الطعن رقم 365 سنة 48 ق – جلسة 22 /02 /1931
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 242
جلسة 22 فبراير سنة 1931
تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة.
القضية رقم 365 سنة 48 القضائية
اشتراك عدّة أشخاص فى جريمة واحدة:
( أ ) فاعل أصلى. شريك. وجه التفرقة بينهما.
(ب) متهمان بقتل. اتهام كل منهما باطلاق عيار نارى على القتيل. حصول الوفاة من مقذوف
واحد. عدم معرفة مطلق هذا العيار. وجوب اعتبارهما شريكين.
(المادتان 39 و40 عقوبات)
1 – يؤخذ من نص المادتين 39 و40 من قانون العقوبات أنه – لتبين الحدّ الفاصل بين الفاعل
الأصلى والشريك فى جريمة تعدّد فيها المتهمون – ينظر إلى الأعمال التى اقترفها كل منهم،
فان كانت هذه الأعمال داخلة ماديا فى تنفيذ الجريمة التى حدثت عدّ مقترفها فاعلا أصليا،
أما إذا كانت تلك الأعمال غير داخلة فى تنفيذ الجريمة اعتبر مقترفها شريكا فقط إذا
كان هذا العمل هو من قبيل التحريض أو الاتفاق أو المساعدة بالقيود المدوّنة بالمادة
40 عقوبات.
2 – يجب على المحكمة فى حق من تريد اعتباره فاعلا أصليا فى جريمة القتل العمد أن تبين
أنه قد اقترف فى الواقع فعلا ماديا من الأفعال المادية الداخلة فى تكوين الجريمة وإلا
فانه قد لا يكون إلا مجرّد شريك.
فاذا اتهم متهمان بأن كلا منهما أطلق عيارا ناريا على المجنى عليه وأثبت الكشف الطبى
أن الوفاة حصلت من مقذوف واحد ولم يتبين أى مقذوف من الاثنين هو الذى تسبب عنه القتل
فمن التحكم وتجاوز حدّ القانون اعتبارهما فاعلين أصليين لمجرّد أنهما كانا معا، وأن
كلا منهما أطلق عيارا ناريا، وأنهما كانا مصرين على ارتكاب الجريمة؛ وإنما القدر المتيقن
فى هذه الحالة فى حق كل من المتهمين هو أنه اتفق مع زميله على ارتكاب الجريمة وصمم
كلاهما على تنفيذها فيتعين اعتبار كل منهما شريكا لا فاعلا أصليا [(1)].
الطعن المقدّم من حسيب حسن البنا وآخر ضدّ النيابة العامة فى دعواها رقم 213 سنة 1931
المقيدة بجدول المحكمة رقم 365 سنة 48 قضائية.
الوقائع
اتهمت النيابة هذين الطاعنين بأنهما فى يوم 14 أبريل سنة 1930 الموافق
15 القعدة سنة 1348 بالبلاشون مركز بلبيس مديرية الشرقية قتلا السيد تعلب عمدا مع سبق
الإصرار. وذلك بأن أطلق عليه كل منهما عيارا ناريا قاصدين قتله.
وطلبت إحالتهما على محكمة الجنايات لمحاكمتهما بالمادة 194 من قانون العقوبات.
وبتاريخ 21 مايو سنة 1930 أصدر حضرة قاضى الإحالة أمرا بإحالتهما على محكمة جنايات
الزقازيق لمحاكمتهما بالمادة المذكورة.
وبعد أن نظرت محكمة الجنايات هذه الدعوى حكمت فيها حضوريا بتاريخ 23 أكتوبر سنة 1930
عملا بالمادة السابقة مع تطبيق المادة 17 عقوبات بمعاقبة كل من المتهمين بالأشغال الشاقة
المؤبدة. فطعن المحكوم عليهما فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام بتاريخ 25 أكتوبر
سنة 1930 وقدّم حضرة المحامى عنهما تقريرا بالأسباب فى 9 نوفمبر سنة 1930.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن وقائع هذه الدعوى بحسب الثابت فى الحكم تتلخص فى أنه بينما كان المجنى عليه
جالسا مع زوجته وابنه بحوش المنزل بعد شروق الشمس بنحو نصف ساعة إذ حضر المتهمان وبيد
كل منهما بندقية ووقفا على عتبة باب المنزل وأطلق كل منهما عيارا ناريا على المجنى
عليه فأصيب وفرّا هاربين. ثم توفى المجنى عليه بسبب الإصابة. وقد دل الكشف الطبى على
أن المجنى عليه أصيب بعيار واحد. وبعد أن أثبتت محكمة الجنايات توفر نية القتل وسبق
الإصرار لدى المتهمين اعتبرتهما فاعلين أصليين ولو لم يصب المجنى عليه سوى أحد الطلقين
الناريين وحكمت على كل منهما بالأشغال الشاقة المؤبدة مع استعمال الرأفة عملا بالمادتين
194 و17 من قانون العقوبات.
وحيث إن الوجه الأول من أوجه الطعن مبناه أن محكمة الجنايات وصفت الحادثة فى حكمها
بأن كلا المتهمين وجد بمحل الحادثة وأن كلا منهما أطلق عيارا ناريا على المجنى عليه
وقد أثبت الكشف الطبى المتوقع على المجنى عليه أن الإصابات التى وجدت به نتيجة مقذوف
واحد ولم تتبين المحكمة أى مقذوف من الاثنين هو الذى أصابه وتسبب عنه القتل مع أن القتل
حدث من يد أحدهما دون الآخر فأحدهما فاعل أصلى والآخر شريك ولكن المحكمة اعتبرتهما
فاعلين أصليين وعاقبتهما على هذا الاعتبار. وهذا خطأ موجب لنقض الحكم.
وحيث إن محكمة الجنايات حقيقة قد اعتبرت المتهمين فاعلين أصليين كما سلف الذكر إذ قالت
فى أسبابها ما نصه: "وحيث إنه من جميع ما تقدّم يكون المتهمان" "قد اجترأَ على قتل
السيد تعلب عمدا مع سبق الإصرار وذلك بأن أطلق عليه" "كل منهما عيارا ناريا أصابه أحدهما
قاصدين قتله وعقابهما ينطبق على" "المادة 194 عقوبات" ثم طبقت المادة 17 عقوبات لظروف
الدعوى.
وحيث إنه لمعرفة صفة كل من المتهمين فى هذه الدعوى إن كان فاعلا أصليا أو شريكا يجب
الرجوع أولا إلى النصوص القانونية التى عرفت الفاعل والشريك بقانون العقوبات الأهلى
ثم استعراض الوقائع التى ارتكبها كل من المتهمين وما ترتب عليها وهل هى تعتبر من الأعمال
المكوّنة لجريمة القتل فى ذاتها أو أنها من أعمال الاشتراك.
وحيث إن المادة 39 عقوبات نصت على أنه: "يعدّ فاعلا للجريمة:" "أوّلا – من يرتكبها
وحده أو مع غيره. ثانيا – من يدخل فى ارتكابها إذا" "كانت تتكوّن من جملة أعمال فيأتى
عمدا عملا من الأعمال المكوّنة لها" كما عرفت المادة 40 عقوبات الشريك فقالت: "يعدّ
شريكا فى الجريمة:" "أوّلا – كل من حرض على ارتكاب الفعل المكوّن للجريمة إذا كان هذا
الفعل" "قد وقع بناء على هذا التحريض. ثانيا – من اتفق مع غيره على ارتكاب" "الجريمة
فوقعت بناء على هذا الاتفاق إلى آخره….".
وحيث إنه يؤخذ من نص المادتين السابقتين أنه لتبيان الحدّ الفاصل بين الفاعل الأصلى
والشريك فى جريمة تعدّد فيها المتهمون ينظر إلى الأعمال التى اقترفها كل منهم فان كانت
هذه الأعمال داخلة ماديا فى تنفيذ الجريمة التى حدثت عدّ مقترفها فاعلا أصليا، أما
إذا كانت تلك الأعمال غير داخلة فى تنفيذ الجريمة اعتبر مقترفها شريكا فقط إذا كان
هذا العمل هو من قبيل التحريض أو الاتفاق أو المساعدة بالقيود المدوّنة بالمادة 40
سابقة الذكر.
وحيث إن الجريمة التى بصددها البحث تنفذت بعيار نارى واحد فمطلق هذا العيار قد انحصرت
فيه كل الأعمال المادية التى تنفذت بها الجريمة؛ أما زميله مطلق العيار الذى لم يصب
فلم يرتكب الجريمة معه ولم يأت عملا من الأعمال الداخلة فى تكوينها. وإذن فليس هذا
الزميل سوى شريك بالاتفاق والمساعدة.
وحيث إنه إذا صح التهاون فى التمييز بين الفاعل الأصلى وبين الشريك فى جميع الجرائم
التى لا تستوجب الحكم بالإعدام لكون عقوبة الشريك فيها كعقوبة الفاعل الأصلى فانه لا
يجوز قطعا التهاون فى هذا التمييز فيما يتعلق بالجريمة المستوجبة للحكم بالإعدام لأن
الشريك فيها يعاقب إما بالإعدام وإما بالأشغال الشاقة المؤبدة حتى مع عدم وجود موجب
الرأفة.
وحيث إن من واجب سلطة الاتهام كما هو من واجب المحكمة إقامة الدليل فى حق من تريد اعتباره
فاعلا أصليا فى هذا الصنف من الجرائم – ومنه الجريمة التى هى موضوع الدعوى الحالية
– على أنه قد اقترف فى الواقع فعلا ماديا من الأفعال الداخلة فى تنفيذ الجريمة فان
لم تقم هذا الدليل فلا سبيل مطلقا إلى اعتباره كذلك بل إنه لا يكون إلا مجرد شريك متى
كان عمله تنطبق عليه نصوص القانون. الخاصة بالاشتراك.
وحيث إن الدعوى الحالية لم تقم النيابة فيها الدليل على أن أحد الطاعنين بعينه هو الذى
تنفذت الجريمة بالعيار النارى الذى أطلقه ولم تصل المحكمة كذلك لإثبات هذا التنفيذ
على واحد منهما بعينه فلا سبيل إذن لاعتبار أحد منهما فاعلا أصليا للجريمة. ومن التحكم
الواضح وتجاوز حدّ القانون اعتبارهما معا فاعلين أصليين لمجرّد أنهما كانا معا وقت
ارتكاب الحادثة وأن كلا منهما أطلق عيارا على المجنى عليه وأنهما كانا مصرين من قبل
على ارتكاب الجريمة – هذا من التحكم وتجاوز الحدّ: أوّلا لجهالة منفذ الجريمة منهما،
وثانيا لأن مجرّد اتفاقهما معا وسبق إصرارهما على ارتكاب الجريمة إذا كان له اعتبار
قانونى فيما يتعلق بالاشتراك فليس له أدنى اعتبار فيما يتعلق بالفعل الأصلى الذى يقتضى
تحقق معنى زائد هو المقارفة الفعلية لعمل من أعمال التنفيذ المادية.
وحيث إنه متى وضح ذلك وتبين أن القدر المتيقن فى حق كل من الطاعنين أنه إنما اتفق مع
زميله على ارتكاب الجريمة وصمم كلاهما على تنفيذها بناء على هذا الاتفاق وقد وقعت فعلا
بناء عليه فيكون كل منهما شريكا للآخر مستحقا العقاب بمقتضى المواد 194 و40 و41 و199
عقوبات. أما كون كل منهما فاعلا أصليا فهذا غير متحقق فى كليهما ومن المخاطرة اعتبارهما
معا كذلك.
وحيث إنه متى وجب اعتبارهما شريكين يعاقب كل منهما بالمواد المذكورة فلا يفوت محكمة
النقض أن تلاحظ أن محكمة الموضوع عاملتهما بالمادة 17 عقوبات وبتطبيق هذه المادة الأخيرة
مع مواد الاشتراك السابق بيانها تكون أقصى عقوبة يمكن توقيعها عليهما هى الأشغال الشاقة
خمس عشرة سنة.
وحيث إن أوجه الطعن الأخرى خاصة بالموضوع.
وحيث إن لمحكمة النقض بمقتضى المادة 232 والفقرة الثانية من المادة 229 من قانون تحقيق
الجنايات أن تحكم فى الدعوى بتطبيق القانون.
[(1)] لحضرة الدكتور محمد مصطفى القللى أستاذ القانون الجنائى بكلية الحقوق تعليق على هذا الحكم نشر بمجلة القانون والاقتصاد بالصفحات من 885 إلى 891، ورأيه أن التطبيق القانونى الصحيح لهذه الواقعة هو أن الأعمال التى أتاها كل من المتهمين فى هذه القضية تقع تحت نص الفقرة الأولى من المادة إذ أن كلا منهما أتى الأعمال اللازمة للتنفيذ وهو فى جريمة القتل إطلاق العيار ولكن لم يصب عيار أحدهما لسبب خارج عن إرادته. أما اعتبار هذه الحالة منطبقة على الفقرة الثانية من المادة فليس من الصواب إذ الفقرة الثانية تفترض أن التنفيذ إنما جاء على عدّة خطوات أتى متهم بعضها وأتى زميله البعض الآخر المتمم لها. أما فى حالتنا هذه فكل من المتهمين أتى الخطوة اللازمة أى الفعل الذى من شأنه إحداث الوفاة ويجب أن يعتبر كل منهما فاعلا أصليا.
