الطعن رقم 2234 سنة 47 ق – جلسة 20 /11 /1930
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 126
جلسة 20 نوفمبر سنة 1930
تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة.
القضية رقم 2234 سنة 47 القضائية
وصف الأفعال الثابتة بالحكم بغير ما وصفها به الحكم. جواز ذلك لمحكمة
النقض.
(المادتان 229 و232 تحقيق)
يجوز لمحكمة النقض أن تصف الأفعال الثابتة بالحكم المطعون فيه بغير ما وصفها به هذا
الحكم فتعتبرها نصبا معاقبا عليه بالمادة 293 عقوبات لا تدليسا مدنيا وعندئذ يكون عليها
نقض الحكم المطعون فيه وتطبيق القانون ومعاقبة الجانى.
الطعن المقدّم من النيابة العامة فى دعواها رقم 1664 سنة 1930 المقيدة بجدول المحكمة
رقم 2234 سنة 47 قضائية ضدّ حافظ خليل إبراهيم عمره 40 سنة وصناعته تاجر وسكنه محرم
بك ومن المتهم المذكور بصفته مسئولا عن حقوق مدنية قبل فطومه بنت أبو بكر ورزقه بنت
أبو بكر مدعيتين بحق مدنى.
الوقائع
أقامت النيابة العامة هذه الدعوى ضدّ المتهم المذكور أمام محكمة
جنح العطارين الجزئية واتهمته بأنه فى المدّة ما بين 28 أغسطس سنة 1924 إلى 10 مايو
سنة 1926 بدائرة قسم العطارين بدّد مبلغ 1265 جنيها للسيدتين فطومه ورزقه كريمتى أبو
بكر آدم كان قد تسلم إليه منهما لاستعماله فى أمر معين لمنفعتهما وهى صرفه فى إقامة
منزلين على قطعتى أرض مملوكة لهما وطلبت عقابه بالمادة 296 من قانون العقوبات. وبإحدى
جلسات القضية رفعت المدعيتان بالحق المدنى دعوى مباشرة ضدّ المتهم واتهمتاه بأنه استولى
منهما على مبلغ بطريق النصب والاحتيال وطلبتا الحكم لهما عليه بمبلغ 1628 جنيها و560
مليما من ذلك 1306 جنيهات لفطومة أبو بكر آدم و321 جنيها و560 مليما لرزقه أبو بكر
آدم والمصاريف المدنية مع محاكمته بالمادة 293 من قانون العقوبات علاوة على المادة
المطبقة عليه من قبل النيابة والتى انضمت إليهما فى ذلك.
فقضت محكمة الجنح المشار إليها حضوريا بتاريخ 6 مارس سنة 1928 عملا بالمادتين 172 من
قانون تحقيق الجنايات و293 من قانون العقوبات: (أوّلا) ببراءة المتهم من تهمة التبديد.
(ثانيا) بحبسه سنة مع الشغل عن تهمة النصب. (ثالثا) بالزامه بأن يدفع إلى فطومه بنت
أبو بكر آدم مبلغ 1306 جنيهات والمصاريف المناسبة ومبلغ 500 قرش أتعابا للمحاماة وأن
يدفع إلى رزقه أبو بكر آدم مبلغ 321 جنيها و560 مليما والمصاريف المناسبة و300 قرش
أتعابا للمحاماة ورفضت ما عدا ذلك من الطلبات وألزمتهما بباقى مصاريف دعواهما.
فاستأنفت النيابة هذا الحكم فى 8 مارس سنة 1928 واستأنفه المتهم أيضا فى 10 منه.
ومحكمة إسكندرية الابتدائية نظرت هذين الاستئنافين وقضت فيهما بتاريخ 28 أبريل سنة
1928 غيابيا للمتهم وحضوريا للمدعيتين بالحق المدنى بقبولهما شكلا وبرفضهما موضوعا
وتأييد الحكم المستأنف بكامل أجزائه وألزمت المتهم بالمصاريف المدنية المناسبة إلى
ما حكم به لكل واحدة من المدعيتين وبأن يدفع للمدّعية بالحق المدنى الأولى أيضا مبلغ
500 قرش أتعابا للمحاماة وإلى الثانية 300 قرش أتعابا للمحاماة. فقرر بالمعارضة فيه
وحكم بتاريخ 27 يونيه سنة 1928 باعتبارها كأن لم تكن مع إِلزام المتهم بمصاريف المعارضة
المدنية.
فطعن المحكوم عليه فى هذا الحكم بطريق النقض والإبرام وحكمت محكمة النقض بتاريخ 20
ديسمبر سنة 1928 بقبول الطعن شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه وإحالة القضية
لمحكمة الإسكندرية الاستئنافية للحكم فيها مجدّدا من دائرة أخرى.
وعند نظر هذه الدعوى أمام محكمة الإسكندرية الاستئنافية للمرّة الثانية دفع حضرة المحامى
عن المتهم بدفعين فرعيين: أوّلهما عدم قبول الدعوى الجنائية لسابقة حفظها وعدم إلغاء
قرار الحفظ من سعادة النائب العمومى وثانيهما عدم اختصاص القاضى الجنائى لمدنية الموضوع
فقال حضرة المحامى عن المدّعيتين بالحق المدنى إن الدفع الأوّل فصل فيه من محكمة أوّل
درجة واستؤنف هذا الدفع وقضى استئنافيا برفضه وأعيدت القضية لمحكمة أوّل درجة وفصل
فيها فى الموضوع واستؤنف الحكم ورفع نقضا وحكم من محكمة النقض باعادة القضية ولم يتعرّض
الحكم للدّعوى المدنية. والدفع الثانى سبق فصلت فيه المحكمة والمحكمة قرّرت ضم الدفعين
للموضوع وقضت حضوريا بتاريخ 22 يوليه سنة 1929 عملا بالمادة 172 من قانون تحقيق الجنايات
بقبول الاستئنافين شكلا وبرفض الدفعين المشار إليهما بالأسباب وفى الموضوع بالغاء الحكم
المستأنف بالنسبة إلى العقوبة وبراءة المتهم من تهمة النصب وبتأييده بالنسبة إلى براءته
من تهمة التبديد وبالنسبة إلى التعويض المدنى المحكوم به لكل من المدّعيتين بالحق المدنى
مع إلزامه بالمصاريف المدنية عن الدرجتين ومبلغ ألف قرش أتعابا للمحاماة.
فطعن حضرة رئيس نيابة اسكندرية على هذا الحكم بطريق النقض والإبرام بتاريخ 10 أغسطس
سنة 1929 وقدّم تقريرا بالأسباب فى اليوم المذكور.
وطعن عليه أيضا المحكوم عليه بتاريخ 5 أغسطس سنة 1929 وقدّم حضرة المحامى عنه تقريرا
بالأسباب فى 7 منه.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن حافظ خليل مع تقريره بالطعن فيما يتعلق بالتعويض المدنى المحكوم به عليه وتقديمه
الأسباب لم يدفع الرسوم المستحقة لقلم الكتاب فيتعين استبعاد طعنه من رول الجلسة.
وحيث إن الطعن المقدّم من النيابة قد بينت أسبابه فى الميعاد فهو صحيح شكلا.
وحيث إن مبنى هذا الطعن أن المحكمة الاستئنافية لم تصب فى حكمها بالبراءة بعلة أن ما
ثبت لديها من وقائع معاملة المتهم للمجنى عليهما لا يكوّن الطرق الاحتيالية الواجب
توفرها لإِمكان تطبيق المادة 293 من قانون العقوبات، مع أن تلك الوقائع بحسب ما أثبته
الحكم هى من صميم الطرق الاحتيالية خصوصا متى لوحظ أن المجنى عليهما هما من السيدات
اللواتى يسهل التأثير عليهن.
وحيث إن الثابت بالحكم هو أن المتهم بعد أن اشترى الأرض من شركة فوماريلى بعقد عرفى
غير مسجل وباع منها فى 28 أغسطس سنة 1924 للسيدة فطومة أبو بكر آدم بعقد عرفى غير مسجل
أيضا 400 ذراع بثمن قدره 344 جنيها قبض منها فى مجلس العقد 81 جنيها والباقى (أى 263
جنيها) تقسط على ثلاثة أقساط سنوية متساوية، كما باع لأختها الست رزقه أبو بكر آدم
383.4 ذراعا بعقد عرفى غير مسجل بثمن قدره 330 جنيها و240 مليما قبض منه 82 جنيها و560
مليما والباقى (247 جنيها و680 مليما) تقسط أيضا على ثلاثة أقساط سنوية متساوية – بعد
هذا وبعد أن اتفق على أن يبنى لكل واحدة منهما منزلا على القطعة التى اشترتها قد أخذ
يسحب منهما مبالغ على ذمة إقامة البناء. وفى 18 مارس سنة 1925 (أى قبل أن يحل موعد
سداد أوّل قسط من باقى ثمن الأرض المبيعة لهما) استصدر لنفسه من شركة فوماريلى عقدا
نهائيا ببيع جميع الأرض التى منها القطعتان المبيعتان منه للسيدتين المذكورتين ومسطح
جميعها 1686.5 ذراعا وتقرّر فى هذا العقد النهائى أن الباقى عليه للشركة من ثمنها هو
مبلغ 775 جنيها و375 مليما يدفعها على ثلاثة أقساط فى يونيه سنة 1925 ويناير سنة 1926
ويناير سنة 1927، وفى ذات اليوم (18 مارس سنة 1925) رهن كل الأرض المذكورة إلى من يدعى
شكرى قنواتى على مبلغ 8496 جنيها جاعلا الرهن شاملا للقطعتين المبيعتين منه للسيدتين
فطومة ورزقه بما عليهما من المبانى ثم جدّد هذا الرهن من بعد للدائن نفسه على مبلغ
10148 جنيها. فعل المتهم ذلك وأخفى الرهن على السيدتين ثم استمرّ من بعد يأخذ منهما
مبالغ كلية يحرّر لهما بها إيصالات يذكر فيها تارة أنها على الحساب وطورا أنها من ثمن
الأرض وكان فى أثناء ذلك يستصحب السيدتين أو إحداهما ليريهما البناء الذى يبنيه لهما
واستمرّ على ذلك إلى أن كان يوم 9 فبراير سنة 1926 إذ أعلنت إليه شركة فوماريلى تنبيها
عقاريا بأن يدفع مطلوبها فتأخر فحجزت على العين ونزعت ملكيتها جبريا ورسا مزادها على
شكرى قنواتى المرتهن الذى استلم جميع الأرض بما عليها من البناء وخرجت السيدتان صفر
اليدين.
وحيث إن رهن المتهم للأرض بما فيها مما باعه للسيدتين المذكورتين وما بناه لهما عليه
تأمينا على ذلك المبلغ الجسيم فوق ما كان على الأرض من باقى ثمنها لشركة فوماريلى يعرّض
للضياع تعريضا شديدا حق السيدتين فى الأرض والبناء أو على الأقل ما دفعتاه من المبالغ
بقصد تملك المنزلين أرضا وبناء، ويزيد هذا التعريض للضياع بل يؤكده تجديد الرهن على
مبلغ أجسم. وإذن فكل مبلغ يأخذه المتهم منهما بعد هذا الرهن على ذمة الأرض أو البناء
ظاهر أنه لا مقابل له من أرض حرة غير مشغولة بحق المرتهن ولا من بناء حر كذلك.
وحيث إن ما ثبت من إِخفاء المتهم للرهن عن السيدتين يجعل ما أثبته الحكم من استصحابه
لكلتيهما أو لإحداهما لإراءتها البناء الجارى إنشاؤه ومن تحريره الإيصالات بالمبالغ
التى أخذها منهما تارة على الحساب وطورا من ثمن الأرض – يجعل ذلك من المظاهر الاحتيالية
التى كان يوهم بها المدّعيتين لاستلام ما لهما فكانتا تقدّمان له ما يطلب على اعتقاد
أن الأرض والبناء آيل لهما بلا شبهة – ويكون إذن ما وقع من المتهم بعد تاريخ الرهن
نصبا منطبقا على المادة 293 من قانون العقوبات على خلاف ما جاء بالحكم المطعون فيه
من أنه تدليس وغش مدنى فقط.
وحيث إن هذا الطعن حاصل للمرّة الثانية وواجب المحكمة هو القضاء فى الموضوع ما دام
أنه مقبول.
وحيث إن القضاء فى موضوع الدعوى لا يستدعى مرافعة مّا فيه فإن محكمة النقض لا تنكر
على المحكمة الاستئنافية ما أثبتته فى الموضوع وإنما تنكر عليها فقط خطأها فى القانون
إذ اعتبرت أن ما أثبتته ليس نصبا مما يعاقب عليه بل هو تدليس مدنى.
فكل ما ينبغى لإنهاء الموضوع نهائيا هو مجرّد تطبيق القانون على الواقعة التى صار إثباتها
فى الحكم.
فبناء عليه
قرّرت المحكمة باستبعاد طعن المتهم حافظ خليل إبراهيم الخاص بالتعويض المدنى من جدول الجلسة وحكمت فيما يتعلق بالدعوى العمومية فقط بقبول طعن النيابة العامة شكلا وفى الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه من جهة البراءة وبمعاقبة المتهم بالحبس ستة أشهر مع الشغل.
