الرئيسية الاقسام القوائم البحث

الطعن رقم 37 سنة 48 ق – جلسة 04 /12 /1930 

مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 139

جلسة 4 ديسمبر سنة 1930

برياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا.


القضية رقم 37 سنة 48 القضائية

قانون. الأمر الملكى رقم 46 لسنة 1928. نظام من أنظمة الحكم. قانون صادر بمقتضاه. لا يصح إلغاؤه إلا بقانون من سلطة مختصة.
(الأمر الملكى رقم 46 لسنة 1928 والأمر الملكى رقم 70 لسنة 1930)
إن الأمر الملكى رقم 46 لسنة 1928 قد وقف كل ما يتعلق بالسلطة التشريعية فى دستور أبريل سنة 1923 وصار منذ صدوره نظاما من أنظمة الحكم فى البلاد. فكل تشريع صادر بالمطابقة له هو تشريع صادر من سلطة مختصة لا يمكن إلغاؤه إلا بتشريع آخر من السلطة ذاتها أو من يحل محلها فى التشريع على الوجه الذى يحدّد لاختصاص من يحل محلها. فعدم إقرار مجلس النوّاب والشيوخ للقانون رقم 22 سنة 1929 الخاص بحفظ النظام فى المعاهد وللقوانين الثمانية الأخرى الصادرة تحت أحكام هذا الأمر الكريم لا يلغيها لأنها إنما صدرت بطريقة خاصة عينتها السلطة الشرعية العليا فى البلاد بأمر منها لم تؤسسه على المادة 41 من دستور أبريل سنة 1923 التى كانت موقوفة وقتئذ. ومما يقطع فى وجوب اعتبار تلك القوانين قائمة والعمل بمقتضاها واجبا أن الأمر الملكى رقم 70 الصادر فى 22 أكتوبر سنة 1930 نص صراحة فى مادته السادسة على أن الأحكام وكل ما سنّ أو اتخذ من الأعمال والإجراءات طبقا للأصول والأوضاع التى قرّرها الأمر رقم 46 لسنة 1928 تبقى نافذة وتظل تنتج آثارها غير منقطعة العمل فى الماضى.
الطعن المقدّم من النيابة العامة فى قضيتها رقم 179 سنة 1930 – 1931 المقيدة بجدول المحكمة رقم 37 سنة 48 القضائية ضدّ أحمد بليغ عبد الله وآخرين.


وقائع الدعوى

أقامت النيابة العامة هذه الدعوى على هؤلاء المتهمين الثلاثة وقدّمتهم لمحكمة جنح الخليفة الجزئية الأهلية بتهمة أنهم فى 18 ديسمبر سنة 1929 بدائرة قسم الدرب الأحمر التابع لمحافظة مصر تجاروا بواسطة الخطب فى الجامع الأزهر على تحريض الطلبة على الإضراب عن الدراسة وذلك بأن صعد المتهمان الأوّل والثانى على المنبر وناديا بالإضراب وتعدّى المتهم الثالث على الطلبة بالضرب بالأحذية تحقيرا لهم لامتناعهم عن تلبية نداء الإضراب. وطلبت معاقبتهم بالمادتين الأولى والثانية من المرسوم بقانون رقم 22 لسنة 1929 الصادر فى 10 مارس سنة 1929 الخاص بحفظ النظام فى معاهد التعليم.
وبالجلسة التى حدّدت لنظر هذه الدعوى أمام المحكمة المذكورة لم يحضر المتهم الأوّل مع إعلانه ودفع المتهمان الثانى والثالث الحاضران بلسان الدفاع عنهما بعدم وجود جريمة لأن القانون المطلوب تطبيقه فى هذه الدعوى تقرر بطلانه بطلانا جوهريا من الهيئة التشريعية فهو غير دستورى وللمحاكم أن تمتنع عن الحكم بمقتضاه. والمحكمة ضمت هذا الدفع إلى الموضوع وسمعت شهود الدعوى وأصرت النيابة على طلباتها وطلب المحاميان عن المتهمين الحاضرين الحكم ببراءتهما.
وبعد أن سمعت المحكمة المشار إليها الدعوى على الوجه المتقدّم أصدرت فيها حكما بتاريخ 17 أبريل سنة 1930 غيابيا بالنسبة للمتهم الأوّل وحضوريا بالنسبة للثانى والثالث وعملا بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات ببراءة المتهمين مما أسند إليهم مرتكنة فى ذلك على أن مجلس النوّاب قرّر بجلسته المنعقدة فى 24 مارس سنة 1930 أن القانون رقم 22 لسنة 1929 هو وقوانين أخرى جميعها باطلة بطلانا أصليا لأنها لم تعرض على البرلمان ولم يصدّق عليها وكل ما ترتب عليها من الآثار باطل أيضا. وبتاريخ 22 أبريل سنة 1930 استأنفت النيابة هذا الحكم وطلبت إلغاءه ومعاقبة المتهمين بالمادتين الأولى والثانية من ذلك القانون على التهمة المتقدّم بيانها وطلب الدفاع عن المتهمين تأييد حكم البراءة متمسكا فى ذلك بنفس الدفع الذى دفعه أمام محكمة أوّل درجة.
ومحكمة مصر الابتدائية الأهلية بعد أن سمعت هذه الدعوى استئنافيا على الوجه المتقدّم قضت فيها حضوريا بتاريخ 18 نوفمبر سنة 1930 وعملا بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات بقبول الاستئناف شكلا ورفضه موضوعا وتأييد حكم البراءة لذات الأسباب التى بنى عليها الحكم المستأنف.
وبتاريخ 22 نوفمبر سنة 1930 طعنت النيابة أيضا على هذا الحكم بطريق النقض والإبرام وقدّمت أسباب طعنها عليه فى ذلك التاريخ. ثم سمعت محكمة النقض أقوال ودفاع النيابة والمتهمين على الوجه المشروح بمحضر الجلسة.


المحكمة

بعد سماع طلبات النيابة العمومية وأقوال المتهمين والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن المحكمة الاستئنافية أيدت الحكم الابتدائى الصادر ببراءة المتهمين بحجة أن المرسوم بالقانون نمرة 22 لسنة 1929 الذى طلبت النيابة تطبيقه على الواقعة هو وقوانين أخرى من نوعه جميعها باطلة بطلانا أصليا بحسب قرار مجلس النوّاب الصادر فى 24 مارس سنة 1930 بينما الواقع أن قرار مجلس النوّاب لا يكفى لاعتبار هذا المرسوم بقانون باطلا لأن المرسوم لم يصدر طبقا للمادة 41 من الأمر الملكى الصادر فى 29 أبريل سنة 1923 بل صدر تحت حكم الأمر الكريم رقم 46 لسنة 1928 الذى نص فى مادته الأولى على أن السلطة التشريعية فى الفترة المبينة به يتولاها الملك طبقا لحكم المادة 48 من الدستور وذلك بمراسيم يكون لها قوّة القانون. وإذن فكان لابدّ لإِلغاء هذا المرسوم من أن يصدر قانون آخر بالغائه. ومن جهة أخرى فان الأمر الملكى الصادر بتاريخ 22 أكتوبر سنة 1930 نص على أن كل الأحكام وكل ما سن أو اتخذ من الإجراءات طبقا للأصول والأوضاع التى قرّرها الأمر رقم 46 لسنة 1928 تبقى نافذة وتظل تنتج آثارها غير منقطعة الحكم فى الماضى. ولذلك تطلب النيابة إلغاء الحكم المطعون فيه والحكم على المتهمين طبقا لنص المادتين الأولى والثانية من القانون رقم 22 لسنة 1929.
وحيث إن الأصل أن أى قانون لا يمكن إلغاؤه إلا بقانون آخر.
وحيث إن الأمر الملكى الصادر فى 29 أبريل سنة 1923 وضع للبلاد دستورا تقرّر فى المادتين الرابعة والعشرين والخامسة والعشرين منه أن السلطة التشريعية يتولاها الملك بالاشتراك مع مجلس الشيوخ والنوّاب وأن لا يصدر قانون إلا إذا قرّره البرلمان وصدّق عليه الملك؛ غير أن كل ما يتعلق بالسلطة التشريعية فى هذا الدستور صار وقفه بالأمر الكريم رقم 46 لسنة 1928. وهذا الأمر الذى نص فيه على أن السلطة التشريعية يتولاها الملك طبقا لحكم المادة 48 أى بواسطة وزرائه صار من وقت صدوره نظاما من أنظمة الحكم فى البلاد فكل تشريع صدر بالمطابقة له كالتشريع الصادر به المرسوم بالقانون رقم 22 لسنة 1929 هو تشريع صادر من سلطة مختصة لا يمكن إلغاؤه إلا بتشريع آخر من السلطة ذاتها أو ممن يحل محلها فى التشريع على الوجه الذى يحدّد لاختصاص من يحل محلها.
وحيث إنه لم يصدر قانون يلغى المرسوم المذكور لا من السلطة التى أصدرته ولا من السلطة التى حلت محلها، وكل ما فى الأمر أن مجلس النوّاب أصدر قرارا بتاريخ 24 مارس سنة 1930 باعتباره هو وقوانين ثمانية أخرى من نوعه جميعها باطلة بطلانا أصليا وحذا مجلس الشيوخ حذوه أيضا فأصدر قرارا بهذا المعنى فى 4 يونيه سنة 1930.
وحيث إن قرارى مجلس النوّاب والشيوخ كان يكفى أيهما لاعتبار هذا المرسوم هو والمراسيم الأخرى التى من نوعه ملغاة لا عمل لها لو أن هذه المراسيم كانت قد صدرت وأحكام السلطة التشريعية فى دستور أبريل سنة 1923 قائمة غير موقوفة وكان صدورها فى فترة بين أدوار انعقاد البرلمان وبالتطبيق لنص المادة 41 التى كانت تنص على أن مثل هذه المراسيم إذا لم تعرض على البرلمان فى أوّل اجتماع له أو لم يقرّها أحد المجلسين زال ما كان لها من قوّة القانون. كان يكفى ذلك إذ اختصاص البرلمان وسلطته فى هذه الصورة هو اختصاص قانونى واضح لا شك فيه. أما الصورة التى بصددها البحث فهى بعيدة عن تلك بعدا ظاهرا، إذ المادة 41 المذكورة كانت موقوفة بكل أحكامها والمرسوم الجارى النظر فيه هو وغيره من المراسيم إنما صدرت بطريقة خاصة عينتها السلطة الشرعية العليا فى البلاد بأمر منها لم تؤسسه على المادة 41 المذكورة ولم تجعل فيه لأى مجلس من مجلسى البرلمان الحق – بمجرّد قرار يصدره – فى إلغاء التشريعات التى تسن بحسب أوضاعه. وإذن فليس لهذه المحكمة – التى ترى واجبها احترام ذلك الأمر – أن تعتبر أن قرارات المجلسين (التى هى فى ذاتها ليست قوانين) قد ألغت تلك المراسيم.
وحيث إنه فوق ما تقدّم فان الأمر الملكى رقم 70 الصادر فى 22 أكتوبر سنة 1930 قد نص صراحة فى الفقرة الثانية من مادته السادسة على أن كل الأحكام وكل ما سنّ أو اتخذ من الأعمال والإجراءات طبقا للأصول والأوضاع التى قرّرها الأمر رقم 46 لسنة 1928 تبقى نافذة وتظل تنتج آثارها غير منقطعة العمل فى الماضى. والظاهر من مذكرته الإيضاحية أن المشرع وجد أن شبهة كبيرة أقيمت من قرارى المجلسين على قوّة نفاذ القوانين التى صدرت بمقتضى الأمر رقم 46 لسنة 1928 فمحاها بهذا النص الصريح الذى تقرّر فيه أن تلك القوانين كانت واستمرّت ولن تزال حافظة لقوّتها ونفاذها وصحة آثارها وأنها لا يمكن تعديلها أو إلغاؤها إلا بقانون يصدر بعد من السلطة التشريعية – وهذا وحده قاطع فى وجوب اعتبار تلك القوانين قائمة والعمل بمقتضاها.
وحيث إنه لذلك يكون الحكم المطعون فيه قد أخطأ فى الاعتماد على قرار مجلس النوّاب كما أخطأ أيضا فى عدم مراعاة موجب الأمر الملكى الصادر فى 22 أكتوبر سنة 1930 رقم 70 ويتعين إذن نقضه.
وحيث إن النيابة العامة تطلب الحكم على المتهمين تطبيقا للمادتين الأولى والثانية من المرسوم بالقانون رقم 22 لسنة 1929 ولكن هذه المحكمة لا تستطيع ذلك بالحالة التى عليها الدعوى فان المحكمتين الجزئية والاستئنافية لم تنظر أيتهما فى موضوع الدعوى ولم تفصل فيما إذا كان ثابتا أو غير ثابت بل كلتاهما حكمت بالبراءة باعتبار أنه لا قانون يعاقب على الواقعة. ولذلك يتعين على هذه المحكمة إعادة الدعوى لمحكمة مصر الابتدائية لنظرها من جديد.

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وباعتبار أن المرسوم بالقانون رقم 22 لسنة 1929 كان واستمر ولا زال قائما نافذا وبأن الأفعال المسندة للمتهمين لو ثبتت عليهم لوقعت تحت حكم مادتيه الأولى والثانية وباعادة الدعوى لمحكمة مصر الابتدائية لنظرها ثانية بدائرة استئنافية أخرى.

يمكنك مشاركة المقالة من خلال تلك الايقونات