكمة على ما تفيده عبارتها الواردة فى الحكم. إذ صرحت "بأن التحقيق الطويل الذى
قامت به النيابة ثم المحكمة لا يؤدى مع الأسف إلى صورة واحدة يمكن القطع بها دون غيرها
بل يؤدى إلى صورتين كلتاهما محتملة" ثم ذكرت بعد ذلك ما يفهم منه أنها وقفت بين تينك
الصورتين فى شبه حيرة. وأخيرا رجحت إحداهما بمؤدى الأقوال التى أدلى بها ناشد مسيحه
وأبواب الجلسة مغلقة مع أنها وصفت تلك الأقوال فى موضع آخر من الحكم بأنها غير جديرة
بالثقة.
ذلك حاصل ما ذكرته النيابة فى تلك الوجوه الثلاثة.
وبما أن النيابة العامة هى من النظم المهمة فى الدولة المصرية. أشار الدستور إلى وجودها
فى كلامه عن السلطة القضائية. وهى فى حقيقة الأمر وبحسب القوانين التفصيلية المعمول
بها فى مصر شعبة أصيلة من شعب السلطة التنفيذية خصتها القوانين بمباشرة الدعوى العمومية
نيابة عن تلك السلطة وجعلت لها وحدها حق التصرف فيها تحت إشراف وزير الحقانية ومراقبته
الإدارية. فهى بحكم وظيفتها تلك مستقلة استقلالا تاما عن السلطة القضائية. ولئن كانت
القوانين المصرية جعلت للنيابة سلطة قضائية فى التحقيق فان هذا الحق الذى خوّله لها
القانون إذا كان من شأنه أنه يرفع من مكانتها ويزيد فى أهميتها فانه لا يمس بأصل مبدأ
استقلالها عن القضاء وعدم تبعيتها له أية تبعية إدارية فى أداء شؤون وظيفتها.
يترتب على استقلال النيابة عن القضاء وعلى ما خوّلها القانون من الاختصاص:
(أوّلا) أن يكون لها الحرّية التامة فى بسط آرائها لدى المحاكم فى الدعوى العمومية
بدون أن يكون للمحاكم أى حق فى الحدّ من تلك الحرّية إلا ما يقضى به النظام وحقوق الدفاع
ولا ينبو عن المنطق الدقيق. (ثانيا) أن ليس للقضاء على النيابة أية سلطة تبيح له لومها
أو تعييبها مباشرة بسبب طريقة سيرها فى أداء وظيفتها بل إن كان يرى عليها شبهة فى هذا
السبيل فليس له إلا أن يتجه فى ذلك إلى الموظف المشرف مباشرة على رجال النيابة وهو
النائب العام أو إلى الرئيس الأعلى للنيابة وهو وزير الحقانية على أن يكون هذا التوجه
بصفة سرية رعاية للحرمة الواجبة للنيابة العامة والقاضية بأن لا يغض من كرامتها أمام
الجمهور.
وبما أن الذى استخلصته هذه المحكمة مما هو ثابت فى محاضر الجلسات – وهى المرجع الوحيد
الذى يجب الاعتماد عليه فى تقصى ما وقع – أن الأدوار التى تنقلت فيها الدعوى وما أنتجته
المصادفات أو تصريحات بعض المتهمين من تكشف وجوه فى القضية كانت غامضة إبان التحقيقات
الأولى – كل هذا حدا بمحكمة الجنايات إلى الرغبة فى التثبت مما أدخلته هذه الظروف فى
عقيدتها فمشت إلى ذلك بحماس قد يبدو غريبا عما ألفه الناس من أناة القضاة فانجرح ممثل
النيابة من ظواهر هذا الحماس لفوات كشف التحقيقات الأولى ما مكنت الظروف المحكمة من
كشفه. وكان هذا وذاك مبعثا لما تشكو منه النيابة الآن. على أن الأمثلة التى ساقتها
النيابة فى الوجه الأول من أسباب طعنها لا يتسع لها فى الواقع الرأى الذى ذهبت إليه؛
فسوء التقدير لم يجربه لسان رئيس الجلسة إلا فى سبيل تلطيف ما نطق به الدفاع، وهو بالسياق
الذى جاء فيه أقرب لمعنى السهو أو الخطأ الغير المقصود والذى ليس أحد معصوما منه، والتقريع
والتأنيب المقول بهما ترجح المحكمة أن العبارات التى عدّتها النيابة مفيدة لهما ليست
إلا مجرّد اعتراض من قبل رئيس المحكمة لبس عفوا ثوب الشدّة التى تغتفر فى مثل هذه القضية
التى منيت فيها النيابة والقضاء معا بخصوم خبثاء لم يألوهما خبالا، أما التحقيق الذى
أجرته المحكمة بشأن أوراق المضاهاة فكان على الظاهر فى سبيل دفع شبهة عن النيابة أثارها
الدفاع.
وأما المقاطعة فمهما يقل عن أثرها فى نفس ممثل النيابة وفى عمله فهى لا يمكن أن تردّ
إلا رغبة المحكمة فى التزيد من بيان الشبه التى قد تحملها على إقرار يقينها فى جهة
دون الأخرى من جهتى الثبوت والنفى فى المسألة الواحدة. وذلك بالكشف عن هذه الشبه لمن
يستطيع أن يزيلها بالحجة والدليل. وهذا بلا ريب أجدى على العدالة. ولكن عيب ذلك إن
لحقه عيب قد يأتى من ناحية الأسلوب الذى تلبسه المقاطعة أو الظرف الذى تأتى فيه. على
أن كل ما يكون قد حدث فمغتفر فى هذه القضية للعلة المتقدّمة وهى ابتلاء القضاء والنيابة
فيها بخصوم خبثاء ماكرين.
وفيما يتعلق بما جاء فى الوجه السادس من أن الحكم المطعون فيه معيب لما به من لهجة
التردّد الذى بدا عند استعراض الصورتين اللتين رسمهما فان هذه المحكمة تلاحظ أن محكمة
الجنايات بعد إظهارها ما يفيد الحيرة حقيقة قد انتهت بتوكيد اقتناعها بثبوت الوقائع
المكوّنة للصورة التى اتخذتها أساسا لحكمها. وهذا الاقتناع الوارد فى الحكم المطعون
فيه متعلق بالموضوع ولا محل لتدخل محكمة النقض والإبرام فيه. ومن الفضلة التعرّض للأسلوب
الذى التزمته محكمة الجنايات قبل توكيدها ثبوت الصورة التى اعتمدتها من إظهار تشككها
فى حقيقة الصورة التى وقعت بها الحادثة – من الفضلة ذلك لأن المعول عليه فى الأحكام
هو الجزء الذى يبدو فيه اقتناع القاضى دون غيره من الأجزاء الخارجة عن سياق هذا الاقتناع.
وليس من مانع يمنع القاضى من أن يستعرض فى حكمه كل الصور التى يحتملها الموضوع ثم يختار
منها الصورة التى يعتقد أنها هى الواقعة فعلا ويبنى حكمه عليها.
وبما أنه يبين مما تقدّم أن ليس فى الوجهين الأول والثانى ولا فى الوجه السادس ما يمس
الحكم المطعون فيه من حيث هو حكم. وكذلك لا ترى هذه المحكمة فى الإجراءات التى أشارت
إليها النيابة فى هذه الوجوه ما يعيبها إلى الحدّ الذى يقتضى إبطالها مهما يكن فيها
مما هو غير مألوف فى جلسات القضاء.
وبما أن مبنى الوجه الثالث من تقرير النيابة أن محكمة الجنايات قد خالفت القانون فى
إجراءات التحقيق الذى قامت به فجاءت تلك الإجراءات باطلة هى والحكم الذى ترتب عليها
فقد سمعت شهودا ما كان لها أن تسمعهم لأنهم حضروا من تلقاء أنفسهم ومن غير أن تستدعيهم
المحكمة أو أحد من الخصوم مثل محمد خليل ونسيم مسيحه وكركور يحيى فقد كان كل منهم يتقدّم
إلى المحكمة بعريضة للرئيس يقول فيها إن عنده معلومات وإنه منتظر بالباب فتقطع المحكمة
سير الإجراءات وتستدعيه ثم تستجوبه. وقد أثر ذلك على صحة الإجراءات وترتب عليه ما يبطل
الحكم، إذ قد جعلت المحكمة شهادة كركور يحيى أمامها وهو أحد من سمعوا على هذه الطريقة
المخالفة للقانون من العناصر التى بنت عليها حكمها مع أن هذا الشاهد كان قد سئل أثناء
التحقيقات الابتدائية عمن صنع كليشيها لحزب الشعب فأجاب بعدم المعرفة ولكنه تقدّم من
تلقاء نفسه للمحكمة وقرّر أنه هو الذى صنع الكليشيه وروى رواية فى مصلحة الفريق الأول
من المتهمين وضدّ مصلحة الفريق الآخر.
وبما أن القاعدة التى سنها قانون تشكيل محاكم الجنايات فى هذا الشأن فى المادة 45 أنه
يجوز لكل من النيابة العمومية والمتهم والمدعى بالحقوق المدنية بحسب ما يخص كلا منهم
أن يعارض فى سماع شهادة الشهود الذين لم يكلفوا بالحضور بناء على طلبه أو لم يعلن بأسمائهم
طبقا للمواد 10 و19 و20 المتقدّمة إلا ما نص عليه فى المادة الآتية. وجاء فى المادة
46 أنه يجوز للمحكمة أثناء نظر الدعوى أن تستدعى وتسمع أقوال أى شخص ولو باصدار أمر
بالضبط والإحضار إذا دعت الضرورة الخ. فما دام أن القانون لم يجعل لأى خصم فى الدعوى
سوى حق الاعتراض على شهادة الشاهد الذى لم يكلف بالحضور بناء على طلبه أو لم يعلن له
اسمه ثم لم يرتب أى بطلان على سماع مثل هذا الشاهد لو تخطت المحكمة الاعتراض وسمعته،
وما دام أنه لم يحرّم سماع شهادة الشهود الذين ترى المحكمة الجنائية سماعهم فلا وجه
للبحث فى طريقة استدعاء هؤلاء الشهود ولا فى البواعث التى أدّت بالمحكمة إلى هذا الاستدعاء
كما لا محل للقول بتحريم سماع شهادة من يتقدّم من تلقاء نفسه إلى ساحة المحكمة طالبا
سماع شهادته بعلة أن مثل هذا الشاهد مريب. فإنه إذا صح أن من يحضرون من تلقاء أنفسهم
طالبين سماع شهادتهم يكونون مندفعين بعامل التحيز لمصلحة المتهم أو المجنى عليه فانه
يصح أيضا أنهم يكونون مندفعين بدافع إحقاق الحق فى ذاته. ومن الخطر تحريم سماعهم على
المحكمة وقصر الرخصة الواردة بالمادة 46 على الصورة التى ترى فيها المحكمة من تلقاء
نفسها استدعاء شاهد ما بدون طلب من هذا الشاهد. كل ما فى الأمر أن على محكمة الموضوع
أن تلاحظ ظرف عرض الشاهد نفسه على القضاء وما قد يحتمله من دافع التحيز وأن تمكن من
ترفض معارضته فى سماعه من أن يقدّم لها ما ينقض شهادته إن كانت فى غير مصلحته وأن تعطيه
من الوقت ما يكفى لتحضير أدلته فى هذا الصدد.
وبما أن الذى حصل فى الدعوى الحالية أن التحقيقات التى قامت بها المحكمة فى الجلسة
تفتحت بها أبواب تشعبت فيها مناحى الوقائع إلى حد جعل المحكمة – فى سبيل تعرف الحقيقة
– تفتح صدرها للمتطوّعين للشهادة راجية أن يكونوا من نصراء العدالة، وهى قد انقبضت
عمن لم تجد فى شهادته نفعا ولم تأخذ إلا بمن كانت شهادته منهم مؤيدة بباقى أدلة الدعوى،
وهذا التصرف لا يجوز أن يعاب حتى لو قيل إنه أسرف فيه – لا يجوز ذلك خصوصا والنيابة
لم تدّع فى طعنها أنها اعترضت فعلا على سماع أولئك الشهود.
وبما أن مبنى الوجه الرابع من التقرير أن رئيس محكمة الجنايات أبدى فى الجلسة رأيه
علنا فى مصلحة المتهمين الأول والثانى كما بدا منه ما عدّه المتهم الثالث إظهارا لرأيه
فى غير مصلحته فقدّم طلبا بردّه عن نظر القضية وحكم برفض هذا الطلب على تأويل أن أوجه
الرد فى القانون المصرى محصورة وليس من بينها إبداء القاضى رأيه فى القضية وإنما يجوز
أن يكون ذلك وجها لبطلان الحكم.
وبما أن هذه المحكمة ترى من جهة أنه وإن كان ليس من المقبول أن تزعج المحكمة الخصوم
الذين أمامها بملاحظات قد تنم عن وجه الرأى الذى استقام لها بشأن تقدير الوقائع والمسائل
المطروحة عليها إلا أنه من ناحية أخرى قد يحتمل أن تأتى ملاحظات المحكمة فى هذا الصدد
بدافع الرغبة فى تنبيه الخصوم إلى مواضع الضعف فى دعواهم كى يبادروا إلى استكمال دفاعهم
وتقوية حجتهم وقد تنجلى الحقيقة من وراء ذلك.
وبما أن الظاهر من محاضر الجلسات أن رئيس محكمة الجنايات كان يوجه أسئلة للنيابة ويبدى
ملاحظات يصح أن يؤخذ من منحاها أنها تدل على عقيدة قامت عنده فى براءة المتهمين الأول
والثانى من جهة وفى إدانة المتهم الثالث من جهة أخرى ولكن يجب أن يلاحظ أن من المخاطرة
القول بأن تلك الدلالة تفيد قيام رأى ثابت مستقر فى نفس رئيس المحكمة ليس عنه من محيص،
إذ تلك الملاحظات يصح أيضا أن لا تكون منبعثة إلا عن مجرّد شبهات قامت فى ذهنه فأراد
أن يتحقق منها ويمكن الخصوم من دفعها قبل أن يستقر رأيه فيها على وجه نهائى معين. وإذن
يكون الشأن فى هذا الوجه كالشأن فى الوجه الثانى.
وبما أن مبنى الوجه الخامس أن إجراءات محكمة الجنايات كانت مخالفة للقانون فقد أمرت
باقفال قاعة الجلسة إجابة لطلب ناشد مسيحه أحد المتهمين ليبدى أقوالا جديدة أمامها
ولم تسمح لأحد من الجمهور بأن يغشى القاعة أو يبرحها حتى فرغ ذلك المتهم هو وأشخاص
آخرون من الإدلاء بأقوالهم ثم أعيدت العلانية. وقد أخذت المحكمة بنتيجة هذه الإجراءات
الباطلة واعتمدت عليها فى تأسيس حكمها.
وبما أن هذا الوجه لا أهمية له؛ فان للمحكمة أن تجرى التحقيق الذى تراه لتعرف الحقيقة.
وقد كان من طبيعة التحقيق الذى استدعاه إدلاء أحد المتهمين بأقوال جديدة أن تتخذ له
المحكمة حيطتها فلا تمكن أحدا من إذاعة هذه الأقوال قبل أن تتم تحقيق الوقائع الواردة
بها. وهذا هو ما فعلته بحظرها غشيان قاعة الجلسة أو مبارحتها ريثما يتم ذلك. وفوق كون
هذا الحظر سائغا للمحكمة فان ناشد مسيحه جعله شرطا لإبداء أقواله الجديدة وما كان للمحكمة
أن تحرم العدالة من سماع أقواله برفضها تنفيذ شرطه.
وبما أن مبنى الوجهين السابع والتاسع أن الأسباب التى استند إليها الحكم المطعون فيه
بها قصور ظاهر يستدل منه على أن محكمة الجنايات لم تزن أركان الجرائم المطروحة أمامها
فهو حكم كأنه خال من الأسباب. هذا فضلا عن أن ما استعرضته من الحجج فيه ما يؤدى إلى
إدانة المتهمين بجريمتى خيانة الأمانة والاتفاق الجنائى.
ففيما يتعلق بقصور الأسباب لم تتعرّض المحكمة لمسألة رد الأوراق التى سلمت لعزيز ميرهم
أفندى مع أن ثبوت عدم ردّها تتحقق به أركان جريمة السرقة أو الاختلاس إضرارا بحرب الشعب
أو بالمندوبين الذين قدّموها.
وفيما يتعلق بتخاذل الأسباب فان ثبوت توقيع المندوبين على تقرير متبولى صفا أفندى وهم
جادّون يجعل ذلك التقرير ورقة تحوى أسرارا لديهم قصدوا توصيلها لحزب الشعب دون غيره
وقد سلمت تلك الورقة إلى ناشد مسيحه لهذا الغرض ليوصلها لمدير إدارة لجان الحزب فاذا
ما سلمها ناشد له فيكون التسليم بهذه الصفة وعلى ذلك الأساس وتكون يد متبولى أفندى
يد أمانة. وإذا سلم باشتراك متبولى أفندى فى إعطاء الأوراق لعزيز ميرهم أفندى بواسطة
ناشد مسيحه أو زكى خطاب فان هذا الاشتراك لا ينفى عن عزيز افندى اشتراكه فى جريمة خيانة
الأمانة كما لا ينفى عنه جريمة الاتفاق الجنائى الذى سبق حصوله بينه وبين ناشد وزكى
خطاب بشأن سرقة أوراق من حزب الشعب لنشرها والتشهير بها.
وبما أن هذين الوجهين لا أهمية لهما مع ما أثبته الحكم ومع ما يؤخذ من وقائع الدعوى
التى ثبتت أمام محكمة الموضوع من أن تقرير المندوبين ليس بورقة جدّية ذات حرمة ولا
يمكن اعتبارها متاعا للحزب يحرص عليه، فقد أثبت الحكم أنها أنشئت لغرض خاص لا ارتباط
له بأعمال الحزب وإنما هى أثر خدعة وأداة غش ألبست ثوب ورقة لها شأن.
أما مسألة رد الأوراق التى سلمت لعزيز ميرهم افندى فان المفهوم من صدر الحكم ومن الوقائع
التى سردها أن تلك الأوراق قد ردّت لمن قدّمها. وفيما يتعلق بجريمة الاتفاق الجنائى
فتلاحظ هذه المحكمة أن محكمة الجنايات بما ذكرته عن اعتقادها بأن عزيز ميرهم أفندى
كان مخدوعا من أول الأمر ممن مدّ إليهم يده للتعاون على تنفيذ خططه ولم يكن أحد من
هؤلاء مخلصا له فى هذه الخطط بل كانوا جميعا يعملون على غشه بتقديم أوراق مزوّرة له
– بهذا الذى ذكرته محكمة الجنايات فى صدد نقطة موضوعية أصبح فى غير حدود محكمة النقض
والإبرام التعرّض للوقائع الأخرى التى لم تعتمدها محكمة الموضوع والتى لا تنسجم مع
ما رأته من أن ليس هناك اتفاق جنائى لعدم وجود إرادتين على الأقل تكونان اتحدتا على
الإجرام.
وبما أن مبنى الوجه الثامن أن واقعتى القذف والسب كما هما ثابتتان فى الحكم المطعون
فيه يعاقب عليهما القانون لتوافر الشروط اللازمة لتينك الجريمتين إذ أن نشر الخطابين
والتقرير بما فى هذه الأوراق المزوّرة مما يمس شرف أصحاب الشأن يثبت القصد الجنائى
ولا يوجد فى المبررات التى ساقتها محكمة الجنايات كتقرير حسن النية وغيرها شىء قانونى
ينفى هاتين التهمتين عن المتهمين الأوّل والثانى.
وبما أنه لا شبهة فى أن الأوراق موضوع الدعوى وهى الخطاب المنسوب لعلام باشا والخطاب
المنسوب لأحمد بك مراد والتقرير المرفق به – تلك الأوراق التى أثبتتها المحكمة بنصها
فى حكمها تشتمل على مطاعن بأمور يعاقب عليها القانون. كما لا شبهة فى أن نشر تلك الأوراق
فى صحيفة الضياء ذلك النشر الذى أثبته أيضا الحكم المطعون فيه يجعل ما وقع قذفا علنيا
مما نص عليه فى المادة 261 ويجعل فاعله مستوجبا للعقاب بمقتضى المادة 262.
وبما أن من بين المقذوف فى حقه اثنين من الموظفين العموميين هما إسماعيل صدقى باشا
وأحمد مراد بك، والفقرة الثانية من المادة 261 تعفى القاذف فى حق الموظفين العموميين
متى توفرت شروط منها سلامة نية القاذف ومنها وجوب إثباته لكل أمر مما قذف به. فالبحث
فى هذا الوجه من أوجه الطعن يقتضى معرفة ما إذا كان الحكم إذ برأ المتهمين من تهمة
القذف هذه قد لاحظ هذين الشرطين وقدّر توفرهما بالمعنى الذى يقصده القانون أم لا.
وبما أنه لاستظهار معنى "سلامة النية" المشروط فى الفقرة المذكورة وجوب توفره لإعفاء
القاذف من عقوبة قذفه فى حق الموظفين العموميين ومن فى حكمهم يجب أن يلحظ أمر هام هو
قيام فارق عظيم بين نص قانون الصحافة الفرنسى الصادر فى 29 يوليه سنة 1881 وبين نص
قانون العقوبات المصرى (المأخوذ أصلا عن القانون الفرنسى كما صرحت به تعليقات الحقانية
على المادة 261). ذلك أن القانون الفرنسى قد رتب الإعفاء من العقاب على مجرّد ثبوت
وقائع القذف المنسوبة للموظفين ومن فى حكمهم (تراجع المادة 36 من ذلك القانون). أما
فى قانون العقوبات المصرى فقد نصت الفقرة الثانية من المادة 261 على أن الطعن فى أعمال
موظف عام أو شخص ذى صفة نيابية عامة أو مكلف بخدمة عامة لا يدخل تحت حكم هذه المادة
إذا حصل بسلامة نية وكان لا يتعدّى أعمال الوظيفة أو النيابة أو الخدمة العامة وبشرط
إثبات حقيقة كل فعل أسند إليه.
فبهذا الفارق الخطير وهو اشتراط قيام سلامة النية قد ابتعد الشارع المصرى عن حكم القانون
الفرنسى فى جريمتى القذف والسب فى حق الموظفين ومن إليهم وأصبح اجتهاد الفقهاء الفرنسيين
فى هذا الباب غير منتج عندنا. ولقد كان رائد الشارع المصرى فى وضع قاعدة سلامة النية
الحرص على المصالح العامة من أن تنالها المثالب وحماية سمعتها من تهجمات من يطعن على
الموظفين ومن فى حكمهم إرضاء لسخيمة فى نفسه حتى ولو كان طعنه صحيحا. فمثل هذا الطاعن
يجب أن لا يحتمى بامكانه إثبات صحة الوقائع التى ينسبها للمقذوف فيه فتنفسح له طرق
التشهير والزراية ويلحق بالمصالح العامة ما يغض من كرامتها. وهو على أية حال مضار بهذا
الحكم فان له دائما حق تبليغ السلطة المختصة عن الوقائع التى يستطيع إثباتها فتسعى
تلك السلطة فى ردّ الظلم إن كان قد وقع وفى تلافى السيئات المدعى بها فى هدوء السكون
وطمأنينته من غير جلبة التشهير وضوضاء القالة التى تجعل مكانة الوظائف العامة مضغة
فى الأفواه مهانة لدى الجمهور. ولما كانت عبارة "سلامة النية" حقيقة مقولة بالتشكيك
قد ينبهم معناها رأى محرّرو قانون العقوبات سنة 1904 أن يبينوا فى مذكرته الإيضاحية
مراد الشارع منها ليستهدى رجال القانون بذلك. وفعلا قد ورد فى تعليقات وزارة الحقانية
على قانون العقوبات المذكور عند الكلام على المادة 261 ما يأتى: – "وشرط حسن النية
هو مسألة من المسائل المتعلقة بالوقائع لا يمكن أن تقرر لها قاعدة ثابتة ولكن يلزم
على الأقل ان يكون موجه الانتقاد يعتقد فى ضميره صحته حتى يمكن أن يعدّ صادرا عن سلامة
نية وأن يكون قدّر الأمور التى نسبها إلى الموظف تقديرا كافيا وأن يكون انتقاده للمصلحة
العامة لا لسوء قصد".
وواضح من هذه التعليقات أن الشارع المصرى وإن كان يرى أن مسألة حسن النية هى مسألة
موضوعية إلا أنه رسم لها أقل قاعدة مقررة للعناصر الأساسية التى يتكوّن منها معناها
وأصبح من الواجب على قاضى الموضوع عند بحثه فى توفر هذا الشرط أو عدم توفره أن يفهمه
على ذلك المعنى فان فهمه على معنى آخر كان حكمه واقعا تحت رقابة محكمة النقض من جهة
خطئه فى تأويل القانون وتفسيره. ولا يجوز فى هذه الحالة أن يقال إن مسألة حسن النية
وسوئها أمر متعلق بالموضوع مما يختص به قاضية وحده إذ المسألة متعلقة بماذا يجب قانونا
على القاضى أن يثبته لا بصحة الأمر المادّى الواقعى الذب أثبته وعدم صحته، فهى مسألة
قانونية بحتة.
وبما أنه لمعرفة توفر شرط سلامة النية فى الدعوى الحالية بالمعنى القانون المتقدّم
يجب تحليل الأسباب التى استندت إليها محكمة الجنايات فى تبرئة المتهمين الأول والثانى
من تهمة القذف والسب؛ وهذه الأسباب هى بنصها ما يأتى: –
"حيث إنه فيما يختص بعزيز قد ثبت مما تقدّم أنه لم يشترك فى التزوير ولم يعلم" "به
قبل تقديم الأوراق المزوّرة للنيابة ونشرها بجريدة الضياء فلا محل للقول بأنه" "أسند
أو اشترك فى إسناد ما جاء بهذه الأوراق إلى المجنى عليهم فى هاتين التهمتين" "خصوصا
وهو يطلب فى بلاغه إجراء التحقيق ومحاكمة مرتكبى الجرائم المنوّه عنها" "بها إن كانت
صحيحة أو محاكمة مزوّريها إن كانت مزوّرة ولا يمكن القول بأنه" "كان سيئ النية فى التبليغ
عنها ونشرها وهو يعتقد صحتها ولا يمكن مطالبته باثبات" "صحة ما جاء بها مع أنها لم
تصدر منه ولم يشترك فى تزويرها ولم يعلم به هذا فضلا" "عن أن تبليغه النيابة عن جرائم
يعلم بوقوعها ليس من حقه فقط بل من واجبه".
"وحيث إنه فيما يختص بالأستاذ دياب لم تقدّم النيابة دليلا على سوء نيته" "سوى قوله
إن أحد الضباط جاءه بعد أن شرع فى طبع العدد الذى نشر فيه خطاب" "علام باشا وقال له
إن دولة صدقى باشا أمر بتبليغه أن هذا الخطاب مزوّر وأنه" "يسمح له باصدار هذا العدد
بشرط أن يكون مستعدا لتحمل المسئولية الجنائية" "التى تترتب على نشره فكان بين أحد
أمرين إما أن يرفض نشر بلاغ جاءه من" "رئيس الهيئة السياسية التى ينتمى إليها وإما
أن يتحمل المسئولية الجنائية فلم يسعه من" "الوجهة الأدبية سوى اختيار الأمر الثانى
خصوصا وأنه استبعد كثيرا بل رأى" "مستحيلا أن يكون هذا الخطاب مزوّرا بالمعنى الذى
تبادر إلى ذهنه فى تلك" "الساعة وهو أن يكون التزوير آتيا عن طريق دولة النحاس باشا
وأن من العوامل" "التى حملته على الاعتقاد بأن هذا الخطاب صحيح النمرة المسلسلة التى" "استرعت نظره بصفة خاصة وذيوع بعض ما ورد فى الخطاب بين أنصار" "المعارضة واعتقاده
أن علام باشا غير معصوم من الخطأ وتوكيد بعض من" "اطلعوا على الإمضاء قبل النشر أنها
إمضاؤه".
"وحيث إنه يؤخذ من هذه الأقوال أن دياب افندى لم ينشر هذا الخطاب" "إلا وهو معتقد صحته
أما خطاب أحمد بك مراد وتقرير متبولى افندى فلم يقم" "أى دليل على علمه بعدم صحتهما
بل ظهر أنه كان سليم النية فى نشرهما كما كان" "سليم النية فى نشر خطاب علام باشا،
ولذلك يتعين الحكم ببراءته كما يتعين الحكم" "ببراءة عزيز ميرهم افندى من هاتين التهمتين".
وبما أن الذى يستخلص من عبارة محكمة الجنايات بشأن محمد توفيق دياب افندى أنها تجزم
بسلامة نيته وأنها لا تقبل دليل النيابة على سوء هذه النية للاعتبارات التى ذكرتها.
وبما أنه بقطع النظر عن أن محكمة الجنايات حين قدّرت أن محمد توفيق دياب أفندى كان
حسن النية فى نشر خطاب علام باشا قد أخذت بقوله فى هذا الصدد قضية مسلمة، وبقطع النظر
عن قبولها ما قاله من أنه عند النشر كان يعتقد فى ضميره صحته، وبقطع النظر أيضا عما
قد يفهم من عبارتها من أن دياب أفندى يكون قدّر المطاعن التى يحتويها هذا الخطاب تقديرا
كافيا على الرغم من تأكيد رئيس الحكومة له (وهو صاحب شأن فيه) أنه مزوّر ومن تحذيره
إياه من نشره وإلا استهدف للمسئولية الجنائية – بقطع النظر عن كل ذلك لكون جميعه تقديرا
موضوعيا فى بعض العناصر التى تتكوّن منها سلامة النية بحسب القاعدة المرسومة لها فان
العنصر الثالث وهو أن يكون الانتقاد للمصلحة العامة قد أغفلته المحكمة إغفالا تاما
فى عبارتها المذكورة فيما تقدّم.
وبما أن كل ما توجبه المصلحة العامة فى موضوع خطاب علام باشا إنما هو السعى فى تحقيقه
قانونيا بمعرفة الجهة المختصة. وهذا الغرض يتم بتقديم بلاغ مصطفى النحاس باشا المشتمل
على هاذ الخطاب إلى النيابة العمومية لتحقيقه فكان نشر الخطاب بصورته الزنكوغرافية
على الرغم من قيام هذا البلاغ غير مراد به أية مصلحة عامة بل هو لمجرّد التشهير وإذن
يكون العنصر الثالث من عناصر حسن النية منتفيا انتفاء لا ريب فيه. وبهذا تصبح سلامة
النية فى نشر هذا الخطاب لا وجود لها.
أما نشر خطاب أحمد مراد بك وتقرير متبولى افندى فلم تذكر محكمة الجنايات عنه إلا أنه
"لم يقم أى دليل على علمه بعدم صحتهما بل ظهر أنه كان سليم النية فى نشرهما كما كان
سليم النية فى نشر خطاب علام باشا". بهذا الإجمال قطعت المحكمة بحسن نية دياب افندى
فى نشره هاتين الورقتين أيضا. وهنا يلاحظ أنه بقطع النظر عما أثبته الحكم من أن عزيز
افندى بلغ النيابة عن هاتين الورقتين وذكر فى بلاغه الذى نشره دياب افندى معهما أنه
من المحتمل أن يكون خطابا علام باشا ومراد بك مزوّرين وعندئذ تلحق الفضيحة أصحابها
وعما أثبته أيضا من أن خطاب علام باشا الذى سبق نشره كان من قبل قد طعن فيه بالتزوير
وتولت النيابة تحقيق الطعن، وبقطع النظر عن أن من شأن ذلك كله أن يريب دياب افندى فى
صحة الورقتين المرتبطتين بخطاب علام باشا وأن يبعد المحكمة عن أن تقرر أنه لم يقم أى
دليل على علمه بعدم صحة الورقتين – بقطع النظر عن كل ذلك فان المحكمة إذ أثبتت فى حكمها
ما يفيد أن نشر الورقتين المذكورتين كان بعد تقديم البلاغ الخاص بهما للنيابة فانها
بهذا الإثبات قد نفت حتما وجه المصلحة العامة فى نشر هذه الأوراق؛ وبانتفائه لا يمكن
تحقق حسن النية على المعنى الذى أراده القانون كما سلف القول.
وبما أنه يبين من ذلك جميعا أن ما فهمته محكمة الجنايات من عبارة سلامة النية وما جرت
عليه فى التدليل على قيامها كل هذا لا يتحقق به المعنى القانونى لهذه العبارة سواء
فى نشر خطاب علام باشا أو فى نشر خطاب أحمد مراد بك والورقة التى معه؛ ويحق إذن لمحكمة
النقض والإبرام أن تصحح خطأ محكمة الموضوع وتقرّر بأن سلامة النية غير حاصلة فيما اجترحه
محمد توفيق دياب افندى مما هو موضوع تهمة القذف المسندة إليه والتى تناول الحكم المطعون
فيه ذكر وقائعها المادية وسلم بثبوتها.
وبما أنه حتى لو وجد أقل شك فى كون بحث هذه المحكمة فى توفر شرط سلامة النية بمعناه
القانونى أو عدم توفره يشبه أن يكون أمرا متعلقا بالموضوع فان سلامة النية ليست هى
كل من يطلبه القانون لحط العقوبة عن القاذف فى حق الموظفين ومن فى حكمهم، بل إن القانون
كما تقدّم فى صدر هذا البحث يشترط أيضا لإعفاء القاذف فيهم أن يقيم الدليل على صحة
الأمور التى قذفهم بها. وقد تركت محكمة الجنايات بالمرّة التعرّض لهذا الأمر فيما يتعلق
بدياب افندى مع أن عدم تحقق هذا الشرط يحتم عقابه كقاذف فى حق موظفين عموميين حتى ولو
كان سليم النية. ولعل المحكمة وقد أشارت إلى هذا الشرط فيما يتعلق بعزيز ميرهم افندى
يكون مرادها أنها تسوى دياب افندى به فيما يتعلق بتوفر هذا الشرط وعلى هذا الاعتبار
فسيأتى عند الكلام عن عزيز ميرهم افندى بيان ما لتقدير محكمة الجنايات فى هذا الصدد
من القيمة القانونية.
وبما أنه فيما يتعلق بعزيز ميرهم افندى فان الأسباب التى استندت إليها محكمة الجنايات
فى تبرئته من تهمتى القذف والسب تتلخص فى أنها رأت: (أوّلا) أنه لا يمكن القول بأنه
فى تبليغه النيابة أو نشره الأوراق المزوّرة قد أسند أو اشترك فى إسناد ما جاء بتلك
الأوراق إلى المجنى عليهم. (وثانيا) أنه لا يمكن القول بأنه كان سيئ النية فى التبليغ
عن الأوراق وفى نشرها وهو يعتقد صحتها. (وثالثا) أنه لا يمكن مطالبتة باثبات صحة ما
جاء فى الأوراق لأنها لم تصدر منه ولم يشترك فى تزويرها، وتبليغه النيابة عن جرائم
اعتقد بوقوعها ليس من حقه فقط بل من واجبه أيضا.
وبما أنه ينبغى قبل الكلام عن قيمة الحكم فى هذا الصدد ملاحظة أن النيابة العامة لم
تعتبر بلاغ عزيز ميرهم افندى الذى قدّمه إليها مباشرة جريمة يستحق عليها المؤاخذة قانونا،
بل كل ما اتهمته به هو قذفه فى حق صدقى باشا وأحمد مراد بك بنشر الخطاب الذى نسب إلى
الثانى أنه حرره للأول وبنشر التقرير المرفق به لما فى هذا النشر من القذف فيهما علنا.
ومن أجل هذا فلا يفهم معنى لقول المحكمة إنه لم يكن سيئ النية فى التبليغ ولا لقولها
إن التبليغ ليس حقا له فقط بل هو واجب عليه أيضا.
وبما أنه بعد استبعاد ما فى عبارة المحكمة من الزيادات التى لا علاقة لها بالتهمة يبقى
أن الوقائع المادية التى أثبتها الحكم المطعون فيه عن تهمة هذا المتهم تفيد قطعا أنه
قد عمل على نشر الخطاب المنسوب إصداره إلى أحمد مراد بك والتقرير المؤشر عليه بتوقيع
منسوب لمتبولى صفا أفندى. ولا يمكن أن يفهم معنى لهذا النشر على الملأ إلا أن الناشر
يسند إلى رئيس الحكومة وإلى أحمد مراد بك المفتش بوزارة الداخلية المعنى المستفاد من
صيغة هاتين الورقتين وهو أنهما مع متبولى صفا أفندى يعملون على التدخل فى الانتخابات
والتأثير على الموظفين تدخلا وتأثيرا إجراميين.
وبما أن هذا الإسناد لا يطعن فى تحققه ما أشارت إليه المحكمة من أن عزيز ميرهم أفندى
فى بلاغه الذى قدّمه للنيابة كان يطلب إجراء التحقيق ومحاكمة مرتكبى الجرائم المنوّه
عنها بالأوراق إن كانت تلك الأوراق صحيحة أو محاكمة مزوّريها إن كانت مزوّرة – لا يطعن
هذا فى تحقيق الإسناد: (أوّلا) لأن التبليغ للنيابة شىء ونشر الأوراق المبلغ عنها والمتضمنة
بذاتها لإسناد الإجرام شىء آخر، وكل من الأمرين يعطى حكمه القانونى. (ثانيا) لأن الذى
قاله عزيز ميرهم أفندى فى هذا الصدد فى بلاغه الذى قدّمه للنيابة هو ما يأتى كما أثبتته
المحكمة وكما هو مذكور فى نفس ورقة البلاغ: "إما أن يكون خطاب أحمد بك مراد وخطاب علام
باشا صحيحين – وهو ما اعتقده – فتكون الفضيحة ثابتة بمقتضى هذين المستندين وإما أن
يكون كلا الخطابين أو أحدهما مزوّرا كما يدعون فتتبين العدالة والأمة من هم الذين زوّروا
وإلى أى فريق ينتمى المزوّرون وعندئذ تكون الفضيحة الثانية شرا من الأولى" فعزيز ميرهم
أفندى فى بلاغه يقول إن الأوراق تحتوى فضائح وإنه مبدئيا يعتقد صحة خطابى علام باشا
ومراد بك المثبتين لهذه الفضائح. فاذا فرض على خلاف ما تقدّم آنفا أن عبارة هذا البلاغ
يصح اتخاذها تكأة لتقدير قيمة الإسناد المستفاد من نشر الأوراق بالصحف السيارة فان
هذه المحكمة لا تستطيع أن تفهم عمن يقول فى بلاغه إنه يعتقد أن هذه الأوراق صحيحة –
لا تفهم كيف يقال عنه إنه لم يسند شيئا لمن يطعن عليهم لمجرّد أنه أردف عبارته باحتمال
أن تكون الخطابات غير صحيحة وأنه يطلب تحقيقها. الحق أن هذا البلاغ المقدّم للنيابة
لو كان لم يذكر فيه عزيز ميرهم شيئا عن اعتقاده من جهة الأوراق بل كان قال فيه إنه
لا يستطيع اعتقاد شىء أو ترجيح شىء من جهة صحتها أو تزويرها وإنه لا يبدى فيها رأيا
ما بل يترك كشف حقيقتها لسلطة التحقيق – حتى لو كان عزيز ميرهم وقف فى البلاغ موقف
المحايد الجاهل لشىء من حقيقته فانه كما تقدّم لا شأن لهذا البلاغ مطلقا بنشر الأوراق
المحتوية للقذف بالجريدة، بل إن كان فى هذا النشر فى ذاته قذف فانه يأخذ حكمه القانونى
بدون أى تأثير للبلاغ ولا لعبارته عليه. ولا يخطر بالبال فى هذا الصدد أن صورة البلاغ
المقدّم للنيابة قد نشرت مع الأوراق المرفوع بشأنها دعوى القذف وأن نشرها معها قد يكون
له أثر فى تحديد قوّة الإسناد المستفاد من هذه الأوراق – لا يخطر فى البال ذلك فان
نشر صورة هذا البلاغ فيه أيضا جريمة قذف صريحة وإن كانت النيابة لم تدخلها ضمن أفعال
تهمة القذف المنسوبة لعزيز ميرهم أفندى ولتوفيق دياب أفندى – فيه جريمة قذف لأن الإسناد
فى هذا الباب كما يتحقق بكل صيغة كلامية أو كتابية توكيدية يتحقق أيضا بكل صيغة ولو
تشكيكية من شأنها أن تلقى فى أذهان الجمهور عقيدة ولو وقتية أو ظنا أو احتمالا ولو
وقتيا فى صحة الأمور المدعاة. ولذلك لا عبرة بما يتخذه القاذف من الأسلوب القولى أو
الكتابى الذى يجتهد فيه فى التهرّب من نتائج قذفه. ومن كل هذا يرى أن علة انتفاء الإسناد
التى تعللت بها محكمة الجنايات لا قيام لها على الإطلاق. ويجب أن يلاحظ أن كلام المحكمة
الآن راجع إلى بحث الوقائع التى بحثتها المحكمة فى حكمها من جهة علاقتها بالقانون ومعرفة
هل فيها إسناد قذف بالمعنى القانونى أم لا فهو كلام كله من حق محكمة النقض وبعيد عن
الموضوع بالمرّة.
أما العلة الثانية التى استندت إليها تلك المحكمة وهى أنه لا يمكن القول بأن عزيز أفندى
كان سيئ النية فى التبليغ عن الأوراق وفى نشرها وهو معتقد صحتها فيجب ابتداء أن يحذف
منها قول المحكمة "إنه لا يمكن القول بأن عزيز ميرهم كان سيئ النية فى التبليغ عن الأوراق"
يجب حذف هذا وعدم الاعتداد به لأن الدعوى المرفوعة على عزيز ميرهم ليست دعوى تبليغه
النيابة بلاغا كاذبا حتى يقال إنه ليس سيئ النية فى التبليغ عن الأوراق بل المرفوعة
عليه هى دعوى قذف أساسها نشر الأوراق. وبحذف هذه العبارة التى جاءت فى الحكم بدون أدنى
مناسبة تقتضيها تبقى عبارة المحكمة هكذا:
"إنه لا يمكن القول بأن عزيز ميرهم كان سيئ النية فى نشر الأوراق المزوّرة وهو يعتقد
صحتها".
ومتى كان الأمر كذلك وضح بجلاء ما يفيد أن إسناد عزيز المطاعن التى تحتويها تلك الأوراق
كان إسنادا صحيحا مبنيا على عقيدته فى صحتها. وفى ذلك ما يؤكد ما رأته هذه المحكمة
بشأن العلة السابقة. أما كون ما أثبتته المحكمة من اعتقاد عزيز بصحة الأوراق عند نشرها
وكون هذا العنصر الذى أثبتته المحكمة هو من العناصر المكوّنة لسلامة النية المطلوبة
ممن يطعن علنا فى الموظفين العموميين فلا محل للخوض فيه ما دام قاضى الموضوع أثبته.
وبما أنه مع التسليم بثبوت عنصر اعتقاد عزيز أفندى فى ضميره بصحة الأوراق المشتملة
على المطاعن التى أسندها للمجنى عليهم ومع افتراض أنه قدّر تلك المطاعن تقديرا كافيا
قبل أن ينشر تلك الأوراق، فان محكمة الجنايات قد غفلت عن العنصر الثالث المكوّن لسلامة
النية التى يريدها القانون فى المادة 261 وهو أن يكون النقد للمصلحة العامة.
وبما أن الثابت فى الحكم المطعون فيه أن عزيز ميرهم أفندى أرسل بلاغه للنيابة العمومية
قبل نشره الورقتين فى الجريدة فالمصلحة العامة إن كانت هى المقصودة فانها كانت قد تحققت
بالتبليغ للنيابة ولم يبق لها أيه فائدة فى نشر الأوراق على الملأ بل كان هذا النشر
لغير هذه المصلحة أى لمحض الفضيحة. وليس أدل على ذلك من عبارة بلاغه الذى قدّمه للنيابة
ثم نشره بنصه فى عدد الجريدة الذى نشر فيه الورقتين إذ ورد فيه ما يأتى: "ويؤخذ مما
جاء فى هذا الخطاب المسائل الخطيرة الآتية: (أوّلا) تدخل الإدارة الحكومية فى شئون
الانتخابات وطبخها طبقا لأهواء حزب الشعب ولجانه. (ثانيا) تأييد لما جاء فى خطاب علام
باشا عن تدخل أحمد بك مراد المفتش بوزارة الداخلية فى شئون الانتخابات. (ثالثا) تأييد
لما ورد فى الخطاب المذكور أيضا من أن مأمور قسم الأزبكية أخلص فى النهاية بعد أن ظهرت
نية فصله من الخدمة، وإنى لأرجو بالحاح أن تحققوا ما اشتمل عليه هذا الخطاب والتقرير
المرفق به من فضائح خطيرة والواقع أن لا مفرّ من أن تلبس الفضيحة أصحابها على كلا الحالين،
فاما أن يكون خطاب أحمد مراد بك وخطاب علام باشا صحيحين – وهو ما أعتقده – فتكون الفضيحة
ثابتة بمقتضى هذين المستندين، وإما أن يكون كلا الخطابين أو أحدهما مزوّرا كما يدّعون
فتتبين العدالة والأمة من هم الذين زوّروا وإلى أى فريق ينتمى المزوّرون وعندئذ تكون
الفضيحة الثانية شرا من الأولى". وقد أثبتت محكمة الجنايات فى حكمها الشطر الأخير من
هذه العبارة كما سبق ذكره عند الكلام على توفر شرط الإسناد وهو ناطق بأن المراد إلباس
المقذوف فى حقهم الفضيحة على كل حال.
فلا ريب إذن فى أن المصلحة العامّة لا شأن لها فيما أقدم عليه عزيز ميرهم أفندى من
نشر الورقتين، وبانتفاء المصلحة العامّة فى عمله تنتفى عنه سلامة النية بالمعنى الذى
أراده القانون. ولئن كانت محكمة الجنايات أغضت عن التعرّض لهذه النقطة إلا أن مفهوم
الوقائع الثابتة فى حكمها واضح الدلالة على ما رأته محكمة النقض فيما تقدّم.
أما العلة الثالثة التى استندت إليها محكمة الجنايات فى تبرئة عزيز ميرهم أفندى وهى
التى أرجعتها إلى أنه لا يمكن مطالبته باثبات صحة ما جاء فى الأوراق لأنها لم تصدر
منه ولم يشترك فى تزويرها، فان القانون قد اشترط لإعفاء القاذف فى حق الرجال العموميين
من العقاب فوق سلامة النية إثبات صحة الوقائع المقذوف بها. ومعنى هذا الشرط أن يكون
القاذف مستعدا على الدليل على صحة ما قذف به وأن يقدّمه للمحكمة فتعتمده؛ أما أن يقدم
على القذف ويده خالية من الدليل معتمدا على أن يظهر له التحقيق دليلا فهذا مما لا يجيزه
القانون. ولو كان الأمر بخلاف ذلك لجاز لكل متهجم على الناس أن يسلك هذا السبيل اعتمادا
على ما تسفر عنه التحقيقات. وعلى هذا فانه حتى على فرض ثبوت سلامة نية عزيز ميرهم فى
نشر الورقتين المزوّرتين – وهذا الفرض ممتنع قطعا لما تقدّم من الأسباب – فانه ليس
بمنجى من العقاب الذى سنه القانون لمن يقذف فى حق الرجال العموميين إذ هو قد عجز عن
إقامة الدليل على صحة الأمور التى قذف بها.
وبما أن المحكمة لا ترى فى الوقائع التى أثبتها الحكم المطعون فيه أن لعزيز ميرهم افندى
دخلا مباشرا فى نشر الخطاب المنسوب لعلام باشا فان غيره هو الذى تولى إيصاله للجريدة،
فيتعين إذن اعتباره غير مسئول جنائيا عن نشره وإن كان مسئولا عنه مدنيا.
وبما أنه متى تقرّر أن ما ذهبت إليه محكمة الجنايات فى تبرئة عزيز ميرهم افندى ومحمد
توفيق دياب افندى من تهمة القذف يرجع لخطأ فى فهم عبارة سلامة النية وعلى الأخص فهم
ما يوجبه القانون من ضرورة إقامة القاذف فى الرجال العموميين للدليل على صحة الأفعال
التى يقذفهم بها – متى تقرّر ذلك تعين على محكمة النقض والإبرام تصحيح هذا الخطأ والتقرير
للأسباب السابق شرحها بعدم توفر سلامة النية بمعناها القانونى عند المتهمين وبعجزهما
عن إقامة الدليل على صحة الأمور التى قذفا المجنى عليهم بها وأنه لا محل لإعفائهما
من العقاب على تهمة القذف المسندة إليهما والتى تناول الحكم المطعون فيه ذكر وقائعها
وسلم بثبوتها بل يجب معاقبتهما على تلك التهمة تطبيقا للمادتين 261 و262 من قانون العقوبات
المعدّلتين بالمرسوم بقانون رقم 97 لسنة 1931.
ومما تجدر ملاحظته أيضا أنه يظهر من عبارة حكم محكمة الجنايات فى صدد كلامها على تهمة
عزيز ميرهم افندى أن نظرها انتقل فتصوّرت أن المرفوع لديها هى تهمة بلاغ بأمر كاذب
ولذلك حكمت فى تهمته هو ومحمد توفيق دياب افندى طبقا للمبادئ القانونية المقرّرة فى
تهمة البلاغ الكاذب ومن أجل ذلك جاء حكمها فى هذا الصدد محلا لما سلف بيانه من النقد،
إذ شتان فى الأحكام ما بين الموضوع منها لجريمة البلاغ الكاذب وبين المقرّر لجريمة
القذف.
وبما أن الدفاع عن المتهمين الأول والثانى قد تمسك بأن لعزيز ميرهم أفندى أن يحتمى
بنص المادة 263 من قانون العقوبات لأنه إنما كان يبلغ عن جريمة لما نشر خطاب مراد بك
والتقرير المرفق به.
وبما أنه لا محل لقبول هذا الدفع لأن عزيز افندى وقت أن نشر هاتين الورقتين كان أرسل
بلاغه إلى النيابة العمومية فعلا. وإذن فغير صحيح أنه إذ نشرهما كان يبلغ عن جريمة.
وعليه فلا يجوز احتماؤه بالمادة 263.
وبما أن الدفاع قد تمسك أيضا بما ورد فى صدر الفقرة الثانية من المادة 163 عقوبات من
أنه لا عقاب على مجرّد إعلان الشكوى أو على مجرّد نشر الحكم.
وبما أن أقصى ما يستفاد من هذه العبارة أنه مباح مجرّد إعلان الشكوى المقدّمة فى دعوى
من الأنواع الثلاثة المنصوص عليها بالفقرة الأولى من المادة 163 أى الإخبار البسيط
عن حصول هذه الشكوى إخبارا خاليا عن كل تفصيل (Simple annonce).
وبما أنه متى علم ذلك فلا يفهم وجه لتمسك الدفاع بتلك العبارة لأن أيا من المتهمين
لم يعلن شكوى قدّمت من شخص مجنى عليه فى دعوى من أصناف الدعاوى المشار إليها بالفقرة
الأولى من المادة وليس أىّ منهما متهما فى الدعوى الحالية بذلك.
أما ما قاله الدفاع من أن عزيز ميرهم افندى يعتبر مجنيا عليه فى جريمة التزوير وقد
بلغ النيابة بهذه الصفة فقول غير جدّى أيضا إذ حصوله على الأوراق التى ظهر أنها مزوّرة
كان عن طريق غير مشروع، ومثل هذه الأوراق فى ذاتها – صحيحة كانت أو مزوّرة – ليس من
حقه الحصول عليها ولا استعمالها.
"عن طعنى المدعيين مدنيا والمتهمين"
وبما أن الوجه الأول من تقرير الأسباب المقدّم من محمد علام باشا
المدّعى المدنى يتلخص فى أن محكمة الجنايات قد أخطأت فى الإجراءات برفعها الدعوى العمومية
من تلقاء نفسها على ناشد مسيحه وزكى خطاب ثم على محمد أحمد خطاب وأن تلك المحكمة قد
أخطأت أيضا بابقائها عزيز ميرهم فى الجلسة وقت إدلاء بعض المتهمين بأقوال تمسه.
وبما أنه فيما يتعلق برفع محكمة الجنايات الدعوى العمومية على بعض المتهمين ليس للمدّعى
المدنى أية مصلحة فى التمسك بشىء منه لاسيما إذا لوحظ أنه قد وجه هو دعواه المدنية
إلى اثنين ممن رفعت عليهم محكمة الجنايات الدعوى العمومية وحكم له عليهما.
أما ما أشار إليه هذا الوجه من بقاء عزيز ميرهم افندى فى قاعة الجلسة فانه يرجع إلى
ما رأته المحكمة من أن ليس ما يدعو لإخراجه، وهى الحكم فى تقدير ذلك.
وبما أن مبنى الوجه الثانى من ذلك التقرير يرجع لما أتت به النيابة فى الوجهين السابع
والتاسع من تقريرها وقد سبق الرد على هذين الوجهين.
وبما أن مبنى الوجه الثالث أن الحكم المطعون فيه أثبت أن عزيز ميرهم افندى استعمل أوراقا
مزوّرة للاضرار بالمدعى المدنى وهو لا يعلم بتزويرها فكان من الواجب الحكم بالتعويض
لأن حسن النية لا ينصرف إلا إلى العلم بالتزوير، أما نية الإضرار فموجودة.
وبما أن هذا الوجه مردود بأن الحكم المطعون فيه قد نفى جريمتى التزوير والاستعمال عن
عزيز ميرهم افندى وهذا يستتبع رفض التعويض المبنى على جريمة التزوير أو المبنى على
جريمة الاستعمال باعتبارها جريمة مقصودة حاصلة مع العلم بالتزوير.
وبما أن الوجه الرابع مبنى على أن جريمة القذف بعناصرها قد وقعت فى حق المدعى المدنى
فيجب تعويضه عنها.
وبما أنه متى تقرر قبول الوجه الثامن المقدّم من النيابة العمومية عن تهمة القذف المسندة
لمحمد توفيق دياب افندى وعزيز ميرهم افندى يصح القضاء عليهما بالتعويض المطلوب لمحمد
علام باشا عن الضرر الذى أصابه من الجريمة. ولكنه بالنظر إلى أن علام باشا لم يطلب
فى تقرير الأسباب المقدّم منه الحكم على محمد توفيق دياب افندى بل قصر كلامه على عزيز
ميرهم افندى فلا يمكن الحكم على دياب افندى بشىء.
وبما أنه وإن لم يثبت أن عزيز ميرهم افندى كانت له يد مباشرة فى نشر خطاب علام باشا
إلا أنه قد تبين أن خططه المعيبة هى التى أدت إلى ظهور هذا الخطاب فى الوجود، كما أنه
هو الذى أوصله لمن سعى فى نشره، فهو غير برىء من الخطأ المستوجب للمسئولية المدنية.
وبما أن الأوجه الثلاثة الأولى من تقرير الأسباب المقدّم من محمد متبولى صفا أفندى
المدعى المدنى ترجع لما أوضحته هذه المحكمة فى الرد على كل من الوجه الثالث والرابع
والخامس من تقرير النيابة.
وبما أن الوجه الرابع من التقرير يرجع لما سبق الرد به على الوجهين السابع والتاسع
من تقرير النيابة. ولقد ذكر متبولى أفندى فى هذا الوجه فوق ما سبق الرد عليه أن محكمة
الجنايات قد اعتمدت فى حكمها على أن هناك عطفا منه على ناشد مسيحه وأرجعت هذا العطف
إلى أسباب غير صحيحة مع أن السبب الصحيح لهذا العطف وهو اتحاد شعورهما بشأن رد رئيس
الجلسة كان معروفا لدى المحكمة وتجاهلته.
وبما أن هذا القول مردود بأنه كان على المدعى المدنى أن يدلى لمحكمة الموضوع بصراحة
وعلى الوجه المشروع الذى يراه بالسبب الحقيقى الذى جعله يعطف على ناشد مسيحة وهو على
ما يقول اتحاد شعورهما بشأن الرد، أما وقد قعد عن ذلك فى الوقت المناسب فلا سبيل الآن
إلى استماع ما يقول.
وبما أن الوجه الخامس من التقرير حوى بحثا مأخوذا من وقائع الدعوى تخلله تحليل للنقط
القانونية التى سبق الرد عليها فى بعض الوجوه المقدّمة من النيابة ولا ترى المحكمة
فيما احتواه هذا الوجه شيئا يعيب الحكم المطعون فيه بما عابه به الطاعن.
وبما أن الوجوه التى شملها تقرير الأسباب المقدّم من ناشد مسيحه ليس فيها غير ما سبق
الرد عليه من الوجوه التى تمسكت بها النيابة سوى أبحاث تدور حول وقائع الدعوى وانتقاص
لقيمة الأدلة التى أخذت بها محكمة الموضوع وهذا كله لا شأن لمحكمة النقض والإبرام به.
وبما أن تقرير الأسباب المقدّم من محمد أحمد خطاب يتركز مبناه فى أنه كتب خطاب علام
باشا وهو يجهل ما يدبر بشأنه وما كان يعلم أن هذا الخطاب ستوضع عليه إمضاء مزوّرة لعلام
باشا، فهو إذن حسن النية ولا عقاب عليه فيما فعل.
وبما أن هذا الوجه مردود بما قطعت به محكمة الجنايات من أن هذا الطاعن كان سيئ النية
وكان يعلم بما أعدّ له الخطاب الذى كتبه وما كان يدبره ناشد مسيحه وزكى خطاب فالطعن
منصب إذن على تقدير الوقائع واستنتاج محكمة الموضوع ولا شأن لمحكمة النقض به.
وبما أنه يبين من ذلك جميعا أن الوجهين المقبولين من الطعون المقدّمة هما الوجه الثامن
من تقرير النيابة العمومية والوجه الرابع من تقرير محمد علام باشا المدّعى المدنى الخاصان
بجريمتى القذف والسب المرفوعتين على المتهمين الأوّل والثانى. وهذا القبول يرجع لخطأ
محكمة الجنايات فى تطبيق نصوص القانون على الواقعة المثبتة فى حكمها فيتعين على محكمة
النقض والإبرام أن تحكم فى موضوع الدعوى بمقتضى القانون تطبيقا للمادتين 229 فقرة ثانية
و232 من قانون تحقيق الجنايات وأن تحكم على عزيز افندى ميرهم بالتعويض المدنى بالتضامن
مع كل من ناشد مسيحه وزكى خطاب اللذين حكمت محكمة الجنايات عليهما وحدهما به.
وبما أن الجريمة التى ارتكبها محمد توفيق دياب أفندى هى جريمة قذف علنى اشترك معه فى
بعض أجزائها عزيز ميرهم أفندى بطريق الاتفاق والمساعدة على الوجه المبين فى التهمة
وعلى ما سبق بيانه فى أسباب هذا الحكم. وعقاب أوّلهما دياب أفندى يقع تحت نص المواد
148 و261 و262/ 2 و166 مكررة من قانون العقوبات وعقاب الثانى عزيز ميرهم أفندى ينطبق
على المواد 40/ 2 – 3 و41 و148 و261 و262/ 2 من ذلك القانون.
وبما أن المحكمة ترى فى تقدير العقوبة أن تلحظ فى شأن محمد توفيق دياب أفندى ما بدا
من استهتاره بالمسئولية الجنائية إلى حدّ أن نأى بجانبه عن تحذير رئيس الحكومة إياه
من نتائج فعلته إذا هو أقدم على نشر خطاب يخبره – وهو صاحب الشأن فيه – أنه مزوّر برمته.
اطرح دياب أفندى هذا الإنذار ولم يعبأ به متعللا بأن عليه من الوجهة الأدبية أن يطيع
أمر رئيسه السياسى الذى كلفه بنشر ذلك الخطاب، وهو تعلل أقل ما فيه أنه ينم عن استخفاف
بالنظام وعناد فى هذا الاستخفاف عظيم. أما فى شأن عزيز ميرهم أفندى فقد استبان من وقائع
الدعوى أنه فى سبيل تحقيق غاياته قد اتخذ وسائل معيبة تتنافى مع قواعد الخلق الكريم
إذ لم يتحرّج فى أن يجعل من خططه التجسس على الناس والرضا عن كشف أسرارهم من طريق السرقة
والاختلاس. على أن المحكمة ترى من وجهة أخرى أنه يصح لها أن تراعى المركز الاجتماعى
لهذين المتهمين ولا سوابق لهما فتقضى طبقا للمادة من قانون العقوبات بايقاف تنفيذ
عقوبة الحبس التى تناسب فعلتهما ليكون ذلك لهما إنذارا بوجوب الكف عن مثل ما اندفعا
فيه.
