الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 312 سنة 47 ق – جلسة 05 /02 /1931 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 225

جلسة 5 فبراير سنة 1931

تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا.


القضية رقم 312 سنة 47 القضائية

نصب:
( أ ) تصرف المتصرف فى غير ملكه. متى يعتبر نصبا معاقبا عليه؟
(ب) متى تتحقق هذه الجريمة فى صورة البيع مرتين؟
(جـ) أثر قانون التسجيل رقم 18 لسنة 1923 على هذه الجريمة.
(المادتان 293 عقوبات والأولى من قانون التسجيل رقم 18 لسنة 1923)
1 – إن الشارع إذ جعل تصرف المتصرف فى غير ملكه نوعا من الاحتيال قائما بذاته ومستقلا عما يقع بالطرق الاحتيالية الأخرى المبينة بالمادة 293 عقوبات قد اشترط لاعتبار هذا التصرف نصبا معاقبا عليه بهذه المادة أن يكون المال الذى حصل التصرف فيه ليس مملوكا للمتصرف ولا له حق التصرف فيه. فاذا تصرف شخص فى عقار كان مملوكا له وسبق له التصرف فيه لشخص آخر فيختلف الحكم بحسب ما إذا كان حق الملكية السابق التصرف فيه قد انتقل قانونا إلى المتصرف له أوّلا أو لم ينتقل إليه. فاذا كان قد انتقل بالتصرف الأوّل وقع التصرف الثانى فى غير ملكه ووجب عقابه عليه بعقوبة النصب وإلا فلا.
2 – جريمة النصب فى صورة البيع مرتين لا تتحقق إلا فى جانب المشترى الثانى وفى صورة ضياع ماله بسبب غش البائع له من جهة وحرمانه من العين المتصرف له فيها من جهة أخرى. أما المتصرف له الأوّل فلا يتصوّر قيام أية جريمة فى حقه.
3 – إنه بعد صدور القانون رقم 18 لسنة 1923 الخاص بالتسجيل أصبح عقد البيع لا ينقل ملك المبيع إلى المشترى إلا بالتسجيل. فاذا كان المشترى الأوّل لم يسجل عقده وباع البائع العقار مرة أخرى إلى شخص آخر وسجل هذا الشخص عقده فان الملكية تنتقل إليه هو بالتسجيل ولا عقاب على البائع فى هذه الحالة. ولا دخل لحسن النية وسوئها فيما يتعلق بعلاقة البائع بالمشتريين الأوّل والثانى كما لا دخل لحسن نية المشترى الثانى ولا لسوئها وقت شرائه لأن انتقال الملكية أصبح بحكم قانون التسجيل مرتبطا بالتسجيل وحده ولأن الأسبقية بين المتزاحمين أصبحت لمن انتقلت إليه الملكية فعلا بالتسجيل.
4 – توجد حالة أخرى غير ما ذكر آنفا بالفقرة يمكن فيها تصوّر وقوع النصب؛ وهى حالة ما إذا اتفق البائع مع المشترى الأوّل بعقد لم يسجل بعد ثم أوهم المشترى الثانى فباع له وهو يعلم أن المشترى الأوّل على وشك تسجيل عقده قبل أن يدرك المشترى الثانى تسجيل عقده هو وأن هذا المشترى الثانى ستضيع عليه العين حتما – فى مثل هذه الصورة يكون البائع قد نصب على المشترى الثانى ولكن جريمته لا تكون مما تنطبق عليه العبارة الثانية من المادة 293 عقوبات وهى الخاصة بالتصرف فى غير المملوك بل تكون من جرائم النصب العادية المنصوص عليها بالعبارة الأولى من المادة ولابدّ فيها من إثبات الطرق الاحتيالية.
الطعن المقدّم من حسين حسنين أفندى المنياوى ضدّ النيابة العمومية.


الوقائع

رفع المدّعى بالحق المدنى الشيخ محمد محمد جاد الحق هذه الدعوى مباشرة أمام محكمة جنح الموسكى الجزئية ضدّ الطاعن واتهمه بأنه فى يوم 23 فبراير سنة 1928 بدائرة قسم الموسكى توصل بطريق الاحتيال بأن استولى منه على مبلغ مائة جنيه وذلك بواسطة تصرفه (الطاعن) مرة ثانية ببيع حصته فى منزل ببندر مغاغة كان سبق أن باعها للمدّعى المدنى المذكور. وطلب معاقبته بالمادة 293 عقوبات مع القضاء له بمبلغ 41 جنيها على سبيل التعويض والمصاريف وأتعاب المحاماة.
فنظرت تلك المحكمة الدعوى وقضت فيها بتاريخ 13 أغسطس سنة 1928 حضوريا وعملا بالمادة السالفة الذكر بتغريم المتهم ألف قرش وألزمته بأن يدفع للمدّعى المدنى مبلغ 41 جنيها مع المصاريف و200 قرش أتعابا للمحاماة.
استأنف المتهم هذا الحكم فى ثانى يوم صدوره. وفى أثناء نظر هذا الاستئناف أمام محكمة مصر الابتدائية طلب محامى المتهم الحكم بعدم قبول الدعوى أو إيقافها حتى يفصل فى النزاع المدنى المرفوع بشأن هذا. فقضت المحكمة الاستئنافية حضوريا بتاريخ 27 يناير سنة 1929 بقبول الاستئناف شكلا وبرفض الدفع الفرعى وبقبول الدعوى وفى الموضوع بتأييد الحكم المستأنف وألزمت المتهم بالمصاريف المدنية المناسبة عن الدرجتين و200 قرش أتعابا للمحاماة.
طعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام فى 29 يناير سنة 1929 وقدم تقريرا بالأسباب فى 13 فبراير سنة 1929.


المحكمة

………………….
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن وقائع هذه المادة تتلخص فى أن محمد محمد جاد الحق المدّعى بالحق المدنى ادّعى فى الدعوى المباشرة التى رفعها لمحكمة جنح الموسكى أن الطاعن باعه حصة فى منزل يملكه ببندر مغاغة بثمن مقبوض قدره مائة جنيه ثم باعها مرة ثانية لآخر سجل عقد شرائه وأنه يكون بذلك قد استولى منه بطريق النصب على ما قبضه من الثمن وهو أمر معاقب عليه بمقتضى المادة 293 من قانون العقوبات.
فحكمت تلك المحكمة بتغريم الطاعن ألف قرش وبإلزامه بأن يدفع للمدّعى بالحق المدنى واحدا وأربعين جنيها تعويضا وأيدت محكمة مصر الاستئنافية هذا الحكم أخذا بأسبابه – ويقول الطاعن أن لا عقوبة عليه فى تصرفه ببيع تلك الحصة مرتين: لأن التصرف الأوّل كان بعقد غير مسجل لم ينقل ملك الحصة المبيعة للمدعية بالحق المدنى فبقى هو مالكا لها حتى تصرف فيها التصرف الثانى ولم ينتقل حق الملكية إلى هذا المشترى الثانى إلا عند تسجيله عقد شرائه؛ وإذن فلا يمكن اعتباره متصرفا فى عقار ليس مملوكا له ولا له حق التصرف فيه حتى تصح معاقبته بالمادة 293 عقوبات.
وحيث إن الشارع إذ جعل تصرف المتصرف فى غير ملكه نوعا من الاحتيال قائما بذاته ومستقلا عما يقع بالطرق الاحتيالية الأخرى المبينة بالمادة 293 عقوبات قد اشترط لاعتبار هذا التصرف نصبا معاقبا عليه بهذه المادة أن يكون المال الذى حصل التصرف فيه ليس مملوكا للمتصرف ولا له حق التصرف فيه.
وحيث إنه يتفرّع عن ذلك: أوّلا أنه كلما أقدم شخص على بيع عقار لم يكن مملوكا له أصلا أو على رهنه أو على المعارضة فى ذلك وتوصل بهذه الطريقة إلى الاستيلاء على مال غيره يكون فعله منطبقا على المادة 293 عقوبات. أما إذا تصرف فى عقار كان مملوكا له وسبق له التصرف فيه لشخص آخر فيختلف الحكم بحسب ما إذا كان حق الملكية السابق التصرف فيه قد انتقل قانونا إلى المتصرف له أولا أو لم ينتقل إليه، فإذا كان قد انتقل بالتصرف الأوّل وقع التصرف الثانى فى غير ملكه ووجب عقابه عليه بعقوبة النصب وإلا فلا. وثانيا أن جريمة النصب فى صورة البيع مرتين لا تتحقق إلا فى جانب المشترى الثانى وفى صورة ضياع ماله بسبب غش البائع له من جهة وحرمانه من العين المتصرف له فيها من جهة أخرى. أما المتصرف له الأوّل فلا يتصوّر قيام أية جريمة فى حقه.
وحيث إنه كان يترتب على مجرّد انعقاد البيع الصحيح بمقتضى المادة 266 من القانون المدنى أنه بمجرّد عقده تنتقل ملكية المبيع إلى المشترى بالنسبة للعاقدين فكان لذلك يعاقب البائع بنص المادة 293 عقوبات إذا باع مرة ثانية ما سبق له بيعه، لأنه يكون عند البيع الثانى متصرفا فى مال قد خرجت ملكيته من يده بالعقد الأول وبمجرّد انعقاده وتكون جريمته كما سلف واقعة على المشترى الثانى دون الأوّل. فلما صدر القانون رقم 18 لسنة 1923 وأوجبت المادة الأولى منه تسجيل التصرفات التى من شأنها إنشاء حق ملكية أو حق عينى عقارى آخر أو نقله أو تغييره أو زواله ورتب على عدم تسجيلها أن هذه الحقوق لا تنشأ ولا تنتقل ولا تتغير ولا تزول لا بين المتعاقدين ولا بالنسبة لغيرهم – لما صدر هذا القانون معدّلا لقواعد نقل الملكية على هذا النحو أصبح عقد البيع لا ينقل ملك المبيع إلى المشترى إلا بالتسجيل؛ وقد ترتب على ذلك أنه إذا كان المشترى الأوّل لم يسجل عقده وباع البائع العقار مرة أخرى إلى آخر وسجل هذا المشترى عقده فإن الملكية تنتقل إليه هو بالتسجيل ولا عقاب على البائع فى هذه الحالة، لأن البيع الأول الذى لم يسجل عقده لم يخرج الملكية من يده قط، ولأنه وقت صدور البيع الثانى كان القانون لا يزال يعتبره مالكا للعين المبيعة. ولا دخل لحسن النية وسوئها فيما يتعلق بعلاقة البائع بالمشتريين الأوّل والثانى كما لا دخل لحسن نية المشترى الثانى ولا لسوئها وقت شرائه لأن انتقال الملكية أصبح بحكم قانون التسجيل مرتبطا بالتسجيل وحده ولأن الأسبقية بين المتزاحمين أصبحت لمن انتقلت إليه الملكية فعلا بالتسجيل.
وحيث إن العقد الصادر للمدّعى بالحق المدنى والعقد الصادر للمشترى الآخر كلاهما خاضع لأحكام قانون التسجيل لصدورهما بعد وجوب العمل به فلا عقاب على ما نسب للطاعن من تصرفه ببيع ما كان يملكه مرتين لأن البيع الأوّل الذى لم يسجل عقده لم يخرج الملك من يده قط، ولأنه وقت حصول البيع الثانى الذى سجل عقده فيما بعد كان القانون لا يزال يعتبره مالكا للعين المبيعة وبذلك كان مالكا للعقار وقت صدور كل من البيعين.
وحيث إن واقعة البيع الأوّل لا نصب فيها على كل حال حتى فى مدّة العمل بالقانون القديم وواقعة البيع الثانى لا يمكن أن يقع النصب فيها إلا على المشترى الثانى دون الأوّل.
وحيث إن الحالة التى يمكن فيها تصوّر وقوع النصب هى حالة ما إذا اتفق البائع مع المشترى الأوّل بعقد لم يسجل بعد ثم أوهم المشترى الثانى فباع له وهو يعلم أن المشترى الأوّل على وشك تسجيل عقده قبل أن يدرك المشترى الثانى تسجيل عقده هو وأن هذا المشترى الثانى ستضيع عليه العين حتما. فى مثل هذه الصورة – إن وجدت فى العمل – يكون البائع قد نصب على المشترى الثانى ولكن جريمته لا تكون مما تنطبق عليه العبارة الثانية من المادة 293 وهى الخاصة بالتصرف فى غير المملوك بل من جرائم النصب العادية المنصوص عليها بالعبارة الأولى من المادة ولابدّ فيها من إثبات الطريقة الاحتيالية.
وحيث إنه يبين من جميع ما تقدّم أنه لا يمكن قانونا اعتبار مجرّد تصرف الطاعن بالبيع مرتين نصبا يعاقب عليه بمقتضى المادة 293 عقوبات. ولهذا يتعين قبول الطعن ونقض الحكم وبراءة الطاعن مما نسب إليه وذلك من الوجهة الجنائية. أما فيما يتعلق بالتعويض المدنى المحكوم به فلا شك أن هناك خطأ من جانب الطاعن فى حق المدعى بالحق المدنى هو إخلاله بالثقة التى وضعها فيه عند التعامل معه وإن كان هذا الخطأ فى ذاته لم يصل إلى حدّ الإجرام المعاقب عليه.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات