الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 1872 سنة 47 ق – جلسة 08 /01 /1931 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 178

جلسة الخميس 8 يناير سنة 1931

تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا.


القضية رقم 1872 سنة 47 القضائية

دفاع:
( أ ) افتراء خصم على خصمه أثناء الدفاع. متى يكون معاقبا عليه؟
(المادة 266 ع المعدّلة بالقانون رقم 97 لسنة 1931)
(ب) كون الافتراء من مستلزمات الدفاع أم لا. موضوعى.
1 – الخصم الذى يعتدى على خصمه أثناء الدفاع عن حقوقه أمام المحاكم بقذف أو سب اعتداء لا يستلزمه الدفاع فى الدعوى يكون معرّضا نفسه للمسئولية الجنائية بسبب افترائه. أما إذا كان هذا الافتراء من مستلزمات الدفاع فلا مسئولية جنائية عليه قطعا، وإنما تلزمه المسئولية المدنية أو التأديبية ولكن فى حالة واحدة هى أن يسئ استعمال تلك التوسعة القانونية بأن يغالى فى عبارات الافتراء مغالاة لا يقتضيها المقام.
2 – كون الافتراء من مستلزمات الدفاع أو ليس من مستلزماته، وكون المتهم به قد أساء استعماله أو لم يسئه هو من الأمور المتعلقة بالموضوع يقدرها قاضيه بحسب ما يبدو له؛ ولا رقابة لمحكمة النقض عليه إلا ما يكون من تعديل رأيه فى عبارات الافتراء أقذف وسب هى أم هى ليست كذلك، وإلا فيما يكون أيضا من خطئه فى طريقة الاستدلال كأن يستنتج نتيجة من مقدّمات لا تنتجها أو من مقدّمات لا وجود لها أو من مقدّمات يحسبها كما يرويها والواقع أنها تخالف ما يرويه.
الطعن المقدّم من عبده أفندى محمد جوده ضدّ الست أمينه هانم محمد رمزى وآخر.


الوقائع

رفع المدعى بالحق المدنى هذه الدعوى مباشرة أمام محكمة جنح الوايلى الجزئية ضدّ المتهمين واتهمهما بأنهما فى يوم 7 سبتمبر سنة 1927 بدائرة قسم الوايلى قدّما مذكرة لمحكمة الجمالية الشرعية فى القضية الشرعية رقم 2058 سنة 1927 أسندا فيها له أمورا لو كانت صادقة لأوجبت احتقاره عند أهل وطنه وطلب معاقبتهما بالمواد 261 و265 و148 من قانون العقوبات مع الحكم له بمبلغ 42 جنيها تعويضا.
وبعد أن سمعت تلك المحكمة هذه الدعوى حكمت فيها بتاريخ 8 يناير سنة 1929 غيابيا للأولى وحضوريا للثانى عملا بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات ببراءة المتهمين ورفض الدعوى المدنية وإلزام رافعها بمصاريفها.
فاستأنف المدّعى بالحق المدنى وكذا النيابة هذا الحكم فى 12 يناير سنة 1929.
ومحكمة مصر الابتدائية نظرت هذه الدعوى استئنافيا وقضت فيها بتاريخ 27 يونيه سنة 1929 غيابيا للأولى وحضوريا للثانى بقبول الاستئنافين شكلا وبرفضهما موضوعا وتأييد الحكم المستأنف وألزمت المدّعى بالحق المدنى بالمصاريف المدنية الاستئنافية.
وبتاريخ 9 يوليه سنة 1929 طعن حضرة المحامى الوكيل عن المدّعى بالحق المدنى على هذا الحكم بطريق النقض والإبرام وقدّم تقريرا بالأسباب فى 13 منه.


المحكمة

………………
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن فى جملته أن المحكمة الاستئنافية إذ تابعت المحكمة الجزئية التى قضت ببراءة المدعى عليهما وبرفض الدعوى المدنية قبلهما اعتمادا على أن العبارات التى وردت بالمذكرة المقدّمة منهما للمحكمة الشرعية لا عقاب عليها لأن العبارات الواردة بها هى مما يستلزم الدفاع فى الدعوى ولأن الطاعن لم يقدّم للمحكمة ما ينفى تلك العبارات – إذ فعلت المحكمة ذلك فقد أخطأت لأن الدفاع فى الدعوى لم يكن يستلزم تلك العبارات الجارحة بما فيها من القذف والسب ولأن الذى قدّم المذكرة هو محمد بك رمزى الذى لم يكن خصما فى الدعوى ولأن قول المحكمة بأن الطاعن لم ينف تلك العبارات أمامها هو تكليف له بما لا يكلفه به القانون إذ لا يطلب من القاذف إقامة الدليل على ما قذف به وبالتالى لا يطلب من المقذوف فى حقه إقامة الدليل على نفى صحة وقائع القذف. ويطلب الطاعن إلغاء الحكم وإعادة الدعوى للحكم فيها من جديد.
وحيث إنه متى لوحظ مذهب الفقهاء فى تفسير المادة 266 يرى أن عبارتها الأخيرة الخاصة بالمسئولية المدنية أو التأديبية عسرة الفهم؛ ذلك بأنهم فوق الشرطين المفهومين من صريح لفظ المادة وهما: كون الافتراء واقعا من خصم فى الدعوى على خصم آخر. كونه واقعا أثناء المرافعة الشفهية أو التحريرية لدى المحكمة – فوق هذا يشترطون أيضا للإعفاء من العقوبة أن يكون الافتراء من مستلزمات الدفاع. فلو سلم بهذا الشرط الثالث على إطلاقه لصعب تعليل المسئولية المدنية أو التأديبية المنصوص عليها بالعبارة الأخيرة لأن الدفاع إذا كان يستلزم هذا الافتراء، والدفاع حق مقرر، فكل مستلزماته ينبغى أن تكون محللة لا يجوز للشارع أن يرتب عليها مسئولية قانونية مدنية كانت أو غير مدنية خشية أن يؤدى ذلك إلى ترك حق الدفاع نفسه. ولكن من جهة أخرى إذا لم يسلم بهذا الشرط الثالث لترتب على ذلك أن تصبح مجالس القضاء مسرحا للمهاترة والتقاذف بغير موجب وهى نتيجة فى غاية السوء أيضا.
وحيث إن الذى يهدى إليه المنطق الصحيح هو ضرورة إقرار ذلك الشرط الثالث بحيث إن الخصم الذى يعتدى على خصمه بقذف أو سب اعتداء لا يستلزمه الدفاع يكون معرّضا نفسه للمسئولية الجنائية بسبب افترائه. أما إذا كان هذا الافتراء من مستلزمات الدفاع فلا مسئولية جنائية عليه قطعا وإنما تلزمه المسئولية المدنية أو التأديبية ولكن فى حالة واحدة هى أن يسئ استعمال تلك التوسعة القانونية بأن يغالى فى عبارات الافتراء مغالاة لا يقتضيها المقام. وهذه مسألة تتعلق بالموضوع يقدّرها قاضيه بحسب ما يبدو له من الحال فى كل دعوى ولا رقابة لمحكمة النقض عليه إلا ما يكون من تعديل رأيه فى عبارات الافتراء أقذف وسب هى أم هى ليست كذلك وإلا ما يكون أيضا من خطئه فى طريقة الاستدلال كأن يستنتج نتيجة من مقدّمات لا تنتجها قطعا، أو من مقدّمات لا وجود لها، أو من مقدّمات يحسبها كما يرويها والواقع أنها تخالف ما يرويه.
وحيث إنه بالرجوع لمفردات الدعوى تبين أن الأدلة التى استند إليها الطاعن لدى محكمة الموضوع تنحصر فى صورة رسمية من المذكرة التى قدّمها المدعى عليه الثانى لمحكمة الجمالية الشرعية وفى صورة رسمية أخرى لمحضر جلسة 7 سبتمبر سنة 1927 بتلك المحكمة.
وحيث إنه يؤخذ من محضر الجلسة المذكور أن الست أمينة هانم محمد رمزى مطلقة عبده أفندى جوده المدعى بالحق المدنى رفعت عليه دعوى زيادة نفقة لبنتها منه فدفع بطروء الإعسار عليه ووجه اليمين إلى المدّعية فسئلت المدّعية شخصيا عن هذا الدفع فقالت إن المدعى عليه لم يطرأ عليه إعسار بل إن ماليته قد زادت ثم تنازل وكيل المدعى عليه عن تحليفها اليمين والمحكمة قررت رفض هذا الدفع. بعد ذلك تقدّم محمد بك رمزى والد المدعية ووكيلها وتلا مذكرة كانت بيده وقدّمها للمحكمة، والمحكمة بعد ذلك حكمت بزيادة النفقة الشهرية.
وحيث إنه بالاطلاع على صورة المذكرة وجد أن واضعها ينسب فيها لعبده افندى محمد جوده أنه "وهو موظف بقسم قضايا الداخلية ومكلف" "بإحقاق الحق فى تصرفاته لا يرعى حرمة نفسه ولا كرامة بيته ولا شرف سمعته" "بل يحاول التدليس على القضاء الشرعى ولا يستنكف أن يقدّم عقد زوجية" "مفتعلة من فتاة تعدّ من أحط طبقات الناس يحاول به التضليل لغرض غير" "شريف". ثم يقول فيها: "رجل هذه صفاته لا يصح أن تقيم المحكمة وزنا" "لأى كلمة تبدو منه أو تصدّقه فى شىء مما يدّعيه". وفيها: "ها أنا قلت الحقيقة" "فى أمر هذا الزواج الصورى للمحكمة ووكلت أمر الفصل فى مستقبل حفيدتى" "التى ابتلاها الله بهذا الوالد المجرّد من العواطف الإنسانية إلى عدالة الله التى أنتم" "موكلون بها فى الناس" إلى غير ذلك من مثل هذه العبارات.
وحيث إنه ظاهر من هذه المذكرة ما يفيد أن عبده أفندى محمد جوده إذ ادعى طروء الإعسار عليه علل ذلك بأنه تزوّج بامرأة أخرى فأعد محمد بك رمزى تلك المذكرة يفند بها هذه العلة قائلا أن الزواج صورى مفتعل وإن الزوجة الجديدة بفرض صحة الزواج هى امرأة منحطة القدر.
وحيث إن تلك العبارات التى تضمنتها المذكرة هى خليط من قذف وسب محظورين قانونا.
وحيث إن الدفاع فى الدعوى الشرعية ما كان يستلزم تقديم تلك المذكرة ما دام الدفع بطروء الإعسار قد رفضته المحكمة قبل تقديمها كما هو ثابت بمحضر الجلسة ويكون قول محكمة الموضوع باستلزام الدفاع لها قولا أتت به من عند نفسها وعلى خلاف الثابت رسميا فى المحضر الذى كان بين يديها.
وبما أن المسئولية المدنية هى وحدها المنظور بشأنها الآن فهى مستحقة بلا نزاع؛ وهى مستحقة أيضا على افتراض أن الدفاع كان يستلزم التعرّض لما تعرّض له واضع المذكرة إذ مما لا شك فيه أن عباراتها قد غالى فيها واضعها مغالاة ما كان المقام ليقتضيها فآذى بها المدّعى إيذاء أدبيا واضحا.
وحيث إنه لما تقدّم يتعين نقض الحكم المطعون فيه من جهة الدعوى المدنية والحكم فيها بما يقضى به القانون.
وحيث إن محمد بك رمزى هو المسئول مباشرة قبل الطاعن لأنه هو واضع المذكرة وهو الذى قدّمها بنفسه للمحكمة بعد أن تلاها بالجلسة ولكن مسئوليته تستتبع مسئولية ابنته الست أمينة هانم من قِبل أنها وكلته وقد كان عمله بحضرتها وبصفته وكيلا عنها، فهما إذن مسئولان بطريق التضامن عن التعويض المستحق للمدّعى عما ناله من الأذى وتقدّره المحكمة بعشرة جنيهات مصرية.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات