الطعن رقم 1778 سنة 47 ق – جلسة 20 /11 /1930
مجموعة القواعد القانونية التى قررتها محكمة
النقض والإبرام فى المواد الجنائية – وضعها محمود أحمد عمر باشكاتب محكمة النقض والإبرام
الجزء الثانى (عن المدة بين 6 مارس سنة 1930 وبين 31 أكتوبر سنة 1932) – صـ 114
جلسة 20 نوفمبر سنة 1930
تحت رياسة حضرة صاحب السعادة عبد العزيز فهمى باشا رئيس المحكمة.
القضية رقم 1778 سنة 47 القضائية
سن الزوجين. كذب الشهود فيها أمام المأذون. متى يكون تزويرا معاقبا
عليه؟
(المواد 179 – 181 عقوبات والقانون رقم 56 لسنة 1923)
إن نص الفقرة التى أضيفت بالقانون رقم 56 لسنة 1923 إلى المادة 366 من لائحة المحاكم
الشرعية ليس نصا موضوعيا واردا فى بيان ماهية عقد الزواج وكيفية انعقاده صحيحا حتى
يسوغ الادعاء بأن مسألة السن أصبحت بمقتضاه ركنا أساسيا فى عقد الزواج كما قد يتوهم.
وإنما هو نهى غير موجه إلا إلى الموظف الذى يباشر تحرير الإشهاد بالعقد أن يقبل تحريره
إلا لمن يكونون بالغى السن. وهذا النهى الموجه إلى الموظف يحتم عليه أن يتحقق من سن
الزوجين برؤيتهما فإذا تشكك أو اعترضت العادة الجارية دون رؤية الزوجة فسبيله الوحيدة
المقبولة لتقدير السن هى معاينة الطبيب وشهادته عند عدم وجود الدليل الذى يستنتج من
ورقة رسمية كشهادة الميلاد ونحوها. أما الاستشهاد على السن بشهود من غير أولى الفن
فغير مقبول أصلا وشهادتهم فى هذا الصدد لغو صرف لا يمكن أن يبنى عليها أى حكم. فكل
موظف يباشر عقد زواج ولا يتحقق بنفسه أو بتلك الطريقة المعقوله سن الزوجين فهو مقصر
فى تنفيذ أمر الشارع وعليه هو تقع تبعة تقصيره. أما الشهود فان تقريرهم أمامه كذبا
بأن الزوجين قد بلغ كل منهما السن المقرّرة لا يعدّ تزويرا معاقبا عليه إلا فى صورة
واحدة هى صورة ما إذا تواطأوا مع الموظف ليخل بواجب وظيفته فيكتب فى العقد كاذبا متعمدا
أن الزوجين أو أحدهما بلغ السن القانونية على خلاف الحقيقة. ووجه تزويرهم آت من جهة
تصوير الموظف المسئول لغير الحق حقا فيما هو من واجبه الرسمى الخاص به ومن اشتراكهم
معه بممالأتهم له على هذا الإخلال بالواجب [(1)].
الطعن المقدّم من النيابة العامة فى دعواها رقم 1654 سنة 1930 المقيدة بجدول المحكمة
رقم 1778 سنة 47 قضائية فى قرار حضرة قاضى الإحالة قبل حنفى يوسف سالم وآخرين.
الوقائع
اتهمت النيابة المتهمين بأنهم فى يوم 11 أكتوبر سنة 1928 الموافق
28 ربيع آخر سنة 1347 بدائرة قسم كرموس اشتركوا بطريق الاتفاق والمساعدة مع أحمد أحمد
البخارى المأذون الشرعى الحسن النية فى ارتكاب جريمة التزوير فى ورقة رسمية وهى قسيمة
الزواج رقم 86560 بجعلهم واقعة مزوّرة فى صورة واقعة صحيحة، وذلك أن قرّروا أمام المأذون
المذكور الذى أثبت ذلك فى الوثيقة أن سن الزوجة المدعوة فهيمة حنفى سالم لا يقل عن
ست عشرة سنة مع علمهم بأنها أقل من ذلك سنا إذ قدّر عمرها بأربع عشرة سنة وهذا بقصد
التزوير فوقعت الجريمة بناء على هذا الاتفاق وتلك المساعدة. وطلبت إحالتهم على محكمة
الجنايات لمحاكمتهم بالمواد 40 و41 و181 من قانون العقوبات. فقرر قاضى الإحالة بمحكمة
اسكندرية الابتدائية بتاريخ 7 يونيه سنة 1930 بأن لا وجه لإقامة الدعوى لعدم الجناية.
وبتاريخ 15 يونيه سنة 1930 طعن حضرة رئيس نيابة اسكندرية بالتوكيل عن سعادة النائب
العمومى فى هذا القرار بطريق النقض والإبرام وقدّم تقريرا بالأسباب فى التاريخ المذكور.
المحكمة
بعد سماع المرافعة الشفوية والاطلاع على الأوراق والمداولة قانونا.
حيث إن الطعن قدّم وبينت أسبابه فى الميعاد فهو مقبول شكلا.
وحيث إن مبنى الطعن أن واقعة السن أصبحت بمقتضى القانون رقم 56 لسنة 1923 ركنا أساسيا
فى عقد الزواج فاذا أثبتت كذبا على غير حقيقتها كانت الواقعة تزويرا معنويا معاقبا
عليه بالمادة 181 من قانون العقوبات بالنسبة للمأذون لو أنه سىء النية وبها وبالمادتين
40 و41 عقوبات بالنسبة لمن يشترك معه (أى حتى ولو كان المأذون حسن النية) – وتطلب النيابة
إلغاء قرار قاضى الإحالة وإعادة الدعوى إليه ليحيلها إلى محكمة الجنايات.
وحيث إن الزواج عقد قرّرته الأحكام الدينية أو المدنية تنظيما لأمر طبيعى لا محيص ألبتة
عنه وهو الضرورة الدافعة لتلاقى الذكر بالأنثى متى بلغ أيهما حدّ النضوج الجنسى.
وحيث إن هذه الضرورة الدافعة يستحيل معها لأى شارع سياسى أن يمس أصل حلية الزواج لأى
ذكر وأنثى غير محرّمين. وكل ما فى الأمر أن ما توجبه الضرورات الاجتماعية من مراعاة
الأفراد المتزاوجين مراعاة صحية حميدة الأثر فى الأمة تبيح لأولى الأمر من طريق السياسة
الشرعية أن يتخذوا من التدابير ما به يقللون جهد الاستطاعة أن يحصل تزاوج بين فردين
أحدهما أو كلاهما لما يبلغ بعد سنا خاصة معها يغلب على الظن حيازته لدرجة كافية من
الخبرة والاتزان العقلى اللازمين لحسن الحال فى المعيشة الزوجية ويترجح معها أن الزواج
غير مؤذى به بل إنه منتج لنسل قوى صالح للمغامرة بعد فى الحياة وتحمل ما فيها من كبد
وعناء. ولكن مهما تكن تلك التدابير فلا يجوز قطعا أن تصل إلى تحريم الزواج على من لم
يبلغ تلك السن وإلا كان الشارع معاندا للطبيعة فلا تلبث أن تثأر لنفسها باحباط عمله
ومقابلته بفشو الزنا بين صغار السن ويصبح وقد وقع فيما يريد اتقاءه وزاد عليه كثرة
النسل الضعيف من الأولاد الغير الشرعيين.
ولقد أدرك الشارع الوضعى المصرى هذه الحقيقة فلم يتعرّض قط لحلية الزواج بين صغار السن
بل ترك الناس أحرارا يتزاوجون كما يشاءون فى حدود الأوضاع الدينية الشرعية فى أية سن
أرادوا وسلك إلى تحقيق غرضه طريقا غير مباشر. ذلك بأن حرم على عماله قضاة شرعيين كانوا
أو مأذونين أن يحرروا عقد زواج رسمى لمن لم تبلغ سن السادسة عشرة أو لمن لم يبلغ سن
الثامنة عشرة كما حرم على المحاكم الشرعية أن تسمع دعوى زوجية من لم يبلغوا هذه السن
عند العقد. بهذه الطريقة السلبية الغير المباشرة رجل الشارع أن يحمل الأفراد على ما
يريد ولكن بقى – مع ذلك – دائما أن من يعقد عقدا مستوفيا شروطه الأساسية الشرعية مهما
تكن سنه فعقده صحيح ديانة بل وصحيح قانونا فى غير ما نص على عدم اعتباره فيه وهو مجرّد
عدم سماع الدعوى به لأنه لو لم يكن كذلك لاعتبرت مقاربة الزوج للزوجة الصغيرة هتك عرض
معاقبا عليه بالمادة 232 من قانون العقوبات وهذا لا يستطيع أن يقول به أحد.
وحيث إن الطعن الحالى مؤسس على ذلك التدبير الذى أتت به السياسة الشرعية بالفقرة التى
أضيفت بقانون رقم 56 لسنة 1923 إلى المادة 366 من لائحة المحاكم الشرعية ونصها: "ولا
يجوز مباشرة عقد الزواج ولا المصادقة على زواج مسند إلى ما قبل العمل بهذا القانون
ما لم تكن سن الزوجة ست عشرة سنة وسن الزوج ثمانى عشرة سنة وقت العقد".
وحيث إن هذا النص – وهو مصداق التدبير على الوجه السابق إيضاحه – ليس نصا موضوعيا واردا
فى بيان ماهية عقد الزواج وكيفية انعقاده صحيحا حتى يسوغ الادعاء بأن مسألة السن أصبحت
بمقتضاه ركنا أساسيا فى عقد الزواج كما تقول النيابة فى طعنها وإنما هو نهى غير موجه
إلا إلى الموظف الذى يباشر تحرير الإشهاد بالعقد أن يقبل تحريره إلا لمن يكونان بالغى
السن – ولكأن كلمة "مباشرة" التى استعملت فى هذا النص هى التى استغلق معناها فظن أن
عدم الجواز منصب على مباشرة الزوجين للعقد والواقع أن معناها "تحرير" بدليل اللفظ المقابل
لها فى النسخة الفرنسية من القانون المذكور وهو "…passer كتابة أو تحرير" وبدليل
أن المادة واردة فى الباب المعقود "للاشهادات والتسجيل" وهو لا يحتوى إلا تعليمات أو
أوامر ونواهى للموظفين المكلفين بسماع هذه الإشهادات وتحريرها.
وحيث إن مقتضى هذا النهى الموجه إلى الموظف دون سواه هو أن واجبه أن يتحقق من بلوغ
المشهدين تلك السن قبل أن يباشر تحرير العقد لهما.
وحيث إن هذا الواجب يقضى عليه أن يعاين الزوجين بنفسه، فاذا تشكك بعد الرؤية فى سن
أحدهما أو اعترضت العادة الجارية دون رؤية الزوجة فسبيله الوحيد المقبولة لتقدير السن
هى معاينة الطبيب وشهادته عند عدم وجود الدليل الذى يستنتج من ورقة رسمية كشهادة الميلاد
ونحوها. أما الاستشهاد على السن بشهود من غير أولى الفن فغير مقبول أصلا وشهادتهم فى
هذا الصدد لغو صرف سواء أصادفت الحقيقة أم لم تصادفها، ولا يمكن أن يبنى عليها أى حكم.
ذلك بأن السن ليست واقعة من الوقائع التى تحدث وتنقضى فيروى عنها من عاينوها أو سمعوا
بها وإنما هى حالة قائمة بشخص صاحبها كالطول والقصر والبياض والسواد ولها فيه علامات
مميزة يدركها الحس العادى أو الحس الدقيق حسن أرباب الفن. على هذا المثال فى تقدير
السن تجرى الحكومة بشأن الموظفين وطلبة المدارس ورجال القرعة العسكرية وغيرهم ولا تعتد
قط بشهادة شهود عاديين، وإذن فكل موظف يباشر عقد زواج ولا يتحقق بنفسه أو بتلك الطريقة
المعقولة من سن العاقدين فهو مقصر فى تنفيذ أمر الشارع وعليه هو لا على الشهود تقع
تبعة تقصيره. والقول بغير ذلك يفتح بابا واسعا لظلم كثير من الشهود يسألون عن السن
فيقدّرونه بحسب ما يصل إليه اجتهادهم، وقد يكونون مخطئين لأنهم جاهلون بهذا الذى لا
يعرفه إلا الخبراء من ذوى الفن ثم إذا بهم بعد ذلك يؤخذون بنتيجة جهلهم وهم لا يشعرون
وقلما يتيسر لهم إثبات أنهم لم يقولوا إلا ما يعتقدون وأنهم عن سوء القصد بعيدون. هذا
وإنما يعدّ كذب الشهود فى هذه المسألة تزويرا معاقبا عليه فى صورة واحدة هى أن يكونوا
تواطأوا مع الموظف ليخل بواجب وظيفته فيكتب فى العقد كاذبا متعمدا أن الزوجين أو أحدهما
بلغ السن القانونية على خلاف الحقيقة. فى هذه الصورة فقط يكونون مزوّرين مستحقين للعقاب،
ووجه تزويرهم آت من جهة تصوير الموظف المسئول لغير الحق حقا فيما هو من واجبه الرسمى
الخاص به ومن اشتراكهم معه بممالأتهم له على هذا الإخلال بالواجب.
وحيث إنه لذلك يتعين رفض الطعن.
[(1)] يراجع الحكم الصادر بتاريخ 19 يونيه سنة 1930 فى القضية رقم 1490 سنة 47 القضائية المنشور فى هذا الجزء.
